نُذُر صدام غربي - إيراني في البحر الأحمر غداة ضربة أميركية للحوثيين

باحثون: اليمنيون هم الخاسر الأكبر جراء توسيع رقعة الصراع

تهدد الهجمات في البحر الأحمر بإعاقة تدفق التجارة الدولية (أ.ف.ب)
تهدد الهجمات في البحر الأحمر بإعاقة تدفق التجارة الدولية (أ.ف.ب)
TT

نُذُر صدام غربي - إيراني في البحر الأحمر غداة ضربة أميركية للحوثيين

تهدد الهجمات في البحر الأحمر بإعاقة تدفق التجارة الدولية (أ.ف.ب)
تهدد الهجمات في البحر الأحمر بإعاقة تدفق التجارة الدولية (أ.ف.ب)

غداة توجيه واشنطن أول ضربة موجعة إلى الحوثيين في البحر الأحمر، رداً على استهدافهم سفن الشحن الدولي، أعلنت إيران دخولها على الخط بإرسال سفينة حربية ومدمرة إلى المنطقة في مسعى لدعم الجماعة الموالية لها، مما يهدد باتساع رقعة الصراع وتحويل اليمن ومياهه إلى ساحة مواجهة دولية.

إعلان طهران هذا التصعيد واكبه تحرك غربي وتلويح باستخدام القوة للحد من قدرات الحوثيين على تهديد الملاحة في البحر الأحمر، حيث تزعم الجماعة أنها تساند الفلسطينيين في غزة ضد إسرائيل.

كانت مروحيات أميركية قد دمَّرت، الأحد، ثلاثة زوارق حوثية وقتلت 10 مسلحين على متنها عند محاولتهم قرصنة سفينة شحن دولية في جنوب البحر الأحمر، فيما فرَّ زورق رابع وفق رواية القيادة المركزية الأميركية التي أكدها اعتراف الحوثيين، مع إعلانهم الاستمرار في استهداف السفن.

تساند المدمرات الأميركية في البحر الأحمر سفن الشحن (أ.ب)

تأهب غربي

الضربة التي تلقتها الجماعة الحوثية لأول مرة منذ إطلاق عملية «حارس الازدهار» في 18 ديسمبر (كانون الأول) الماضي بقيادة واشنطن، دفعت المتحدث باسم الجماعة ووزير خارجيتها الفعلي محمد عبد السلام فليتة، إلى الاستنجاد بإيران. وقال فليتة إنه التقى، في طهران، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي أكبر أحمديان، «لبحث القضايا ذات الاهتمام المشترك».

من جهتها أفادت وكالة «مهر» الإيرانية بأنّ الجانبين تطرقا خلال اللقاء إلى التطورات الأمنية في المنطقة، وذكرت أن المسؤول الإيراني امتدح سلوك الحوثيين المهدِّد للملاحة الدولية في البحر الأحمر.

إلى ذلك قالت الوكالة نفسها، يوم الاثنين، إن مدمرةً إيرانية تقترب من البحر الأحمر برفقة سفينة عسكرية للاستقرار قرب مضيق باب المندب. وأفادت بأن المدمرة «إيران البرز»، التي تحركت نحو البحر الأحمر بصحبة السفينة العسكرية «بوشهر»، مزوَّدة بصواريخ كروز بحرية بعيدة المدى.

وأدّت هجمات الحوثيين ضد سفن الشحن في البحر الأحمر، والتي بلغت نحو 24 هجوماً، مع استخدام أكثر من 100 طائرة مُسيّرة وصاروخ، وفق ما أحصته القيادة المركزية الأميركية، إلى أخذ هذه التهديدات على محمل الجد، وهو ما نجم عنه تشكيل التحالف المسمى «حارس الازدهار» لحماية السفن. غير أن الخطوة الدفاعية يبدو أنها ستقود إلى تدابير أكثر صرامة، خصوصاً مع إصرار الحوثيين على المضيّ في خطهم التصعيدي.

ناقلة ترفع علم النرويج تعرضت لهجوم حوثي في البحر الأحمر (أ.ف.ب)

في هذا السياق أفادت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، يوم الاثنين، بأن مسؤولين في وزارة الدفاع «البنتاغون» وضعوا خططاً تفصيلية لضرب قواعد صواريخ ومُسيّرات حوثية في اليمن، لكنّ هناك مخاوف من أن يصبَّ ذلك في مصلحة إيران.

