اللحظات الأخيرة لجندي الحدود بمصر... روايات عديدة وحزن ودعوات

القاهرة تتحرك لعدم تكرار الحادث

مواطنون يحملون نعش الجندي المصري الذي قُتل خلال إطلاق نار في معبر رفح (إ.ب.أ)
مواطنون يحملون نعش الجندي المصري الذي قُتل خلال إطلاق نار في معبر رفح (إ.ب.أ)
TT

اللحظات الأخيرة لجندي الحدود بمصر... روايات عديدة وحزن ودعوات

مواطنون يحملون نعش الجندي المصري الذي قُتل خلال إطلاق نار في معبر رفح (إ.ب.أ)
مواطنون يحملون نعش الجندي المصري الذي قُتل خلال إطلاق نار في معبر رفح (إ.ب.أ)

لحظات عصيبة مرت على المصريين، بعد الكشف عن حادث إطلاق نار على الحدود مع قطاع غزة، أسفر عن مقتل جندي، تزامن مع توتر متنامٍ في العلاقات مع إسرائيل.

صباح الاثنين، بدأت وسائل إعلام إسرائيلية الحديث عن «حادث استثنائي»، بين القوات المصرية والإسرائيلية على الحدود، من المحتمل أن تكون له «تداعيات سياسية».

منطوق الخبر الذي تناقلته وسائل الإعلام الإسرائيلية، وتحديداً «القناة الـ13» ونظيرتها الـ«14»، أشار في حينه لمقتل جندي مصري؛ ما حرَّك كرة الانتظار باتجاه القاهرة؛ حيث بحث المتابعون عن نفي أو تأكيد.

وبعد وقت قصير من موجة التسريبات الأولى، خرجت «هيئة البث الإسرائيلية» الرسمية، لتؤكد مقتل جندي مصري «جراء تبادل إطلاق نار بين الجيش الإسرائيلي وجنود مصريين عند معبر رفح».

وأصبح معبر رفح مركز توتر بين القاهرة وتل أبيب، منذ 7 مايو (أيار) الحالي، عندما سيطرت قوات إسرائيلية على الجانب الفلسطيني من المعبر؛ ما ترتب عليه رفض مصري للتنسيق مع تل أبيب لعدم «شرعنة» ما قامت به قواتها.

وبعد حديث «هيئة البث»، خرج الجيش الإسرائيلي في بيان مقتضب ليعلن أن حادث إطلاق النار «قيد المراجعة ومناقشات جارية مع المصريين».

الحدود المصرية مع إسرائيل (رويترز)

لاحقاً، قال المتحدث العسكري المصري العقيد أركان حرب غريب عبد الحافظ، في بيان، إن «القوات المسلحة تجري تحقيقات بواسطة الجهات المختصة حيال حادث إطلاق النيران بمنطقة الشريط الحدودي برفح؛ ما أدى إلى استشهاد أحد العناصر المكلفة بالتأمين».

«روايات وتحقيقات»

روايات كثيرة ارتبطت بالحادث، كانت شراراتها الأولى من الجانب الإسرائيلي، عبر منابر إعلامية دون أن تستند لتحقيقات أو بيانات رسمية.

في البداية، أفادت «القناة 14» الإسرائيلية بأن جنوداً مصريين أطلقوا النار على جنود إسرائيليين داخل معبر رفح دون وقوع إصابات، وذهبت إذاعة الجيش الإسرائيلي لتروج أن الجانب المصري هو من بدأ بإطلاق النار.

وفي وقت لاحق، أضافت وسائل إعلام إسرائيلية رواية أخرى تتلخص في أن جنود مصر أطلقوا النار على شاحنة إسرائيلية، ورد جنود إسرائيليون بإطلاق نار وهناك إصابات، بينما أفادت رواية ثالثة بأن قوات الجيش الإسرائيلي ردت بإطلاق النار تحذيراً.

ثم تطرقت إذاعة الجيش الإسرائيلي للحديث عن أن تبادل إطلاق النار مع القوات المصرية حدث بالأسلحة دون اشتراك الدبابات.

