«الشقب»... قرية يمنية تتحرك في الظلام خشية القناصين

حصار الحوثيين حوّل الحياة في تعز إلى طوارئ يومية

تسلك السيارات طرقاً بدائية وعرة منذ 9 أعوام بسبب حصار الجماعة الحوثية لمدينة تعز (أ.ف.ب)
تسلك السيارات طرقاً بدائية وعرة منذ 9 أعوام بسبب حصار الجماعة الحوثية لمدينة تعز (أ.ف.ب)
TT

«الشقب»... قرية يمنية تتحرك في الظلام خشية القناصين

تسلك السيارات طرقاً بدائية وعرة منذ 9 أعوام بسبب حصار الجماعة الحوثية لمدينة تعز (أ.ف.ب)
تسلك السيارات طرقاً بدائية وعرة منذ 9 أعوام بسبب حصار الجماعة الحوثية لمدينة تعز (أ.ف.ب)

تلجأ خيرية سعيد، من أهالي قرية «الشقب» التابعة لمديرية صبر الموادم شمال شرقي مدينة تعز اليمنية، إلى إعداد إفطار عائلتها قبل شروق الشمس بساعات عديدة؛ وذلك لأن القناص الحوثي المتمركز في «التلة» المقابلة لمنزلها يطلق النار على المنزل كلما رأى دخاناً يتصاعد من فتحة سقف المطبخ، حيث يستخدم غالبية أهالي القرى في اليمن الحطب للطهي.

ولا يرى القناص الحوثي نار الموقد؛ لأن خيرية سدت كل النوافذ، وهو ما يؤثر على تنفسها وصحة عينيها، وغالباً ما تظل تتنقل بين المطبخ وسطح المنزل لاستنشاق الهواء خلال إعداد الإفطار، أما الغداء فتنتقل إلى منزل أقاربها المتواري عن أنظار القناصة لإعداده، ثم نقله على رأسها إلى المنزل.

أحد أهالي مدينة تعز في مظاهرة للمطالبة برفع الحصار عن المدينة (أ.ف.ب)

ويشكو أهالي قرية «الشقب» من قلة اهتمام وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية بالانتهاكات التي يمارسها مسلحو الجماعة الحوثية بحقهم، فالقرية التي يزيد تعداد أهلها على 10 آلاف شخص، يعيش أهلها تحت رحمة نيران القناصة، ويضطرون إلى سلوك طرق متوارية عن أنظارهم، إلا أن تلك الطرق مزروعة بالألغام!

ورغم معرفة الأهالي بالمواقع التي زرع فيها مسلحو الجماعة الحوثية الألغام، ومحاولاتهم تجنبها، إلى جانب بعض المبادرات الشبابية للتخلص منها بطرق بدائية؛ فإن ثمة ألغاماً يصعب اكتشافها، وتؤدي بين الحين والآخر إلى إحداث إصابات في أوساط السكان.

الظلام صديق السكان

تعود آخر إصابة بانفجار لغم في القرية إلى قرابة الشهرين، حين أصيبت امرأة بانفجار جوار منزلها، بعد أن أصيبت مرتين خلال الأعوام السابقة بطلقات القناصة الحوثيين في يدها وفي قدمها.

ويحاول أهالي الأجزاء المكشوفة من القرية أمام القناصة الحوثيين الخروج والدخول من وإلى منازلهم والقرية لقضاء مصالحهم خلال الظلام، وغالباً ما يغادرون منازلهم قبيل شروق الشمس ويعودون إليها بعد مغيبها، ورغم ذلك يستطيع القناصة إطلاق النار عليهم وإصابتهم بفعل امتلاكهم أجهزة رؤية ليلية.

ويقول عبد المجيد ناجي، من أهالي القرية، إن الأهالي يتحركون في الظلام معتمدين على خبرتهم بالطرق وقوة إبصارهم، أما ضعيفو الإبصار فيضطرون إلى اصطحاب من يدلهم على الطريق، ورغم ذلك فإن التحرك في الظلام يبقى مخاطرة، ويحاول الأهالي خلاله الاحتماء بالصخور والجدران، كما يلتزمون الهدوء حتى لا يجذبوا انتباه القناصة.

أما الأطفال فقد حُرموا من اللعب بسبب أعمال القنص والألغام المزروعة في الطرقات والمزارع ومختلف المساحات المتاحة للعب، بحسب ناجي، وباتت الأماكن المخصصة لألعابهم تقتصر على مساحات ضيقة بين المنازل المحجوبة عن أعين القناصة، أو فوق التكوينات الصخرية التي يضمنون عدم وجود ألغام فيها.

