«الصحة العالمية» لـ«الشرق الأوسط»: وضع غزة حرج جداً ويستدعي تدخلاً دولياً فورياً

مديرتها الإقليمية أكدت أن المجاعة تشكل خطراً وجودياً

فلسطينيون يملأون أوعية بالماء من مركز توزيع في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يملأون أوعية بالماء من مركز توزيع في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (رويترز)
TT

«الصحة العالمية» لـ«الشرق الأوسط»: وضع غزة حرج جداً ويستدعي تدخلاً دولياً فورياً

فلسطينيون يملأون أوعية بالماء من مركز توزيع في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يملأون أوعية بالماء من مركز توزيع في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (رويترز)

حذرت «منظمة الصحة العالمية» من أن الوضع الكارثي في غزة لم يعد يحتمل الانتظار، مطلقة صرخة للمجتمع الدولي بالتدخل الفوري، لوضع حد لخطر وجودي يداهم أهل غزة، موثقة 746 هجوماً إسرائيلياً على قطاع الصحة. وشددت على أنه في غياب الوقود، فإن الخدمات الصحية الحرجة معرضة للإغلاق التام، خصوصاً في ظل غياب البدائل الفعالة، واستمرار التهديدات الأمنية، في ظل تعرض المرافق الصحية والعاملين الصحيين للاستهداف المباشر.

وقالت الدكتورة حنان بلخي، المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط: «الوضع الصحي في غزة كارثي، ومستمر في التدهور بوتيرة متسارعة. فالنظام الصحي بالكاد يعمل بسبب الأعمال العدائية المستمرة، والحصار، وانعدام المقومات الأساسية لتشغيل المرافق الصحية».

الدكتورة حنان بلخي المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط (الشرق الأوسط)1

أضافت بلخي في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «من أصل 36 مستشفى في قطاع غزة، لا تعمل منها سوى 18 بشكل جزئي، وتعمل تحت ظروف شديدة الخطورة، وتعاني من نقص حاد في الوقود والإمدادات الطبية الأساسية».

وأوضحت أن هناك وحدات حيوية مثل العناية المركزة، وأقسام الطوارئ، وأجنحة غسيل الكلى، ومحطات الأكسجين تواجه خطر التوقف الكامل نتيجة انعدام الوقود الذي لم يدخل غزة منذ أكثر من 120 يوماً.

وشددت على أن تعقيدات الوضع الأمني أدت إلى تفاقم صعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية، حيث إن ما يقارب 90 في المائة من غزة يخضع حالياً لأوامر إخلاء، أو جرى تصنيفه مناطقَ عسكرية مغلقة، ما يقيّد حركة المرضى والعاملين الصحيين والمساعدات الإنسانية تقييداً شديداً.

وقالت: «في الوقت نفسه، تواجه المستشفيات والمراكز الصحية ضغوطاً غير مسبوقة بسبب الارتفاع الهائل في عدد الإصابات، وتزايد أعداد المرضى الذين يعانون من سوء التغذية الحاد، خاصة بين الأطفال والنساء الحوامل... كل ذلك يحدث في وقت تُستنزف فيه الموارد الطبية يومياً، وتتعطل سلاسل الإمداد بشكل حاد، ما يجعل تقديم الرعاية المنقذة للحياة تحدياً بالغاً».

صبي فلسطيني يجر وعاء ملأه بالماء من مركز توزيع في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (رويترز)

وأضافت: «إن القيود المفروضة على دخول الفرق الطبية الدولية التي تنسقها المنظمة أعاقت جهود الاستجابة، حيث رُفِضَ دخول 58 طبيباً واختصاصياً طبياً منذ شهر مارس (آذار)، فيما تُفاقِم أزمة التمويل هذا الوضع، إذ لم يُمَوَّل سوى 16 في المائة فقط من خطة الاستجابة التنفيذية للمنظمة في فلسطين لعام 2025».

خطورة الكارثة الصحية وتداعياتها

أكدت بلخي أن «ما تشهده غزة اليوم هو كارثة إنسانية وصحية متعددة الأبعاد، وغير مسبوقة من حيث الحجم والحدة. فمنذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023، فقد أكثر من 60 ألف شخص حياتهم، وأُصيب أكثر من 145 ألفاً آخرين، بينهم نسبة عالية من النساء والأطفال... الأرقام والأوضاع الإنسانية والصحية تعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يواجهها السكان المدنيون. إلا أن المأساة لا تتوقف عند الإصابات الجسدية والصدمات النفسية، إذ باتت غزة اليوم تواجه خطراً وجودياً يتمثل في المجاعة».

نازحون بينهم أطفال يحاولون الحصول على طعام من مطبخ خيري في مدينة غزة الاثنين (إ.ب.أ)

وأوضحت أنه «في شهر يوليو (تموز) وحده، توفي 77 شخصاً بسبب سوء التغذية، من بينهم 27 طفلاً دون سن الخامسة. ومنذ أبريل (نيسان)، تَلَقَّى أكثر من 20 ألف طفل العلاج من سوء التغذية الحاد، منهم أكثر من 3 آلاف في حالة حرجة. بالإضافة إلى ذلك، فإن أكثر من 40 في المائة من النساء الحوامل والمرضعات يعانين من سوء التغذية الحاد».

