تشريع مصري يثير الجدل حول مراقبة الاتصالات ومواقع التواصل

رئيس «النواب» ينفي التوسع في صلاحيات سلطات الضبط

وزير الشؤون النيابية المصري ممسكاً بالدستور خلال مناقشة مشروع قانون الإجراءات الجنائية بمجلس النواب (مجلس الوزراء)
وزير الشؤون النيابية المصري ممسكاً بالدستور خلال مناقشة مشروع قانون الإجراءات الجنائية بمجلس النواب (مجلس الوزراء)
TT

تشريع مصري يثير الجدل حول مراقبة الاتصالات ومواقع التواصل

وزير الشؤون النيابية المصري ممسكاً بالدستور خلال مناقشة مشروع قانون الإجراءات الجنائية بمجلس النواب (مجلس الوزراء)
وزير الشؤون النيابية المصري ممسكاً بالدستور خلال مناقشة مشروع قانون الإجراءات الجنائية بمجلس النواب (مجلس الوزراء)

أثارت مناقشة مجلس النواب المصري (البرلمان)، لقواعد مراقبة الهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي من قبل سلطات التحقيق، ضمن مشروع قانون الإجراءات الجنائية، جدلاً واسعاً، في وقت دافع فيه رئيس المجلس حنفي جبالي عنه، مؤكداً أن مشروع القانون «لا يحمل توسعاً في صلاحيات سلطات الضبط».

وأجازت المادة محل الجدل، للنيابة العامة - بعد الحصول على إذن قضائي - ضبط الخطابات والرسائل والبرقيات والجرائد والمطبوعات والطرود، ومراقبة الاتصالات، وحسابات مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي، والبريد الإلكتروني، والرسائل النصية أو المسموعة أو المصورة على الهواتف أو الأجهزة أو أي وسيلة تقنية أخرى... متى كان لذلك فائدة في ظهور الحقيقة بجناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس لمدة تزيد على 3 أشهر.

وأوجبت المادة أن يكون «الأمر بالضبط أو الاطلاع أو المراقبة أو التسجيل لمدة لا تزيد على 30 يوماً، مع جواز تجديد لمدة أو لمدد أخرى مماثلة».

ولا يعد السماح للنيابة العامة بمراقبة الاتصالات أمراً جديداً في القانون المصري، إذ يتيح قانون الإجراءات الجنائية الحالي، والجاري تعديله، للنيابة، مراقبة المحادثات السلكية واللاسلكية، أو إجراء تسجيلات لأحاديث جرت في مكان خاص، كما ينص أيضاً على السماح بتجديد المراقبة لـ30 يوماً أو مدد مماثلة.

ويكمن إحباط الحقوقيين من المادة الجديدة في أنها «إعادة استنساخ للوضع القانوني القائم حالياً»، بينما كانوا يطمحون في أن تقيد المراقبة لمدة محددة، مثلاً 30 يوماً والتجديد لمدتين مماثلتين على أقصى تقدير، وفق المحامي الحقوقي محمد فتحي، عضو حملة «معاً من أجل قانون عادل للإجراءات الجنائية».

وتساءل فتحي بشأن توافق المادة المقترحة مع الدستور المصري الذي ينص على أن المراقبة تكون لمدة محدودة، موضحاً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «هذه المادة بشكلها الحالي تسمح بالاستمرار في مراقبة المتهم فترة بعد أخرى».

وينص الدستور المصري في المادة 57 على أن «لحياة المواطنين الخاصة حرمة، وهي مصونة لا تمس. وللمراسلات البريدية، والبرقية، والإلكترونية، والمحادثات الهاتفية، وغيرها من وسائل الاتصال، حرمة، وسريتها مكفولة، ولا تجوز مصادرتها، أو الاطلاع عليها، أو رقابتها إلا بأمر قضائي مسبب، ولمدة محدودة، وفي الأحوال التي يبينها القانون».

وكان كل من النائبين المعارضين فريدي البياضي ومحمد عبد العليم داود، طالبا خلال مناقشة المادة في جلسة البرلمان، الأحد، بتقييد مدد المراقبة، بما لا يزيد على مدتين، لكن المجلس انتهى إلى تمرير النص الذي قدمته الحكومة كما هو.

