اليمن: هجمات الحوثيين تزيد المعاناة وترفع أسعار السلع

وسط مخاوف من أزمة في مخزون المواد الغذائية الأساسية

 بعد حادثة اختطاف السفينة «غالاكسي ليدر» تضاعفت رسوم الشحن إلى موانئ اليمن (إكس)
 بعد حادثة اختطاف السفينة «غالاكسي ليدر» تضاعفت رسوم الشحن إلى موانئ اليمن (إكس)
TT

اليمن: هجمات الحوثيين تزيد المعاناة وترفع أسعار السلع

 بعد حادثة اختطاف السفينة «غالاكسي ليدر» تضاعفت رسوم الشحن إلى موانئ اليمن (إكس)
 بعد حادثة اختطاف السفينة «غالاكسي ليدر» تضاعفت رسوم الشحن إلى موانئ اليمن (إكس)

في وقت يحذر فيه خبراء اقتصاديون يمنيون من اندلاع أزمة في مخزون السلع الغذائية مع ارتفاع أسعارها بفعل التصعيد الحوثي المستمر في البحر الأحمر وباب المندب، أفاد السكان في أكثر من مدينة بوجود ارتفاعات سعرية جديدة في مختلف السلع، وهو ما يفوق أوضاعهم المادية والمعيشية المتدهورة وعدم مقدرتهم على تأمين ولو جزءاً بسيطاً منها.

وأكدت مصادر محلية في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» أن مختلف السلع الأساسية باتت تشهد يوماً بعد آخر ارتفاعاً متصاعداً في الأسعار في ظل استمرار التصعيد الحوثي ضد الملاحة الدولية واستمرار أعمال النهب والابتزاز الذي تشنه الجماعة ضد التجار والمواطنين.

بائعان يستقبلان زبوناً في سوق وسط صنعاء (إ.ب.أ)

وبرزت في الأيام الأخيرة مخاوف عدة لدى اليمنيين في مناطق نفوذ الجماعة الحوثية من اندلاع أزمة غذاء تضاف إلى سابقاتها من الأزمات المتعددة التي خلفها الانقلاب والحرب الحوثية المستمرة منذ أزيد من 9 سنوات.

وقاد الارتفاع الأخير لأسعار السلع إلى حالة من الإقبال الملحوظ من جانب كثير من السكان لشراء احتياجاتهم بدافع الخوف من انعدامها، وسط اتهامات مباشرة للحوثيين بوقوفهم خلف تلك الارتفاعات الجديدة من جهة استهدافهم المستمر للسفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب، وشنهم مزيداً من حملات البطش والجباية.

وتعاني المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خصوصاً ذات الكثافة السكانية العالية منذ سنوات أعقبت الانقلاب والحرب من انفلات أمني يرافقه تصاعد غير مسبوق لمنسوب الجرائم بمختلف أشكالها.

صدمة ارتفاع الأسعار

ويقول سكان في محافظتي إب وذمار لـ«الشرق الأوسط» إنهم جابوا في اليومين الماضيين أسواقاً ومحال بيع المواد الغذائية والاستهلاكية لشراء ما يحتاجون إليه لكنهم صدموا بارتفاع ملحوظ في أسعار المواد الاستهلاكية الضرورية كالقمح والسكر والزيت والأرز والسمن... وغيرها.

يمنيتان بالقرب من صنعاء تجلبان الماء على رأسيهما بسبب شح المياه وانقطاع الخدمات (إ.ب.أ)

وأبدى «حميد ع.» وهو موظف تربوي في مدينة إب لـ«الشرق الأوسط»، معاناته الشديدة من ذلك الارتفاع الجنوني والمفاجئ لأسعار المواد الأساسية في عاصمة المحافظة ومناطق أخرى متفرقة.

وتقول أم معتز الصباحي، وتقطن في مدينة ذمار، إنها لاحظت خلال الأيام الأخيرة، زيادة يومية في أسعار السلع والمواد الغذائية الضرورية، لافتة إلى أن طبق البيض الواحد زاد في قيمته ما بين 200 إلى 300 ريال (الدولار نحو 530 ريالاً في مناطق سيطرة الحوثيين).

بينما ارتفع سعر علبة الجبن الصغيرة 50 ريالاً، ومعجون الطماطم 100 ريال، والسكر 50 ريالاً، كما طالت الزيادة السعرية الأخيرة بقية المنتجات الغذائية والاستهلاكية ومنها الألبان والمعلبات والمياه المعدنية ومساحيق الغسيل والمعقمات والأدوات المنزلية... وغيرها.