ووفق بلخي، فإن المراكز الأربعة الوحيدة للتغذية العلاجية في غزة تعمل فوق طاقتها، وتعاني من نقص حاد في الإمدادات والوقود، ومع توقع نفاد المخزون بحلول منتصف أغسطس (آب)، هناك خطر كبير بتوقف كامل لخدمات التغذية المنقذة للحياة.

وحذرت من «أن الأثر التراكمي لكل هذه العوامل لا يهدد النتائج الصحية الحالية فحسب، بل يهدد استمرارية النظام الصحي على المدى الطويل، ويحرم السكان من حقهم في العيش بكرامة».

فتاة نازحة تبكي وهي تنتظر الحصول على طعام من مطبخ خيري في مدينة غزة الاثنين (إ.ب.أ)

الاحتياجات الصحية

أشارت بلخي إلى «أن الاحتياجات الصحية في غزة هائلة، ومعقدة، وتزداد سوءاً يوماً بعد يوم. فهناك أكثر من 14 ألف مريض بحاجة إلى إجلاء طبي عاجل لتلقي العلاج المنقذ للحياة خارج القطاع، منهم مرضى السرطان، وأصحاب الأمراض المزمنة، وأطفال في حالات حرجة، فلم يعد بالإمكان علاجهم محلياً بسبب انهيار النظام الصحي».

وقالت: «إن المرافق الصحية التي لا تزال تعمل تكافح للاستمرار وسط نقص شديد في الأدوية الأساسية، مثل المضادات الحيوية، والإنسولين، وأدوية السرطان، والمستلزمات الجراحية الحرجة. علاوة على ذلك، فإن أزمة الوقود طويلة الأمد تهدد بإغلاق وحدات العناية المركزة، وأجهزة غسيل الكلى، ومولدات الأكسجين، وغرف العمليات».

أضافت: «إن السكان الأكثر ضعفاً، ومنهم الأطفال، والنساء الحوامل والمرضعات، وكبار السن، هم الأكثر تأثراً. فهناك أكثر من 40 في المائة من النساء الحوامل والمرضعات يعانين من سوء تغذية حاد، كما يتم إدخال آلاف الأطفال شهرياً إلى المستشفيات بسبب مضاعفات تهدد حياتهم مرتبطة بالجوع».

فلسطيني يطعم طفلة من حساء عدس في مدينة غزة الأحد الماضي (أ.ف.ب)

وشددت على أن تلبية هذه الاحتياجات العاجلة لا تتوقف عند توفير الخدمات الصحية فقط، بل تتطلب تدفقاً مستمراً للإمدادات الطبية، وضمان وصول العاملين في المجال الإنساني من دون عوائق، واستعادة الحد الأدنى من القدرة التشغيلية للمرافق الصحية، مشيرة إلى أن حجم الاحتياج يستدعي تدخلاً دولياً فورياً، وواسع النطاق، يشمل دعماً طبياً ولوجستياً ومالياً.

تحديات تواجه عمل المنظمة

أكدت بلخي أن منظمة الصحة العالمية تواجه تحديات جسيمة في أداء مهامها في غزة، وعلى رأسها التحديات الأمنية، مبينة أنه في 21 يوليو، تعرضت مقار إقامة موظفي المنظمة في دير البلح لثلاث هجمات.

ولفتت إلى أنه جرى إجلاء الموظفين وأُسَرِهم تحت قصف مكثف، ولا يزال أحد الموظفين قيد الاحتجاز، وتطالب المنظمة بالإفراج الفوري عنه، فيما تَعَرَّضَ المستودع الرئيس للمنظمة لأضرار جزئية، وسُرِقَ لاحقاً.

وقالت: «بالإضافة إلى أن التهديدات الأمنية لا تطال منظمة الصحة العالمية وحدها، بل تشمل وكالات الأمم المتحدة الأخرى العاملة في غزة، وتواجه المنظمة صعوبات كبيرة في إدخال الإمدادات الطبية بسبب محدودية الموافقات على دخول الشحنات».

سليم عصفور (85 عاماً) المصاب بسوء تغذية حاد يغسل وجهه خارج خيمة عائلته في خان يونس الأحد الماضي (إ.ب.أ)

وأضافت: «إن القيود المفروضة على دخول الفرق الطبية الدولية التي تنسقها المنظمة أعاقت جهود الاستجابة، حيث رُفِضَ دخول 58 طبيباً واختصاصياً طبياً منذ شهر مارس، فيما تُفاقِم أزمة التمويل هذا الوضع، إذ لم يُمَوَّل سوى 16 في المائة فقط من خطة الاستجابة التنفيذية للمنظمة في فلسطين لعام 2025».