وأضافت الصحيفة أن قادة كباراً في وزارة الدفاع الأميركية يضغطون من أجل اتخاذ إجراءات أكثر شراسة مع وكلاء إيران في المنطقة، وفقاً لما ذكرته «وكالة أنباء العالم العربي».

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين قولهم إن عليهم الاختيار بين اتخاذ قرار بضرب مواقع الصواريخ والمُسيّرات الحوثية، وبين انتظار تبين ما إذا كان الحوثيون سيرتدعون بعد مقتل عناصر لهم.

كانت صحيفة «صنداي تايمز» البريطانية قد ذكرت أيضاً أن لندن تستعد لضربات جوية إلى جانب واشنطن ضد «بنك أهداف»، وقد تكون العمليات في البحر أو داخل اليمن، وذلك نقلاً عن تصريح لوزير الدفاع البريطاني غرانت شابس، الذي قال فيه: «إذا استمر الحوثيون في تهديد الأرواح والتجارة، فسنضطر إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة والمناسبة».

الخاسر الأكبر

وحول هذه التطورات، قال الباحث والأكاديمي اليمني فارس البيل، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن اليمنيين «هم الخاسر الأكبر جراء اتساع رقعة الصراع الدولي في البحر الأحمر». ورغم التصعيد، يعتقد البيل أن الطرفين، إيران وأميركا، يضعان أطراً لا يبدو تجاوزها.

فمن جهة، أميركا لا تريد توسيع رقعة الصراع في المنطقة، وتحرص على أن تركز إسرائيل في حربها في إطارها الجغرافي والسياسي، بينما إيران لا يمكن أن تتقدم إلى مرحلة المواجهة المباشرة، لأنها معنية بمشروعها الاستراتيجي ونفوذها، ولن تحرق مراكبها عند هذه المرحلة التي لا تريد منها أكثر من الزخم والشعبوية، وتحقيق بعض المكاسب. فالطرفان في كل الأحوال يدركان أن هذا التصعيد لا ينبغي أن ينتقل إلى «مربع النار»، وفق تعبيره.

مروحية حوثية تحلِّق فوق سفينة شحن قبيل احتجازها في البحر الأحمر 21 نوفمبر 2023 (د.ب.أ)

ويشير البيل إلى أن تحرك إيران نحو البحر الأحمر، مسعى معنوي لدعم الحوثيين، لكنّ طهران في لحظة الحسم ستبحث عن حلول غير عسكرية، كما هو موقفها من «حماس» بعد الحرب الإسرائيلية، ولا يستبعد أن تنزلق الأمور إلى مواجهات محدودة، لكنّ لعبة النفوذ والمصالح ستلعب الدور الأكبر في المسألة، «فربما ستقنع إيران بضربات غير مجدية على الحوثي مقابل خفض التصعيد، وتحقيق بعض الغايات، وربما تدفع الحوثي للكفّ عن تحركاته والدخول في خريطة السلام اليمنية لتجنب غضب الغرب، والاحتفاظ بمكاسبه».

وتابع البيل موضحاً أنه «إذا اتسعت الأمور إلى درجة متقدمة، فربما تصعّد إيران من خلال جبهاتها الثلاث الأخرى، لكنها ستُبقي طهران بعيدة عن المواجهة المباشرة مهما يكن، وعندما تصل لمرحلة الخطر ستقفز إلى الطاولة للتلاعب بالمواقف».

ويضيف الأكاديمي أن الخاسر من كل هذا الصراع هم اليمنيون وحركة الاقتصاد في المنطقة بنسب متفاوتة، ويجزم بأن أطراف الصراع ستذهب إلى تحقيق مقاصدها الآنيّة في المنطقة ولن تدفع باتجاه حالة الانفجار التي لا يمكن التكهن بمآلاتها.

مواجهات أكثر حدة

وأشار أيضاً المحلل السياسي والكاتب اليمني محمد الصعر، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى تكشف معركة الحوثيين البحرية يوماً بعد يوم، إذ تبرز إيران لاعباً رئيسياً في الصراع، حيث أرسلت أول بارجة عسكرية. ورغم تقدير بعض الخبراء بأن هذا الحضور الإيراني لن يؤثر بشكل كبير لصالح الحوثيين، فإن طهران تسعى للحفاظ على تأثيرها من خلال دعم ميليشياتها ووجودها في الممرات الدولية الحيوية، وفق قوله.