وعزا عاملون في مراكز تجارية الأسباب التي تقف وراء ارتفاع الأسعار إلى الأحداث الجارية حالياً في البحر الأحمر بفعل التصعيد الحوثي، إضافة إلى موجة النهب والابتزاز التي تمارسها الجماعة ضد كبار التجار والمستوردين بنقاط التفتيش وفرض مبالغ ضخمة على الحاويات والناقلات التي تحمل بضائع مستوردة من الخارج، ما ضاعف من تكاليف البضائع، وكذا ارتفاع أسعارها.

ميناء الحديدة ضحية استهداف الحوثيين السفن التجارية (إعلام حوثي)

وصعَّدت الجماعة الحوثية أخيراً من حدة إجراءاتها التعسفية وتضييقها المستمرّ على أصحاب المحلات التجارية لإجبارهم على دفع إتاوات لتمويل عملياتها العسكرية.

التحذير من أزمة أوسع

ويؤكد اقتصاديون في صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، أن استمرار التصعيد الحوثي المتعمد في البحر الأحمر وباب المندب سيقود بشكل مباشر وغير مباشر إلى مزيد من التدهور الاقتصادي والمعيشي لملايين اليمنيين.

ويحذرون من أزمة هي الأشد فتكاً باليمنيين تتمثل في نقص حاد في مخزون السلع الأساسية والغذائية وارتفاع أسعارها بشكل كبير، بفعل ارتفاع تكلفة الشحن والتأمين البحري، وعزوف كثير من شركات الشحن العالمية عن التوجّه إلى موانئ اليمن المطلة على البحر الأحمر، بعد أن نجحت الجماعة الحوثية في إشعاله وعسكرته.

وسبق أن حذر وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، من المخاطر الجسيمة للهجمات المتكررة التي يشنها الحوثيون على السفن المدنية وناقلات النفط، مؤكداً أن تكرار هذه الهجمات تهدد بهجرة الشركات الملاحية من البحر الأحمر.

تفيد التقارير الدولية بأن 15.3 مليون يمني يحتاجون إلى المياه النظيفة (رويترز)

ونقل الإعلام الرسمي عن الإرياني القول إن الأخطر من الخسائر المباشرة للهجمات التي ينفذها الحوثيون، هي الآثار المترتبة لتلك الهجمات على المدى الطويل، جراء دفع شركات الشحن العالمية وناقلات النفط والغاز للإبحار خارج البحر الأحمر.

وأكد الوزير اليمني أن الناقلات اتخذت مساراً بديلاً نحو ممرات عبور دولية آمنة، جراء ارتفاع أسعار الشحن البحري، وتكاليف التأمين، وعزفت عن الإبحار في هذا الممر الدولي الأكثر استخداماً بالعالم بقرابة 12 في المائة من حركة الشحن والتجارة الدولية.

وشدد الإرياني على أن اليمن، وبوجه خاص المناطق الخاضعة بالقوة لسيطرة الحوثيين، يعتمد بشكل رئيسي على استيراد المواد الغذائية والاستهلاكية، ويستورد 80 في المائة من احتياجاته عبر ميناء الحديدة على البحر الأحمر.

وأوضح أن ارتفاع أسعار الشحن البحري، وتكاليف التأمين سيؤدي لارتفاع أسعار المواد الغذائية في بلد يعاني من أزمة إنسانية، وتعتمد غالبية سكانه على المساعدات الغذائية جراء ظروف الحرب والانقلاب.


مقالات ذات صلة

صور قتلى الحوثيين تكشف عن نزف بشري متصاعد في صنعاء

العالم العربي اتهامات للحوثيين باستغلال أحداث غزة للتوسع في تجنيد الأطفال (الشرق الأوسط)

صور قتلى الحوثيين تكشف عن نزف بشري متصاعد في صنعاء

معرض حوثي بصنعاء يكشف عن سقوط 360 قتيلاً من مديرية واحدة منذ الهدنة الأممية، وسط اتهامات باستثمار القتلى دعائياً، واستمرار القمع والإخفاء القسري وتدهور المعيشة.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي العليمي مجتمعاً في الرياض مع سفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن (سبأ)

