بعد 8 أشهر من التصعيد... لماذا لم يردع التدخل الأميركي هجمات الحوثيين؟

باحثون يمنيون لـ«الشرق الأوسط»: واشنطن لا تريد الحسم لعوامل خارجية وداخلية

واشنطن سحبت حاملة الطائرات «آيزنهاور» من البحر الأحمر وأرسلت «روزفلت» (أ.ف.ب)
واشنطن سحبت حاملة الطائرات «آيزنهاور» من البحر الأحمر وأرسلت «روزفلت» (أ.ف.ب)
TT

بعد 8 أشهر من التصعيد... لماذا لم يردع التدخل الأميركي هجمات الحوثيين؟

واشنطن سحبت حاملة الطائرات «آيزنهاور» من البحر الأحمر وأرسلت «روزفلت» (أ.ف.ب)
واشنطن سحبت حاملة الطائرات «آيزنهاور» من البحر الأحمر وأرسلت «روزفلت» (أ.ف.ب)

رغم انقضاء ثمانية أشهر من بدء الهجمات الحوثية ضد السفن تحت مزاعم نصرة الفلسطينين في غزة، لم يفلح التدخل الأميركي تحت مسمى تحالف "حارس الازدهار" في وضع حد لتهديد الجماعة المدعومة إيرانيا، وسط تصاعد الانتقادات الموجهة من الداخل لإدارة بايدن في التعامل مع المعضلة التي لاتزال تستنزف الموارد العسكرية والأصول دون أية مؤشرات على تراجع التهديد أو تقليم قدرات الجماعة.

وتشير التقديرات إلى أن القوات الأميركية، مع مساعدة بريطانية في أربع مناسبات، نفّذت منذ 12 يناير (كانون الثاني) الماضي قرابة 600 غارة على الأرض، إلى جانب إطلاق أكثر من 150 صاروخاً من طراز «توماهوك» مع عشرات القذائف المستخدمة خلال عمليات التصدي للطائرات المسيّرة والصواريخ الحوثية، وهو ما يعني كلفة كبيرة من الموارد والأموال وإهلاك الأصول العسكرية دون نتيجة مؤثرة.

في الآونة الأخيرة لجأ الحوثيون إلى استخدام الزوارق المسيّرة المفخخة في مهاجمة السفن (أ.ف.ب)

ويدّعي الحوثيون، من جهتهم، أنهم هاجموا نحو 170 سفينة، وكان من أبرز نتائج هذه الهجمات غرق سفينتين وقرصنة سفينة ثالثة وإصابة نحو 29 سفينة بأضرار، فضلاً عن تراجع الملاحة عبر باب المندب وقناة السويس بنسبة نحو 40 في المائة، وما أدى إليه ذلك من هجرة كبريات شركات النقل إلى طريق الرجاء الصالح؛ وهو ما يعني طول المسافة وزيادة أجور الشحن والتأمين.

لمعرفة ملابسات هذا المآل من الإخفاق الأميركي وبقاء التهديد الحوثي وتصاعده، استطلعت «الشرق الأوسط» وجهات نظر عدد من الباحثين السياسيين اليمنيين؛ إذ تبلور ما يشبه الإجماع على أن إدارة بايدن ليست عاجزة عن توسيع المواجهة لتقليم أظافر اليد الإيرانية في اليمن، وإنما لا تريد ذلك لأسباب تتعلّق بالاستراتيجية الأميركية في إدارة النزاعات والاستثمار فيها، إلى جانب ما يتعلّق بأولويات التهديدات الأكثر خطراً، وفي مقدمها النفوذ الصيني.