ودافع وزير الشؤون البرلمانية، المستشار محمود فوزي، على المادة قائلاً: «غرض جهات التحقيقات الوصول إلى العدالة، لذلك يجب تمكينها من الوصول إلى الأدلة»، عادّاً أنه «لا يوجد إلزام دستوري بوضع مدة أو اثنتين طالما كل تجديد يكون من القاضي المختص، وأن اقتراح تقييد المراقبة بمدتين معيق للعدالة».

وأضاف فوزي: «بفرض أننا نتابع قضية كبيرة وخيوطها مستطيلة، فهل نضع نصاً يعيق الوصول إلى الحقيقة والعدالة؟، في حين أن الأمر منوط بإذن القاضي ومدة الإذن محددة بألا تزيد على 30 يوماً، وفي النهاية فإن السلطة القضائية تخضع للقانون ولرقابة المحاكم الأعلى».

من جانبه، انتقد رئيس مجلس النواب (البرلمان) حنفي جبالي، الاثنين، تناول بعض وسائل الإعلام للمادة، قائلاً: «بعض الصياغاتِ أفضت إلى أن المراقبةَ أصبحت أمراً متاحاً على نطاق واسع، وهو أمر غير صحيح على الإطلاق».

وشدد جبالي على أن المراقبة، وفقاً للقانون، لا تتم إلا بناءً على أمر قضائي يصدر من قاضٍ، ووفق ضوابط قانونيةٍ مشددة، وفي حالاتِ التحقيق بجرائم الجنايات أو الجنحِ، وأضاف: «لا يمكنُ بأي حال من الأحوال إخضاع أي شخص للمراقبة بشكل عشوائي أو غيرِ قانوني، وإنما يكون ذلك في إطار أحكام الدستور والقانون».


مقالات ذات صلة

مصرع 4 في انهيار عقار شرق القاهرة

شمال افريقيا انهيار عقار تحت الإنشاء في قرية جفصا بمحافظة الدقهلية الجمعة الماضي (المحافظة)

مصرع 4 في انهيار عقار شرق القاهرة

أسفر انهيار عقار مكوَّن من 4 طوابق في منطقة حدائق القبة (شرق العاصمة المصرية القاهرة)، في ساعة مبكرة من صباح الثلاثاء، عن مصرع 4 أشخاص وإصابة 5.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان يستعرض مهام وزارته أمام رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في اجتماع سابق (مجلس الوزراء المصري)

«الإعلام المصرية» تلوّح بالقضاء في مواجهة «استخدامات سلبية» لمواقع التواصل

لوّحت وزارة الدولة للإعلام المصرية باللجوء إلى الجهات القضائية للتعامل مع المخالفات «التي تهدد أمن المجتمع جراء نشر معلومات مضللة عبر مواقع التواصل الاجتماعي».

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا تداول نتائج طلاب مدرسة فاقوس الثانوية الرسمية للغات أحدث جدلاً في مصر (صفحة المدرسة على فيسبوك)

«فاقوس» المصرية تتفوق بالثانوية العامة... وترسب في «الإقناع»

في عام 1973، حقق الطالب صديق عبد السلام، ابن مدينة فاقوس بمحافظة الشرقية، المركز الأول على الثانوية العامة في مصر، ليبدأ رحلة علمية وأكاديمية.

محمد عجم (القاهرة)
شمال افريقيا بنايات في منطقة الدراسة بالقاهرة وتضم العديد من الوحدات بنظام الإيجار القديم (الشرق الأوسط)

مصر: جدل الإيجار القديم يعود إلى الواجهة

يحتفي مستأجرو «الإيجار القديم» في مصر، بتوالي طعونهم أمام المحكمة الدستورية العليا، للبت في دستورية بعض مواد قانون يقضي بتركهم منازلهم بعد 6 سنوات من الآن.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس الوزراء مصطفى مدبولي خلال مراسم تركيب وعاء الضغط بمحطة الضبعة النووية الشهر الماضي (وزارة الكهرباء المصرية)

مصر: زيادة أسعار الكهرباء تعمق أعباء الغلاء وتثير انتقادات

أثار قرار الحكومة المصرية زيادة أسعار الكهرباء خلال ذروة فصل الصيف انتقادات شعبية وبرلمانية، وحذر خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» من تأثيرات اقتصادية سلبية.