الخطة الإسعافية

وقالت بلخي: «رغم المخاطر الجسيمة والقيود الكبيرة، فإن المنظمة تظل ملتزمة بالبقاء في غزة، ومواصلة عملياتها. فمنذ الأول من أغسطس، نجحت المنظمة في إدخال 24 شاحنة مساعدات إلى غزة تحمل أدوية أساسية، ولوازم جراحية، ومستلزمات مخبرية، وأطقم اختبار مياه. وتُسَلَّم هذه الإمدادات إلى المستشفيات التي تعمل فوق طاقتها بهدف الحفاظ على استمرارية عملها».

ودعمت المنظمة مؤخراً، وفق بلخي، إجلاء 47 مريضاً لأسباب طبية يرافقهم 129 مرافقاً إلى دول منها إسبانيا وتركيا وفرنسا والنرويج والأردن، فيما تعمل المنظمة على ضمان تدفق آمن ومستدام للإمدادات الطبية والوقود إلى غزة.

ولفتت إلى الاستمرار في المطالبة بالإفراج الفوري عن الموظف المحتجز، وضمان حماية العاملين الصحيين والمرافق الطبية، بما يتماشى مع القانون الدولي الإنساني، فيما تجدد منظمة الصحة العالمية التزامها بتوسيع نطاق استجابتها، بالتعاون مع الشركاء، رغم التحديات الهائلة على الأرض.


مقالات ذات صلة

قتلى في قصف إسرائيلي استهدف شرق مدينة غزة

المشرق العربي فلسطينيون يُصلُّون على جثامين ذويهم ضحايا الغارات الإسرائيلية على خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ) play-circle

قتلى في قصف إسرائيلي استهدف شرق مدينة غزة

قُتل عدد من الفلسطينيين، اليوم (الأحد)، في قصف إسرائيلي استهدف حي الزيتون بشرق مدينة غزة، كما قُتل فلسطيني متأثراً بإصابته برصاص إسرائيلي في جنوب الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يمشون بين المباني المدمرة بفعل الغارات الإسرائيلية في مدينة غزة نوفمبر الماضي (رويترز)

بنغلاديش تسعى للانضمام إلى «قوة الاستقرار» في غزة

قالت بنغلاديش، أمس (السبت)، إنها أبلغت الولايات المتحدة برغبتها في الانضمام إلى قوة تحقيق الاستقرار الدولية المقرر نشرها في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (دكا)
المشرق العربي لقطة عامة تُظهر المباني المدمرة في مخيم البريج بوسط قطاع غزة (أ.ف.ب) play-circle

تقرير: الجيش الإسرائيلي يخطط لعملية جديدة داخل مناطق سيطرة «حماس» بغزة

تستعد إسرائيل و«حماس» لتجدد القتال حيث ترفض الحركة الفلسطينية نزع سلاحها، وهو شرط يعيق التقدم في خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام في غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيات يبكين أقاربهن الذين قتلوا في غارات إسرائيلية على قطاع غزة (أ.ف.ب)

الجيش الإسرائيلي يعلن استهداف عناصر وبنى تحتية لـ«حماس» في غزة

أعلن الجيش الإسرائيلي، يوم الجمعة، عن أسماء عناصر من حركة «حماس» الفلسطينية قضوا خلال عملية نفذها في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي فلسطينية تحمل طفلها الرضيع بعد أن انهارت خيمتها في خان يونس جنوب قطاع غزة جراء الرياح القوية والأمطار (إ.ب.أ) play-circle

«حماس» تتهم واشنطن بتوفير «غطاء» للضربات الإسرائيلية على غزة

اتهم مسؤول في حركة «حماس» الولايات المتحدة بتوفير «غطاء» للجيش الإسرائيلي، في أعقاب ضربات أسفرت عن مقتل 13 شخصاً، رغم سريان وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (غزة)

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، أن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلّم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة، وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

من جانبه، أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، لـ«الشرق الأوسط»، أن مستوى التنسيق مع السعودية «عالٍ جداً»، منوهاً بحسمها مسألة إخراج قوات «المجلس الانتقالي» من المحافظة خلال وقت قياسي، والتزامها توفير الغذاء والحوافز، وتقديمها وعوداً بتنفيذ حزمة مشروعات كبيرة لتطوير البنية التحتية.

وقال الخنبشي إن الأوضاع في حضرموت بدأت تعود إلى طبيعتها، وشدَّد على أن المحافظة «يجب أن تكون رقماً سياسياً فاعلاً في أي تسوية مقبلة»، لافتاً إلى لقاءات سيجريها مع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية فيها خلال الأيام المقبلة؛ للتوافق على رؤية موحدة تمثلهم في «مؤتمر الحوار الجنوبي» الذي تستضيفه الرياض قريباً.

من جهته، أكد السفير الأميركي لدى اليمن، ستيفن فاغن، دعم بلاده إجراء «الحوار الجنوبي» الشامل، وأهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار، وذلك خلال اجتماع مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.


العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».