كبير المفاوضين الحوثيين لـ«الشرق الأوسط»: لقاؤنا مع «الإخوة» في السعودية عالج عقبات خريطة الطريق

الجماعة متمسكة بفصل البحر عن السلام... وعدّت تلميحات تهديد الحل الداخلي الغربية «محاولة» ضغط

وزير الدفاع السعودي خلال لقائه وفد صنعاء بالرياض في سبتمبر 2023 (واس)
وزير الدفاع السعودي خلال لقائه وفد صنعاء بالرياض في سبتمبر 2023 (واس)
TT

كبير المفاوضين الحوثيين لـ«الشرق الأوسط»: لقاؤنا مع «الإخوة» في السعودية عالج عقبات خريطة الطريق

وزير الدفاع السعودي خلال لقائه وفد صنعاء بالرياض في سبتمبر 2023 (واس)
وزير الدفاع السعودي خلال لقائه وفد صنعاء بالرياض في سبتمبر 2023 (واس)

يقول محمد عبد السلام، كبير المفاوضين الحوثيين المتحدث باسم الجماعة إن لقاء وفد صنعاء مع قيادات سعودية «نتج منه تجاوز لأهم العقبات التي كانت تواجه خريطة الطريق»، وهي الالتزامات التي يحاول إنجاحها المبعوث الأممي لليمن هانس غروندبرغ ليرسم من خلالها حلاً للأزمة اليمنية.

سبق لكبير المفاوضين الحوثيين أن سمّى المسؤولين السعوديين «الأشقاء»، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» خلال يناير (كانون الثاني)، واليوم يسمي المسؤولين السعوديين «الإخوة»، وذلك خلال حوار موسع طرحت خلاله «الشرق الأوسط» جملة أسئلة مكتوبة حول السلم والبحر، وعلاقات الجماعة الإقليمية والدولية.

السفير السعودي محمد آل جابر خلال زيارته صنعاء في أبريل 2023 (الشرق الأوسط)

تشهد الأزمة اليمنية تحديين كبيرين هذه الأيام. خريطة السلام الأممية، وهجمات البحر الأحمر. في التحدي الأول يسعى المبعوث الأممي لليمن هانس غروندبرغ لإنجاح رسم الخريطة ومراحلها، في حين يخوض الحوثيون معركة بحرية مع القوى الغربية. وفي الثاني، يعلن الحوثيون أنهم ينتصرون لغزة عبر منع السفن الإسرائيلية من المرور عبر باب المندب، ولاحقاً باتت تستهدف السفن البريطانية والأميركية في أعقاب عمليات إحباط هجمات في البحر، وضربات شنّتها الدولتان داخل اليمن لردع الحوثيين عن ما تقول لندن وواشنطن إنه حماية للملاحة.

اليمن والسلام

أثبتت الدبلوماسية السعودية وجهود الوساطة التي بذلتها الرياض نجاحها في خلق فرصة غير مسبوقة لبدء نهاية الأزمة. يقول الدكتور هشام الغنّام، المشرف العام على مركز البحوث الأمنية وبرامج الأمن الوطني في جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، لـ«الشرق الأوسط» إن الحوثيين وصلوا إلى قناعة بالوساطة السعودية لأنها أيضاً لمصلحتهم كجماعة وفي مصلحة اليمنيين، وفي الوقت نفسه تم وضع الكرة في ملعبهم. بمعنى، جرت إعادة القضية إلى أصلها؛ كونها يمنية - يمنية وليست سعودية - يمنية. وهو ما مهّد الطريق أمام المبعوث الأممي لليمن هانس غروندبرغ للبدء في طرح خريطة طريق مفصلة لحوار اليمنيين أنفسهم.