وغالباً ما يستمتع مسلحو الجماعة بإخافة وإزعاج أهالي القرية، بإطلاق قذائف المدفعية في أوقات متأخرة من الليل لإيقاظهم من النوم وإثارة رعبهم.

تتحدث منظمات حقوقية عن آلاف الانتهاكات التي طالت أهالي قرية «الشقب» وأدت إلى تهجير سكانها (فيسبوك)

وكان الجيش اليمني حرر أجزاء من قرية «الشقب» في ربيع العام قبل الماضي، ومنذ الهدنة المعلنة في ربيع العام الماضي، توقفت العمليات العسكرية في المنطقة، إلا أن الجماعة الحوثية لم تتوقف عن استهداف أهالي القرية بنيران القناصة وزراعة الألغام.

وتسيطر الجماعة على مرتفع صخري يطل على القرية يُعرف بـ«الأكمة»، ومنه يمارس عناصرها أعمالهم العدائية بحق أهالي القرية بشكل مستمر.

طوارئ يومية في تعز

تمتد المأساة من قرية «الشقب» إلى مناطق شتى في مدينة تعز المحاصرة، فبمجرد أن يؤدي علوان الأغبري صلاة الفجر، يغادر منزله بخفة قبل شروق الشمس أو بزوغ أضوائها الأولى، رغم أن عمله يبدأ بعد شروقها بقرابة ساعتين، لكنه يفعل ذلك ليتجنب أن يكون أحد ضحايا قناصة الجماعة الحوثيين المتربصين بسكان حي بريد الروضة شمال مدينة تعز.

تحولت أحياء أطراف مدينة تعز إلى مناطق مهجورة بسبب القناصة الحوثيين الذين يستهدفون المدنيين (إكس)

ويقع منزل الأغبري في منطقة مكشوفة أمام القناصة المتمركزين على التلال والمباني المرتفعة المحيطة بالحي، ورغم أنه أصبح شبه مهجور بسبب هؤلاء القناصة خلال السنوات الماضية؛ فإن عدداً من السكان عادوا إلى منازلهم بعد تراجع العمليات العسكرية، وسريان الهدنة التي استمرت ستة أشهر من العام الماضي، والتي لا تزال قائمة رغم عدم تجديدها، ورغم هجمات الجماعة.

ومنذ قرابة الشهر أصيبت امرأة في نفس الحي بطلقة قناص حوثي أخطأ رأسها، لكن شظايا الطلقة التي أصابت حائطاً قريباً منها تسببت بجروح خطيرة في وجهها وصدرها وذراعها اليسرى، ووجد أقاربها صعوبة في إسعافها إلى مستشفى الثورة العمومي شرق المدينة، بسبب السيطرة النارية للقناصة على الشوارع والطرق المؤدية إلى المستشفى.

ويفيد صلاح غالب الناشط المجتمعي في مدينة تعز بأنه ليس من السهل الحديث عن حياة المدنيين في الأحياء الواقعة تحت أنظار القناصة، فهؤلاء يحسبون لكل خطواتهم وتحركاتهم حسابات كثيرة؛ لأن الخطأ الواحد قد يكلف صاحبه حياته أو يتسبب له بإعاقة دائمة، في حين يعد الأمر بالنسبة للقناصة مجرد تسلية يقضون بها أوقاتهم.

ويشير غالب في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن مديريتَي القاهرة والمظفر داخل مدينة تعز محاصرتان بالكامل، وإلى جانبهما أجزاء كبيرة من مديرية صالة شرقاً، والمحاصرة من ثلاثة اتجاهات، الشرق والشمال والغرب. وبينما يعيش أهالي هذه المديريات حالة طوارئ يومية بسبب نيران مدفعية الجماعة؛ فإن سكان الأحياء الطرفية منها يعيشون تحت رحمة القناصة.

عشرات من أهالي قرية «الشقب» التابعة لمحافظة تعز خلال نزوحهم من نيران الجماعة الحوثية (إكس)

ولم تتوقف أعمال القنص والقصف بالأسلحة الثقيلة ومحاولات التسلل التي يمارسها المسلحون التابعون للجماعة الحوثية في أطراف مدينة تعز وخطوط التماس رغم تراجع المواجهات، كما أن الأحياء والقرى البعيدة من تلك المناطق ما زالت عرضة لنيران مدفعية الجماعة وصواريخ الكاتيوشا.