صورة جوية للسفينة البريطانية «روبيمار» الغارقة في البحر الأحمر إثر هجوم حوثي (رويترز)

وبالنظر إلى الكلفة المرتفعة المتوقعة، حال توسيع المواجهة مع الجماعة الحوثية التي لا تخسر كثيراً لرخص أسلحتها الإيرانية وبدائيتها، يسبق كل ذلك عجز واشنطن عن استعادة ثقة الحلفاء التقليديين في المنطقة -وفق ما يقوله الباحثون اليمنيون-، ووصولاً إلى ما يفرضه عام الانتخابات من عدم محاولة التورّط في صراع أوسع قد تكون نتائجه في صالح المنافس للوصول إلى المكتب البيضاوي.

أولوية الخطر الصيني

«الولايات المتحدة لم تعد راغبة في خوض معارك جديدة فيما يسمى الشرق الأوسط، خصوصاً بعد تجربة أفغانستان والعراق»، بهذا يرى الباحث السياسي اليمني مصطفى ناجي توجه واشنطن، ويجزم بأنها تدخر طاقتها لمواجهة منافسها؛ وهو التنين الصيني.

يقول ناجي لـ«الشرق الأوسط» إن الحرب في اليمن بالنسبة إلى أميركا ستكون بلا طائل، وتعني توسعة رقعة الحرب من الأراضي الفلسطينية إلى مناطق أخرى، وهذه رغبة إيران.

مدمرة أميركية في البحر الأحمر تطلق صاروخاً ضد أهداف حوثية (رويترز)

ويذهب الباحث والمحلل السياسي اليمني عبد الستار الشميري إلى وجهة مقاربة، فإلى جانب الكلفة التي لا تريد واشنطن دفعها لإنهاء الذراع الإيرانية في اليمن، يرى في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن استمرار أزمة الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن لا يؤثر في أميركا وإسرائيل اقتصادياً، وإنما يؤثر في الصين على المدى البعيد؛ إذ ستكون الأكثر تضرراً.

يستدل الشميري بتقديرات تذهب إلى أن الصين تصدّر وتستورد عبر البحر الأحمر ما يعادل 300 مليار دولار سنوياً، وهو نحو ربع واردات بكين وصادراتها في المنطقة، وعليه «ربما ترى أميركا أن في هذا الواقع إنهاكاً لاقتصاد الصين على المستوى البعيد».

ويتطابق في هذه الجزئية المتعلقة بالصين ما ذكره توفيق الجند، الباحث اليمني في «مركز صنعاء للدراسات»، لـ«الشرق الأوسط»؛ إذ يرى أن القواعد الصينية في أفريقيا مصدر قلق لأميركا، وأن وجودها العسكري الدائم والمنظم هو استمرار تهديد الحوثي أمن الملاحة في هذا الممر التجاري المهم.

سفينة شحن محاطة بقوارب الحوثيين في البحر الأحمر (رويترز)

ويستطرد الجند بالقول: «الوجود الأميركي العسكري في البحر الأحمر يحتاج إلى مبررات أمام القوى العالمية، وتهديد الحوثي للملاحة البحرية هو مبرر قوي لذلك، ويجب أن يبقى فترة من الوقت». «وبالتالي -والحديث للجند- فالقضاء على قوة الحوثيين المهددة لأمن الملاحة يجب ألا يحدث سريعاً»، ويستدل بأن واشنطن أبقت على «حدة رد الفعل، بوصفها سياسة احتوائية ورادعة للفعل المباشر لا خلفيات الفعل».

ضبط إيقاع ومصالح

أي مقاربة لفهم طبيعة الدور الأميركي خلال الصراع الدائر في البحر الأحمر يستدعي -طبقاً للشميري- التساؤل: هل الإدارة الأميركية السابقة أو اللاحقة لديها رغبة في إنهاء المصد الإيراني في اليمن، وهي الجماعة الحوثية، أو غيرها من المصدات الأخرى، أم أنها لا تريد ذلك، وإنما تريد ضبط إيقاع عمل هذه المصدات؟ ويعتقد الباحث اليمني أن أميركا إذا توافرت لديها الرغبة فهي قادرة بقواتها في البحر مع الشرعية اليمنية والمحيط الإقليمي على إنهاك الحوثيين وانتزاع ميناء الحديدة على أقل تقدير عسكري؛ لكنه يرى أنها لا تريد ذلك.