تسعى الجماعة من استهداف السفن في البحر الأحمر لتبييض صورتها داخلياً (إ.ب.أ)

ولا يستبعد الصعر أن تشهد الأيام المقبلة مواجهات أكثر حدة، وأن يتسع نطاق الصراع لتحييد قدرات الرادار في موانئ الحوثيين الثلاثة في الحديدة، بخاصة بعد اعتماد آلية التفتيش في ميناء عدن.

وأضاف: «هذا التطور لن يكون سهلاً، إذ سيتجه الحوثيون نحو استعادة التفوق في الحرب التي افتعلوها ليلتفتوا مجدداً إلى حربهم مع اليمنيين، خصوصاً مع تهديدهم المستمر بهجمات على الموانئ الجنوبية وميناء المخا، بُغية رفع الحظر عن أنفسهم ومضاعفة الفاتورة الإنسانية التي تنقذهم من كل اتفاق، وهو الأمر الذي سيعقّد جهود السلام في حال ارتفاع وتيرة التصعيد».

استعراض قوة

من جانبه، يتوقع الكاتب والمحلل السياسي اليمني محمود الطاهر، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أنه لن يكون هناك تصعيد كبير، إزاء هذه التطورات، نتيجة رغبة الدول المحيطة باليمن في السلام، ويعتقد أن إيران تعلم أن الدول المطلة على البحر الأحمر لا ترغب في التصعيد وستعمل على تخفيف التوتر، وأن مجيئها إلى البحر الأحمر بهدف استعراض قوة وإرسال رسالة إلى الحوثيين بأنها لا تزال معهم، وستدعمهم بكل قوة.

استغل الحوثيون حرب إسرائيل على غزة لحشد المزيد من المجندين وجمع الأموال (أ.ف.ب)

ويضيف الطاهر: «في كل الأحوال، تثبت التحركات الإيرانية ما كنا نحذّر منه، وهو أن طهران تريد السيطرة على باب المندب والبحر الأحمر، عبر الحوثي، وأن هذا يلقي بظلاله على السلام المنتظر أو الهدنة التي يمكن أن يجري التوقيع عليها من الأطراف اليمنية، وهي تشير إلى أن هناك خدعة إيرانية وراء هذا الاتفاق».

ومن خلال التصعيد الحوثي والإيراني معاً في البحر الأحمر، يقول الطاهر: «قد نرى احتكاكات بين تحالف (حارس الازدهار) والحوثيين، لكن إيران لن تدخل مباشرة في الصراع، إذ إن وجودها لوجيستي لدعم الجماعة، وستكتفي بتلقي أوامرها لتنفيذ الكثير من العمليات ضد سفن الشحن وربما السفن الحربية».

ويؤكد الطاهر أن اتفاقية حرية الملاحة الدولية تُلزم أعضاء مجلس الأمن والدول المطلة على البحر الأحمر بحمايتها، ويُقترح أن يكون هناك عمل حقيقي من دول العالم لدعم القوات العسكرية اليمنية لحماية البحر الأحمر وتحرير محافظة الحديدة من قبضة الحوثيين.


مقالات ذات صلة

الحكومة اليمنية تتمسك بسيادتها وترفض فرض رحلات إيرانية

العالم العربي وفد حوثي نقلته طائرة إيرانية من صنعاء إلى طهران دون إذن الشرعية اليمنية (إكس)

الحكومة اليمنية تتمسك بسيادتها وترفض فرض رحلات إيرانية

ترفض الحكومة اليمنية تشغيل رحلات إيرانية لمطار صنعاء خارج الأطر القانونية، وتؤكد جاهزية خطة لتوسيع الرحلات عبر الناقل الوطني، متهمة الحوثيين بتسييس الطيران...