وفي الوقت الذي تزعم فيه الجماعة الحوثية مناصرة أهالي وسكان قطاع غزة ضد اعتداءات الجيش الإسرائيلي؛ يتهم المدنيون من سكان مدينة تعز الجماعة التي تحاصرهم منذ 9 أعوام باستهدافهم المستمر، وتعمد تحويل حياتهم إلى حالة طوارئ دائمة.


مقالات ذات صلة

ألغام الحوثيين تعمّق معاناة المتضررين من السيول

العالم العربي السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)

ألغام الحوثيين تعمّق معاناة المتضررين من السيول

سيول الساحل الغربي في اليمن تخلّف 22 قتيلاً ودماراً واسعاً، فيما فاقمت الألغامُ الحوثية المنجرفة المأساة، مهددة حياة السكان، ومعرقلة جهود الإغاثة والإنقاذ.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي عائلة يمنية مكونة من أم و7 أطفال نزحت من الحديدة إلى منطقة دار سعد في عدن (الأمم المتحدة)

اختبار أممي معقَّد في اليمن وسط زحام الأزمات العالمية

تواجه أعمال الإغاثة في اليمن تحدياً صعباً، فبينما ترتفع أعداد المحتاجين، يتراجع تمويل خطط الاستجابة الإنسانية تحت تأثير الأزمات العالمية واستدامة الصراع الداخلي

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

أعلن الحوثيون انخراطهم عسكرياً في الحرب إلى جانب إيران، بعد شهر من الترقب، في خطوة تعكس ضغوطاً إيرانية وحسابات معقدة، مع مخاوف من تصعيد يطول البحر الأحمر.

علي ربيع (عدن)
العالم العربي السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

سيول جارفة تضرب تعز وتخلف ضحايا ودماراً واسعاً

سيول مدمرة تضرب جنوب تعز وتخلّف قتلى ودماراً واسعاً، وسط نداءات استغاثة وتحذيرات من استمرار الأمطار، ومخاوف من تفاقم الأزمة الإنسانية وعزل القرى المتضررة.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

تصاعد صراع داخلي بين قادة الحوثيين في صنعاء بسبب اتهامات متبادلة بالفساد ونهب أموال الزكاة والأوقاف، وسط أزمة معيشية حادة وتفاقم مخاطر الجوع لدى ملايين اليمنيين

«الشرق الأوسط» (صنعاء)

ألغام الحوثيين تعمّق معاناة المتضررين من السيول

السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
TT

ألغام الحوثيين تعمّق معاناة المتضررين من السيول

السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)

تفاقمت معاناة السكان في مناطق الساحل الغربي لليمن، عقب السيول الجارفة التي لم تتوقف عند إغراق القرى وتدمير المنازل، بل تسببت أيضاً في تحريك ألغام أرضية ومتفجرات خلّفها الحوثيون؛ مما ضاعف من حجم الكارثة الإنسانية ورفع مستوى المخاطر التي تهدد حياة المدنيين.

وارتفعت حصيلة الضحايا إلى 22 قتيلاً، بينهم أطفال ونساء، فيما تضرر أكثر من 430 منزلاً بين دمار كلي وجزئي، إضافة إلى خسائر واسعة في الأراضي الزراعية والبنية التحتية، في وقت لا تزال فيه فرق الإنقاذ والإغاثة تواصل جهودها وسط تحديات ميدانية معقدة.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن السيول التي اجتاحت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، دمّرت نحو 38 منزلاً بشكل كلي، وألحقت أضراراً جزئية بأكثر من 400 منزل، فضلاً عن نفوق نحو 460 رأساً من الماشية وفقدان نحو 600 أخرى، في ضربة موجعة لمصادر دخل السكان.

عشرات المساكن في المخا وموزع غرب اليمن دمرتها السيول (إعلام حكومي)

وامتدت الأضرار إلى مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، حيث جرفت السيول التربة والمحاصيل، كما تضررت الطرقات وشبكات المياه؛ مما أدى إلى عزل بعض القرى وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية إليها.

ووفق مصادر إغاثية، فإن معظم الضحايا سقطوا في مديرية المخا، خصوصاً بمنطقتي النجيبة والغرافي، فيما شهدت مناطق الهاملي والسفالية والمفرق في مديرية موزع أضراراً متفاوتة في الممتلكات والبنية التحتية.