العليمي للسفراء: نحقق إنجازات أمنية وعسكرية وخدمية بدعم سعودي

أكد رئيس مجلس القيادة اليمني، رشاد العليمي، أن مؤسسات الدولة تُحقق تقدماً أمنياً وعسكرياً بدعم سعودي، مستغرباً ردة الفعل الإماراتية والترويج لعودة الإرهاب.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي محاولة لضرب ركائز الأمن في عدن وإضعاف قدرة الدولة على حماية مكتسباتها (سبأ)

استنفار يمني للتصدي لمحاولة إرباك تطبيع الحياة في عدن

أثار تفجير سيارة مفخخة استهدف موكب العميد حمدي شكري بعدن غضباً واسعاً، ودفع السلطات لتعزيز الإجراءات الأمنية وملاحقة المتورطين، وسط إدانات «الرئاسة» و«التحالف».

محمد ناصر (تعز)
خاص واحد من السجون غير الشرعية التي كانت تديرها القوات الإماراتية في حضرموت (الشرق الأوسط) play-circle

خاص «اللجنة الوطنية»: نحقق في وجود مقابر مرتبطة بانتهاكات حضرموت

قالت اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات إنها تلقت 3 بلاغات عن مقابر يُشتبه بارتباطها بالانتهاكات في حضرموت، ويجري حالياً التحقق منها.

عبد الهادي حبتور (المكلا اليمن)
مجلس القيادة الرئاسي اليمني مجتمعاً في الرياض بكامل أعضائه (سبأ)

«الرئاسي اليمني» يلتئم بكامل أعضائه ويشدد على توحيد القرار

عقد مجلس القيادة الرئاسي اليمني اجتماعاً بكامل أعضائه، مؤكداً توحيد القرار الأمني والعسكري، ومواجهة الإرهاب، ودعم الاستقرار وتطبيع الأوضاع في عدن والمحافظات.

«الشرق الأوسط» (عدن)

«الثأر بين الميليشيات» يُبقي ورشفانة في غرب ليبيا متوترة

الضاوي آمر «الكتيبة 55 مشاة» المتعاونة مع «الوحدة» في طرابلس (صفحته على «فيسبوك»)
الضاوي آمر «الكتيبة 55 مشاة» المتعاونة مع «الوحدة» في طرابلس (صفحته على «فيسبوك»)
TT

«الثأر بين الميليشيات» يُبقي ورشفانة في غرب ليبيا متوترة

الضاوي آمر «الكتيبة 55 مشاة» المتعاونة مع «الوحدة» في طرابلس (صفحته على «فيسبوك»)
الضاوي آمر «الكتيبة 55 مشاة» المتعاونة مع «الوحدة» في طرابلس (صفحته على «فيسبوك»)

ترزح مدن عدة في الغرب الليبي تحت وطأة صدامات ميليشياوية مزمنة، أدت إلى تراكم «عمليات ثأرية» خلال الأشهر الماضية، بالنظر إلى وجود صراع يتعلق بـ«توسيع النفوذ والهيمنة»، ما ألقى بظلال من التوتر الأمني على مناطق بالعاصمة.

وراجت في مدينة ورشفانة (جنوب غربي العاصمة طرابلس)، مساء الأربعاء، أحاديث عن استنفار عام لعناصر «الكتيبة 55 مشاة» التي يترأسها الميليشياوي معمر الضاوي المتحالف مع عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة، على خلفية تلقيه تهديدات بـ«هجوم محتمل» لـ«إقصائه من المشهد العام».

رمزي اللفع قبل أيام من مقتله 28 يوليو 2025 (صفحات في ورشفانة موالية له)

ونقلت وسائل إعلام محلية وصفحات من ورشفانة على مواقع التواصل الاجتماعي، مخاوف مواطنين من خطر يتهدد المدينة بسبب «خلافات ثأرية» بين قيادات ميليشياوية تصاعدت في النصف الثاني من العام الماضي.

وورشفانة مسرح خلفي لقتال محتمل بين التشكيلات المسلحة، لا سيما بعد أحداث دامية وقعت في 28 يوليو (تموز) 2025، انتهت بمقتل القائد الميليشياوي رمزي اللفع، آمر «السرية الثالثة» التابعة لحكومة «الوحدة»، و5 آخرين بينهم اثنان من أشقائه.