عصام فضل (القاهرة)

مسيّرات الجيش اليمني تقلب معادلات المواجهة مع الحوثيين

جنود يمنيون يقفون داخل مخزن للطائرات المسيّرة التي بدأ الجيش اليمني استخدامها أخيراً (إكس)
جنود يمنيون يقفون داخل مخزن للطائرات المسيّرة التي بدأ الجيش اليمني استخدامها أخيراً (إكس)
TT

مسيّرات الجيش اليمني تقلب معادلات المواجهة مع الحوثيين

جنود يمنيون يقفون داخل مخزن للطائرات المسيّرة التي بدأ الجيش اليمني استخدامها أخيراً (إكس)
جنود يمنيون يقفون داخل مخزن للطائرات المسيّرة التي بدأ الجيش اليمني استخدامها أخيراً (إكس)

لم تعدّ الطائرات المسيّرة في الحرب اليمنية مجرد أدوات للاستطلاع ومراقبة تحركات الخصم، بعدما بدأت القوات الحكومية إدخال أنواع أكثر تطوراً إلى عملياتها القتالية، في تحول قد يفتح فصلاً جديداً في طبيعة المواجهة مع الجماعة الحوثية.

وتكشف معطيات حديثة عن امتلاك الجيش اليمني منظومة متدرجة من المسيّرات، تبدأ بالطائرات الصغيرة المستخدمة في الاستطلاع وتصحيح نيران المدفعية والهجمات القريبة، مروراً بمنصات أثقل متعددة المهام دخل بعضها ميدان المعركة، وصولاً إلى مسيّرات هجومية بعيدة المدى لم تستخدم حتى الآن.

وتكتسب هذه القدرة الجديدة أهميتها من كونها تقترب من المجال الذي ظل الحوثيون يمتلكون فيه أفضلية نسبية خلال سنوات الحرب، خصوصاً في استخدام المسيّرات الهجومية والصواريخ بعيدة المدى.

ووفقاً لمنصة «شيبا إنتلجنسي»، فإن الطائرتين اللتين عرضتهما وزارة الدفاع اليمنية تحت اسمي «عيبان» و«نقم» هما من طراز «دبور السماء» SKYWASP، القادر على الوصول إلى مدى يصل إلى 1,500 كيلومتر وحمل رأس حربي يتراوح وزنه بين 30 و50 كيلوغراماً.

وإذا دخلت هذه المنظومة الخدمة القتالية، فإنها لن تضيف سلاحاً جديداً إلى ترسانة الجيش فحسب، بل قد تمنحه للمرة الأولى قدرة على تنفيذ ضربات مسيّرة تتجاوز نطاق الجبهات المباشرة، وتمتد إلى عمق المناطق التي تسيطر عليها الجماعة.

ويقول الباحث العسكري والاستراتيجي اليمني عبد العزيز الهداشي لـ«الشرق الأوسط» إن دخول الطائرات المسيّرة إلى ترسانة الجيش اليمني له تأثير تكتيكي في الوقت الحالي، يسهم في تغيير المعادلة في خطوط التماس مع الجماعة الحوثية، ويمكن أن يتحول إلى سلاح استراتيجي في حال زيادة كثافة ومدة استخدامه، بما يمنع الخصم من إعادة تجميع قواته ونشرها.

ويتميز سلاح الطيران المسيّر للجيش اليمني، وفقاً للهداشي، بأنه يمتلك خاصية الذهاب والعودة بعد تنفيذ الهجمات، على عكس الجماعة الحوثية التي لا تمتلك سوى الطائرات الانتحارية، وهو ما يجعله متفوقاً عليها من ناحية عدم استنزاف هذه القدرات، وإلى جانب ذلك فقد الحوثيون عنصر المباغتة الذي كانوا يتفوقون به خلال السنوات الماضية بفضل القدرات الاستطلاعية لهذه الطائرات.

