«الصحة العالمية» لـ«الشرق الأوسط»: وضع غزة حرج جداً ويستدعي تدخلاً دولياً فورياً

مديرتها الإقليمية أكدت أن المجاعة تشكل خطراً وجودياً

فلسطينيون يملأون أوعية بالماء من مركز توزيع في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يملأون أوعية بالماء من مركز توزيع في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (رويترز)
TT

«الصحة العالمية» لـ«الشرق الأوسط»: وضع غزة حرج جداً ويستدعي تدخلاً دولياً فورياً

فلسطينيون يملأون أوعية بالماء من مركز توزيع في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يملأون أوعية بالماء من مركز توزيع في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (رويترز)

حذرت «منظمة الصحة العالمية» من أن الوضع الكارثي في غزة لم يعد يحتمل الانتظار، مطلقة صرخة للمجتمع الدولي بالتدخل الفوري، لوضع حد لخطر وجودي يداهم أهل غزة، موثقة 746 هجوماً إسرائيلياً على قطاع الصحة. وشددت على أنه في غياب الوقود، فإن الخدمات الصحية الحرجة معرضة للإغلاق التام، خصوصاً في ظل غياب البدائل الفعالة، واستمرار التهديدات الأمنية، في ظل تعرض المرافق الصحية والعاملين الصحيين للاستهداف المباشر.

وقالت الدكتورة حنان بلخي، المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط: «الوضع الصحي في غزة كارثي، ومستمر في التدهور بوتيرة متسارعة. فالنظام الصحي بالكاد يعمل بسبب الأعمال العدائية المستمرة، والحصار، وانعدام المقومات الأساسية لتشغيل المرافق الصحية».

الدكتورة حنان بلخي المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط (الشرق الأوسط)1

أضافت بلخي في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «من أصل 36 مستشفى في قطاع غزة، لا تعمل منها سوى 18 بشكل جزئي، وتعمل تحت ظروف شديدة الخطورة، وتعاني من نقص حاد في الوقود والإمدادات الطبية الأساسية».

وأوضحت أن هناك وحدات حيوية مثل العناية المركزة، وأقسام الطوارئ، وأجنحة غسيل الكلى، ومحطات الأكسجين تواجه خطر التوقف الكامل نتيجة انعدام الوقود الذي لم يدخل غزة منذ أكثر من 120 يوماً.

وشددت على أن تعقيدات الوضع الأمني أدت إلى تفاقم صعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية، حيث إن ما يقارب 90 في المائة من غزة يخضع حالياً لأوامر إخلاء، أو جرى تصنيفه مناطقَ عسكرية مغلقة، ما يقيّد حركة المرضى والعاملين الصحيين والمساعدات الإنسانية تقييداً شديداً.

وقالت: «في الوقت نفسه، تواجه المستشفيات والمراكز الصحية ضغوطاً غير مسبوقة بسبب الارتفاع الهائل في عدد الإصابات، وتزايد أعداد المرضى الذين يعانون من سوء التغذية الحاد، خاصة بين الأطفال والنساء الحوامل... كل ذلك يحدث في وقت تُستنزف فيه الموارد الطبية يومياً، وتتعطل سلاسل الإمداد بشكل حاد، ما يجعل تقديم الرعاية المنقذة للحياة تحدياً بالغاً».

صبي فلسطيني يجر وعاء ملأه بالماء من مركز توزيع في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (رويترز)

وأضافت: «إن القيود المفروضة على دخول الفرق الطبية الدولية التي تنسقها المنظمة أعاقت جهود الاستجابة، حيث رُفِضَ دخول 58 طبيباً واختصاصياً طبياً منذ شهر مارس (آذار)، فيما تُفاقِم أزمة التمويل هذا الوضع، إذ لم يُمَوَّل سوى 16 في المائة فقط من خطة الاستجابة التنفيذية للمنظمة في فلسطين لعام 2025».

خطورة الكارثة الصحية وتداعياتها

أكدت بلخي أن «ما تشهده غزة اليوم هو كارثة إنسانية وصحية متعددة الأبعاد، وغير مسبوقة من حيث الحجم والحدة. فمنذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023، فقد أكثر من 60 ألف شخص حياتهم، وأُصيب أكثر من 145 ألفاً آخرين، بينهم نسبة عالية من النساء والأطفال... الأرقام والأوضاع الإنسانية والصحية تعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يواجهها السكان المدنيون. إلا أن المأساة لا تتوقف عند الإصابات الجسدية والصدمات النفسية، إذ باتت غزة اليوم تواجه خطراً وجودياً يتمثل في المجاعة».