على الجانب المصري، قدم مصدر أمني مطلع، عبر قناة «القاهرة الإخبارية» الحكومية رواية أخرى مدعمة بتحقيقات. وأكد المصدر أنَّ «التحقيقات الأولية لحادث إطلاق النيران واستشهاد جندي على الحدود تُشير لإطلاق نار بين عناصر من قوات الاحتلال الإسرائيلي وعناصر من المقاومة الفلسطينية».

وذكر المصدر أنّ «التحقيقات الأولية تُشير لإطلاق النيران في اتجاهات عدة، وقيام عنصر التأمين المصري باتخاذ إجراءات الحماية والتعامل مع مصدر النيران».

المصدر قال أيضاً: «جرى تشكيل لجان تحقيق للوقوف على تفاصيل حادث إطلاق النيران الذي أدى إلى استشهاد أحد العناصر المكلفة بالتأمين لتحديد المسؤوليات، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع تكراره مستقبلًا».

«حزن ودعوات»

لم تذكر السلطات المصرية هوية الجندي بعد، غير أن منصات التواصل الاجتماعي كشفت، مساء الاثنين، أن اسمه عبد الله رمضان حجي من محافظة الفيوم وسط مصر، وجرى تداول صفحة بـ«فيسبوك» منسوبة له.

وتحوي صفحة المصري الراحل صورة له بزي عسكري، نُشرت في يونيو (حزيران) 2023، مع إشارة لوجوده في شمال رفح المصرية، بخلاف تدوينتين اثنتين كلتاهما متعلقتان بالأحداث في غزة، وكُتبتا بتاريخ 7 فبراير (شباط) الماضي.

التدوينة الأولى جاء فيها «إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع وإنا لعلى كربك يا غزة لمحزونون، غزة في كرب والعالم أصم أبكم أعمى عاق عن إنجاب الرجولة»، والثانية: «يا رب هدوءاً تاماً في غزة».

ومع إعلان حادث الحدود، والكشف عن صفحة الجندي المصري الراحل، قفز التضامن مع التدوينتين مسجلاً أكثر من 19 ألف تفاعل مع التدوينة الأولى، و26 ألفاً مع الثانية بخلاف أكثر من 5 آلاف تعليق و6 آلاف مشاركة، وحملت التعليقات دعوات له بالرحمة، ووصفه بالبطل.

وجاءت لحظات الوداع الأخيرة، صباح الثلاثاء، لتسجل في صور ومقاطع فيديو منتشرة بمنصات التواصل، حزناً كبيراً على الراحل، ومشاهد تشييع مهيبة في قرية الجندي، توجتها هتافات أثناء الجنازة «الله أكبر الله أكبر»، «لا إله إلا الله الشهيد حبيب الله».

ومع وداع الجندي الشهيد، انتشرت تقارير إعلامية على منصات التواصل الاجتماعي، عن شهيد مصري آخر في حادث إطلاق النار، إلا أن مصدر أمني مصري، نفى لـ«القاهرة الإخبارية»، صحة تلك الأنباء.

بكاء عدد من أقارب الجندي المصري الذي قُتل في معبر رفح خلال جنازته بالفيوم (إ.ب.أ)

«مخاوف المستقبل»

الحادث أثار كثيراً من المخاوف من تصعيد الأوضاع على الحدود، وحرك أيضاً مساعي لعدم تكراره وتحقيقات جارية في ملابساته.

مساء الاثنين، قال مصدر أمني مسؤول لقناة «القاهرة الإخبارية»، إن الهجوم الإسرائيلي على محور فيلادلفيا، القريب من المعبر «يخلق أوضاعاً ميدانية ونفسية تصعب السيطرة عليها ومرشحة للتصعيد».

بينما قال اللواء سمير فرج، المفكر الاستراتيجي والعسكري لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك لجنة مشتركة وفق اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل تعمل لعدم تكرار مثل هذا الحادث، وتلافي حدوثه مجدداً، والاستفادة من أي أخطاء سابقة»، داعياً لانتظار نتائج التحقيقات، وعدم استباق الأمور.

اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل الموقَّعة عام 1979، تحمل، وفق اللواء سمير فرج، «آليات لحل مثل هذه الحوادث»، مشيراً إلى أن جنوداً مصريين سبق أن أسقطوا قتلى في الجانب الإسرائيلي مثل سليمان خاطر ومحمد صلاح، وجرى بحث الحادثين في خلال تلك الأطر.


مقالات ذات صلة

كيف غيَّر «هجوم محمد صلاح» خطط تأمين الحدود المصرية - الإسرائيلية؟

شمال افريقيا رئيس أركان الجيش المصري الفريق أحمد خليفة يتفقد إحدى نقاط تأمين خط الحدود الدولية على الاتجاه الاستراتيجي الشمالي الشرقي (أرشيفية - المتحدث العسكري)

كيف غيَّر «هجوم محمد صلاح» خطط تأمين الحدود المصرية - الإسرائيلية؟

تحدثت تقارير عبرية عن تحولات جذرية لدى الجيش الإسرائيلي في التعامل مع الملف الحدودي مع مصر في ظل مخاوف من تكرار «هجوم محمد صلاح» الذي وقع قبل 3 سنوات.

هشام المياني (القاهرة)
المشرق العربي فلسطينيون في موقع حطام سيارة شرطة دمرتها غارة إسرائيلية في مدينة غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

«لأول مرة منذ شهرين»... 323 شاحنة تدخل غزة في يوم واحد

للمرة الأولى منذ شهرين، شهد قطاع غزة زيادة ملحوظة في عدد الشاحنات التي تحمل مساعدات وبضائع تجارية، كما ارتفعت أعداد المسافرين عبر معبر رفح البري.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية سيارات إسعاف مصرية تقف أمام معبر رفح من الجانب المصري قبل إعادة إغلاقه (رويترز)

إسرائيل تفتح معبر رفح الأربعاء أمام حركة «محدودة» للأفراد

قالت هيئة تنسيق أعمال ​الحكومة الإسرائيلية في المناطق (كوغات)، وهي الجهة العسكرية المسؤولة عن الشؤون الإنسانية، إن معبر ‌رفح سيُعاد فتحه يوم الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شمال افريقيا رافعة بناء تدخل من الجانب المصري لمعبر رفح الحدودي مع قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

غزيون في مصر بين معاناة غلق معبر رفح وانتظار المجهول

معاناة يتجرعها غزيون في مصر مع استمرار إسرائيل في إعاقة عودة الفلسطينيين لقطاع غزة أو دخول آخرين من القطاع للعلاج، مع غلق المعابر وبينها رفح الحدودي.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي فلسطيني يحمل طفلة بينما يصل الفلسطينيون القادمون من معبر رفح الحدودي إلى مستشفى ناصر في خان يونس جنوب قطاع غزة يوم 9 فبراير الحالي (رويترز) p-circle 05:08

«أغروهم بالمال للرجوع إلى مصر»... صدمة إسرائيلية من العائدين إلى غزة

خيّمت الصدمة على السلطات الإسرائيلية من أعداد الفلسطينيين الراغبين في العودة لقطاع غزة رغم ما حل به من دمار، بينما نقلت شهادات عن إغرائهم بالأموال للرجوع لمصر

نظير مجلي (تل أبيب)

أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
TT

أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)

حملت أولى رسائل الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، تحديد أولويات المرحلة المقبلة من عمر الجامعة التي عَرَف تاريخها منذ التأسيس أزمات إقليمية عديدة، حيث ركّز على مسارين لافتين متمثلين في تطوير الآليات وتعظيم التشاور العربي.

فبعد اعتماد مجلس الجامعة على المستوى الوزاري، بتفويض من القادة العرب، مساء الاثنين، قرار تعيينه أميناً عاماً جديداً للجامعة لمدة 5 سنوات اعتباراً من الأول من يوليو (تموز) المقبل، أكد فهمي في بيان أن العمل خلال المرحلة المقبلة سينصبّ على تطوير المنظمة العربية وتحديث آليات عملها، بما يتواكب مع التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة.