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي رقابة يمنية مشددة على الطرق الصحراوية المستخدمة في التهريب (إعلام حكومي)

اليمن يغلق أبرز مسارات التهريب الحوثية عبر الصحراء

شدّدت القوات الحكومية اليمنية رقابتها على أهم الطرق الصحراوية المستخدمة في تهريب الوقود والأسلحة إلى الحوثيين وأحبطت محاولات تهريب جديدة عقب اشتباكات مع مسلحين

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي الحوثيون حولوا الحدود في صعدة إلى مركز لتجنيد المهاجرين الأفارقة (إعلام محلي)

تضاعف تدفق المهاجرين الأفارقة يعزز مخاوف استغلالهم حوثيّاً

تضاعف تدفق المهاجرين الأفارقة إلى اليمن خلال النصف الأول من العام، وسط تحذيرات من استغلال شبكات التهريب والحوثيين لهم في التجنيد والأنشطة العسكرية والأمنية.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي أسرى يمنيون أفرج عنهم على متن طائرة للجنة الدولية للصليب الأحمر في مطار مأرب (رويترز)

تأجيل صفقة الأسرى اليمنية وسط تبادل الاتهامات عن التعثر

أرجئ تنفيذ صفقة تبادل أكثر من 1700 أسير ومحتجز بين الحكومة اليمنية والحوثيين وسط تبادل الاتهامات عن التعثر من دون تعليق أممي أو من اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي العليمي يترأس اجتماعاً استثنائياً لمجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)

اليمن يرفض رحلات طهران إلى صنعاء

جدّد مجلس القيادة الرئاسي اليمني رفضه تشغيل رحلات إيرانية إلى صنعاء خارج الأُطر القانونية، ودعا لاحترام سيادة اليمن، مع تأكيد جاهزية «اليمنية» لاستئناف الرحلات

«الشرق الأوسط» (عدن)

تأكيد مصري - إماراتي على مواصلة التنسيق لتجنب التصعيد بالمنطقة

محادثات مصرية - إماراتية الأحد تناولت المستجدات الإقليمية (الرئاسة المصرية)
محادثات مصرية - إماراتية الأحد تناولت المستجدات الإقليمية (الرئاسة المصرية)
TT

تأكيد مصري - إماراتي على مواصلة التنسيق لتجنب التصعيد بالمنطقة

محادثات مصرية - إماراتية الأحد تناولت المستجدات الإقليمية (الرئاسة المصرية)
محادثات مصرية - إماراتية الأحد تناولت المستجدات الإقليمية (الرئاسة المصرية)

أكدت مصر والإمارات على «ضرورة التنسيق المشترك لتجنب المزيد من التصعيد في المنطقة»، وشدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد، على ضرورة «مواصلة التشاور بشأن مختلف القضايا».

واستقبل السيسي، نظيره الإماراتي، الأحد، في مدينة العلمين الجديدة بالساحل الشمالي. وحسب إفادة الرئاسة المصرية «تناولت محادثات الرئيسين العلاقات الثنائية»، إلى جانب «المستجدات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، والجهود المبذولة لتجنب المزيد من التصعيد».

وأكد الرئيسان على «ضرورة مواصلة التشاور والتنسيق والعمل المشترك، بشأن مختلف القضايا في ظل التحديات القائمة التي تشهدها المنطقة».

وتدين مصر بشكل متكرر الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج. ودانت الأحد الاعتداءات التي استهدفت الإمارات وقطر والكويت والبحرين والأردن وسلطنة عمان، وقالت في بيان لوزارة الخارجية إن «هذه الهجمات تشكل انتهاكاً صارخاً لسيادة الدول العربية، وتصعيداً خطيراً يهدد أمن واستقرار المنطقة». ودعت إلى «الوقف الفوري لكافة الأعمال العسكرية، وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية».

وشدد السيسي خلال اللقاء على أن «الشيخ محمد بن زايد ودولة الإمارات يحظيان بمكانة خاصة لدى مصر وشعبها، في ضوء العلاقات التاريخية والمتشعبة بين البلدين». فيما أعرب الرئيس الإماراتي عن «امتنانه وتقديره الكبير لحفاوة الاستقبال»، وأكد على متانة «ما يجمع قيادتي وشعبي البلدين من علاقات وروابط أخوية وتاريخية».

وتأتي «محادثات العلمين» بين رئيسي مصر والإمارات في وقت تشهد المنطقة حالةً من عدم الاستقرار، وفق عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير يوسف الشرقاوي، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن «استمرارية التنسيق والتشاور بين القاهرة وأبوظبي، إحدى أهم القنوات المهمة للتهدئة في الإقليم، ومواجهة تحديات الأمن القومي العربي».