ويعتقد كبير المفاوضين الحوثيين، أن مشهد السلام في اليمن «يسير بشكل جيد، سواء منذ بدء الهدنة الأممية في أبريل (نيسان) 2022 الموافق لشهر رمضان آنذاك، وكذلك من خلال النقاشات مع الجانب السعودي برعاية عمانية وهي تسير بشكل جيد حتى الآن. «ولكن هل أنتم مستعدون للبدء في مفاوضات سياسية تشمل مشاركة الحكم والانتخابات والتصويت على الدستور واستكمال العملية السياسية؟ وما هي أبرز الشروط؟» يجيب عبد السلام قائلاً «‏خريطة الطريق تضمنت مخاوف الجميع، وأكدت على الملف الإنساني الملح الذي يعاني منه الشعب اليمني في شمالي وجنوبه ووسطه وشرقه وغربه؛ كون الملف الإنساني سينعكس إيجاباً بشكل كبير على بقية الملفات وفي مقدمتها الحوار السياسي وخريطة الطريق تضمنت حواراً سياسياً وبدأت بالملف الإنساني وما يتضمنه من فتح الطرقات والمطارات والموانئ والإفراج عن المعتقلين، وكذلك استكمال الملف الإنساني ثم الملف العسكري ثم الملفين الاقتصادي والسياسي»، مضيفا «في الجانب السياسي، تترك للمتفاوضين في تلك المرحلة لا نستطيع أن نتنبأ بتفاصيل الوضع السياسي الآن، وهذا بديهي».

محمد عبد السلام كبير المفاوضين الحوثيين (إكس)

«قلتم لـ(الشرق الأوسط) في تصريح سابق إن عمليات البحر الأحمر لن تؤثر على السلام، لكن يبدو أن الرسائل الغربية تذهب إلى عكس ذلك، فهل لكم أن تفسروا كيف قرأتم الرسائل الغربية؟». يجيب عبد السلام بالقول إن عمليات البحر الأحمر منفصلة، هدفها واضح، وجاءت ضرورة للاستجابة للوضع الفلسطيني الملحّ الذي يمثل حالة خطيرة على الأمن الإقليمي والعربي والإسلامي ويؤثر علينا في اليمن إذا هيمنت إسرائيل أو قضت كما تتصور أو أضعفت الشعب الفلسطيني ومقاومته؛ فإن هذا سينعكس سلباً على الجميع، فضلاً عن الموقف الديني والأخلاقي تجاه هذه القضية. ولهذا؛ نعدّها منفصلة وما زالت منفصلة حتى الآن، ونعتقد أن التصريحات الغربية تأتي في إطار محاولة الضغط علينا للتراجع عن موقفنا».

متى تتوقف الهجمات؟

«طالت فترة الهجمات في البحر الأحمر. وهناك من يخشى أنكم لن تتوقفوا حتى لو انتهت حرب غزة؟ بماذا تردون على ذلك؟»، سألت «الشرق الأوسط» وأجاب عبد السلام بالقول إن «‏العمليات العسكرية في البحر الأحمر التي تستهدف السفن الإسرائيلية والمتجهة إلى إسرائيل مستمرة وستبقى مستمرة حتى انتهاء العدوان على قطاع غزة، وكذلك إنهاء الحصار بإدخال المساعدات الغذائية إلى القطاع في شماله وجنوبه. وموقفنا هو مساندة الشعب الفلسطيني المظلوم فإذا توقف الظلم والحصار عن الشعب الفلسطيني فإن العمليات المساندة بلا شك سوف تتوقف. تعتقد الحكومة اليمنية الشرعية أن العمليات الدفاعية ليست حلاً ناجحاً للتعامل مع الحوثيين، ووفقاً لما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية، قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، الأسبوع الماضي إن الحل يتمثل في القضاء على قدرات الحوثيين العسكرية، والشراكة مع الحكومة الشرعية للسيطرة على المناطق واستعادة مؤسسات الدولة. وبسؤاله «هل لديكم أي نوايا لفتح حوار مع الأطراف الغربية للتفاهم حول البحر الأحمر؟»، يقول كبير المفاوضين الحوثيين «‏نحن نتبادل وجهات النظر مع المجتمع الدولي برعاية الأشقاء في سلطنة عُمان وما زال موقفنا هو الموقف المعلن بخصوص مساندة الشعب الفلسطيني، وهناك تباين في الموقف الدولي من دولة إلى أخرى، ولكن الموقف الأغلب لدى دول العالم هو حرصهم على سلامة الحفاظ على سفنهم و الاطمئنان عليها حتى لا تتعرض لأذى؛ لأن هناك من يثير مخاوف أن هناك معلومات قد تكون غير صحيحة أو يحصل خطأ غير مقصود، وهذا نوضحه دائماً للمجتمع الدولي».

الفرقاطة الألمانية «هيسين» تتجه ضمن مهمة أوروبية إلى البحر الأحمر (رويترز)

وترى هانا بورتر، وهي باحثة في «إيه آر كي» وهي مؤسسة دولية تعنى بالتنمية والأبحاث، أنه لا يزال من غير الواضح كيف ومتى ستتوقف هجمات الحوثيين في البحر الأحمر. ومن غير المرجح أن تؤدي الضربات الجوية التي تنفذها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إلى إضعاف قدرات الحوثيين بما يكفي لوقف هذه الهجمات بشكل كامل. وتضيف لـ«الشرق الأوسط» بالقول «حتى لو تضاءلت قدرتهم على استهداف السفن بدقة، فإن مجرد قيام الحوثيين بإطلاق صواريخ وطائرات من دون طيار على السفن سيشكل تهديداً للشحن البحري في البحر الأحمر في المستقبل المنظور».

وتضيف الباحثة المتخصصة في اليمن، أن الحوثيين كان مطلبهم في البداية إنهاء الهجوم الإسرائيلي على غزة. «والآن يطالبون أيضاً بإنهاء الضربات الأمريكية والبريطانية في اليمن، ويتعهدون بمواصلة استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل والولايات المتحدة والمملكة المتحدة حتى تتم تلبية هذه المطالب. كلما زاد التصعيد الذي نراه، قلّ احتمال قيام الحوثيين بوقف هذه الهجمات. وعلى الرغم من أن المسؤولين الأميركيين والبريطانيين يقولون إنهم لا يريدون المزيد من التصعيد، فمن الصعب رؤية مخرج في هذه المرحلة». «عندما ينتهي الهجوم الإسرائيلي على غزة، أتوقع أن يُنسب الفضل إلى الحوثيين في ذلك».

تضيف هانا «من غير المرجح أن تؤثر أعمال الحوثيين أو ستشكل عملية صنع القرار الإسرائيلية في غزة، لكن الحوثيين سيكونون حريصين على القول إن هجماتهم على البحر الأحمر كانت السبب وراء توقف إسرائيل عن قصف غزة أو السماح بإيصال المساعدات الإنسانية». وبسؤاله «كيف يستطيع اليمنيون تجاوز أزمة البحر الأحمر والتركيز على خريطة الطريق الأممية للسلام، في الوقت الذي يلوّح فيه الغرب بأن عمليات البحر (تهدد) السلام بينما يقول الحوثيون إنها ماضية ولا تهدده». يقول إبراهيم جلال الباحث بمعهد الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية ومقره واشنطن إن أزمة البحر الأحمر أعادت الهواجس الأمنية والعسكرية إلى الواجهة على الصعيد الدولي؛ الأمر الذي يتطلب من الحوثيين إرسال رسائل تطمينية تجاه الحكومة والشعب اليمني والمجتمع الدولي عبر إجراءات بناء ثقة مرتبطة بالخريطة وسلك مسار خفض التصعيد. يضيف إبراهيم جلال إن محاولة خلط الأوراق أو عزل أزمة البحر الأحمر عن عملية السلام في اليمن تارة وعن ديناميكيات المنطقة تارة أخرى لا تستوعب أبعاد التصعيد وتداعياته على المدى الطويل.