كما لفت إلى أن المرحلة تتطلب تكثيف التنسيق والتشاور العربي لمواجهة الأزمات والتهديدات التي تشهدها المنطقة، إلى جانب تعزيز التعاون العربي للاستفادة من الفرص المتاحة وتحويل التحديات الراهنة إلى فرص تدعم الاستقرار والتنمية.

وعدَّ اختياره بالإجماع «مسؤولية تاريخية في مرحلة دقيقة ومفصلية، في ظل ما تواجهه المنطقة العربية من تحديات جسام ومتغيرات إقليمية ودولية متسارعة»، الأمر الذي يتطلب تعزيز العمل المشترك والدفاع عن المصالح العربية وترسيخ مبادئ التضامن بين الدول العربية كافة.

وشدّد كذلك على أهمية احترام سيادة الدول العربية، وصون أمنها وسلامة أراضيها، ودعم الجهود الوطنية لتحقيق التنمية المستدامة، وتحسين أوضاع الشعوب العربية، مؤكداً أن الجامعة العربية ستبقى «بيت العرب الجامع»، وستواصل أداء دورها كمنصة جامعة للحوار والتشاور والتنسيق بين الدول الأعضاء.

«تغيرات متسارعة»

تلك الأولويات يراها دبلوماسي تحدث لـ«الشرق الأوسط» قراءة جيدة لطبيعة المرحلة التي قال إنها «تُلزم منظمة بحجم الجامعة العربية أن تعمل على تطوير نفسها بصورة تمنح قيمة مضافة للعمل العربي، حيث سيكون التشاور العربي مهماً في هذا السياق باعتباره البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة فيها».

السيسي يلتقي الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (الرئاسة المصرية)

وواصل السفير محمد حجازي، عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، حديثه قائلاً إن تلك المرحلة «تتسم بتغيرات استراتيجية متسارعة تشمل تداعيات الحرب الأميركية - الإيرانية، واستمرار الحرب في غزة، والأزمات الممتدة في السودان وليبيا واليمن، فضلاً عن التحولات الجارية في النظام الدولي».

وأكّد أن انتخاب نبيل فهمي بالإجماع أميناً عاماً لجامعة الدول العربية «تقدير جماعي لقدراته الدبلوماسية وتاريخه الحافل وصلاته العربية والدولية، ما يجعل هناك فرصة مهمة لإعادة تموضع المؤسسة العربية في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد».

ويجيء تعيين فهمي في المنصب خلفاً لمواطنه المصري أحمد أبو الغيط، الذي قاد المنظمة منذ عام 2016، وشغل المنصب لمدة 10 سنوات. وسيكون هو الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ تأسيسها عام 1945، والثامن من مصر مع استثناء فترة واحدة مع نقل المقر من القاهرة إلى تونس عام 1979، عقب توقيع الرئيس المصري الراحل أنور السادات «معاهدة السلام» مع إسرائيل.

«استعادة الثقة»

يعتقد حجازي أن الأولوية الأولى أمام نبيل فهمي ستكون استعادة الثقة السياسية في الجامعة العربية باعتبارها منصة للتوافق العربي، وليس مجرد إطار بروتوكولي للاجتماعات وإصدار البيانات، مؤكداً أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بتطوير الهياكل الإدارية بقدر ما يتعلق بإقناع الدول الأعضاء بأن الجامعة قادرة على إنتاج قيمة سياسية مضافة وإدارة الخلافات العربية بصورة مؤسسية.

ومن المرجح أن يركز فهمي على تكثيف آليات التشاور السياسي المنتظم بين العواصم العربية، خاصة في ظل فجوات المواقف بشأن العديد من الملفات الإقليمية.