لحظة إسقاط طائرة مسيّرة تابعة للجيش اليمني مقذوفاً على موقع حوثي (الجيش اليمني)

وإضافة إلى كل ذلك، يذهب الهداشي إلى أن استمرار عمليات الطيران المسيّر للجيش اليمني يدفع الجماعة الحوثية إلى نشر قواتها على مساحات واسعة لتفادي الضربات، ما يفقدها القدرات الهجومية، خصوصاً في الجبهات المفتوحة مثل جبهتي مأرب والمخا. ويتوقع أن الاستمرار في استغلال هذا التفوق سيعطل القدرات الهجومية الحوثية خلال مدة قصيرة.

لكن امتلاك السلاح لا يعني بالضرورة القدرة على تغيير ميزان الحرب، ففاعلية المسيّرات لا ترتبط بمدى الطائرة وحمولتها وحدهما، وإنما بقدرة القوات التي تشغلها على الاستطلاع وتحديد الأهداف والاتصال والتنسيق مع القوات البرية والمدفعية، فضلاً عن قدرتها على حماية منظومة التشغيل من التشويش والاستهداف.

انقلاب معادلة الغموض

من هنا يبرز السؤال الأوسع، هل تستطيع المسيّرات الجديدة نقل القوات الحكومية من مرحلة تحسين الأداء التكتيكي على الجبهات إلى امتلاك قدرة هجومية أعمق وأكثر تأثيراً، أم أنها ستظل إضافة نوعية لكنها محدودة إلى ترسانة عسكرية أكبر لم تتغير قواعدها الأساسية؟

لم يعد الحوثيون يملكون عنصر المفاجأة بعد دخول الطيران المسير ترسانة الجيش اليمني (غيتي)

ويرى عدنان الجبرني، الباحث المختص بشؤون الجماعة الحوثية، أن استخدام الجيش اليمني للطائرات المسيّرة خلال الأيام الماضية فاجأ الحوثيين وأربكهم على مستويي القيادة والميدان، خصوصاً مستوى الكفاءة والفاعلية في استخدام سلاح المسيّرات، وكذلك التزامن في مختلف الجبهات وبالنمط ذاته، في دلالة عملياتية في المواجهة أخطر بكثير من مجرد الخسائر المباشرة للمسيّرات على خطوط النار.

وحسب حديث الجبرني لـ«الشرق الأوسط»، يمتدّ ذلك إلى مستوى متقدم من التنظيم والتعاون في إدارة العمليات بطريقة موحدة ومنسّقة؛ ما سيدفع الجماعة إلى محاولة خلق ترياق لهذا المتغير المفاجئ، إلا أن الوقت الذي تحتاج إليه لوضع الحلول ستكون قوات الجيش اليمني قد انتقلت فيه إلى مستويات أخرى أكثر فاعلية ومباغتة.

ويذهب إلى أن الجماعة دخلت هذه المواجهة بعجرفة وأخطأت في قراءة خصومها، فكان الغموض هذه المرة لصالح الحكومة اليمنية بإسناد من قوات تحالف دعم الشرعية، متوقعاً حدوث صدمات أكبر خلال الفترة المقبلة، بفعل تغيّر الموازين التي لم يستوعبها الحوثيون، وتعديل ميزان القوى لأول مرة منذ عام 2017 لصالح الحكومة الشرعية.

من سيدفع التكلفة؟

يفتح دخول هذه القدرات اليمنية الجديدة إلى المعركة سؤالاً آخر لا يقل أهمية يتعلق بالجماعة الحوثية نفسها، إذ كيف سترد على فقدان جزء من التفوق الذي احتفظت به طويلاً في مجال المسيّرات والصواريخ؟

استعراض عسكري للحوثيين قبل 4 أعوام تظهر فيه أنواع من الطائرات المسيّرة والصواريخ (أ.ف.ب)

وإلى جانب ذلك لا يمكن تجاهل السؤال إن كان هذا التطور سيدفع الجماعة الحوثية إلى تطوير وسائل جديدة لمواجهة المسيّرات الحكومية، أو زيادة الاعتماد على الطائرات الانقضاضية والصواريخ، أو الانتقال إلى تكتيكات أكثر اعتماداً على الإخفاء والتمويه وتفريق القوات.