نازحون بينهم أطفال يحاولون الحصول على طعام من مطبخ خيري في مدينة غزة الاثنين (إ.ب.أ)

وأوضحت أنه «في شهر يوليو (تموز) وحده، توفي 77 شخصاً بسبب سوء التغذية، من بينهم 27 طفلاً دون سن الخامسة. ومنذ أبريل (نيسان)، تَلَقَّى أكثر من 20 ألف طفل العلاج من سوء التغذية الحاد، منهم أكثر من 3 آلاف في حالة حرجة. بالإضافة إلى ذلك، فإن أكثر من 40 في المائة من النساء الحوامل والمرضعات يعانين من سوء التغذية الحاد».

ووفق بلخي، فإن المراكز الأربعة الوحيدة للتغذية العلاجية في غزة تعمل فوق طاقتها، وتعاني من نقص حاد في الإمدادات والوقود، ومع توقع نفاد المخزون بحلول منتصف أغسطس (آب)، هناك خطر كبير بتوقف كامل لخدمات التغذية المنقذة للحياة.

وحذرت من «أن الأثر التراكمي لكل هذه العوامل لا يهدد النتائج الصحية الحالية فحسب، بل يهدد استمرارية النظام الصحي على المدى الطويل، ويحرم السكان من حقهم في العيش بكرامة».

فتاة نازحة تبكي وهي تنتظر الحصول على طعام من مطبخ خيري في مدينة غزة الاثنين (إ.ب.أ)

الاحتياجات الصحية

أشارت بلخي إلى «أن الاحتياجات الصحية في غزة هائلة، ومعقدة، وتزداد سوءاً يوماً بعد يوم. فهناك أكثر من 14 ألف مريض بحاجة إلى إجلاء طبي عاجل لتلقي العلاج المنقذ للحياة خارج القطاع، منهم مرضى السرطان، وأصحاب الأمراض المزمنة، وأطفال في حالات حرجة، فلم يعد بالإمكان علاجهم محلياً بسبب انهيار النظام الصحي».

وقالت: «إن المرافق الصحية التي لا تزال تعمل تكافح للاستمرار وسط نقص شديد في الأدوية الأساسية، مثل المضادات الحيوية، والإنسولين، وأدوية السرطان، والمستلزمات الجراحية الحرجة. علاوة على ذلك، فإن أزمة الوقود طويلة الأمد تهدد بإغلاق وحدات العناية المركزة، وأجهزة غسيل الكلى، ومولدات الأكسجين، وغرف العمليات».

أضافت: «إن السكان الأكثر ضعفاً، ومنهم الأطفال، والنساء الحوامل والمرضعات، وكبار السن، هم الأكثر تأثراً. فهناك أكثر من 40 في المائة من النساء الحوامل والمرضعات يعانين من سوء تغذية حاد، كما يتم إدخال آلاف الأطفال شهرياً إلى المستشفيات بسبب مضاعفات تهدد حياتهم مرتبطة بالجوع».

فلسطيني يطعم طفلة من حساء عدس في مدينة غزة الأحد الماضي (أ.ف.ب)

وشددت على أن تلبية هذه الاحتياجات العاجلة لا تتوقف عند توفير الخدمات الصحية فقط، بل تتطلب تدفقاً مستمراً للإمدادات الطبية، وضمان وصول العاملين في المجال الإنساني من دون عوائق، واستعادة الحد الأدنى من القدرة التشغيلية للمرافق الصحية، مشيرة إلى أن حجم الاحتياج يستدعي تدخلاً دولياً فورياً، وواسع النطاق، يشمل دعماً طبياً ولوجستياً ومالياً.

تحديات تواجه عمل المنظمة

أكدت بلخي أن منظمة الصحة العالمية تواجه تحديات جسيمة في أداء مهامها في غزة، وعلى رأسها التحديات الأمنية، مبينة أنه في 21 يوليو، تعرضت مقار إقامة موظفي المنظمة في دير البلح لثلاث هجمات.

ولفتت إلى أنه جرى إجلاء الموظفين وأُسَرِهم تحت قصف مكثف، ولا يزال أحد الموظفين قيد الاحتجاز، وتطالب المنظمة بالإفراج الفوري عنه، فيما تَعَرَّضَ المستودع الرئيس للمنظمة لأضرار جزئية، وسُرِقَ لاحقاً.