كما لا يزال 5 أشخاص في عداد المفقودين، في حين أفاد سكان محليون بالعثور على جثتي طفلين جرفتهما السيول بمنطقة السبلة، في مشهد يعكس قسوة الكارثة وحجم الخسائر البشرية.

الخطر الأكبر

لم تقف تداعيات الكارثة عند حدود الدمار الذي خلفته السيول، بل كشفت عن تهديد أخطر تمثل في جرف الألغام الأرضية والعبوات الناسفة إلى مناطق مأهولة بالسكان؛ مما وضع حياة المدنيين أمام خطر مزدوج.

وأفاد سكان في مديرية المخا بالعثور على ألغام مضادة للدبابات جرفتها السيول من مناطق مرتفعة، بينها الكدحة ووادي رسيان، إضافة إلى عبوات ناسفة ظهرت في مناطق سكنية، منها عزلة الزهاري شمال المدينة.

وفي مديرية موزع، تكررت المشاهد ذاتها، حيث عُثر على ألغام من مخلفات الحوثيين في مناطق زراعية وسكنية، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة من استمرار تدفق هذه المتفجرات مع أي موجة أمطار جديدة.

ودفعت هذه التطورات الفرق الهندسية إلى التدخل العاجل، حيث باشرت عمليات مسح ميداني لتحديد مواقع الألغام وتأمين مسارات آمنة للسكان، في سباق مع الزمن لتجنب سقوط مزيد من الضحايا، خصوصاً مع عودة الأهالي إلى تفقد منازلهم ومزارعهم.

جهود إغاثية

في موازاة ذلك، كثّفت الجهات الحكومية و«خلية الأعمال الإنسانية في المقاومة الوطنية» من تحركاتها الميدانية، حيث سُيّرت قوافل إغاثية إلى المناطق المتضررة، شملت توزيع مواد غذائية وإيوائية ومياه نظيفة على الأسر المنكوبة.

وأعلنت الخلية استكمال عمليات حصر الأضرار وتحديد الأسر المتضررة، تمهيداً لتوسيع نطاق الاستجابة الإنسانية خلال الأيام المقبلة، في ظل الحاجة المتصاعدة للدعم، خصوصاً مع تضرر مصادر الدخل وغياب مقومات الحياة الأساسية.

كما واصلت فرق الأشغال العامة فتح الطرقات المتضررة، وإزالة مخلفات السيول، وإعادة توجيه مجاري المياه بعيداً عن التجمعات السكنية، في محاولة للحد من تفاقم الأضرار.

طارق صالح يلتقي عائلات ضحايا السيول في المخا (إعلام حكومي)

وفي السياق، زار عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، عدداً من المناطق المنكوبة في ريف المخا، واطّلع على حجم الخسائر، موجهاً بتكثيف الجهود الإغاثية وتقديم الدعم الطبي العاجل، إلى جانب الإسراع في إعادة تأهيل الطرق لضمان وصول المساعدات.

وخلال لقائه أهالي الضحايا، نقل صالح تعازي القيادة السياسية، مؤكداً أن التعامل مع تداعيات الكارثة يتطلب استجابة عاجلة وشاملة، تأخذ في الحسبان حجم التحديات، وفي مقدمتها خطر الألغام التي ما زالت تحصد أرواح المدنيين حتى بعد انحسار السيول.

Your Premium trial has ended


اختبار أممي معقَّد في اليمن وسط زحام الأزمات العالمية

مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
TT

اختبار أممي معقَّد في اليمن وسط زحام الأزمات العالمية

مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)

تواجه الأمم المتحدة اختباراً جديداً ومعقداً في اليمن، بعدما دعت المجتمع الدولي إلى توفير نحو 2.6 مليار دولار لتمويل خطة الاستجابة الإنسانية للعام الحالي، في وضع اقتصادي دولي محفوف بالمخاطر، بينما يزداد الوضع سوءاً في الداخل بعد أن وصلت أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

وظهرت في السنوات الماضية صعوبة تأمين التمويل الكامل لتلك الخطط، في ظلِّ تساؤلات عن قدرة ورغبة المجتمع الدولي في توفير هذا التمويل في ظل أزمات اقتصادية عالمية متلاحقة وتزاحم غير مسبوق للأزمات الإنسانية حول العالم، بينما تعتمد جهود مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الذي يقود خطط الاستجابة على تعهدات الدول المانحة.

وتقدر الوكالات الأممية أن نحو 22.3 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى شكل من أشكال الدعم الإنساني، بزيادة 2.8 مليون شخص عن العام الماضي، وبما نسبته نحو 14 في المائة، مما يعكس تدهوراً حاداً، مدفوعاً بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، وانهيار الخدمات الأساسية، والصدمات الاقتصادية.

يرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام للجنة اليمنية العليا للإغاثة (لجنة حكومية)، أن بلوغ الاحتياجات الإنسانية هذه المستويات، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية، ويؤكد أنه، ومع وصول نسبة تمويل خطة الاستجابة، حتى مارس (آذار) 2026، إلى قرابة 10 في المائة فقط، فإن الحل لا يكمن في مجرد حشد المليارات، بل في «استعادة الثقة».

عائلة يمنية مكونة من أم و7 أطفال نزحت من الحديدة إلى منطقة دار سعد في عدن (الأمم المتحدة)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن المانحين ورجال الأعمال يحتاجون لضمانات بأن مساهماتهم تذهب لمن يستحقها، بينما تسعى الحكومة، وبإسناد من تحالف دعم الشرعية، لتقديم هذا «النموذج الشفاف» كما يصفه.

وبيَّن بلفقيه أن العمل الإنساني عانى طويلاً من خلل في إدارة الأموال والبيانات، مما استوجب أن يرتكز النشاط الحكومي الحالي على إقرار آلية «النافذة الواحدة» والتي من خلالها يتم رفع الاحتياجات الحقيقية من واقع الميدان وبإشراف حكومي مباشر، لإنهاء العشوائية، وضمان التوزيع العادل للمساعدات، والسماح للبنك المركزي بالرقابة على التدفقات المالية، مما يدعم استقرار العملة الوطنية.

ويتحدث عاملون في المجال الإنساني عمّا بات يُعرف بـ«إرهاق المانحين»، حيث أصبح واضحاً بعد أكثر من عقد من الأزمة، تراجع رغبة بعض الحكومات عن تمويل أزمات طويلة الأمد تبدو بلا أفق سياسي قريب للحل.

أزمة تمويل تتكرر

في معظم الأعوام، لم تحصل الاستجابة الإنسانية في اليمن سوى على جزء من التمويل المطلوب، مما اضطر وكالات الإغاثة إلى تقليص برامج المساعدات الغذائية والصحية أو خفض أعداد المستفيدين.

أكثر من 35 ألف يمني سيحصلون على مساعدات متنوعة بتمويل ياباني (الأمم المتحدة)

يتهم إيهاب القرشي، الباحث في الشأن الإنساني والاقتصادي اليمني، الأمم المتحدة بإدارة الملف الإغاثي والإنساني في اليمن بشكل كارثي، بعد أن حددت، خلال 14 عاماً ماضية، الاحتياجات الإنسانية وخطط الاستجابة بمبلغ 38.265 مليار دولار، ولم تحصل من المانحين حتى أواخر الشهر الحالي سوى على 21.571 مليار دولار، بما نسبته 59 في المائة.

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن أعلى معدل تمويل بلغ 75 في المائة في عام 2017، بينما كان أدنى معدل تمويل في عام 2024، والذي وصل إلى 17 في المائة، ولم يتجاوز في العام الماضي 54 في المائة، بينما لم يتم الحصول على أكثر من 9 في المائة خلال الفترة المنقضية من هذا العام.

ولا يتوقع القرشي أن يتجاوز تمويل خطة الاستجابة هذا العام بأكثر من 40 في المائة، إلى جانب تراجع تمويل المساعدات المباشرة لليمن في هذا الإطار الهام جداً ومع زيادة الاحتياجات.

ويتفق غالبية المراقبين للشأن الاقتصادي والإنساني في اليمن على أن التصعيد العسكري الأخير في المنطقة، وما يلقي من آثار على الاقتصاد العالمي ومضاعفة كلفة النقل والتأمين البحريين سيحد من إمكانية حصول الأمم المتحدة على تمويل لخططها الإغاثية في اليمن، وأيضاً حصول الحكومة نفسها على مساعدات مباشرة.

مفترق طرق إنساني

بحسب الخبراء، فإن تمويل الإغاثة في اليمن تأثَّر على مدى السنوات الماضية بمختلف الأزمات والحروب، بدءاً بجائحة «كورونا» التي عطلت الاقتصاد العالمي لوقت طويل، قبل أن تأتي الحرب الروسية - الأوكرانية لتتسبب بأزمات تموينية كبيرة على مستوى العالم.