ويشير الباحث السياسي اليمني صلاح علي صلاح إلى أن الجيش اليمني، وبرغم المفاجأة التي خلقها في ميزان القوى، وقدرته على إرباك الجماعة الحوثية، لم يظهر بعد امتلاكه لنوعية الطائرات التي تهدد عمقها الاستراتيجي كما تفعل هي، خصوصاً قدرتها على استهداف منشآت حيوية في محافظات بعيدة عن نفوذها، مثل استهداف ميناء تصدير النفط في حضرموت.

وينوه في تحليله لـ«الشرق الأوسط» بأن قوات الجماعة الحوثية فقدت، بفعل السلاح الجديد للجيش اليمني، القدرة على التحصن والتكتيك الميداني، وبات مقاتلوها مكشوفي الظهر، وهو ما يرفع التكلفة لديها ويزيد من تعقيد المواجهة، برغم أن التكلفة سترتفع بالمقابل لدى الجيش، خصوصاً وأن الحوثيين ما زالوا يتفوقون بامتلاك الصواريخ الباليستية.

الطائرات الإيرانية من دون طيار رفدت ترسانة الحوثيين بأعداد كبيرة خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)

ويُحذر صلاح من لجوء الجماعة إلى تعزيز النشاط الاستخباراتي لاستهداف مواقع إطلاق الطائرات المسيّرة التابعة للجيش اليمني، واغتيال مشغليها وقادة الوحدات المسؤولة عنها، إلى جانب الاستفادة من تجارب جيوش أو ميليشيات في التحصين ضد ضرباتها واستخدام وسائل التمويه والتخفي والمناورة وتخفيف التكلفة من خلال توزيع العناصر على مساحات واسعة.

وبينما تتوسع قدرات الجيش اليمني في استخدام الطائرات المسيّرة على مستويات مختلفة، يبدو الصراع أمام احتمال الدخول في مرحلة جديدة لا يكون فيها السؤال فقط عن عدد الأسلحة التي يمتلكها كل طرف، وإنما عن قدرة كل منهما على تحويل هذه الأسلحة إلى منظومة متكاملة تغير شكل المعركة ومداها وتكلفتها.


العليمي يجدّد التمسك باستعادة مؤسسات الدولة واحتكار السلاح

العليمي مع وزير الخارجية الياباني (رويترز)
العليمي مع وزير الخارجية الياباني (رويترز)
TT

العليمي يجدّد التمسك باستعادة مؤسسات الدولة واحتكار السلاح

العليمي مع وزير الخارجية الياباني (رويترز)
العليمي مع وزير الخارجية الياباني (رويترز)

جدَّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، تمسك بلاده باستعادة مؤسسات الدولة واحتكارها المشروع للسلاح، وبناء سلام عادل ومستدام يحمي سيادة اليمن ويمنع استخدام أراضيه لتهديد دول الجوار والممرات الدولية، بالتزامن مع استمرار التصعيد الحوثي على الساحل الغربي ومأرب وتعز وجنوب الحديدة.

وأكد العليمي، خلال استقباله وزير الخارجية الياباني توشيميتسو موتيجي، أن اليمن يقدر موقف طوكيو المُدين للهجمات الحوثية على المنشآت والموانئ المدنية والسفن التجارية، مشدداً على أن استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب واحتكار السلاح تمثل أساساً لأي تسوية سياسية قابلة للحياة.

وأدان الوزير الياباني، من جهته، بشدة سلسلة الهجمات الأخيرة التي شنتها الجماعة الحوثية، مجدداً التأكيد على أهمية تحقيق السلام في اليمن، وقال إن استقرار البلد المطل على مضيق باب المندب يرتبط بصورة مباشرة باستقرار وتنمية الشرق الأوسط والمجتمع الدولي بأسره.

ونقل الإعلام الرسمي أن العليمي أعرب عن تقديره للدعم الياباني للحكومة اليمنية، خصوصاً في مجالات خفر السواحل، متطلعاً إلى تطويره ليشمل التدريب والمراقبة والاستطلاع والإنقاذ ومكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة.

جانب من استقبال العليمي لوزير الخارجية الياباني (سبأ)

وقال موتيجي إن اليابان ستواصل دعم الحكومة اليمنية وتعزيز قدراتها في مجال إنفاذ القانون البحري، مشيراً إلى المساعدات الغذائية التي أقرتها بلاده في يوليو (تموز)، إلى جانب الدعم المالي والمساهمات البشرية المقدمة إلى مكتب المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن.