ويستند الشميري إلى «النظرية الاستراتيجية في السياسة الأميركية» منذ عهد «كسينجر»، وهي إدارة الأزمات والصراعات وليس إنهاءها، ويعتقد أن أميركا تسلك هذا السلوك في أكثر من منطقة في العالم؛ إذ تحاول إبقاء أوراق يمكن اللعب بها مستقبلاً، فهي تريد إبقاء التوازن بين العرب وإيران وتركيا وإسرائيل في المنطقة، وتركهم يضربون بعضهم بعضاً.

سفينة الشحن «شامبيون» تعرّضت لهجوم حوثي في خليج عدن وكانت تحمل مساعدات لليمن (رويترز)

ولا يرى أن إدارة بايدن لديها خطة حقيقية للمواجهة مع الحوثيين، إذ يقتصر الأمر على التأديب، ومحاولة إرسال الرسائل وحماية السفن حتى تتجلّى الرؤية النهائية، وهي: هل يشكّل الحوثيون خطراً عميقاً جداً على المصالح الأميركية أو التسبب في إصابات كبيرة في الأرواح؟

هذا الرأي يشاطر الشميري فيه الباحث اليمني في شؤون الإعلام والاتصال، صادق الوصابي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»؛ إذ يقول: «إذا تغيّرت الظروف على الأرض، مثل تصاعد الهجمات الحوثية أو حدوث تطورات جديدة في المنطقة، قد تجد الإدارة الأميركية نفسها مضطرة إلى اتخاذ خطوات أكثر حزماً، مثل تعزيز العمليات العسكرية أو زيادة التعاون مع الحلفاء في المنطقة، مع التركيز على الحفاظ على الاستقرار وتجنّب الانجرار إلى صراع طويل الأمد».

في السياق نفسه، يميّز توفيق الجند بين القدرة والرغبة في التعامل الأميركي مع جماعة الحوثيين، من حيث إذا أرادت واشنطن توظيفها ضدهم، ويقول إن الأمر يتعلّق بالمصالح الأميركية، وإن بقاء الحوثيين عسكرياً في البحر الأحمر يخدم هذه المصالح؛ إذ لا يوجد -وفق تعبيره- دافع أميركي مباشر للحد من المخاطر العسكرية الحوثية في هذا الممر الدولي.

إيران متهمة بتزويد الحوثيين بصواريخ بحرية لمهاجمة السفن (أ.ب)

ومن ناحية ثانية يرى الجند أن أميركا لم تتضرّر من أي نشاط حوثي ضد حركة السفن في البحر الأحمر، بل على العكس، «فسلسلة الإمدادات عبر البحر الأحمر لا تذهب إلى أميركا بل إلى أوروبا غالباً، وانقطاع إمدادات أوروبا من الطاقة العربية تحديداً، يدفع بها إلى التعويض من أميركا وبأسعار أعلى».

تناقض وابتزاز

يقرأ باحثون تردداً وارتباكاً لدى واشنطن عند تعاملها مع الأزمة اليمنية. ويعزو الباحث اليمني فارس البيل، وهو رئيس مركز «المستقبل اليمني للدراسات الاستراتيجية»، ذلك إلى أنها تنظر إليها بصفتها ورقة في ملف الصراع مع إيران، ولا تعدها مشكلة منفصلة إلا في تصريحاتها السياسية والدبلوماسية.

«المراوحة في الملف اليمني من جهة أميركا، قرباً أو ابتعاداً، هي حسب توازنات المعادلة في المنطقة، وتجاذبات الصراع؛ إذ لا تملك واشنطن تصوراً مستقلاً لحل المشكلة اليمنية، وإن كانت تعلن دعمها للسلام، لكنه دعم غامض، أو على الأقل لا تملك الإدارة رؤية واضحة لهذا السلام، وضماناته، وما بعده».