وفي أعقاب هذه الأحداث، تعرّض الضاوي إلى محاولة اغتيال في 23 أغسطس (آب) 2015 نجا منها، لكن العملية التي نمّت الضغينة بين التشكيلات المسلحة خلّفت 12 قتيلاً من المهاجمين على الأقل.

ورغم فشل محاولة اغتيال الضاوي، صاحب النفوذ الأقوى في ورشفانة فإن العملية تعدّ فصلاً جديداً من صراع قادة المجموعات المسلحة في ورشفانة والزاوية اللتين تفصلهما مسافة تقارب 30 كيلومتراً، فضلاً عن أنها تفتح باباً جديداً للتوتر في غرب ليبيا.

ومع تزايد المخاوف بمناطق عديدة في ورشفانة، عدّ الضاوي الحديث عن وجود هجوم أو تحركات عدائية تجاه ورشفانة «عارياً عن الصحة».

وقال المكتب الإعلامي للضاوي في وقت مبكر من صباح الخميس، إنه «لا توجد لديه أي خصومة مع أي جهة، ولا أي نزاع مع أي طرف، وكل ما يُروَّج له ليس إلا شائعات مغرضة تهدف إلى زرع الفتنة، وبث الخوف والبلبلة بين المواطنين».

وباتت ورشفانة بعد مقتل اللفع تحت سيطرة كاملة دون منازع للضاوي. وقُتل اللفع إثر اشتباكات دامية اندلعت بين أفراد من عائلتي اللفع والدليو، وهم أبناء عمومة، في أجواء تجاهلتها السلطات الأمنية في العاصمة طرابلس.

ويرى الضاوي، أن ورشفانة «كانت وستبقى أرض سلام، لكن في الوقت نفسه أرض كرامة، وأهلها واعون لكل مَن يحاول العبث بأمنها أو تشويه صورتها»، ومضى يقول: «لن نكون دعاة حرب، ولكننا لسنا غافلين ولا ضعفاء، وأمن أرضنا وأهلنا خط أحمر».

وانتهى الميليشياوي الذي يوصف بأنه «صاحب النفوذ الواسع» إلى تحميل كل مَن يروّج لما وصفه بـ«الأكاذيب» المسؤولية الكاملة عمّا قد يترتب عليها، ونؤكد أن «الوعي والحكمة هما سلاحنا الأول، ولن ننساق وراء أي محاولات استفزاز أو جر إلى الفوضى».

وسبق أن سارعت قوات تابعة لعبد السلام زوبي، وكيل وزارة الدفاع في «الوحدة»، إلى احتواء الأوضاع المتوترة في ورشفانة بعد مقتل اللفع، لكن ذلك لم يمنع تجدد الاشتباكات في مدن أخرى بالعاصمة التي تُهيمن عليها ميليشيات صاحبة نفوذ، بعضها مقرب من السلطة.

في غضون ذلك، زار عماد الطرابلسي، وزير الداخلية المكلف بحكومة «الوحدة»، الإدارة العامة للدعم المركزي للوقوف على جاهزية أعضائها ومتابعة سير العمل بها.

وقالت الوزارة مساء الأربعاء إن الطرابلسي شدد على أن «جهود أبناء الوطن داخل هذه المؤسسة قادرة على الحفاظ على الأمن والاستقرار»، مشيراً إلى أن «المرحلة الراهنة تتطلب تكاتف الجميع، وبذل أقصى الجهود لصون الأمن والاستقرار الوطني».

وذهب الطرابلسي إلى أن وزارة الداخلية «تتحمل مسؤوليات جسيمة تستوجب العمل المتواصل لحماية الوطن ومؤسساته الحيوية؛ لذا لا يجوز إسناد هذه المهام إلى جهات لا تمتلك الاختصاص القانوني».

عرض لعناصر الإدارة العامة للدعم المركزي 21 يناير (منصة حكومتنا التابعة لـ«الوحدة»)

وقال الطرابلسي إن وزارته «ستشرع في تنفيذ برامج تدريبية تخصصية تهدف إلى تطوير كفاءات الأعضاء، بما يتماشى مع أساليب العمل الأمني الحديثة»، منوهاً بوجود تعاون وتنسيق كبيرين بين الوزارة والجهات العسكرية والقضائية في الدولة الليبية، بما يُسهم في تعزيز العمل الأمني والمضي قدماً في بسط وفرض القانون.