وقال حجازي: «قد نشهد اتجاهاً نحو اجتماعات أكثر انتظاماً على مستوى وزراء الخارجية ومستشاري الأمن القومي، مع تفعيل أدوات الإنذار المبكر وإدارة الأزمات داخل الأمانة العامة، بحيث تتحول الجامعة إلى مركز للتنسيق الاستراتيجي العربي، وليس مظلة دبلوماسية تقليدية فقط».

أما فيما يتعلق بتطوير آليات المنظمة، فمن المتوقع أن تتضمن أجندة فهمي «مراجعة شاملة لأساليب العمل المؤسسي، وتحديث منظومة اتخاذ القرار، وتعزيز دور مراكز الدراسات وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في دعم صنع القرار العربي»، بحسب حجازي.

كما قد يسعى إلى ربط الجامعة بصورة أكبر بقضايا التنمية والاقتصاد والتحول الرقمي والطاقة والأمن الغذائي والمائي، وهي الملفات التي أصبحت تمثل «جوهر الأمن القومي العربي في مفهومه الحديث»، في رأي مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق.

وأوضح أن مسار تكثيف التشاور العربي سيكون البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة في الجامعة العربية، قائلاً: «عندما تنجح الجامعة في توفير منصة موثوقة للحوار وتسوية التباينات وصياغة مواقف مشتركة تجاه القضايا الكبرى، ستصبح عملية تطوير المنظمة أكثر سهولة وقابلية للتحقيق».

ويعتقد حجازي أن نجاح نبيل فهمي سيتمثل في «قدرته على تحويل الجامعة العربية من مؤسسة تعكس الانقسامات العربية إلى مؤسسة تساهم في تجاوزها، ومن منبر للتشاور إلى أداة فاعلة لصياغة رؤية عربية مشتركة للأمن والتنمية والتعامل مع التحولات الإقليمية والدولية».


لقاءات مصرية - سورية متتالية تدفع مسار التقارب

وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
TT

لقاءات مصرية - سورية متتالية تدفع مسار التقارب

وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)

شهدت الفترة الأخيرة لقاءات مصرية - سورية متتالية، يراها مسؤولون ومراقبون «دفعةً لمسار التقارب» في العلاقات بين البلدين، خصوصاً بعد حل أزمة البعثة الدبلوماسية السورية في القاهرة.

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي نظيره السوري أسعد الشيباني، مساء الاثنين، على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية المنعقد في العاصمة الأردنية عمَّان.

وحسب بيان للخارجية المصرية، الثلاثاء، أكد الوزيران «عمق الروابط التاريخية والشعبية التي تجمع مصر وسوريا... وأهمية البناء على الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السوري إلى القاهرة مطلع شهر مايو (أيار) الماضي». كما رحبا بعقد الاجتماع الحكومي المصري-السوري الثاني على مستوى كبار المسؤولين بمشاركة الوزارات والهيئات المعنية بالتجارة والاستثمار في البلدين، لبحث الخطوات التنفيذية لتعزيز التعاون الاقتصادي المشترك.

وقال مدير إدارة الشؤون العربية بوزارة الخارجية السورية، محمد طه الأحمد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «العلاقات مع مصر تتقدم في مسارها الطبيعي، وهناك حرص سوري على تطويرها».

وفد سوري ترأسه وزير الخارجية أسعد الشيباني زار القاهرة الشهر الماضي لبحث العلاقات الثنائية (الخارجية المصرية)

ودارت مناقشات بين البلدين خلال الفترة الماضية بعدما تحفظت مصر على أسماء رشحتها سوريا لتمثيل بعثتها الدبلوماسية في القاهرة، مما عرقل ترتيبات حضور البعثة السورية إلى مصر. لكن أمكن تخطي الأزمة بعدما قدمت سوريا مرشحاً آخر، هو يحيى دياب، لقيادة بعثتها في مصر، وصرحت مصادر لـ«الشرق الأوسط» بأن القاهرة وافقت عليه، ومن المنتظر أن يتسلم مهامه خلال أيام.