ويرى الشرقاوي أن استمرار استهداف دول الخليج «يستدعي استمرار التشاور والتنسيق المتواصل لتثبيت وقف إطلاق النار، والوصول لاتفاق نهائي لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران».

ويشير إلى أن «من بين الجهود التي تستهدفها مصر، استكمال استحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وضمان إدخال المساعدات الإنسانية للفلسطينيين في القطاع».

إلى جانب الأوضاع الإقليمية، تأتي «قمة العلمين» لدعم التعاون الثنائي بين مصر والإمارات، حسب الشرقاوي، الذي أشار إلى أن «هناك استثمارات مشتركة بين القاهرة وأبو ظبي، خصوصاً في منطقة الساحل الشمالي، ومن بينها مشروع رأس الحكمة»، ويلفت إلى أن «مصر تعوّل على تعزيز هذه الاستثمارات».

وارتفعت قيمة الاستثمارات الإماراتية في مصر لتسجل 38.9 مليار دولار خلال 2023 - 2024 مقابل 3 مليارات دولار خلال 2022 - 2023، وفقاً لإحصاءات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» في مصر.

ووقعت مصر اتفاقاً لتطوير وتنمية مدينة «رأس الحكمة» على ساحل البحر المتوسط بشراكة إماراتية في فبراير (شباط) 2024، بـ«استثمارات قُدرت بنحو 150 مليار دولار خلال مدة المشروع».


مصر تدعم وحدة الصومال بتحالفات أفريقية ومساعدات لوجستية وعسكرية

الرئيس المصري مع نظيره الصومالي خلال لقاء سابق في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري مع نظيره الصومالي خلال لقاء سابق في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تدعم وحدة الصومال بتحالفات أفريقية ومساعدات لوجستية وعسكرية

الرئيس المصري مع نظيره الصومالي خلال لقاء سابق في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري مع نظيره الصومالي خلال لقاء سابق في القاهرة (الرئاسة المصرية)

في الوقت الذي جددت مصر «رفضها الكامل لأي محاولات من شأنها المساس بوحدة الأراضي الصومالية، بما في ذلك أي اعتراف بما يسمى بإقليم (أرض الصومال)»، أكد متخصصون أن القاهرة تواصل اتخاذ خطوات عملية للحفاظ على وحدة الصومال أهمها تقديم المساعدات اللوجستية لتطوير القدرات وتشكيل تحالفات أفريقية إلى جانب الدعم العسكري.

وأكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في اتصال هاتفي مع نظيره الصومالي عبد السلام عبدي علي، السبت، دعم مصر الكامل لجمهورية الصومال الفيدرالية ومؤسساتها الوطنية، مشدداً على «الحرص على أمن واستقرار الصومال»، وجدد موقف بلاده الثابت الداعم لوحدة الصومال وسيادته وسلامة أراضيه.

وليست هذه المرة الأولى التي ترفض فيها مصر أي محاولات انفصالية في الأراضي الصومالية، فمنذ أعلنت إسرائيل «الاعتراف بإقليم صومالي لاند»، في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تتوالى التحركات والاتصالات المصرية الرافضة للخطوة الإسرائيلية.

رئيس «وحدة أبحاث شؤون أفريقيا» التابعة لمجلس الوزراء المصري، الدكتور رأفت محمود، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «مصر اتخذت مسارات مختلفة للحفاظ على وحدة الصومال ومنع انفصال إقليم أرض الصومال، تمثل المسار الأول في دعم قدرات الحكومة الفيدرالية، حيث قدمت دعماً فنياً تمثل في تدريب الكوادر الصومالية بمصر في قطاعات الصحة والكهرباء والقضاء وغيرها».

وعلى المستوى الأمني، وقعت مصر مع الصومال «بروتوكول التعاون العسكري والأمني» في أغسطس (آب) 2024، من أجل دعم قدرات الكوادر الصومالية، «وتعزيز دور المؤسسات الوطنية في حفظ الأمن والاستقرار، ومكافحة التنظيمات الإرهابية والمتطرفة، وتمكين الدولة الصومالية من بسط سيادتها وسيطرتها على كامل التراب الوطني»، وفقاً لمحمود.