وقالت: «بالإضافة إلى أن التهديدات الأمنية لا تطال منظمة الصحة العالمية وحدها، بل تشمل وكالات الأمم المتحدة الأخرى العاملة في غزة، وتواجه المنظمة صعوبات كبيرة في إدخال الإمدادات الطبية بسبب محدودية الموافقات على دخول الشحنات».

سليم عصفور (85 عاماً) المصاب بسوء تغذية حاد يغسل وجهه خارج خيمة عائلته في خان يونس الأحد الماضي (إ.ب.أ)

وأضافت: «إن القيود المفروضة على دخول الفرق الطبية الدولية التي تنسقها المنظمة أعاقت جهود الاستجابة، حيث رُفِضَ دخول 58 طبيباً واختصاصياً طبياً منذ شهر مارس، فيما تُفاقِم أزمة التمويل هذا الوضع، إذ لم يُمَوَّل سوى 16 في المائة فقط من خطة الاستجابة التنفيذية للمنظمة في فلسطين لعام 2025».

الخطة الإسعافية

وقالت بلخي: «رغم المخاطر الجسيمة والقيود الكبيرة، فإن المنظمة تظل ملتزمة بالبقاء في غزة، ومواصلة عملياتها. فمنذ الأول من أغسطس، نجحت المنظمة في إدخال 24 شاحنة مساعدات إلى غزة تحمل أدوية أساسية، ولوازم جراحية، ومستلزمات مخبرية، وأطقم اختبار مياه. وتُسَلَّم هذه الإمدادات إلى المستشفيات التي تعمل فوق طاقتها بهدف الحفاظ على استمرارية عملها».

ودعمت المنظمة مؤخراً، وفق بلخي، إجلاء 47 مريضاً لأسباب طبية يرافقهم 129 مرافقاً إلى دول منها إسبانيا وتركيا وفرنسا والنرويج والأردن، فيما تعمل المنظمة على ضمان تدفق آمن ومستدام للإمدادات الطبية والوقود إلى غزة.

ولفتت إلى الاستمرار في المطالبة بالإفراج الفوري عن الموظف المحتجز، وضمان حماية العاملين الصحيين والمرافق الطبية، بما يتماشى مع القانون الدولي الإنساني، فيما تجدد منظمة الصحة العالمية التزامها بتوسيع نطاق استجابتها، بالتعاون مع الشركاء، رغم التحديات الهائلة على الأرض.


مقالات ذات صلة

ماذا بعد انتقادات الأردن «غير المسبوقة» لإسرائيل؟

المشرق العربي العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني خلال خطابه أمام الجمعية العامة يوم 22 سبتمبر 2026 (أ.ب)

ماذا بعد انتقادات الأردن «غير المسبوقة» لإسرائيل؟

يستعد مسؤولون أردنيون للتعامل مع «هجمة» إسرائيلية محتملة على خلفية الخطاب الأخير للعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

محمد خير الرواشدة (عمّان)
المشرق العربي رجل يقف فوق مبنى ينظر إلى خيام فلسطينيين نازحين في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب) p-circle

تقرير: 12 خرقاً إسرائيلياً لوقف إطلاق النار في غزة منذ فجر اليوم

ارتكبت القوات الإسرائيلية، منذ فجر اليوم السبت، 12 خرقاً جديداً لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، شملت قصفاً مدفعياً وإطلاق نار مكثفاً.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب) p-circle

الأمم المتحدة توسع قائمة الشركات «غير القانونية» المرتبطة بالمستوطنات

أدرجت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان 61 شركة جديدة على قائمة الشركات العاملة في المستوطنات الإسرائيلية، والتي تعدُّها المنظمة الدولية غير قانونية.

«الشرق الأوسط» (جنيف )
يوميات الشرق نجم البوب البريطاني إد شيران (أ.ب)

إد شيران: حرب إسرائيل على غزة كارثية ولا يمكن تبريرها

وفي أول تعليق له على القضية، انتقد المغني البريطاني معاملة إسرائيل لسكان غزة، ووصفها بأنها «لا يمكن تبريرها».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي جنود إسرائيليون في الضفة الغربية (رويترز) p-circle

الرئيس الإسرائيلي يعفو عن جندي قتل فلسطينياً مصاباً في الضفة الغربية

منح الرئيس الإسرائيلي، السبت، عفواً لجندي سابق قتل فلسطينياً كان الجيش قد أطلق عليه الرصاص وطرحه أرضاً بعد مهاجمته أحد عناصره في مدينة الخليل بالضفة الغربية.

