«هدنة غزة»: مقترح «متعثر» وتصعيد عسكري يُهدد مساره

حديث عن خلافات بين إسرائيل والوسيطين القطري والمصري بشأن الاتفاق الجزئي

الحزن يُخيم على فلسطينيين خارج مستشفى الشفاء في مدينة غزة حيث نُقل ضحايا النيران الإسرائيلية قبل تشييع جنازاتهم (أ.ف.ب)
الحزن يُخيم على فلسطينيين خارج مستشفى الشفاء في مدينة غزة حيث نُقل ضحايا النيران الإسرائيلية قبل تشييع جنازاتهم (أ.ف.ب)
TT

«هدنة غزة»: مقترح «متعثر» وتصعيد عسكري يُهدد مساره

الحزن يُخيم على فلسطينيين خارج مستشفى الشفاء في مدينة غزة حيث نُقل ضحايا النيران الإسرائيلية قبل تشييع جنازاتهم (أ.ف.ب)
الحزن يُخيم على فلسطينيين خارج مستشفى الشفاء في مدينة غزة حيث نُقل ضحايا النيران الإسرائيلية قبل تشييع جنازاتهم (أ.ف.ب)

يُراوح مقترح الهدنة في قطاع غزة مكانه منذ أن طرحه الوسيطان المصري والقطري، في 18 أغسطس (آب) الحالي، دون ردّ إسرائيلي أو دعم أميركي مباشر حتى الآن رغم موافقة حركة «حماس».

هذا المشهد المتعثر يأتي متزامناً مع توسيع إسرائيل عملياتها العسكرية في مدينة غزة، وهو ما يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» تهديداً لمسار المفاوضات، وسط توافقات أميركية إسرائيلية قد لا تقبل إلا بمقترح شامل بشروط إسرائيل، وهذا ما سترفضه «حماس»، وتتفاقم الأزمة.

وبات التصعيد يسبق مساعي المشهد التفاوضي بخطوات، إذ أعلن الجيش الإسرائيلي، في بيان، الجمعة، مدينة غزة التي يقطنها نحو مليون فلسطيني «منطقة قتال خطيرة»، لا تشملها «حالة الهدنة التكتيكية (التي تُطبق في مناطق محددة يومياً لتسهيل توزيع المساعدات) والمؤقتة للأنشطة العسكرية»، مؤكداً أنه بدأ العمليات التمهيدية والمراحل الأولية للهجوم عليها.

وأفاد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في بيان الجمعة، بأنه تمت استعادة جثة الرهينة إيلان فايس من قطاع غزة، مؤكداً أنه جرى أيضاً انتشال جثة شخص آخر، لم تُعلَن هويته بعد.

ومؤكداً استمرار التصعيد بغزة، أفاد موقع «أكسيوس» الأميركي، الخميس، بأن وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، رون ديرمر، أخبر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق، توني بلير، وغاريد كوشنر، صهر ترمب ومستشاره السابق في فترة رئاسته الأولى، بأن بلاده لا تسعى لاحتلال غزة طويلاً.

وجاء تأكيد ديرمر خلال اجتماع بالبيت الأبيض ترأسه ترمب، الأربعاء، وعرض خطة إسرائيل «العملياتية لاحتلال مدينة غزة، وزيادة المساعدات الإنسانية خلال العملية»، وأظهر الاجتماع أن المسألة الرئيسية لا تزال تتعلّق بمن سيُسيطر على قطاع غزة بدلاً من «حماس»، حسب «أكسيوس».

فيما دعا وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، في مؤتمر صحافي بالقدس، الخميس، الحكومة، إلى البدء بضم مناطق من قطاع غزة إذا استمرت حركة «حماس» في رفض نزع سلاحها، ضمن ما سمّاه خطة «الانتصار في غزة بحلول نهاية العام».

تصاعد الدخان بعد عملية للجيش الإسرائيلي في حي الزيتون بمدينة غزة (أ.ف.ب)

بينما لا يزال المشهد التفاوضي يراوح مكانه، إذ أكّد رئيس وزراء قطر، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ووزير خارجية مصر، بدر عبد العاطي، أن «الجانب الإسرائيلي لم يُقدِّم أي رد رسمي على مقترح الهدنة حتى الآن».