وتُعدّ اليابان عضواً أساسياً في شراكة الأمن البحري اليمنية، وتربط دعمها لخفر السواحل برؤيتها لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة، في وقت تتزايد فيه المخاطر التي تهدد الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب بفعل الهجمات الحوثية.

وكان العليمي قد دعا إلى توسيع التعاون مع اليابان في مجالات الأمن البحري والاتصال والبنية التحتية وتنمية الموارد البشرية والأمن الإنساني، إلى جانب الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى دعم التعافي وخلق فرص العمل والإنتاج.

إبقاء على الجاهزية

وجاءت تصريحات العليمي في وقت كان فيه مجلس الدفاع الوطني اليمني قد شدد، خلال اجتماعه برئاسة العليمي، على إبقاء الجاهزية العسكرية والأمنية في مختلف الجبهات عند أعلى مستوياتها، وتعزيز منظومة الإنذار المبكر وحماية المنشآت الحيوية والأعيان المدنية.

وأشاد المجلس بأداء القوات المسلحة في جبهات مأرب والساحل الغربي بمحافظة تعز، وما أظهرته من قدرة على التصدي للتصعيد الحوثي وإفشال الهجمات وتكبيد الجماعة خسائر في الأفراد والعتاد، مؤكداً أن استهداف مخيمات النازحين والأعيان المدنية والمنشآت الاقتصادية لن يحقق للحوثيين مكاسب ميدانية.

كما وجَّه بتوسيع عمليات الردع الجوي والصاروخي ضد مصادر التهديد، وتكثيف العمل الاستخباراتي والأمني لملاحقة الخلايا وشبكات التهريب والإمداد، بالتوازي مع إجراءات حكومية لمعالجة الأضرار الناجمة عن الهجمات الحوثية ورعاية المصابين وأسر الضحايا.

وجدَّد المجلس تأكيده أن المجتمع الدولي مطالب بترجمة مواقفه المنددة بالتصعيد الحوثي إلى إجراءات أكثر فاعلية لردع الجماعة وتجفيف مصادر تمويلها وتسليحها، في وقت تشهد فيه الجبهات تصعيداً متزامناً.

تصعيد حوثي

ميدانياً، قالت القوات المسلحة اليمنية إن وحداتها نفذت نحو 400 عملية هجومية خلال ثلاثة أيام ضد قدرات وعناصر الجماعة الحوثية، باستخدام الراجمات والمدفعية والطيران المسيَّر، وبمشاركة وحدات الجيش المنتشرة على خطوط التماس.

ووفق ما أعلنته القوات المسلحة، استهدفت العمليات مصادر تهديد وقدرات عسكرية حوثية، في إطار الرد على التصعيد المتواصل الذي تشهده جبهات عدة، قي حين تواصلت خلال الساعات الماضية المواجهات ومحاولات التسلل على خطوط التماس.

يمني يحمل طفلة مصابة عقب هجوم بطائرة مسيَّرة حوثية على حيس في جنوب الحديدة (أ.ف.ب)

وفي جبهة العنين بمديرية جبل حبشي، غرب تعز، أحبطت القوات الحكومية محاولة تسلل نفذتها عناصر حوثية باتجاه مواقع الجيش، بعدما رصدت الوحدات العسكرية تحركات المتسللين وأجبرتهم على التراجع.

وتتزامن هذه التطورات مع تصعيد حوثي متواصل على الساحل الغربي ومأرب، حيث سبق للجماعة أن كثَّفت هجماتها بالصواريخ والطائرات المسيَّرة ضد مواقع عسكرية ومنشآت مدنية ومناطق مأهولة، في مسار حذَّرت الحكومة اليمنية من أنه يهدد بإعادة توسيع نطاق المواجهة.

وفي أحدث تداعيات هذا التصعيد، أصيبت طفلتان، الثلاثاء، جراء انفجار مسيَّرة حوثية داخل منزل أسرة في ريف مديرية حيس جنوب الحديدة. وقالت مصادر محلية إن رؤى، البالغة 5 سنوات، وديالا، البالغة 10 سنوات، أصيبتا بشظايا، ونُقلتا في حالة حرجة من الخوخة إلى مدينة المخا لتلقي العلاج.