وأضاف أنه «في يناير (كانون الثاني) 2025 تم التوقيع على «الإعلان السياسي المشترك لترفيع العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، إضافة إلى عدد من مذكرات التفاهم... كما قامت مصر بإهداء شحنات عسكرية للجيش الصومالي».

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد وجه في مناسبات مختلفة رسائل تحذيرية متكررة بشأن الصومال وأمن البحر الأحمر، وذلك بعد اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي والمساعي لوضع قدم بمدخل البحر الأحمر.

وزاد التقارب بين مصر والصومال تحديداً في عام 2024 على خلفية توقيع إثيوبيا اتفاقاً أولياً مع إقليم (أرض الصومال) الانفصالي تحصل بموجبه أديس أبابا على حق انتفاع بأراضٍ ساحلية في ميناء بربرة مقابل الاعتراف المحتمل باستقلاله عن الصومال، ووصفت حكومة مقديشو الاتفاق بأنه اعتداء على سيادتها، وقالت آنذاك إنها ستعرقله بكل الوسائل الضرورية.

وفي أغسطس من عام 2024 وصلت طائرتان عسكريتان مصريتان محملتان بالأسلحة والمعدات العسكرية إلى الأراضي الصومالية، مما دفع إثيوبيا وقتها إلى إصدار بيان حاد اللهجة، يتهم جارتها مقديشو «بزعزعة الاستقرار في المنطقة».

وفي الشهر ذاته وقعت مصر ونيجيريا مذكرة تفاهم لتعميق التعاون في مجال الصناعات الدفاعية، وهو ما فسره مراقبون بأنه يأتي ضمن تحركات مصرية لاستعادة دورها في القارة السمراء.

مصر تشارك بقوات في بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال (أ.ف.ب)

ويشير رأفت محمود إلى مسار آخر تمثل في التعاون مع حلفاء بمنطقة القرن الأفريقي يتضررون كذلك من انفصال (أرض الصومال) والتدخلات الإثيوبية الإسرائيلية في الشأن الصومالي، قائلاً: «تعاونت مصر مع إريتريا وجيبوتي وترسخ ذلك في قمة أسمرة التي انعقدت في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2024 ونتج عنها نقلة نوعية في العلاقات والتنسيق بين الدول الثلاث».

وأرجع مثل هذه التحالفات إلى «التأثيرات السلبية للاعتراف الإسرائيلي بالإقليم الانفصالي سوف تنعكس على دول القرن الأفريقي، حيث تترتب على الخطوة الإسرائيلية، زيادة الأطماع الإقليمية نحو ساحل أرض الصومال المطل على البحر الأحمر مما يزيد من حدة التنافس الدولي والإقليمي على القرن الأفريقي ذي الأهمية الاستراتيجية لمصر والدول التي تتحالف معها».

الباحث المتخصص في شؤون منطقة القرن الأفريقي محمد تورشين، قال إنه «مع الرفض المتكرر والمباشر من جانب القاهرة لفكرة انفصال (صومالي لاند) فإن مصر قامت بخطوات على أرض الواقع تعزز من وحدة الصومال، منها تعزيز العلاقات الثنائية مع حكومة مقديشو المركزية، فضلاً عن تعزيز الشراكات العسكرية والاقتصادية سواء مع الصومال أو دول أفريقية أخرى».

وأوضح تورشين لـ«الشرق الأوسط» أن «مصر تظل الداعم الأهم والرئيسي للحكومة الصومالية في المحافل الدولية والإقليمية، وهذا ما يدفع الكثير من الدول إلى دعم موقف مقديشو وفقاً لمقتضيات القانون الدولي، فضلاً عن المشاركة المستمرة والمهمة من جانب مصر بقوات وعتاد في بعثة الاتحاد الأفريقي لحفظ السلام بالصومال».

وفي نهاية ديسمبر 2024 أعلنت مصر أنها ستساهم بقوات في بعثة حفظ السلام التابعة لـ«الاتحاد الأفريقي» في الصومال. وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي وقتها، إن هذه الخطوة تأتي «بناء على طلب الحكومة الصومالية، وبناء أيضاً على ترحيب من مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي».