وشدد الجانبان المصري والقطري، في بيانين لوزارتي الخارجية بالبلدين، مساء الخميس، على «استمرار التنسيق بين البلدين في إطار الوساطة المشتركة لإنهاء الحرب على غزة، وضمان حماية المدنيين، وإطلاق سراح الأسرى والمحتجزين، وتدفق المساعدات الإنسانية لمعالجة الأوضاع الكارثية في القطاع».

وأكدت قطر ومصر وفق البيانين أن «المقترح يُمثل فرصة لإطلاق سراح الأسرى والمحتجزين، ووقف العدوان، وضمان التدفق العاجل والآمن للمساعدات الإنسانية إلى القطاع، في إطار يتسق مع المقترحات التي طرحها مبعوث الرئيس الأميركي إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف»، وأدانتا «استمرار العدوان الإسرائيلي وتوسع نطاق العمليات العسكرية في غزة (...) التي ستؤدي إلى تعقيد الأوضاع، وإضعاف فرص التوصل إلى سلام عادل وشامل».

وحسبما أوردته قناة «كان» الإسرائيلية، من المقرر أن يعقد المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية (الكابنيت) اجتماعاً، الأحد المقبل، لمناقشة تطورات الحرب على غزة ومسار المفاوضات، خصوصاً بعد عدم إحراز أي تقدم في الاجتماع الذي عُقد أخيراً في تل أبيب بين وفد إسرائيلي ومصري، مشيرة إلى «خلافات بين إسرائيل والوسيطين المصري والقطري حول الاتفاق الجزئي الذي وافقت عليه (حماس)».

وبرأي أستاذ العلوم السياسية، المُختص بالشؤون الفلسطينية والإسرائيلية، الدكتور طارق فهمي، فإن تصدّر التصعيد العسكري حالياً يهدف منه نتنياهو مزيداً من الضغوط على «حماس» لإجبارها على تقديم تنازلات كبيرة، ليس فقط في إطلاق سراح كل الرهائن ولكن في الترتيبات الأمنية؛ لذلك يمضي في احتلال وتطويق مدينة غزة.

ويعتقد فهمي أن ذلك التصعيد يأتي وسط توافقات أميركية-إسرائيلية على الاحتلال، دون أن تبدي واشنطن خطوة جادة نحو وقف إطلاق النار بهدف تنفيذ السيطرة أولاً، مؤكداً أن الجهود المصرية-القطرية مستمرة ولن تتوقف ولن تجمد بهدف نزع فتيل التصعيد؛ خصوصاً أن الكرة الآن في ملعب إسرائيل، واستراتيجية الأمر الواقع التي تنتهجها ستُهددها وستُهدد المنطقة.

فلسطينيون يفرّون من منازلهم في حي الصفطاوي بجباليا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، أن المفاوضات ستستمر متعثرة بسبب التجاهل الأميركي الخطير للمقترح المصري-القطري، وعدم إبداء أي تفاعل معه، بل التناغم مع إسرائيل في المُضي في عملياتها العسكرية، مشيراً إلى أن المشهد بات معقداً بسبب التصعيد الإسرائيلي الذي قد يُهدد المنطقة كلها، وسيزيد من وتيرة الرفض والضغوط الدولية أيضاً.

بالمقابل، ندّد وزراء خارجية آيسلندا وآيرلندا ولوكسمبورغ والنرويج وسلوفينيا وإسبانيا بشدة في بيان مشترك، الجمعة، بأحدث هجوم لإسرائيل في قطاع غزة، وإعلانها تأسيس وجود دائم في مدينة غزة، حسب «رويترز».

ودعا نشطاء، يستعدون للإبحار من إسبانيا، الأحد المقبل، إلى غزة على متن عشرات القوارب التي تحمل مساعدات، الحكومات إلى الضغط على إسرائيل للسماح لأسطولهم -الأكبر حتى الآن- بالمرور.

ومن المقرر أن ينطلق مئات النشطاء المناصرين للفلسطينيين من 44 دولة، ومن بينهم الناشطة السويدية غريتا تونبري، والسياسية اليسارية البرتغالية ماريانا مورتغوا، من عدة موانٍ إلى غزة، ضمن «أسطول الصمود العالمي»، وفق ما نقلته «رويترز»، الجمعة.

ويعتقد فهمي أن الضغوط ستتواصل على إسرائيل، ومنها عبر ما هو قادم بعد أيام في الجمعية العامة للأمم المتحدة، لا سيما مع الاعترافات الأوروبية المحتملة بالدولة الفلسطينية، وهذه لها دلالة رمزية أكثر منها سياسية وواقعية. ويتوقع في ظل تواصل الضغوط أن تعود إسرائيل للمفاوضات، ولكن تحت النيران، وتُطالب بحزمة واحدة بشروطها وتقديم «حماس» تنازلات كبيرة، وقد ترفض الحركة الفلسطينية ذلك، رغم المأزق الذي تعيشه حالياً بعد إغلاق قناة التواصل مع الأميركان.