«الشرق الأوسط»

«حماس»: نرفض أن يكون الدم الفلسطيني وقوداً للانتخابات الإسرائيلية

رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)
رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)
TT

«حماس»: نرفض أن يكون الدم الفلسطيني وقوداً للانتخابات الإسرائيلية

رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)
رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب)

قال رئيس حركة «حماس» خليل الحية، السبت، إن الحركة ترفض أن يكون الدم الفلسطيني وقوداً للحملات الانتخابية في إسرائيل، متهماً كل الأحزاب الإسرائيلية بالمشاركة في قتل فلسطينيين.

وقال الحية: «رسالتي للعالم، لا نقبل أبداً أن يكون الدم الفلسطيني هو وقود الانتخابات الإسرائيلية». وأضاف: «كلٌّ، كما يقال، تآجر (شارك) في دمنا، ما يعنينا هو أن يصل شعبنا الفلسطيني إلى أهدافه ومبتغاه وحقوقه المشروعة»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأشار الحية إلى أن الانتخابات الإسرائيلية «متكررة بين الحين والآخر، وشعبنا الفلسطيني يبحث عما يحقق حقوقه، وبغض النظر عمن يأتي من الأحزاب الإسرائيلية... شعبنا الفلسطيني عانى من كل الأحزاب الإسرائيلية على مدار التاريخ وعشرات السنين».

وقال إن «الدعاية الإسرائيلية والدعاية الانتخابية إنما وقودها الدم الفلسطيني والحق الفلسطيني، ويتصارعون على من يهضم الحق الفلسطيني، لا من يتعايش ويقدم نفسه للعالم كإنسان».

وتشهد إسرائيل انتخابات تشريعية في 27 أكتوبر (تشرين الأول).

وبحسب استطلاعات الرأي، يُتوقَّع أن تكون متقاربة النتائج بين المعسكر الذي يقوده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والمعسكر الذي يقوده خصمه الرئيسي الوسطي غادي آيزنكوت زعيم حزب «يشار» (مستقيم).


مصر: رحيل الزند يسترجع معارك القضاء و«الإخوان» خلال حكم مرسي

المستشار أحمد الزند (نادي القضاة)
المستشار أحمد الزند (نادي القضاة)
TT

مصر: رحيل الزند يسترجع معارك القضاء و«الإخوان» خلال حكم مرسي

المستشار أحمد الزند (نادي القضاة)
المستشار أحمد الزند (نادي القضاة)

جاءت وفاة المستشار أحمد الزند، وزير العدل المصري الأسبق، السبت، لتستعيد فصولاً من المواجهة التي خاضها الراحل مع جماعة «الإخوان المسلمين» المحظورة، خلال حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، عندما كان (الزند) رئيساً لنادي القضاة، وما تلاها من مواقف بعد سقوط حكم «الإخوان» عام 2013، وسط تباين حاد في ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي، بين نعيه بوصفه أحد رموز القضاء المصري، ومنشورات تعيد تصريحاته ومواقفه الجدلية، وصولاً إلى تعليقات حمل بعضها قدراً من «الشماتة».

وتُوفي الزند (مواليد 1946) عن عمر ناهز 80 عاماً، بعد وعكة صحية نُقل على أثرها إلى المستشفى، وفقاً لما أعلنته أسرته، وشُيّع جثمانه من «مسجد المشير طنطاوي» (شرق القاهرة).

ونعى «نادي قضاة مصر»، في بيان، السبت، الزند، واصفاً إياه بأنه «فقيد القضاء المصري ورمز من رموزه»، متذكّراً ما وصفه بـ«أدوار ومواقف في خدمة القضاء وقضاياه». كما نعاه عدد من القضاة والشخصيات العامة، بينهم المستشار حمدي عبد التواب، وكيل نادي القضاة السابق، الذي وصفه بـ«الأب الروحي» و«أسد القضاة»، في حين تداول آخرون صوراً ومقاطع من فترات رئاسته للنادي، مشيدين بما عدّوه مواقف داعمة لاستقلال القضاء.

في المقابل، أعادت منشورات «سوشيالية» نشر مقاطع للزند ارتبطت بمواقفه الحادة من جماعة «الإخوان» وقياداتها، إلى جانب تصريحات أخرى أثارت انتقادات واسعة في حينها. وتحوّلت بعض التعليقات من استعادة الخلاف السياسي إلى «الشماتة» في وفاته.

وانتُخب الزند رئيساً لـ«نادي قضاة مصر» عام 2009، ثم أعيد انتخابه عام 2012، ليصبح أحد أبرز وجوه المواجهة القضائية مع نظام «الإخوان»، لا سيما عقب «الإعلان الدستوري» الذي أصدره مرسي، وما تبعه من تحركات لتعليق العمل بالمحاكم، ورفض الإشراف على الاستفتاء.

وتولى الزند وزارة العدل في مايو (أيار) 2015، قبل أن يُعفى من منصبه في مارس (آذار) 2016، عقب أزمة أثارها تصريحه بأنه سيعاقب المخطئ «حتى لو كان نبياً»، رغم استدراكه العبارة واعتذاره عنها.

ويرى الباحث المصري في شؤون الحركات الإسلامية ماهر فرغلي، أن إعادة تداول المقاطع الجدلية للزند مع إعلان وفاته «أمر متوقع»، بالنظر إلى ارتباط حضوره بمرحلة شديدة الاستقطاب في تاريخ مصر الحديث.

وقال فرغلي لـ«الشرق الأوسط» إن «الشماتة في موت الخصوم ليست جديدة لدى جماعة (الإخوان)، واستدعاء هذه المقاطع يأتي ضمن التذكير بمواقف الزند منها، ودوره في الصدام بين نادي القضاة والجماعة، وما أعقب أحداث 30 يونيو (حزيران)».

وأضاف أن الزند «كان لاعباً بارزاً في المشهد القضائي، وكانت له تصريحات شديدة في هجومه على (الإخوان)»، موضحاً أن «الجماعة وأنصارها يحمّلونه، وفقاً لتصورهم، جانباً من المسؤولية عن الأحكام والملاحقات التي تعرضوا لها خلال تلك الفترة». لكن فرغلي لفت، في الوقت نفسه، إلى أن «الزند نفسه كان حاداً في تصريحاته»، وأن «بعض عباراته أثارت قطاعات واسعة من الرأي العام، ومن بينها المقطع الذي عُرف إعلامياً بحديث (الأسياد والعبيد)، فضلاً عن تصريحه بأنه سيعاقب المخطئ (حتى لو كان النبي)، وهي الأزمة التي انتهت بإعفائه من منصب وزير العدل رغم اعتذاره».

وترى الدكتورة آية صلاح، أستاذة علم الاجتماع السياسي، أن اسم الزند «ارتبط بمرحلة شائكة وملغّمة في التاريخ المصري، وكان حضوره صاخباً واقترن بتصريحات ومواقف أثارت جدلاً واسعاً».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «منصات التواصل أحيت تلك التصريحات، خصوصاً أن المقاطع المصوّرة يعاد تداولها بصورة انتقائية، وأحياناً مجتزأة من سياقها، وفقاً لموقف كل طرف والغرض الذي يسعى إليه».

وبحسب صلاح، لا يتحوّل إعلان وفاة الشخصيات الخلافية على مواقع التواصل إلى مناسبة للنعي فقط، بقدر ما يصبح «لحظة لإعادة تنشيط الذاكرة السياسية وإعادة تقييم صاحبها».

وأضافت: «كان من الطبيعي أن تستخدم قطاعات من (الإخوان) وأنصارهم خبر الوفاة لاسترجاع فصول صراع الجماعة مع مؤسسات الدولة خلال حكم مرسي وما أعقب 30 يونيو، باعتبار الزند أحد أبرز وجوه المواجهة القضائية معها؛ فالجدل الذي رافق رحيله لا يرتبط بشخصه فقط، وإنما بمرحلة سياسية لا تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية، رغم ابتعاده عن المجال العام منذ سنوات قبل وفاته».


ارتفاع أسعار البيض في مصر... «سندوتشات المدارس» تعوض «خسائر الطيبات»

متجر مصري حكومي لبيع بيض المائدة (وزارة التموين)
متجر مصري حكومي لبيع بيض المائدة (وزارة التموين)
TT

ارتفاع أسعار البيض في مصر... «سندوتشات المدارس» تعوض «خسائر الطيبات»

متجر مصري حكومي لبيع بيض المائدة (وزارة التموين)
متجر مصري حكومي لبيع بيض المائدة (وزارة التموين)

تعد شيماء محمود (35 عاماً)، التي تسكن في منطقة شبرا الخيمة (شمال القاهرة)، البيض لنجلها يونس، كجزء شبه يومي لا يمكن الاستغناء عنه في الوجبة المدرسية (السندوتشات)، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «البيض هو أرخص»، ومناسب للمدرسة، لكنها شكت من زيادة تكلفة الوجبة المدرسية مع قفزة أسعار البيض هذه الأيام.