ويرى الخبير السياسي المصري في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، عمرو الشوبكي، أن التحديات التي تشهدها المنطقة والإقليم تحتم تطوير العلاقات المصرية-السورية، التي وصفها بأنها «علاقات تاريخية راسخة». وقال إن الروابط الثقافية والاجتماعية والسياسية بين الشعبين كبيرة، مؤكداً أن السلطات في مصر «كان لديها تخوفات أكثر منها خلافات مع نظام الحكم الجديد في سوريا، نظراً لتجربة مصر المعروفة مع الإسلام السياسي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «تلك التخوفات يتم تجاوزها تدريجياً وفق مبدأين أساسيين هما احترام الخبرة والنموذج السياسي لكل بلد، وعدم التدخل في شؤون الآخر»، مشيراً إلى أن مصر رسَّخت هذين المبدأين من قبل في العلاقة مع تركيا. وقال الشوبكي: «اللقاءات المصرية - السورية المتعاقبة تؤشر على تحسن العلاقات وفق نفس المبدأين».

وفي أواخر أبريل (نيسان) الماضي، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره أحمد الشرع على هامش «القمة التشاورية العربية - الأوروبية» التي عُقدت في قبرص. وأفادت وسائل إعلام في القاهرة ودمشق حينها، بأن «حديثاً ودياً» جرى بينهما لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون.

واستضافت دمشق في يناير (كانون الثاني) الماضي أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة عدد من قيادات الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين البلدين واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وفي منتصف الشهر الجاري، أكد القائم بأعمال السفارة المصرية في دمشق، محمد عمر عبد العزيز الفقي، أن بلاده تتطلع إلى توسيع آفاق التعاون مع سوريا في مختلف المجالات، خصوصاً في قطاع إعادة الإعمار. وجاء ذلك في تصريح للصحافيين عقب جولته في أجنحة معرض «بيلدكس» الدولي للبناء والتشييد في دمشق، وفقاً للوكالة العربية السورية للأنباء (سانا).


قيود حوثية تحرم اليمنيين أجواء كأس العالم

تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
TT

قيود حوثية تحرم اليمنيين أجواء كأس العالم

تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)

في الوقت الذي تتجه فيه أنظار ملايين المشجعين حول العالم إلى منافسات كأس العالم 2026، يواجه اليمنيون في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، قيوداً تحول دون متابعة الحدث الكروي الأبرز عالمياً؛ إذ منعت الجماعة عرض مباريات البطولة داخل الأندية الرياضية في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى، كما فرضت قيوداً على الاستراحات والمقاهي، في خطوة أثارت استياءً واسعاً بين الأوساط الرياضية والشبابية.

وتقول مصادر رياضية إن الجماعة مستمرة منذ انطلاق البطولة في منع إدارات عدد من الأندية الرياضية؛ من بينها «الوحدة» وأهلي صنعاء» و«22 مايو»، من تنظيم فعاليات جماهيرية لعرض مباريات كأس العالم عبر الشاشات داخل مقراتها، رغم الاستعدادات التي كانت قد أُنجزت لاستقبال المشجعين وتنظيم أنشطة مصاحبة للمونديال.

وبحسب المصادر، أوقفت قيادات حوثية تدير القطاع الرياضي، كل الترتيبات التي أعدتها الأندية لاستقبال الجماهير، بما في ذلك تجهيز الشاشات وتنظيم الفعاليات الرياضية والترفيهية المرتبطة بالبطولة.

أحد الملاعب الرياضية في العاصمة صنعاء الخاضعة للحوثيين (إكس)

وأكدت المصادر فشل كل المحاولات الرامية إلى إقناع السلطات التابعة للجماعة بالسماح بإقامة تلك الفعاليات، ما أدى إلى إلغاء البرامج التي كانت مخصصة لاستقبال المشجعين خلال مباريات البطولة.

ويؤكد ناشطون أن الخطوة الحوثية تمثل امتداداً لسياسة التضييق على الأنشطة الرياضية والترفيهية، وحرمان الشباب من متابعة أبرز الأحداث الكروية العالمية في أجواء جماهيرية اعتادوا عليها خلال السنوات الماضية.