ويُرجح الرقب أن يقبل الوسيطان المصري والقطري بألا تُغلق أبواب المفاوضات ولو بعرض المقترح الشامل على الطاولة بهدف تعطيل ذلك التصعيد الإسرائيلي، مؤكداً أن الضغوط المتواصلة من مختلف أنحاء العالم يجب أن تتواصل معها عقوبات دولية واضحة لإيقاف تهجير الفلسطينيين المحتمل جرّاء تلك العملية العسكرية الحالية، وفتح مسار تسوية حقيقي يدعم استقرار المنطقة.


مقالات ذات صلة

«مساحة ضيقة وملاحقة بالرصاص»... كيف دمّرت إسرائيل الصيد في غزة؟

خاص فلسطيني يقف على باب ثلاجة يستخدمه قارباً مؤقتاً ويحاول الصيد بسلة حديدية في ميناء مدينة غزة مارس الماضي (أ.ف.ب)

«مساحة ضيقة وملاحقة بالرصاص»... كيف دمّرت إسرائيل الصيد في غزة؟

يواجه الصيادون في غزة ظروفاً هي الأصعب منذ بدء الحرب الإسرائيلية، إذ تمنعهم قوات الاحتلال من النفاذ إلى البحر بحثاً عن قوتهم، وسط استهدافات لا تتوقف.

«الشرق الأوسط» (غزة)
آسيا وزير الدفاع الإندونيسي شافري شمس الدين (رويترز)

وزير الدفاع الإندونيسي: نشر قوات في غزة يعتمد على مجلس السلام

قال ​وزير الدفاع الإندونيسي شافري شمس الدين، اليوم الخميس، ‌إن ‌نشر ​القوات الإندونيسية ‌ضمن ⁠قوة ​الأمن الدولية ⁠في غزة سيعتمد على الوضع الراهن لمجلس ⁠السلام.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا ‌)
أوروبا سفيرة إسبانيا لدى إسرائيل آنا ماريا سالومون بيريز (إ.ب.أ)

إسبانيا تنهي رسمياً مهام سفيرتها لدى إسرائيل

أنهت الحكومة الإسبانية رسمياً مهام سفيرتها لدى إسرائيل، بعدما استدعتها إلى مدريد منذ سبتمبر (أيلول) 2025 على خلفية توترات بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
أوروبا سعر لتر البنزين الخالي من الرصاص ووقود الديزل خارج محطة وقود تابعة لشركة «إيسو» في لوتروورث وسط إنجلترا (أ.ف.ب) p-circle

بوتين على خط الوساطة لإنهاء الحرب... مقترحات روسية لتسوية الأزمة

الرئيس الروسي يتوسط مع نظيره الأميركي لوقف الحرب على إيران بعد مرور يوم واحد على تعهده بمواصلة دعم طهران وتأكيد التزام بلاده بمسار الشراكة بين البلدين

رائد جبر (موسكو )
شمال افريقيا السيسي يتحدث في الندوة التثقيفية التي نظمتها القوات المسلحة في إطار احتفالات «يوم الشهيد والمحارب القديم» (الرئاسة المصرية)

السيسي يطالب بإعطاء فرصة لوقف الحرب الإيرانية

دعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى إعطاء فرصة لوقف الحرب الإيرانية، والبحث عن «الحلول السلمية».

فتحية الدخاخني (القاهرة)

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.


حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
TT

حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)

أقدم الحوثيون على تنفيذ حملات تعسف استهدفت بالإغلاق والهدم أسواقاً ومتاجر ومنازل في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، وذلك في سياق عملية مُمنهجة، ظاهرها «إزالة العشوائيات» وباطنها فرض مزيد من الإتاوات غير القانونية.

ووفق ما ذكرته مصادر محلية في إب لـ«الشرق الأوسط»، فإن حملة التعدي التي أطلقتها الجماعة، عبر ما يُسمى «مكتب الأشغال العامة» و«إدارة المرور»، أغلقت سوقين شعبيين وطردت التجار والباعة، كما هدمت منازل عدة بعضها طور الإنشاء في المنطقة الخامسة بمديرية الظهار جنوب مدينة إب (مركز المحافظة).