ويعيد استهداف المناطق السكنية والمنشآت المدنية إلى الواجهة المخاوف من اتساع آثار التصعيد على السكان، خصوصاً في الساحل الغربي، الذي يشهد منذ أسابيع هجمات حوثية متكررة طالت مدينة المخا وميناءها والمناطق المحيطة بها.

وتقول الحكومة اليمنية إن استمرار الهجمات الحوثية لا يمثل مجرد تصعيد داخلي، بل يفاقم المخاطر على أمن الملاحة الدولية، خصوصاً مع امتداد نشاط الجماعة إلى السفن التجارية والممرات البحرية المحيطة بباب المندب.


ألغام الحوثيين تحصد الثروة الحيوانية وتهدد الريف اليمني

مشروع «مسام» يدمر ألغاماً حوثية في الأراضي اليمنية (الشرق الأوسط)
مشروع «مسام» يدمر ألغاماً حوثية في الأراضي اليمنية (الشرق الأوسط)
TT

ألغام الحوثيين تحصد الثروة الحيوانية وتهدد الريف اليمني

مشروع «مسام» يدمر ألغاماً حوثية في الأراضي اليمنية (الشرق الأوسط)
مشروع «مسام» يدمر ألغاماً حوثية في الأراضي اليمنية (الشرق الأوسط)

لم تعد الألغام الأرضية والعبوات الناسفة التي زرعتها الجماعة الحوثية في مناطق يمنية عدة تقتصر في تداعياتها على قتل وإصابة المدنيين؛ إذ امتدت آثارها إلى الثروة الحيوانية، أحد أهم مصادر الغذاء والدخل ورأس المال بالنسبة إلى آلاف الأسر الريفية.

وتحوَّلت مناطق للرعي ومزارع وطرق في محافظات تعز وحجة والبيضاء ومأرب وأجزاء من ريف صنعاء، خلال سنوات الحرب، إلى مساحات محفوفة بالمخاطر، بعدما تسببت الألغام والعبوات الناسفة في نفوق أعداد من الأغنام والأبقار والإبل، وفق إفادات محلية وشهادات سكان.

وفي أحدث هذه الحوادث، نفقت رؤوس من الأغنام وأصيبت أخرى في منطقة مقبنة غرب محافظة تعز، جرَّاء انفجار عبوة ناسفة من مخلفات الحوثيين أثناء مرور قطيع باتجاه مناطق الرعي في عزلة القحيفة.

نفوق أبقار في محافظة حجة جرَّاء انفجار ألغام حوثية (فيسبوك)

وقال شهود عيان إن الانفجار أدى إلى نفوق عدد من الأغنام وإصابة أخرى، بينما عثرت قوات الجيش اليمني في جبهة مقبنة، عقب الحادثة، على 4 عبوات ناسفة أخرى قالت إن الجماعة زرعتها على طرق يستخدمها الرعاة للوصول إلى مناطق الرعي، قبل انتزاعها وإبطال مفعولها.

وسبق ذلك بأيام حادثة مماثلة في مديرية نهم بريف صنعاء؛ حيث أدى انفجار لغم أرضي إلى مقتل مواطن وابنه البالغ 17 عاماً، وعدد من المواشي، أثناء رعيهما للقطيع.

وقالت مصادر محلية إن المواطن إسماعيل عطية وابنه محمد لقيا حتفهما مع عدد من المواشي، إثر انفجار لغم في منطقة للرعي، في حادثة تعكس اتساع نطاق الخطر الذي تواجهه الأسر التي تعتمد على تربية الحيوانات في المناطق الريفية.

خسائر تتجاوز نفوق المواشي

يقول مزارعون ورعاة في مناطق متفرقة لـ«الشرق الأوسط»، إن خسارة المواشي بسبب الألغام تمثل ضربة مباشرة لمصادر رزقهم؛ إذ يعتمد كثير من الأسر على تربية الحيوانات لتأمين الغذاء وبيع الحليب واللحوم وتغطية النفقات اليومية.