استياء رياضي

على وقع هذا التضييق الحوثي، يقول عصام، وهو اسم مستعار لمدرب رياضي من صنعاء، إن متابعة مباريات كأس العالم في الأندية والمقاهي، تمثل متنفساً مهماً للشباب في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي تمر بها البلاد.

وأضاف أن منع هذه الأنشطة يشكل ضربة جديدة لما تبقى من الفعاليات الرياضية والاجتماعية في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أن الأندية يفترض أن تكون فضاءات مفتوحة للشباب لممارسة الرياضة ومتابعة الأحداث الرياضية العالمية بعيداً عن القيود.

أما الشاب رمزي (27 عاماً) من ريف صنعاء، فيقول إن كثيراً من الشباب كانوا ينتظرون البطولة بوصفها فرصة للالتقاء بالأصدقاء ومتابعة المباريات في أجواء جماعية، إلا أن القرارات الأخيرة حرمتهم من هذه التجربة التي ارتبطت تقليدياً بالمناسبات الكروية الكبرى.

حشد في أكبر مساجد صنعاء لمتابعة خطبة زعيم الجماعة (أ.ف.ب)

وفي السياق ذاته، أوضح أحد ملاك المقاهي في صنعاء، طالباً عدم ذكر اسمه، أن الجهات التابعة للجماعة سمحت في البداية بعرض أولى مباريات البطولة، لكنها عادت لاحقاً وأبلغت أصحاب المقاهي بالتوقف عن ذلك، ما دفعهم إلى إلغاء الترتيبات الخاصة باستقبال الزبائن خشية التعرض للمساءلة أو العقوبات.

ويشير هؤلاء إلى أن بطولة كأس العالم 2022 شهدت إجراءات مشابهة، حيث تحدث ملاك استراحات ومقاهٍ في صنعاء آنذاك، عن إلزامهم بعرض مواد دعائية وخطب ومحاضرات ذات طابع تعبوي على الشاشات خلال فترات الاستراحة بين المباريات، مع التلويح بفرض عقوبات على المخالفين.

خوف من التجمعات

يؤكد ناشطون يمنيون في صنعاء أن الجماعة الحوثية دأبت منذ سنوات، على فرض قيود واسعة على الأنشطة الرياضية والشبابية، سواء المحلية أو المرتبطة بالبطولات الخارجية، الأمر الذي أدى إلى تقليص المساحات الترفيهية والاجتماعية المتاحة أمام الشباب.

كما يعتقد مراقبون أن الجماعة الانقلابية تنظر إلى التجمعات الرياضية والفعاليات الجماهيرية باعتبارها أنشطة تستقطب الشباب بعيداً عن البرامج التعبوية التي تروج لها، بما في ذلك حملات الاستقطاب إلى الجبهات تحت شعارات دينية ومذهبية مختلفة.

وتستحضر الأوساط الرياضية في صنعاء أجواء بطولات كأس العالم التي سبقت اندلاع الحرب، عندما كانت الشاشات العملاقة تنتشر في الملاعب والحدائق العامة والمدارس الفنية والصالات الرياضية والمتنزهات والمقاهي.

الحوثيون يسمحون فقط بالتجمعات الخادمة لأجندتهم السياسية والعقائدية (إ.ب.أ)

وخلال تلك السنوات، كانت مؤسسات حكومية؛ من بينها وزارة الشباب والرياضة وقطاع الاتصالات، تسهم في تنظيم فعاليات جماهيرية لمتابعة المباريات، فيما كانت آلاف الجماهير تتوافد إلى الملاعب والساحات العامة لمشاهدة الحدث الكروي العالمي.

ويقول المهتمون بالرياضة إن استمرار القيود الحوثية الحالية يعكس توجهاً متصاعداً للسيطرة على الفضاءات العامة والأنشطة الجماهيرية، بما في ذلك الفعاليات الرياضية التي تمثل متنفساً مهماً للشباب في ظل التحديات الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة.