تراجع الأمن الغذائي في اليمن إثر الهجمات البحرية

تصاعد غلاء السلع رغم مزاعم ضبط الأسعار

تتسبب التوترات في البحر الأحمر في مفاقمة المأساة الإنسانية في اليمن وتدهور مستوى الأمن الغذائي (أ.ف.ب)
تتسبب التوترات في البحر الأحمر في مفاقمة المأساة الإنسانية في اليمن وتدهور مستوى الأمن الغذائي (أ.ف.ب)
TT

تراجع الأمن الغذائي في اليمن إثر الهجمات البحرية

تتسبب التوترات في البحر الأحمر في مفاقمة المأساة الإنسانية في اليمن وتدهور مستوى الأمن الغذائي (أ.ف.ب)
تتسبب التوترات في البحر الأحمر في مفاقمة المأساة الإنسانية في اليمن وتدهور مستوى الأمن الغذائي (أ.ف.ب)

يشكو التجار والمستهلكون في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية من إجراءات تزيد من تردي الأوضاع المعيشية؛ بينما تتوقع تقارير وجهات دولية تدهوراً حاداً في الأمن الغذائي في المناطق الواقعة تحت سيطرة الجماعة إلى أقصى المستويات بسبب الهجمات في البحر الأحمر والرد العسكري الغربي عليها.

وذكرت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) أن مناطق سيطرة الجماعة الحوثية ستشهد انحداراً إلى مستوى حالة الطوارئ في الأمن الغذائي الحاد، خلال الأشهر الأربعة المقبلة، بينما تشير بيانات منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو)، إلى أن هجمات الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن أدت إلى انخفاض واردات القمح إلى اليمن.

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية غلاءً متصاعداً رغم الإعلان عن ضبط أسعار السلع الأساسية (إكس)

وبحسب الوكالة، فإن محافظات عمران وحجة والحديدة والجوف والمحويت وصعدة وريمة وتعز، الواقعة تحت سيطرة الجماعة، ستعاني انحداراً في مستوى حالة الطوارئ أو مستويات أسوأ، وهي المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي المعروفة بـ«IPC 4» وذلك خلال الفترة ما بين فبراير (شباط) الحالي، ومايو (أيار) المقبل.

ووفقاً للوكالة، تواجه أسرة واحدة على الأقل من بين كل 5 أسر فجوات شديدة في استهلاك الغذاء تؤدي إلى سوء تغذية حاد وشديد أو زيادة في الوفيات، أو تواجه خسارة كبيرة في أصول سبل العيش التي من المحتمل أن تؤدي إلى فجوات في استهلاك الغذاء.

وبيّنت الوكالة أن سبب هذا التدهور يعود إلى استمرار الظروف الاقتصادية المتدهورة الناجمة عن أكثر من 9 أعوام من الصراع، وتفاقمت بسبب إيقاف برنامج الغذاء العالمي مساعداته الغذائية لنحو 9.5 مليون شخص في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون ابتداءً من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ما سيؤدي إلى «اتساع فجوات استهلاك الغذاء».

وأوضح التقرير أن الهجمات الحوثية في البحر الأحمر والضربات الجوية المشتركة بين الولايات المتحدة وبريطانيا على أهداف للجماعة في شمال البلاد، دفعت شركاء الوكالة الأميركية للتنمية إلى تعزيز أنشطة التخطيط للطوارئ في منتصف وأواخر الشهر الماضي لضمان استمرار تقديم المساعدات الإنسانية في المحافظات التي تشهد زيادة في عدد الأسر التي تواجه مستويات أسوأ من انعدام الأمن الغذائي الحاد.

إجراءات لا تمنع الغلاء

ترتفع أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، وتزداد أعداد العاجزين عن شرائها، بينما تهيمن الجماعة على المساعدات الإغاثية، الداخلية والخارجية، الموجهة إلى المتضررين.

مساعدات غذائية مقدمة من الوكالة الأميركية للتنمية (USAID) بالتعاون مع اليونيسيف (الأمم المتحدة)

ورغم إعلان الجماعة عن إجراءات لضبط أسعار السلع الأساسية، ونزول فرق ميدانية لإلزام التجار بتخفيض الأسعار؛ اشتكى المستهلكون من زيادات كبيرة في أسعار المواد الأساسية والغذائية، مثل الدقيق والقمح والأرز والزيوت والألبان ومنتجاتها والبقوليات والخضراوات والفواكه، إلى جانب تفاوت الزيادات بين المحال التجارية والمدن والأرياف.

واشتكى عدد من التجار لوسائل إعلام محلية من حدوث تمييز في حملات التفتيش التي تنفذها فرق الجماعة الحوثية؛ حيث يُجبرون على خفض الأسعار والبيع بحسب القائمة السعرية المعلنة، بينما يُعفى نظراؤهم من كبار التجار والموالين للجماعة من الالتزام بتلك القائمة، ما يلحق بهم خسائر كبيرة، ويدفعهم نحو الإفلاس.

وأعلنت الجماعة، خلال الأشهر الماضية، إغلاق عشرات المحال التجارية بحجة مخالفة القائمة السعرية؛ إلا أن المستهلكين أبدوا استغرابهم مما وصفوه بمزاعم الجماعة حول ضبط الأسعار وتحديدها؛ حيث لم يلمسوا انخفاضات حقيقية ولم يلمسوا استجابة للشكاوى التي يتقدمون بها حول زيادات الأسعار.

ويفيد سمير المعمري، وهو معلم تحول إلى العمل في البناء بسبب توقف الرواتب، بأنه كلما لمس انخفاضاً طفيفاً في أسعار المواد الغذائية يسارع إلى طلب سلفة من أجر عمله من أجل شرائها قبل معاودتها الارتفاع مجدداً، وغالباً لا ينجح في ذلك لأن الانخفاض يعقبه ارتفاع سريع وأعلى من السابق.

تواصل الجماعة الحوثية إغلاق المحال والشركات التجارية بحجة مخالفة القوائم السعرية (إعلام محلي)

ويضيف المعمري لـ«الشرق الأوسط» أنه غير مقتنع بجدوى الشكاوى التي أعلنت الجماعة استقبالها للإبلاغ عن مخالفة القوائم السعرية، وأنه كغيره من المستهلكين لا يلقون باللوم على التجار كثيراً، لأن الغلاء غالباً ما يكون خارجاً عن إرادتهم، إضافة إلى عدم جدية سلطات الجماعة في ضبط الأسعار وتحديدها.

مصادرة المساعدات

ينقل صحافي متخصص في الشأن الاقتصادي بعض الفوارق بين أسعار السلع الغذائية، حسب إعلان الجماعة الحوثية والأسعار التي تباع بها في الأسواق.

وتجاوز سعر كيس القمح البالغ وزنه 50 كيلوغراماً 15 ألف ريال يمني، رغم تحديد سعره بـ12.700، ووصل سعر كيس الدقيق بالوزن نفسه إلى 16 ألف ريال رغم تحديد سعره بـ13.700 ريال؛ حيث يبلغ سعر الدولار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية 530 ريالاً.

ويكشف الصحافي، الذي طلب من «الشرق الأوسط» حجب بياناته، عن أن إعلانات خفض الأسعار تتسبب باختفاء الكثير من السلع الغذائية من محال صغار التجار الذين يخشون إلزامهم بالبيع بتلك الأسعار التي قد تسبب خسائر لهم، بعد أن وصلت إليهم بتكلفة تقارب القوائم السعرية أو تتجاوزها.

ولسوء حظ المستهلك، فإن تلك المواد تباع من طرف هؤلاء التجار إلى تجار آخرين لديهم القدرة على التهرب من إجراءات الجماعة الحوثية أو يوالونها، ما يعني أن تباع بفوارق كبيرة، بحسب الصحافي نفسه.

ويشكو السكان من استمرار سيطرة الجماعة الحوثية على جميع أعمال الإغاثة ومبادرات المساعدات والمعونات المقدمة إلى المتضررين من المأساة الإنسانية والأوضاع المعيشية المتدهورة؛ خصوصاً بعد انسحاب برنامج الغذاء العالمي وإيقاف أنشطته في مناطق سيطرتها.

تتوقع جهات دولية أن تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية انحداراً إلى مستوى حالة الطوارئ في الأمن الغذائي الحاد (رويترز)

ومنذ أيام أوقفت عناصر تابعة للجماعة الحوثية توزيع مساعدات مالية مقدمة من مجموعة شركات هائل سعيد أنعم التجارية في مدينة الراهدة (260 كيلومتراً جنوب العاصمة صنعاء)، واختطفت الموظفين المكلفين بتوزيعها مع معداتهم.

وبحسب شهود عيان، كان المئات من المستفيدين من تلك المساعدات، وغالبيتهم من العجزة والأرامل والأيتام، يقفون في طوابير طويلة داخل فناء مدرسة الكويت في المدينة، عندما وصلت العناصر الحوثية على متن عربات عسكرية وفرقت الطوابير وأغلقت المدرسة، واقتادت الموظفين رفقة أوراقهم ومعداتهم الإلكترونية والمبالغ النقدية التي بحوزتهم إلى أحد المقار الخاصة بالجماعة في المدينة.


مقالات ذات صلة

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

العالم العربي الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

تفاقم الغلاء وانهيار القدرة الشرائية يحولان عيد الفطر في مناطق سيطرة الحوثيين إلى مناسبة باهتة وسط ركود الأسواق وتراجع المساعدات وتصاعد حجم الإتاوات والجبايات.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

«الأمم المتحدة» تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية باليمن مع حاجة 22.3 مليون شخص للمساعدات، وسط فجوة تمويلية وتحديات وصول تعرقل إنقاذ ملايين المهددين بالجوع والمرض

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)

اليمن يحذر من تصعيد الحوثيين وتنسيقهم مع «جماعات إرهابية»

جدّدت الحكومة اليمنية تحذيرها من خطورة التصعيد الحوثي في مختلف جبهات القتال، مؤكدة امتلاكها أدلة على وجود تنسيق وتخادم بين «الجماعة» وتنظيمات إرهابية

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية (أ.ب)

تهديد الحوثيين بالحرب ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن

تحذيرات دولية من تفاقم أزمة الأمن الغذائي في اليمن مع توقعات بتصعيد عسكري محتمل للحوثيين، ما يهدد بتوسيع الكارثة الإنسانية وارتفاع أعداد المحتاجين للمساعدات

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي توجيهات حكومية بتشديد الإجراءات الأمنية في مدن حضرموت (إعلام حكومي)

استعدادات أمنية يمنية مكثفة لتعزيز الأمن في حضرموت

حضرموت تشدد إجراءاتها الأمنية قبل عيد الفطر بعد ضبط أسلحة وقذائف منهوبة من معسكر الريان في حملة لمكافحة تجارة السلاح وتعزيز الاستقرار بمدن المحافظة

محمد ناصر (عدن)

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.