ويضيفون أن نفوق كل رأس ماشية يعني خسارة جزء من رأس مال الأسرة الذي جرى تكوينه على مدى سنوات، في وقت يصعب فيه تعويض الحيوانات النافقة، بسبب تراجع الدخول وارتفاع أسعار الأعلاف وتكاليف النقل.

اتهامات للحوثيين بزرع الألغام في الطرقات وأماكن الرعي (إعلام محلي)

ولا يقتصر الضرر -حسب إفاداتهم- على نفوق الحيوانات؛ إذ يضطر الرعاة إلى تجنب مساحات واسعة كانت تمثل مصدرهم الرئيسي للرعي والمياه، ما يدفعهم إلى شراء كميات إضافية من الأعلاف أو نقل القطعان إلى مناطق أكثر أمناً، وهو ما يضاعف تكاليف التربية.

وفي محافظتي حجة والبيضاء، تسببت ألغام مزروعة في مناطق رعوية في نفوق أعداد كبيرة من الأغنام، بينما شهدت أجزاء من محافظة مأرب حوادث مماثلة طالت الحيوانات، بالتزامن مع استمرار المخاطر في الأراضي الزراعية وممرات الرعي.

ويقول مربو المواشي إن استمرار وجود الألغام يضعهم أمام خيارين صعبين: المخاطرة بإرسال قطعانهم إلى مناطق قد تكون ملوثة بالمتفجرات، أو إبقاؤها في أماكن أكثر أمناً نسبياً، مع تحمل أعباء إضافية لتوفير الغذاء والمياه.

وتزداد الخسائر حين تطول الحيوانات المنتجة؛ خصوصاً الأبقار والإبل، لما توفره من الحليب ومشتقاته، بينما يؤدي فقدان الأغنام والماعز إلى تقليص قدرة الأسر على زيادة قطعانها مستقبلاً، فضلاً عن خسارة مصدر محتمل للدخل في حالات الطوارئ.

مراعٍ تتحول إلى مناطق خطرة

يرى عاملون في القطاع الزراعي اليمني أن خطورة الألغام لا تنتهي بانتهاء المعارك؛ بل يمكن أن تستمر سنوات؛ خصوصاً في المناطق الريفية التي يصعب على السكان تحديد أماكن الألغام فيها، وتتغير معالمها بفعل الأمطار والسيول والنزوح.

ويشير هؤلاء إلى أن الألغام لا تقتل الإنسان والحيوان عند انفجارها فحسب، وإنما تترك آثاراً طويلة الأمد على الاقتصاد الريفي والأمن الغذائي وسبل العيش، عبر تعطيل النشاط الزراعي والرعوي، وتقليص الأراضي المتاحة للرعي، ورفع تكلفة إنتاج الغذاء.

إتلاف مجموعة من الألغام غير المنفجرة في المخا (مشروع مسام)

كما يتهم عاملون في القطاع الزراعي الجماعة الحوثية بتحويل مناطق الرعي إلى بؤر خطرة، عبر زراعة الألغام والعبوات في مسارات يستخدمها الرعاة. وتزداد المخاطر بالنسبة إلى المواشي التي تتحرك بحثاً عن الأعشاب والمياه، ولا يمكن التحكم في مساراتها، ما يجعلها عرضة للدَّوس على المتفجرات المدفونة.

وتُمثل المواشي بالنسبة إلى كثير من الأسر الريفية اليمنية رأس مال متحركاً ومصدراً أساسياً للمعيشة، ولذلك فإن خسارتها بسبب الألغام لا تعني فقدان حيوان فحسب، وإنما فقدان جزء من القدرة على توفير الغذاء والدخل ومواجهة الأزمات.

ويؤكد ناشطون محليون أن إزالة الألغام من الأراضي الزراعية ومناطق الرعي أصبحت ضرورة إنسانية واقتصادية، لحماية السكان والحيوانات معاً، وإعادة استخدام مساحات واسعة تعطلت فيها الأنشطة الزراعية والرعوية بسبب مخلفات الحرب.

وتأتي هذه الحوادث في وقت تتواصل فيه عمليات المسح والتطهير ونزع الألغام والتوعية بمخاطرها، التي ينفذها مشروع «مسام» السعودي، لتطهير الأراضي اليمنية من الألغام التي زرعتها الجماعة الحوثية في مناطق عدة.