مقالات ذات صلة

كواليس الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

أفريقيا متظاهرون في مقديشو يرفضون الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» ويرفعون لافتة تعارض التطبيع وتقسيم البلاد (رويترز) play-circle

كواليس الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

كشف تقرير نشره موقع «واي نت»، التابع لصحيفة «يديعوت أحرونوت» عن كواليس الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»؛ حيث أشار إلى أنه جاء بعد أشهر من المحادثات السرية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
العالم العربي عناصر حوثيون يستمعون إلى زعيمهم عبد الملك الحوثي بقاعة في صنعاء عبر البث التلفزيوني (أ.ف.ب) play-circle

الحوثي: أي وجود إسرائيلي في أرض الصومال يُعتبر «هدفاً عسكرياً»

حذر زعيم جماعة «الحوثي» عبد الملك الحوثي من أن أي وجود إسرائيلي في أرض الصومال سيكون «هدفا عسكريا»، في آخر إدانة للتحرّك الإسرائيلي للاعتراف بالإقليم الانفصالي.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
خاص الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره المصري على هامش اجتماع الدورة 73 للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2018 (الرئاسة المصرية)

خاص مصر وترمب... تحالف استراتيجي على وقع اضطرابات إقليمية

بينما شهدت بداية ولاية ترمب حديثاً عن إلغاء الرئيس المصري خططاً لزيارة واشنطن، ينتهي العام بتكهنات عن اقتراب تنفيذ تلك الزيارة، وترحيب دونالد ترمب بها.

فتحیه الدخاخنی (القاهرة)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

إسرائيل ستستثمر خلال العقد المقبل 110 مليارات دولار في تصنيع الأسلحة

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأربعاء إن بلاده ستستثمر 350 مليار شيقل (أي ما يوازي 110 مليارات دولار) على مدى السنوات العشر المقبلة.

«الشرق الأوسط» (القدس)
الخليج أسرى يلوِّحون بأيديهم لدى وصولهم إلى مطار صنعاء في عملية تبادل سابقة (أرشيفية- رويترز)

أطراف النزاع في اليمن يتفقون على تبادل 2900 محتجز

أكد مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، أن أطراف النزاع في اليمن اختتمت، الثلاثاء، اجتماعاً استمر 11 يوماً في سلطنة عمان.

«الشرق الأوسط» (مسقط)

هذه قصتنا يا محمد

الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط)
الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط)
TT

هذه قصتنا يا محمد

الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط)
الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط)

هذه قصتنا يا محمد. وقعنا باكراً في الفخ. استدرجنا الحبر وهو جميل، وماكر. اخترنا مهنة شائكة. اخترنا نفقاً طويلاً. لا استراحات ولا هدنات. مطاردة محمومة للأخبار تنسينا تراكم السنوات الهاربة من شجرة العمر. مطاردة مضنية. لا القارئ يرتوي، ولا المؤسسات تفعل. يغالب الصحافي الأخبار طويلاً ثم تغلبه. تحوّله خبراً في صحيفته. خبر وفاة. خبر وداع.

كنا نستعد لوداع العام لا لوداعك. شاركتنا اجتماع أول من أمس. حملت دائماً إلى موعدنا اليومي. خبرتك الطويلة. ونبل مشاعرك. ورقي لغة التخاطب. وكأنك تعمدت أن تُبلغنا الرسالة. إن المحارب القديم لا يتقاعد. يفضّل السقوط على الحلبة. بعد ساعات فقط من الاجتماع جاءنا الخبر المؤلم. خانك القلب. ومن عادته أن يخون.

شاءت المهنة أن ينشغل هذا الرجل الهادئ بملفات عاصفة ورجال قساة. سرقت أفغانستان جزءاً كبيراً من اهتماماته. وكان يذهب إليها يوم كانت تغلي بـ«المجاهدين». وكان يرجع من تلك الأسفار المتعبة محملاً بالأخبار، والتحقيقات، والمقابلات. وحتى حين أوفد العمر رسائله لم يتنازل محمد الشافعي عن شغفه. تستوقفه كلمة. إشارة. عبارة تشبه عبوة ناسفة. وتثيره الأخبار، ويغريه التعب المتوّج بهدية طازجة إلى القراء.