الحكومة اليمنية تتمسك بسيادتها وترفض فرض رحلات إيرانية

وفد حوثي نقلته طائرة إيرانية من صنعاء إلى طهران دون إذن الشرعية اليمنية (إكس)
وفد حوثي نقلته طائرة إيرانية من صنعاء إلى طهران دون إذن الشرعية اليمنية (إكس)
TT

الحكومة اليمنية تتمسك بسيادتها وترفض فرض رحلات إيرانية

وفد حوثي نقلته طائرة إيرانية من صنعاء إلى طهران دون إذن الشرعية اليمنية (إكس)
وفد حوثي نقلته طائرة إيرانية من صنعاء إلى طهران دون إذن الشرعية اليمنية (إكس)

جددت الحكومة اليمنية موقفها الرافض أي محاولات لتشغيل رحلات جوية إيرانية إلى مطار صنعاء خارج الأطر القانونية والسيادية، مؤكدة أن إدارة الحركة الجوية يجب أن تكون عبر المؤسسات الرسمية المعترف بها دولياً، وفي إطار القوانين الوطنية والاتفاقيات المنظمة للطيران المدني، وذلك بالتزامن مع كشفها عن خطة كانت قد أعدتها لاستئناف وتوسيع الرحلات التجارية عبر الناقل الوطني قبل أن تُفاجأ بمحاولات فرض واقع جديد يخالف تلك الترتيبات.

وأكدت وزارة النقل، في بيان، أن تشغيل أي رحلات دولية من وإلى مطار صنعاء ينبغي أن يكون حصراً عبر الجهات المختصة في الدولة، وبما يتوافق مع قواعد «منظمة الطيران المدني الدولي»، عادّةً أن أي ترتيبات خارج هذا الإطار تمثل انتهاكاً للسيادة اليمنية ومخالفة صريحة للقوانين والاتفاقيات الدولية.

وقالت الوزارة إن القيادة السياسية، ممثلة في مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، وبدعم من السعودية، تواصل جهودها لضمان استمرار الرحلات الجوية عبر مطار صنعاء لخدمة جميع اليمنيين، والعمل على إزالة العراقيل التي تعترض حركة الطيران المدني، متهمة الحوثيين بفرض قيود عطلت هذا المسار.

طائرة يمنية في مطار عدن حاول الحوثيون تدميرها لاستهداف أعضاء الحكومة اليمنية (إعلام حكومي)

ورأت الوزارة أن الإجراءات التي اتخذتها الجماعة خلال السنوات الماضية لم تستهدف فقط حرية تنقل المواطنين، بل طالت أيضاً شركة «الخطوط الجوية اليمنية» بصفتها الناقل الوطني، عبر سلسلة من الإجراءات التي عطلت نشاطها وأضعفت قدراتها التشغيلية؛ الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على المرضى والطلاب والمسافرين.

وكشفت وزارة النقل اليمنية عن أنها كانت قد استكملت، قبل أيام من إعلان الحوثيين عن ترتيبات لتشغيل رحلات إيرانية، إعداد خطة متكاملة لاستئناف الرحلات بين صنعاء والعاصمة الأردنية عمّان، إلى جانب التوسع نحو وجهات أخرى بعد استكمال التصاريح اللازمة.

وعدّت أن هذه الخطة كانت تستهدف توسيع خيارات السفر أمام المواطنين وفق الأطر القانونية، إلا إنها اصطدمت بمحاولات وصفتها بـ«فرض واقع يخالف القانون الدولي ويقوض الجهود الرامية إلى استعادة انتظام حركة الطيران المدني».

تعسف حوثي

واستعرضت وزارة النقل اليمنية ما قالت إنها سلسلة من الإجراءات التي تعرض لها الناقل الوطني منذ إعادة تشغيل مطار صنعاء عقب الهدنة الأممية عام 2022، مشيرة إلى تجميد أرصدة الشركة دون مبررات قانونية، واحتجاز 4 من طائراتها، بينها طائرة من طراز «إيرباصA330» و3 طائرات من طراز «إيرباصA320»، قبل أن تتعرض 4 طائرات أخرى للتدمير خلال قصف إسرائيل مطار صنعاء.

وحملت وزارة النقل اليمنية الحوثيين المسؤولية الكاملة عن الخسائر التي تكبدتها الشركة الوطنية، وما ترتب عليها من أضرار لحقت بالمسافرين وبقطاع النقل الجوي في البلاد.