واشتكى مُلاك منازل ومحلات تجارية طالهم التعسف الحوثي، وأوضحوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة تشنّ حملات تستهدف منازلهم ومصادر عيشهم تحت مبررات غير قانونية.

باعة أرصفة يتعرضون للابتزاز من قبل مسلحين حوثيين (فيسبوك)

وقال مراد، وهو اسم مستعار لمالك بسطة تجارية بمديرية الظهار لـ«الشرق الأوسط»، إن الحملة باغتتهم دون سابق إنذار، موضحاً: «نعتمد على هذه البسطة منذ سنوات لإعالة أسرنا، وفجأة جاءت الجرافات ومعها مسلحون وطلبوا منا إخلاء المكان خلال دقائق قليلة جداً، ثم بدأوا بهدم كل شيء». ولفت إلى أن الإجراءات تمت هذه المرة كسابقاتها بطريقة قاسية، مؤكداً أن كثيراً من المُتضررين لم تُمنح لهم فرصة لنقل ممتلكاتهم أو بضائعهم.

اتساع التعسف

في مديرية العدين (جنوب غرب إب) استخدمت الحملة الحوثية - التي أشرف على تنفيذها قيادات في الجماعة - 4 جرافات لاستهداف مُمتلكات السكان ومصادر عيشهم.

وأوضح سكان لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفين حوثيين برفقة عربات ومسلحين نفذوا حملات دهم استهدفت بالإغلاق «السوق المركزي» الكائن وسط المدينة، إلى جانب تجريف وإزالة لعدد من البسطات والمحلات الصغيرة والأكشاك التي يعتمد عليها مئات المواطنين كمصدر رئيسي للعيش.

تعرض متاجر للهدم الحوثي في مديرية العدين بمحافظة إب (فيسبوك)

وبحسب السكان، فإن هذه الحملات لم تقتصر على إزالة ما تصفه الجماعة بالمخالفات، بل طالت ممتلكات قائمة منذ سنوات، دون تقديم بدائل مناسبة للمتضررين أو مراعاة للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

وأوضح عدد من المتضررين أن الحملة نفذت بشكل مفاجئ، ولم تمنح أصحاب البسطات والعربات أي مهلة لإخلاء مواقعهم، قبل أن تباشر الجرافات بعملية الهدم والتجريف، ما أدى إلى خسائر مادية كبيرة، وقطع مصادر دخل أسر كاملة.

ويتحدث بائع خضروات في سوق العدين لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مصدر دخله الوحيد اختفى خلال دقائق جراء حملة التعدي الحوثية، وأضاف: «ليس لدينا عمل آخر. بعد التجريف أصبحنا بلا عمل ولا نعرف كيف سنوفر احتياجات أسرنا».

وبررت الجماعة الحوثية استهدافها أملاك السكان ومصادر رزقهم بأنه ضمن ما تُسميه خُطة لتنظيم المدن وإزالة العشوائيات، إلا أن ناشطين يرون أن الحملة تفتقر إلى أبسط مقومات التخطيط العادل، وتستهدف الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، دون بدائل ومعالجات حقيقية.

خوف متصاعد

يتخوف السكان في المحافظة اليمنية ذات الكثافة السكانية العالية (إب)، من توسع نطاق هذه الحملات لتشمل بمقبل الأيام أسواقاً ومتاجر في مديريات أخرى، الأمر الذي يُهدد بفقدان المزيد من المواطنين مصادر رزقهم في ظل غياب أي برامج دعم أو تعويض.

قيادات حوثية تشرف على حملات الاستهداف في إب (فيسبوك)

ولفت السكان إلى أن المئات من ملاك الأسواق والتجار والباعة باتوا خائفين لكون مصدر رزقهم مُهدداً، في ظل ظروف معيشية صعبة وقاسية، إذ إن أي خسارة تعني أن أسراً كاملة ستفقد قدرتها على العيش.

وطالب السكان والناشطون في المحافظة بوقف هذه الحملات، وإيجاد حلول تنظيمية تراعي أوضاع المواطنين، وتضمن عدم الإضرار بمصادر عيشهم، مؤكدين أن معالجة العشوائيات وتنظيم المدن يجب أن يتمّا عبر خطط حضرية واضحة وتوفير بدائل مناسبة للمتضررين، وليس عبر المصادرة والهدم المفاجئ والتجريف القسري.