قبل نحو أربعة عقود انتسب إلى عائلة «الشرق الأوسط». أحبها، وأحبته. وكما في كل قصص الحب لم يتردد ولم يتراجع ولم يبخل. أقول عائلة «الشرق الأوسط» وهي حديقة. حديقة أخبار وعناوين، وتحقيقات، ومقالات. وحديقة جنسيات وخبرات، وتجارب. تحت سقف المهنة وسقف الشغف. كان فخوراً بانتمائه إلى صحيفة متوثبة تُجدد وسائلها، وتحفظ روحها.

ما أصعب أن يطرق الموت الباب. ويخطف من العائلة ابناً عزيزاً، وأستاذاً قديراً. وما أصعب الغياب. اعتدنا أن نشاكسك. وأن نسألك. ونتعلم منك. ونعاتبك على أصدقائك القساة. ما أصعب مكتبك مسكوناً بغيابك. وما أصعب الاجتماع مفتقداً مساهمتك ورهافة تمنياتك.

هذه قصتنا يا محمد. نعيش بين سطرين ونموت بين سطرين. ننام أخيراً في أرشيف الصحيفة. وفي مودة زملائنا. و«الشرق الأوسط» بتنوعها، وأجيالها تحتضن ذكرى كل من بنى مدماكاً، وفتح نافذة، وأثرى أيام قرائها. خانك القلب ومن عادته أن يفعل، لكن المودات لا تعترف بالخيانات.


استعجال نزع سلاح «حماس» يعرقل جهود استكمال «اتفاق غزة»

مسلحون من «حماس» يحرسون منطقة يبحثون فيها عن جثث الرهائن بمساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
مسلحون من «حماس» يحرسون منطقة يبحثون فيها عن جثث الرهائن بمساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

استعجال نزع سلاح «حماس» يعرقل جهود استكمال «اتفاق غزة»

مسلحون من «حماس» يحرسون منطقة يبحثون فيها عن جثث الرهائن بمساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
مسلحون من «حماس» يحرسون منطقة يبحثون فيها عن جثث الرهائن بمساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

خرجت تسريبات إسرائيلية، الأربعاء، عن اتفاق تل أبيب مع واشنطن على استعجال نزع سلاح حركة «حماس»، مع حديث عن مهلة محتملة لنحو شهرين لإنهاء المهمة، وسط ترقب لبدء المرحلة الثانية المتعثرة.

وجاء ذلك في ختام تفاهمات أميركية - إسرائيلية توعدت «حماس» بالسحق حال لم يتم نزع السلاح، وهذا يشي بأن ثمة عراقيل تطرح مسبقاً، خاصة أن إسرائيل بالمقابل، لم تعلن التزاماً بالانسحاب من قطاع غزة، وفق تقديرات خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، مشيرين إلى أن الأمر يحتاج إلى مزيد من التفاهمات بين الوسطاء و«حماس» للوصول لأفضل الصيغ بشأن سلاحها، والتي قد تكون في «ضبطه وليس نزعه».

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأربعاء، في مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»، إن «حماس» لا تزال تمتلك نحو 20 ألف مسلح يحتفظون بنحو 60 ألف بندقية «كلاشينكوف»، مشدداً على أن أهداف الحرب لم تتحقق بالكامل، وعلى رأسها «القضاء التام على (حماس)»، وفق تعبيره.

تلك الإحصائية الإسرائيلية تأتي غداة نقل صحيفة «يسرائيل هيوم» عن مصادر، أن الولايات المتحدة وإسرائيل حددتا مهلة نهائية مدتها شهران لتفكيك سلاح الحركة عقب لقاء، الاثنين، بين نتنياهو، والرئيس الأميركي دونالد ترمب في فلوريدا.

وقال ترمب، في مؤتمر صحافي مشترك مع نتنياهو: «تحدثنا عن (حماس) وعن نزع السلاح، وسيمنحون فترة زمنية قصيرة جداً لنزع سلاحهم، وسنرى كيف ستسير الأمور».