وسبق أن قال الدبيبة إن «زمن الميليشيات انتهى، ونحن ماضون في خطتنا الأمنية، ولن نتراجع عن تفكيك التشكيلات المسلحة»، لكن متابعين يرون أن الدبيبة كان يتحدث عن قيادات الميليشيات التي «شقت عليه عصا الطاعة» مثل الميليشياوي عبد الغني الككلي، لكنه «لا يزال يتعاون مع العديد منها راهناً».

وقُتلت قوات تابعة لـ«الوحدة» الككلي المعروف بـ«غنيوة» في 12 مايو (أيار) 2025 في واقعة وصفتها بأنها «عملية أمنية دقيقة».


صور قتلى الحوثيين تكشف عن نزف بشري متصاعد في صنعاء

اتهامات للحوثيين باستغلال أحداث غزة للتوسع في تجنيد الأطفال (الشرق الأوسط)
اتهامات للحوثيين باستغلال أحداث غزة للتوسع في تجنيد الأطفال (الشرق الأوسط)
TT

صور قتلى الحوثيين تكشف عن نزف بشري متصاعد في صنعاء

اتهامات للحوثيين باستغلال أحداث غزة للتوسع في تجنيد الأطفال (الشرق الأوسط)
اتهامات للحوثيين باستغلال أحداث غزة للتوسع في تجنيد الأطفال (الشرق الأوسط)

كشف معرض صور حوثي جديد في العاصمة المختطفة صنعاء عن حجم الخسائر البشرية التي تكبدتها الجماعة المتحالفة مع إيران، حيث أظهرت الصور المعلّقة سقوط نحو 360 قتيلاً من مديرية واحدة فقط، هي مديرية التحرير، منذ بدء سريان التهدئة التي رعتها الأمم المتحدة في أبريل (نيسان) 2022.

يأتي هذا في وقت تواصل فيه الجماعة تنظيم فعاليات سنوية لتمجيد قتلاها، في مشهد يعكس استمرار اعتمادها على خطاب التعبئة العسكرية رغم الحديث المتكرر عن السلام.

وحوّلت الجماعة سور أحد المباني الحكومية في صنعاء معرضاً مفتوحاً لصور القتلى، تزامناً مع فعاليات ما تسميها «الذكرى السنوية للشهيد»، في إشارة إلى مقتل مؤسس الجماعة حسين الحوثي في 2004.

سور مبنى حكومي في صنعاء تظهر عليه صور قتلى الحوثيين (الشرق الأوسط)

وأظهر المعرض صور نحو 360 شخصاً ينتمون إلى مديرية التحرير؛ ثانية كبرى مديريات مدينة صنعاء من حيث الكثافة السكانية بعد مديرية معين. ووفق مصادر محلية، فإن الغالبية العظمى من هؤلاء سقطوا بعد بدء الهدنة الأممية؛ مما يسلط الضوء على حجم الخروق الميدانية التي رافقت تلك الفترة.

ونُصبت صور قتلى الجماعة على نحو 15 لافتة كبيرة ذات أحجام عريضة، ضمّت كل واحدة منها صور 24 قتيلاً، غالبيتهم من المراهقين وصغار السن. وينتمي هؤلاء إلى 3 أحياء رئيسية في مديرية التحرير، هي: حي بير العزب، وحي التحرير، وحي القاع. وبدت الصور مصطفّة بشكل منظم، في محاولة لإضفاء طابع «احتفالي» على مشهد يختزن في جوهره مأساة إنسانية عميقة.

وتصدر حي التحرير، الذي يضم أكبر عدد من الحارات في المديرية، قائمة القتلى، حيث سقط أبناؤه على جبهات متعددة خلال السنوات الماضية. وأكدت مصادر مطلعة في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» أن حارات: بئر خيران، والبونية، وبئر الشمس، والإذاعة، وعشة الرعدي، جاءت في مقدمة المناطق الأعلى عدداً في فقد أبنائها.

الجماعة الحوثية تقيم معارض لصور قتلاها لتمجيد ثقافة الموت (الشرق الأوسط)

وأوضحت المصادر أن الصور المعروضة تمثل حصيلة من قُتلوا خلال فترة التهدئة؛ «نتيجة تكرار الخروق الحوثية في جبهات مأرب وتعز والضالع والساحل الغربي والبيضاء».