مثل شيماء تعتمد ملايين الأمهات على البيض كوجبة رئيسة خلال أيام الدراسة، ما انعكس في زيادة معدلات الطلب في السوق، عكس التراجع الذي شهدته الأسواق خلال الشهور الماضية، وأرجعه البعض إلى تأثير «نظام الطيبات» الغذائي، للراحل ضياء العوضي، والذي يحظر تناول البيض، أو الدجاج، وكثير من الأصناف الأخرى بداعي «الضرر».

ووصل متوسط سعر كرتونة البيض 140 جنيهاً (الدولار نحو 52 جنيهاً) في الأسواق، مرتفعة من نحو 90 جنيهاً قبل عدة أسابيع، في وقت يعتبر رئيس شعبة الثروة الداجنة بغرفة القاهرة التجارية، عبد العزيز السيد، أن ارتفاع السعر لا يصل لحد «تعويض خسائر» الفترة الماضية، وإنما «نقطة تعادل»، بمعنى تغطية تكلفة الإنتاج مع هامش ربح بسيط، لافتاً إلى أن جزءاً من الزيادة «غير مبرر، ومفروض من قبل الحلقات الوسيطة (الباعة)، أما أصحاب المزارع فيبيعون الكرتونة بـ115 جنيهاً».

وسبق أن أثار التراجع الكبير في سعر البيض الفترة الماضية جدلاً واسعاً واستغاثات من أصحاب المزارع، بدعوى تكبدهم خسائر، مطالبين آنذاك الحكومة بالتدخل لضبط المنظومة، ووضع آلية تحقق للمنتجين أسعاراً عادلة، ولم يلق المقترح صدى شعبياً، أو رسمياً، وسط تساؤلات عن غياب مثل هذه الدعوات في أوقات ارتفاع أسعار البيض، والدجاج.

ويفسر السيد الزيادة الكبيرة الأخيرة في سعر البيض بأنها نتيجة لقلة المعروض مقارنة بالفترة الماضية مع زيادة الطلب، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار، وفق سياسة «العرض والطلب». وأضاف: «في الشهور السابقة كانت لدينا وفرة كبيرة في الإنتاج، مع تراجع الطلب سواء بسبب الطيبات، أو انخفاض القوة الشرائية للمواطن، ما كبد المنتجين خسائر كبيرة، أدت إلى تخارج جزء منهم من السوق».

ويقول الخبير الاقتصادي وائل النحاس، لـ«الشرق الأوسط»، إن سوق الدواجن شهدت خسائر كبيرة الفترة الماضية، لم يصمد فيها سوى كبار المنتجين، بينما خرج الكثيرون، مضيفاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيادات كانت متوقعة، سواء في أسعار الدواجن، أو البيض.

وتابع رئيس شعبة الثروة الداجنة: «مع انطلاق الدراسة، وهو الموسم الذي يتزايد فيه الطلب على البيض، فالأسرة التي لديها 3 أطفال تستهلك نحو كرتونة كل عشرة أيام، وهذا أدى إلى زيادة السعر».

وتشهد مصر معدلات مرتفعة من التضخم، إذ سجل معدل التضخم على أساس سنوي في أغسطس (آب) الماضي 14.5 في المائة مقارنة بـ14.9 في المائة يوليو (تموز) الماضي.

وتوقع الخبير الاقتصادي أن تكون الزيادة في سعر البيض مجرد بداية لسلسلة من الزيادات التضخمية في منتجات الدواجن خصوصاً، سواء في ظل زيادة علف الذرة الصفراء بمتوسط من 14 إلى 17 في المائة، وفول الصويا نحو 14 في المائة، وكلها من الأعلاف المستخدمة في تربية الدواجن، أو زيادة سلة الغذاء بوجه عام، نتيجة الأوضاع الإقليمية.

وأضاف: «الزيادات ستكون في السلع الأساسية التي يستخدمها المواطن، ولا يستطيع الاستغناء عنها، وتضعه هو والحكومة في مأزق».