وأضاف: «إذا لم ينزعوا سلاحهم كما وافقوا على ذلك، لقد وافقوا على ذلك، فسيكون هناك جحيم بانتظارهم، ونحن لا نريد ذلك، نحن لا نسعى لذلك، ولكن عليهم نزع السلاح في غضون فترة زمنية قصيرة إلى حد ما»، محذراً، من أن عدم الامتثال سيكون «مروعاً» بالنسبة للحركة، ومضيفاً أن دولاً أخرى «ستتدخل وتسحقها» إذا فشلت في إلقاء سلاحها.

غير أنه قال رداً على سؤال بشأن ما إذا كانت إسرائيل ستسحب جنودها من غزة قبل نزع سلاح «حماس» بشكل كامل: «هذا موضوع آخر سنتحدث عنه لاحقاً».

ولم تعلق «حماس» على هذه التهديدات رسمياً، غير أنها عادة ما ترفض تسليم سلاحها ما دام الاحتلال الإسرائيلي مستمراً، وقالت أكثر من مرة إنها منفتحة على أي حلول وسط بشأن ذلك.

أطفال فلسطينيون نازحون في خيمة أقيمت على أرض غمرتها المياه وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى المدير التنفيذي لـ«المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير عزت سعد، أن استعجال إسرائيل لنزع سلاح «حماس» يعرقل جهود الوسطاء لاستكمال اتفاق وقف إطلاق النار، مشيراً إلى أنه مطلب غير واقعي لا يقابله أي التزام من إسرائيل بشأن الانسحاب وإعادة الإعمار.

وبرأي المحلل السياسي الفلسطيني المختص بشؤون «حماس»، إبراهيم المدهون، فإن ملف سلاح المقاومة لن يكون عقبة حقيقية أمام استكمال الاتفاق، خلافاً لما تحاول إسرائيل الترويج له، موضحاً أن هناك مرونة كافية لدى حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية، مقرونة برؤية سياسية ناضجة جرى بلورتها في القاهرة خلال اجتماع جامع ضمّ مختلف الفصائل، باستثناء حركة «فتح»، وبمشاركة الجهات المصرية.

هذه الرؤية تبلورت في موقف موحّد تبنّته الدول الوسيطة، وعلى رأسها مصر وتركيا وقطر، وتم نقله إلى الجانب الأميركي خلال اجتماع ميامي هذا الشهر، وينصّ بوضوح «على ضبط السلاح والالتزام الكامل بوقف إطلاق النار، دون الانزلاق إلى منطق نزع السلاح كشرط مسبق أو أداة ابتزاز سياسي».

ويرى المدهون أن «حماس» معنية بشكل واضح بالوصول إلى المرحلة الثانية وتنفيذ الاتفاق كاملاً، وقدّمَت خلال المرحلة الأولى نموذجاً من الانضباط والالتزام وضبط الميدان، ما شجّع الوسطاء على تبنّي موقف داعم لاستمرار الاتفاق والانتقال إلى مرحلته التالية باستبدال ضبط السلاح بدلاً عن نزعه.

وثمة تهديدان بانتظار «اتفاق غزة»؛ الأول ذكره نتنياهو لموقع «نيوز ماكس» الأميركي، قائلاً: «سنستعيد رفات آخر رهينة في غزة بأي طريقة كانت»، والذي لم يتم الوصول له بعد، والثاني، بدء إعمار جزئي في رفح الفلسطينية قبل نزع سلاح «حماس»، بحسب ما نقلت «القناة الـ12» الإسرائيلية، وهو ما يتعارض مع جهود الإعمار الشامل الذي تسعى له الدول العربية.

ويرى السفير عزت سعد ضرورة الانتظار لمتابعة نتائج لقاء ترمب ونتنياهو على أرض الواقع، وهل ستبدأ المرحلة الثانية قريباً أم لا، محذراً من سعي إسرائيل لإعمار جزئي يهدد المرحلة الثانية.

ويعتقد المدهون أن العقدة الحقيقية ليست عند «حماس»، بل عند الاحتلال الإسرائيلي، الذي لم يلتزم حتى اللحظة بكامل استحقاقات المرحلة الأولى، ويواصل محاولاته لتخريب الاتفاق أو التهرّب من الانتقال إلى المرحلة الثانية.

ويرى أن هناك خطورة إذا بدأ الاحتلال الإسرائيلي، أو الجانب الأميركي، بالإعمار في المناطق المحتلة من قطاع غزة، والتي تشمل شرقي «الخط الأصفر»، وهذا يعني انقلاباً على الاتفاق، مشيراً إلى «أن المرحلة الثانية، والإعمار، يجب أن يتمّا في كامل قطاع غزة، ويجب أن يكون هناك انسحاب إسرائيلي الآن من الخط الأصفر، ومن ثم تبدأ عملية الإعمار بعد تشكيل حكومة فلسطينية أو إدارة فلسطينية مقبولة داخلياً وإقليمياً ودولياً».

ونبه إلى أن أحاديث إسرائيل هي «محاولة للتهرب من مقتضيات المرحلة الثانية، والأساس فيها هو الانسحاب من القطاع».


الحوثيون يقرّون بمقتل ممثلهم في غرفة عمليات «المحور» الإيراني

الغارات استهدفت مواقع اختباء ومراكز سرية للقيادة الحوثية (إعلام محلي)
الغارات استهدفت مواقع اختباء ومراكز سرية للقيادة الحوثية (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يقرّون بمقتل ممثلهم في غرفة عمليات «المحور» الإيراني

الغارات استهدفت مواقع اختباء ومراكز سرية للقيادة الحوثية (إعلام محلي)
الغارات استهدفت مواقع اختباء ومراكز سرية للقيادة الحوثية (إعلام محلي)

توالت اعترافات الحوثيين بالخسائر التي لحقت بهم جراء الضربات الأميركية والإسرائيلية التي استهدفت مخابئ عدة لهم في 2025 بصنعاء وصعدة، من بينهم عبد الملك المرتضى، ممثلهم في غرفة العمليات المشتركة للمحور المدعوم من إيران في لبنان والعراق وسوريا.

فبعد أيام من الإقرار بمصرع زكريا حجر، قائد وحدة الطيران المسيّر ومساعديه، ومسؤول هندسة الصواريخ، أعلنت الجماعة الحوثية أن المرتضى، المنحدر من محافظة صعدة، سيشيَّع من «جامع الصالح» في صنعاء، الخميس، حيث تُرجّح المصادر مقتله في الضربات الأميركية التي استهدفت مخابئ عدة للحوثيين في مارس (آذار) من عام 2025.

ومع استمرار اختفاء وزيرَي دفاع وداخلية الحوثيين، وقائد المنطقة العسكرية السابعة عبد الخالق الحوثي، شقيق زعيم الجماعة، تُظهر هذه الاعترافات حصيلة من الخسائر النوعية هي الأثقل منذ بدء عملية التمرد على السلطة المركزية في صنعاء منتصف عام 2004. كما أنها تكشف، وفق مصادر عسكرية، عن الأسباب الفعلية التي دفعت بالحوثيين إلى عرض الهدنة على الولايات المتحدة خلال استهداف السفن في جنوب البحر الأحمر وخليج عدن.

المرتضى واحد من كبار قادة الجناح العسكري للحوثيين المرتبط بإيران (إعلام محلي)

ووفق ما ذكرته المصادر، فإن المرتضى ظل طيلة السنوات الماضية متنقلاً بين سوريا والعراق ولبنان ممثلاً للحوثيين في غرفة العمليات المشتركة لما يُسمى «محور المقاومة» الذي تدعمه إيران. ولعب دوراً محورياً في تنسيق العمل بين هذه المجموعات في البلدان الثلاثة، وسهّل نقل المقاتلين والأسلحة من إيران إلى اليمن، الذي عاد إليه بعد أحداث 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023.