وتشير المصادر ذاتها إلى أن العدد الحقيقي لقتلى الجماعة من مديرية التحرير وحدها «يتجاوز بكثير ما أُعلن عنه؛ إذ إن الحصيلة التراكمية منذ بداية الحرب تتخطى الآلاف؛ مما يعكس حجم الاستنزاف البشري الذي تعاني منه الجماعة، خصوصاً في ظل استمرار عمليات التعبئة والتجنيد القسري التي تستهدف الأطفال والشبان في صنعاء وبقية مناطق سيطرتها».

شهادات من الميدان

ويقول «سليمان»، وهو أحد سكان حي التحرير، إن الجماعة «نصبت صور قتلاها على طول سور المبنى القديم للإذاعة المحلية في الحي، وقطعت شارعاً رئيسياً أياماً عدة؛ لتجبر السكان على المرور يومياً من أمام المعرض». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «المشهد مؤلم للغاية، فهو يذكّر الناس بحجم الخسارة البشرية الفادحة أكثر مما يشجعهم على أي شيء آخر».

ويرى مراقبون أن هذه المعارض، التي تتكرر في كل مدينة وحي وقرية خاضعة لسيطرة الجماعة، تهدف إلى «تكريس ثقافة الموت وتطبيع القتل في أوساط المجتمع، لا سيما بين صغار السن». غير أن مصادر محلية تؤكد أن «كثيراً من اليمنيين باتوا اليوم أكبر وعياً بحقيقة ما يجري؛ إذ يدركون أن من يذهب إلى الجبهات فإنه لا يعود، والذي يعود فإنه يرجع معاقاً أو مكسوراً نفسياً، بينما تبقى القيادات بعيدة عن الخطر».

معرض أقامه الحوثيون لصور قتلاهم من مديرية التحرير في صنعاء (الشرق الأوسط)

ويشير ناشطون إلى أن «هذه الممارسات لم تعد تلقى القبول السابق، بل أصبحت تثير تساؤلات وانتقادات مكتومة داخل المجتمع، خصوصاً مع ازدياد أعداد القتلى من عائلات بعينها، في مقابل غياب أبناء القيادات عن خطوط المواجهة».

ويرى ناشط حقوقي من صنعاء أن هذه المعارض «لا تمثل تكريماً حقيقياً للضحايا، بقدر ما أنها استثمار سياسي في الموت، حيث يُقدَّم القتل بوصفه أمراً اعتيادياً ومقدساً». ويؤكد أن «أخطر ما في الأمر هو تأثير ذلك على وعي الأجيال المقبلة؛ إذ يُعاد إنتاج العنف بوصفه قيمة عليا في المجتمع».

تجويع وقمع

ويتزامن المشهد الدعائي الحوثي مع أوضاع معيشية قاسية يعيشها السكان في مناطق سيطرة الجماعة، حيث يشتكي كثيرون من انعدام الرواتب، وتدهور الخدمات، وارتفاع أسعار المواد الأساسية.

ويقول أحد السكان: «لا نجد ما نشتري به احتياجاتنا اليومية، بينما تُنفق الأموال على طباعة الصور واللافتات. لو كان الاهتمام بالناس مثل الاهتمام بهذه المعارض، لما وصلنا إلى هذه الحال».

الحوثيون يستثمرون صور القتلى من أجل استقطاب مزيد من المقاتلين (الشرق الأوسط)

وفي سياق آخر، أعلنت منظمة «مساواة للحقوق والحريات» أن الجماعة الحوثية تُخفي قسراً 74 مواطناً من أبناء محافظة ذمار منذ أكثر من 86 يوماً، دون السماح لأسرهم بمعرفة أماكن احتجازهم أو التواصل معهم.

وأوضحت المنظمة أن حملة الاختطافات التي شنتها الجماعة خلال شهرَيْ سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) الماضيين طالت أكاديميين وشخصيات سياسية واجتماعية، بينهم مرضى وكبار في السن.

وأكد البيان أن هذه الحملة تُعدّ من كبرى عمليات القمع الجماعي التي شهدتها محافظة ذمار منذ انقلاب الحوثيين على السلطة الشرعية، محملاً قيادة الجماعة المسؤولية الكاملة عن حياة المختطفين وسلامتهم.

كما دعت المنظمة المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل والضغط للكشف عن أماكن الاحتجاز والإفراج الفوري وغير المشروط عن المختطفين، مشددة على ضرورة محاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات ومنع إفلاتهم من العقاب.