طائرة إيرانية في مطار صنعاء (متداولة - إكس)

وفي ختام بيانها، دعت وزارة النقل الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المختصة بالطيران المدني إلى تحمل مسؤولياتها، والضغط من أجل حماية الناقل الوطني اليمني، وضمان إدارة مطار صنعاء وفق القوانين الدولية، مؤكدة أن الحكومة ستواصل دعم شركة «الخطوط الجوية اليمنية» والعمل على توسيع شبكة رحلاتها، وأنها لن تسمح بتحويل الطيران المدني وسيلةً للابتزاز السياسي أو الإضرار بمصالح المواطنين.

مشروع عسكري

في السياق نفسه، قال وزير الإعلام اليمني، معمر الإرياني، إن رفض الحوثيين تشغيل رحلات «الخطوط الجوية اليمنية»، وتمسكهم بإحلال شركة «ماهان» الإيرانية، يكشف عن أن «هدف الجماعة لا يرتبط بتخفيف معاناة المسافرين، وإنما بإعادة فتح الجسر الجوي مع إيران لخدمة مشروعها العسكري».

وأوضح الإرياني أن الحكومة قدمت جميع التسهيلات الكفيلة باستمرار الرحلات الإنسانية عبر الناقل الوطني، بما يحفظ حق اليمنيين في السفر والعلاج، مع الالتزام الكامل بإجراءات السلامة والأنظمة الدولية، «إلا إن الحوثيين رفضوا هذه الخيارات وأصروا على تشغيل الطيران الإيراني».

إسرائيل دمرت آخر طائرة مدنية يشغلها الحوثيون من مطار صنعاء (أ.ب)

وأضاف أن هذا الموقف يؤكد، وفق تعبيره، أن «الاعتبارات الإنسانية ليست الدافع الحقيقي للجماعة، وإنما السعي إلى إعادة تشغيل خطوط جوية تخدم أهدافاً عسكرية وأمنية».

وأشار الوزير إلى أن التجربة السابقة عقب سيطرة الحوثيين على صنعاء لا تزال حاضرة، «عندما أُعلن عن تشغيل 14 رحلة أسبوعياً بين صنعاء وطهران، رغم غياب المبررات المدنية أو التجارية التي تستدعي هذا العدد من الرحلات».

وقال إن ذلك أثار منذ البداية تساؤلات بشأن طبيعة الاستخدام الحقيقي لتلك الرحلات، قبل أن تتحدث تقارير لاحقة عن استخدامها في نقل مستشارين وخبراء عسكريين ومعدات مرتبطة بتطوير القدرات العسكرية للحوثيين.

تحذير من إعادة السيناريو

واتهم الإرياني الحوثيين بمحاولة إعادة السيناريو ذاته، عادّاً أن رفضهم تشغيل رحلات «الخطوط الجوية اليمنية» يعود إلى «التزام الشركة إجراءات التفتيش وقوائم المسافرين ومتطلبات الأمن والسلامة المعمول بها دولياً، وهي إجراءات تمنع استخدام الطيران المدني في أنشطة غير مشروعة»، وفق قوله.

كما أشار إلى أن شركة «ماهان» الإيرانية تخضع لعقوبات أميركية ودولية بسبب اتهامات تتعلق بدعم «فيلق القدس» ونقل معدات ومقاتلين إلى مناطق نزاع، عادّاً أن الإصرار على تشغيلها يثير مخاوف بشأن طبيعة الأهداف التي تقف وراء هذه الخطوة.

وأضاف أن الحوثيين يواصلون، في الوقت ذاته، «الترويج لوجود حصار على مطار صنعاء، بينما يرفضون البدائل التي تتيح للمواطنين السفر عبر الناقل الوطني»، وهو ما عدّه دليلاً على أن «أولويتهم ليست تسهيل حركة المدنيين، وإنما استعادة مسار الدعم الإيراني».

وجدد الوزير دعوته المجتمع الدولي إلى التعامل مع الوقائع على الأرض، وعدم الاكتفاء بالشعارات، مشدداً على أن «تمسك الحوثيين بطيران خاضع للعقوبات، مقابل رفض تشغيل (الخطوط الجوية اليمنية)، يعكس استمرار ارتباط الجماعة بالمشروع الإيراني، ويحول مطار صنعاء من منفذ مدني لخدمة اليمنيين إلى منصة تخدم أجندات عسكرية وإقليمية» وفق تعبيره.