مهام متعددة

طبقاً لبيانات ناشطي الجماعة الحوثية، فقد ظل المرتضى بعيداً عن الإعلام والتجمعات واللقاءات الشعبية، كحال بقية المسؤولين في الجناح العسكري، لكنه قاد معارك الجماعة في مديرية نهم بمحافظة صنعاء، والمواجهات التي شهدتها محافظة الحديدة، ووصلت خلالها القوات الحكومية إلى وسط عاصمة المحافظة، كما كان أحد قادة التمرد على السلطة المركزية، وتولى منذ عام 2009 قيادة مجموعة مسلحة أطلق عليها «لواء الإسلام».

بعد اندلاع الحرب في قطاع غزة، انتقل المرتضى إلى جنوب لبنان، حيث عمل ضمن جماعات تابعة لـ«حزب الله» في إطار عمل المحور المدعوم من إيران، إلا إن مقتل قادة «الحزب»، بمن فيهم الأمين العام حسن نصر الله، وأهم قادة التشكيلات العسكرية، أرغمه على الانتقال إلى العراق ضمن مجموعة أخرى من العناصر الحوثية التي كانت تعمل مع التشكيلات هناك.

الحوثيون تكبدوا خسائر غير مسبوقة خلال عام 2025 (إ.ب.أ)

ووفق المصادر، فإن المرتضى أُعيد في مطلع عام 2025 إلى مناطق سيطرة الحوثيين، قبل أن تصطاده غارة أميركية في مارس، وفق تقديرات المصادر، في حين أعلنت الجماعة أنه سيدفن برفقة اثنين من القادة الآخرين قُتلوا في غارات مماثلة.

خسائر أخرى

وسط سلسلة الاعترافات، كشف ناشطون حوثيون عن مصرع مجموعة أخرى من الجناح العسكري، بعضهم كان يعمل في هندسة الصواريخ، من بينهم راجح الحُنمي، الخبير في القوة الصاروخية، والعميد إسماعيل الوجيه، والعميد أحمد إسحاق، والعميد محمد الجنيد، والعميد ماهر الجنيد، والعقيد علي المؤيد، والعقيد محمد الشرفي.

وفي السياق، كشفت المصادر عن أن العقيد أحمد حجر، الذي أقر الحوثيون بمقتله مع أخيه قائد وحدة الطيران المسيّر، كان يعمل في قسم المهام اللوجيستية المرتبطة بقوة الصواريخ وسلاح الطيران المسيّر، من خلال عمله في مكتب القيادي عبد الملك الدُرّة، المعيّن برتبة لواء نائباً لرئيس هيئة الإسناد اللوجيستي بوزارة الدفاع الحوثية.

ووفق ما أوردته منصة «ديفانس» المعنية بالشؤون الأمنية والعسكرية، فإن الدُرّة منخرط في أنشطة الدعم اللوجيستي لمنظومة الصواريخ الحوثية وسلاح الدُّرُون، ويُشرف على توفير الاحتياجات وتهريب وتوريد معدات من الخارج، وتأمين البنى التحتية ومخابئ الورشات ومراكز التجميع والصيانة.

الجماعة الحوثية تعتمد سياسة الاعتراف بخسائرها العسكرية بالتدريج (إ.ب.أ)

كما أنه يعمل نائباً للقيادي مسفر الشاعر، المتورط في أنشطة التهريب والمدرج على لوائح العقوبات، والمكلف الاستحواذ على الممتلكات العامة والخاصة عبر ما يُسمى «الحارس القضائي».

وذكرت المنصة أن الدُرّة عمل مع الحوثيين منذ بداية تأسيسهم في جبال صعدة، وهو ضابط سابق في الجيش اليمني، وعمل مع الجماعة مسؤولاً عن دائرة الإمداد والتموين، وقبلها عمل مسؤولاً للاستخبارات في القوات الجوية والدفاع الجوي، كما عمل مسؤولاً للدفاع الجوي بمحافظة الحديدة، وهو أحد القادة الذين يُحاكمون غيابياً أمام القضاء العسكري اليمني.