العليمي للسفراء: نحقق إنجازات أمنية وعسكرية وخدمية بدعم سعودي

العليمي مجتمعاً في الرياض مع سفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن (سبأ)
العليمي مجتمعاً في الرياض مع سفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن (سبأ)
TT

العليمي للسفراء: نحقق إنجازات أمنية وعسكرية وخدمية بدعم سعودي

العليمي مجتمعاً في الرياض مع سفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن (سبأ)
العليمي مجتمعاً في الرياض مع سفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن (سبأ)

أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أن مؤسسات الدولة في بلاده تحقق تقدماً ملموساً في مسار توحيد القرار الأمني والعسكري، وتحسين الخدمات الأساسية في المحافظات المحررة، بدعم سعودي، مستغرباً من ردة الفعل الإماراتية والترويج لعودة الإرهاب بعد إنهاء الوجود العسكري لأبوظبي في اليمن.

وقال العليمي، خلال لقائه في الرياض، الخميس، سفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن، إن الدولة شرعت في اتخاذ إجراءات جادة لتوحيد القرار الأمني والعسكري، شملت إخراج القوات والتشكيلات المسلحة من العاصمة المؤقتة عدن، وعواصم المحافظات المحررة، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تعثرت لسنوات، حتى بعد توقيع اتفاق الرياض في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019.

وأوضح رئيس مجلس القيادة الرئاسي أن الحكومة ماضية في إغلاق جميع السجون غير القانونية، وتكليف اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، وهي آلية مستقلة مدعومة من المجتمع الدولي، بالنزول الميداني، والقيام بمهامها وفقاً لاختصاصاتها القانونية.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وأشار العليمي إلى التحسن السريع في مستوى الخدمات الأساسية بالمحافظات المحررة، لا سيما في قطاعي الكهرباء والمياه بالعاصمة المؤقتة عدن؛ حيث ارتفع التوليد الكهربائي من ساعتين يومياً إلى نحو 14 ساعة، مؤكداً أن التزام المؤسسات الحكومية بالتوريد إلى حساب الدولة في البنك المركزي يعكس استعادة الانضباط المالي، ويُعد دليلاً على استقرار مؤسسات الدولة.

دعم سعودي وإجراءات متوازنة

وأكد العليمي إتمام السعودية صرف رواتب جميع التشكيلات العسكرية التي كانت ممولة سابقاً من أبوظبي، إضافة إلى تعزيز الموازنة العامة برواتب موظفي القطاع العام، إلى جانب تدشين مشروعات خدمية وتنموية في عدد من المحافظات، بتكلفة تقارب ملياري ريال سعودي.

وفي الشأن السياسي، أفاد العليمي بأن التحضيرات جارية لانعقاد الحوار الجنوبي-الجنوبي، برعاية من السعودية، وبمشاركة مختلف المكونات الجنوبية، دون إقصاء أو تهميش.

كما أوضح أن ملء الشواغر في مجلس القيادة الرئاسي، وتعيين رئيس جديد للحكومة، ومحافظ جديد للعاصمة المؤقتة عدن، يعكس سلاسة اتخاذ القرار، وإعادة تفعيل مؤسسات الدولة وفقاً للدستور، وإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة وهيئاته المساندة، بعد سنوات من التعطيل والانقسام.

جانب من لقاء العليمي مع سفراء الدول المساندة للعملية السياسية في اليمن (سبأ)

وفي السياق ذاته، أبدى العليمي استغرابه من ردة الفعل الإماراتية تجاه هذا المسار، ولا سيما الترويج للمخاوف من تصاعد الإرهاب عقب إنهاء الوجود الإماراتي في بلاده، مؤكداً أن التجربة أثبتت أن ازدواجية القرار الأمني وتعدد الولاءات والسجون غير القانونية لا تُسهم في مكافحة الإرهاب.

وأشار إلى الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي جرى الكشف عنها بعد إنهاء هذا الوجود، بما في ذلك التعذيب والإخفاء القسري في معتقلات غير قانونية، مؤكداً أن هذه الممارسات تسهم في تغذية التطرف.

وأكد العليمي للسفراء أن جذور الأزمة في اليمن تعود إلى الانقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، داعياً المجتمع الدولي إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى الإسهام في حلها، من خلال دعم الحكومة الشرعية لبسط نفوذها على كامل الأراضي اليمنية، وضمان عدم الإفلات من العقاب.