ولا يرى البيل أن إدارة بايدن وصلت إلى قناعة الإضرار بالميليشيات الحوثية أو إضعافها، فضلاً عن القضاء عليها؛ «إذ لا تزال تراها حالة مرتبطة بقواعد اللعبة، ويمكنها الاستفادة منها، بابتزاز دول المنطقة أو بتوازن العلاقة بإيران».

مقاتلات أميركية تحلّق فوق البحر الأحمر ضمن مهام حماية السفن من هجمات الحوثيين (أ.ف.ب)

يساند الجند هذه الرؤية؛ إذ يشير إلى أن واشنطن ترسم خططها وفقاً لمصالحها، وليس بناء على الفعل ورده، «فهي لم تصعّد قصفها لاستهداف العنصر البشري للحوثيين مثلاً، وإنما اكتفت بالتصدي للمسيّرات والصواريخ وفي أبعد مدى لقصف منصات الإطلاق».

وحول إذا كان أحد العوامل الأميركية الإبقاء على الحوثيين «ورقة ابتزاز»، يؤيّد الجند هذا الطرح، ويقول: «هذا يسمح بوجود واشنطن الدائم والفاعل في البحر الأحمر، وبما يسمح لها أيضاً بابتزاز حلفائها في الإقليم، وعلى رأسهم الرياض، ووفقاً لهذا فالتخلص من خطر الحوثيين في البحر الأحمر ليس هدفاً، بل استثماره هو الهدف الذي يستدعي بقاءه ضمن قواعد اشتباك يتم التفاهم عليها غالباً مع طهران وليس مع صنعاء».

ضغوط الداخل الأميركي

يقرأ الباحث اليمني في شؤون الإعلام والاتصال، صادق الوصابي، عدم الفاعلية الأميركية بخصوص ردع هجمات الحوثيين من ناحية ضغوط الداخل الأميركي والرأي العام الغربي، ويرى أن إدارة بايدن تعاني فعلاً معضلة؛ لأن العمليات الدفاعية والهجومية المحدودة التي شنتها، بالتعاون مع دول أخرى، تكشف الحرص على عدم الانغماس في صراع طويل الأمد وغير محبوب داخلياً.

ويربط الوصابي ذلك باقتراب الانتخابات الرئاسية التي تشكّل عامل ضغط كبيراً؛ إذ يسعى الحزب الديمقراطي للحفاظ على شعبيته وعدم إثارة مزيد من الاستياء الداخلي بسبب التدخلات العسكرية الخارجية، وفي الوقت نفسه يرغب في تجنّب الدخول في حروب حقيقية مع أطراف إقليمية.

مقاتلة أميركية على متن حاملة الطائرات «آيزنهاور» (رويترز)

ومن الواضح أن العمليات العسكرية التي تقوم الولايات المتحدة وحلفاؤها بها تهدف -كما يقول الوصابي- بصفة رئيسية إلى تهدئة الرأي العام الغربي، الذي يطالب بردع هجمات الحوثيين المتكررة، إذ تُظهر هذه العمليات أن الإدارة تتخذ خطوات لحماية المصالح الأميركية والملاحة الدولية، لكنها في الوقت نفسه تتجنّب التورّط في مواجهات مباشرة واسعة النطاق.

وبينما لا يغفل مصطفى ناجي الإشارة إلى الحسابات الانتخابية الأميركية و«صعوبة اتخاذ قرار وتكبد خسائر تؤثر في صورة الحزب الديمقراطي الحاكم حالياً»، يتوقع الباحث فارس البيل أن فترة ما قبل الانتخابات لن تشهد تغيراً في الموقف الأميركي، ويستدرك بالقول: «ربما يتحرك الأمر نحو مواجهة أشد أو معالجة سياسية ستحكمها توجهات حاكم البيت الأبيض المقبل».

ويتفق الشميري على أن «الانتخابات الأميركية تشكّل أحد العوامل فيما يخص عدم الدخول في مواجهة واسعة ضد الخطر الحوثي؛ لأن فترة الانتخابات لا تتخذ فيها قرارات كبرى». كما أنه لا يتوقع تغيراً كثيراً حتى في حال فوز إدارة جمهورية، باستثناء «ما يمكن تقديمه من عمليات نوعية أو دعم بالسلاح للشرعية اليمنية أو مساندة قراراتها السياسية والاقتصادية».

ومع ذلك، يرى الشميري أن أي إدارة جمهورية حازمة في البيت الأبيض قد تكون أفضل حالاً في المواجهة مع إيران والحوثي، «لكن دون إفراط في التفاؤل»، وفق تقديره.

تغيير الموازين

يؤكد المستشار الإعلامي في السفارة اليمنية بالقاهرة بليغ المخلافي، وجهة نظر الحكومة الشرعية، في قراءته للعجز الأميركي عن ردع الهجمات الحوثية، ويجزم أنه لن يكون هناك أثر ملموس لعمليات واشنطن إلا بتغيير موازين القوى على الأرض بالتحالف مع الشرعية ودول الإقليم.

ويشير المخلافي إلى بداية التصعيد مع استهداف الحوثيين الملاحة في البحر الأحمر، ومن ثم تشكيل واشنطن تحالف «حارس الازدهار»، ويقول: «هذا التحالف لم يكن فاعلاً بسبب العزوف الإقليمي عن المشاركة؛ لأسباب كثيرة، لعل أبرزها انعدام الثقة في الإدارة الديمقراطية التي أخلّت بالتزاماتها تجاه حلفائها في المنطقة حين أوقفت الدعم اللوجيستي وتصدير الأسلحة وقطع الغيار».

دخان يتصاعد في صنعاء إثر غارة غربية استهدفت موقعاً حوثياً (رويترز)

ويرى المستشار اليمني أن غياب الأطراف الإقليمية عن تحالف واشنطن كان له تأثير كبير في أداء هذا التحالف ونجاعته، وأيضاً بالنظر إلى الطريقة التي تُدار بها العمليات. ويجزم بأن واشنطن ليست عاجزة عن مواجهة الميليشيات الحوثية أو دعم عملية عسكرية قادرة على تقليم أظافر الجماعة، وإنما لا تريد توسيع العمليات في المنطقة، لذلك تحاول أن تكون عملياتها إما ردود أفعال وإما استباقية لتخفيف الأضرار.

وبخصوص نتائج العمليات الأميركية خلال أكثر من ثمانية أشهر، يعتقد المخلافي أنها لم تؤتِ أي ثمار، ولم تتمكن من تغيير سلوك الحوثيين، مشدداً على أن ذلك لن يحدث إلا بتغيير موازين القوى على الأرض لإنهاء تهديد الملاحة.

ويتبنّى المخلافي وجهة نظر الحكومة، ويؤكد أن الخطر الحوثي لن ينتهي إلا بدعم الشرعية للقيام بعملية عسكرية لاستعادة السيطرة على السواحل اليمنية؛ إذ يجب أن تكون العمليات على الأرض، بالإضافة إلى استعادة واشنطن ثقة الحلفاء في المنطقة؛ ليكونوا مشاركين وداعمين، وفي المقدمة المملكة العربية السعودية والإمارات، وفق قوله.


مقالات ذات صلة

الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

العالم العربي بينما يتراجع تمويل أعمال الإغاثة في اليمن تشهد البلاد زيادة في أعداد النازحين (رويترز)

الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

أطلقت الأمم المتحدة خطة استجابة إنسانية لليمن بـ2.16 مليار دولار بوقت تشير فيه التقارير إلى أن 22.3 مليون شخص بحاجة للمساعدة مع تصاعد النزوح وتفاقم أزمة الغذاء.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

تفاقم الغلاء وانهيار القدرة الشرائية يحولان عيد الفطر في مناطق سيطرة الحوثيين إلى مناسبة باهتة وسط ركود الأسواق وتراجع المساعدات وتصاعد حجم الإتاوات والجبايات.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

«الأمم المتحدة» تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية باليمن مع حاجة 22.3 مليون شخص للمساعدات، وسط فجوة تمويلية وتحديات وصول تعرقل إنقاذ ملايين المهددين بالجوع والمرض

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)

اليمن يحذر من تصعيد الحوثيين وتنسيقهم مع «جماعات إرهابية»

جدّدت الحكومة اليمنية تحذيرها من خطورة التصعيد الحوثي في مختلف جبهات القتال، مؤكدة امتلاكها أدلة على وجود تنسيق وتخادم بين «الجماعة» وتنظيمات إرهابية

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)

تهديد الحوثيين بالحرب ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن

تحذيرات دولية من تفاقم أزمة الأمن الغذائي في اليمن مع توقعات بتصعيد عسكري محتمل للحوثيين، ما يهدد بتوسيع الكارثة الإنسانية وارتفاع أعداد المحتاجين للمساعدات

محمد ناصر (عدن)

الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
TT

الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)

تتصاعد التحذيرات من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد وتفاقم الصدمات المناخية، وظهور صراعات جديدة في المنطقة والعالم تلقي بآثارها على البلاد، فيما تكشف تقارير أممية ودولية عن مواجهة ملايين السكان نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات الأساسية، وازدياد أعداد النازحين وتراجع القدرة على الإغاثة بسبب نقص التمويل.

وفي حين أعلنت الأمم المتحدة إطلاق «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»، صدرت تحذيرات من تفاقم أزمة النزوح واتساع نطاق انعدام الأمن الغذائي، الأمر الذي يضع البلاد أمام تحديات إنسانية متشابكة تتطلب دعماً دولياً عاجلاً ومستداماً، وسط شكوى السكان من تدهور قدراتهم الشرائية واضطرارهم إلى تقليص وجباتهم.

وحذرت «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، مؤكدة أن البلاد لا تزال تمثل إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق تقديرات «المفوضية»، فقد ارتفع عدد النازحين داخلياً إلى نحو 5.2 مليون شخص مع استمرار النزاع المسلح، بينما يعيش أكثر من 63 ألف لاجئ أوضاعاً اقتصادية قاسية، دفعت ببعضهم إلى تقليص وجباتهم الغذائية أو تأجيل الحصول على الرعاية الصحية بسبب الفقر المتصاعد؛ مما يعكس اتساع نطاق الأزمة وتعقيد جهود الاستجابة الإنسانية.

تدهور المعيشة في اليمن دفع ربات البيوت إلى تقليص كمية الطعام (الأمم المتحدة)

وكانت «المفوضية» أكدت أن اليمن يواجه إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم، بعد أن أثرت فيضانات مدمرة على أكثر من 460 ألف شخص خلال العام الماضي، وألحقت أضراراً بمواقع النزوح ودمرت الملاجئ في مناطق معرضة أصلاً للأمطار الموسمية.

تفاقم مرتقب

من جهتها، توقعت «شبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة» أن تبلغ الاحتياجات الغذائية ذروتها بين يوليو (تموز) وسبتمبر (أيلول) المقبلين، مع احتمال تضرر نحو 16 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي خلال تلك الفترة.

وتظهر بيانات الشبكة الدولية المختصة في مراقبة المجاعات استمرار ظهور مستويات الطوارئ الغذائية في بعض المناطق، بما في ذلك محافظات الحديدة وحجة وتعز، إضافة إلى مناطق في لحج والضالع وأبين وشبوة، بعد تآكل سبل العيش وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

قسوة المناخ في اليمن ألحقت أضراراً بمساكن النازحين وفاقمت من معاناتهم (الأمم المتحدة)

وتعاني الأسر في مختلف أنحاء اليمن من التداعيات طويلة الأمد للصراع وتدهور الاقتصاد وتراجع فرص كسب الدخل، وفقاً للتقرير الذي يرجح أن تبلغ الاحتياجات من المساعدات الغذائية ذروتها خلال موسم الجفاف.

وأشارت البيانات الدولية إلى احتمالية تضرر نحو 16 مليون شخص، ودخول معظم مناطق البلاد ضمن مستويات الأزمة الغذائية أو أسوأ، وفق «التصنيف المرحلي لانعدام الأمن الغذائي»، في وقت يخطط فيه «برنامج الأغذية العالمي» لدعم 1.6 مليون شخص في مناطق الحكومة، بينما لا تزال المساعدات معلقة بمناطق الحوثيين، مما يؤثر على 9.5 مليون شخص.

وأطلقت الأمم المتحدة وشركاؤها في المجال الإنساني «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»؛ التي تهدف إلى جمع نحو 2.16 مليار دولار لتوفير مساعدات إنسانية منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص في مختلف أنحاء البلاد.

موائد فقيرة

كشف كثير من العائلات اليمنية عن أن الأشهر الأخيرة كانت الأشد صعوبة في قدرتها على تلبية احتياجاتها المعيشية، بينما تذهب التقارير الدولية إلى أن الأشهر الستة المقبلة ستشهد تفاقماً في أزمة الأمن الغذائي باليمن، في ظل استمرار تدهور الظروف الاقتصادية وتآكل مصادر الدخل لدى ملايين الأسر.

الفيضانات في اليمن شردت الآلاف خلال العام الماضي وأضافتهم إلى أعداد النازحين (أ.ف.ب)

يقول سامي المقطري، وهو من سكان العاصمة اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المعيشة أصبحت أشد صعوبة، فبينما تراجعت فرص العمل بشكل كبير، توقفت المساعدات الغذائية والمالية إلى أقصى حد».

وينوه بأنه كان سابقاً يحصل على «فرص عمل بالأجر اليومي بين حين وآخر، كما يأتي بعض المساعدات، على شكل سلال غذائية أو مبالغ مالية، لتغطية العجز في توفير الطعام» لعائلته؛ بسبب التوقف عن العمل بعض الوقت أو عدم كفاية الأجرة التي يحصل عليها، إلا إن «الأشهر الأخيرة شهدت توقف العمل والمساعدات معاً».

وتتحسر، أمنية العريقي، وهي ربة بيت في تعز؛ بسبب عدم قدرتها على تلبية احتياجات عائلتها، المكونة من 6 أفراد، بعد ارتفاع أسعار الخدمات والغذاء.

وذكرت لـ«الشرق الأوسط» أنها تتلقى مساعدة مالية من شقيقها المغترب بين فترة وأخرى، وكان ذلك يساعد في تلبية كثير من الاحتياجات إلى جانب راتب زوجها، إلا إن ذلك، ومع تراجع سعر صرف العملات الأجنبية، وبقاء الأسعار على حالها، دفعها إلى التنازل عن كثير من المتطلبات.

بينما يتراجع تمويل أعمال الإغاثة في اليمن تشهد البلاد زيادة في أعداد النازحين (رويترز)

بدوره، يبدي علي غالب، وهو معلم في محافظة لحج (شمال عدن)، غضباً شديداً من ارتفاع الأسعار بتأثيرات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول منطقة الشرق الأوسط، «بينما كان السكان ينتظرون تراجع الأسعار بعد التحسن الذي شهدته العملة المحلية منذ نحو 8 أشهر؛ مما يعني أن اليمنيين تطولهم الكوارث، ولا يصل إليهم أي خير»، وفق رأيه.

ووفق التقديرات الأممية، فإن نحو 22.3 مليون إنسان سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية خلال العام الحالي، منهم 5.2 مليون نازح داخلياً، فضلاً عن آلاف اللاجئين والمهاجرين الذين يعيشون ظروفاً إنسانية معقدة، وتسعى الأمم المتحدة من خلال «خطة الاستجابة» إلى إنقاذهم.


السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.