وبينما ينتقد جمال بلفقيه، المسؤول الإغاثي اليمني، غياب التنظيم والرقابة الميدانية خلال الفترات الماضية من نشاط وجهود الأمم المتحدة ووكالاتها، مما أدَّى إلى فشل وصول المساعدات لكثير من مستحقيها، طالب بتنظيم العمل الإنساني وترتيب أولوياته لفتح آفاق جديدة تمكن من كسب ثقة رجال الأعمال والدول المانحة.

سوق في مدينة المكلا شرق اليمن حيث يعاني جميع سكان البلاد من تدهور القدرة الشرائية (أ.ف.ب)

وأكَّد أن الحكومة بصدد بناء أرضية مشتركة قوية مع القطاع الخاص والمجتمع الدولي للانتقال من مرحلة «تسكين الأزمة» إلى مرحلة «التعافي الاقتصادي الشامل».

وصرفت الأزمات الإنسانية الناتجة عن الحروب في عدة دول ومناطق في المنطقة والعالم كالسودان وغزة، أنظار الجهات الإغاثية عن الأزمة في اليمن.

ويحدِّد الباحث إيهاب القرشي مجموعة عوامل أدَّت لخفض التمويل خلال السنوات الماضية، مثل عدم تقدير الوضع الإنساني في اليمن بشكل واقعي، بسبب القصور الفني لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، وقصور أدوار وزارة التخطيط اليمنية، مما تسبب بالإعلان عن احتياجات غير حقيقة.

وإلى جانب ذلك، يجري تشتيت المخصصات وإهدارها كمصاريف تنفيذية وإدارية، بينما كانت الجماعة الحوثية تسيطر على المساعدات وتوجهها إلى ميزانية حروبها، وبشهادة الأمم المتحدة، بالإضافة إلى عدم الثقة بالمنظمات الإغاثية من قبل المانحين.

مساعدات دوائية قدمتها منظمة الصحة العالمية العام الماضي لعلاج الكوليرا في اليمن (الأمم المتحدة)

وتأتي أخيراً ممارسات التضييق والانتهاكات الحوثية ضد هذه المنظمات بعدما انتهت مصالح الجماعة مع الأمم المتحدة ووقف الولايات المتحدة تمويل الوكالة الأميركية للتنمية، وإنهاء تمويلها لخطط الاستجابة، وهي أكبر الدول المموِّلة لخطط الاستجابة.

ويواجه المجتمع الدولي اختباراً صعباً، فإما الاستجابة لنداءات التمويل ومنع تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، وإما ترك واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم تواجه خطر التفاقم في وقت تتزايد فيه الضغوط على منظومة العمل الإنساني العالمية.


إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
TT

إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)

ذكرت مصادر أمنية أن الدفاعات الجوية أسقطت طائرة مسيرة بالقرب ‌من ‌مقر ​إقامة ‌مسعود ⁠بارزاني، ​رئيس الحزب ⁠الديمقراطي الكردستاني في العراق، في أربيل.
وقالت ⁠مصادر أمنية لـ«رويترز» أمس السبت، ​إن ‌هجوما ‌بطائرة مسيرة استهدف منزل رئيس إقليم ‌كردستان العراق في واقعة تأتي ⁠في ⁠ظل استمرار تصاعد التوتر في شمال العراق.

وشهدت أربيل ليل السبت، نشاطاً مكثفاً للطائرات المسيّرة وعمليات اعتراض استمرَّت لساعات، حيث تمَّ إسقاط عدد من المسيَّرات في أثناء محاولتها استهداف القنصلية الأميركية وقواعد قريبة منها.

ونقل مراسلو وكالة أنباء «أسوشييتد برس» من المنطقة أصوات انفجارات متواصلة وقوية، مشيرين إلى رصد مسيّرة واحدة على الأقل تتجه نحو المنشآت الأميركية، في يوم شهد هجمات هي الأكثر ضراوة منذ اندلاع الحرب. وتواصل الميليشيات الموالية لإيران في العراق تصعيد هجماتها بالمسيّرات والصواريخ ضد القواعد الأميركية، ومن بينها تلك الموجودة في أربيل.

وأدانت واشنطن، في بيان، ما أسمتها «الهجمات الإرهابية الدنيئة» التي نفَّذتها الجماعات المسلحة الموالية لإيران، مؤكدة أنَّ الضربات التي استهدفت مقر رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في وقت سابق من يوم السبت، تمثل «اعتداء صريحاً على سيادة العراق واستقراره ووحدته».

وأسفر الهجوم عن أضرار مادية فقط، دون تسجيل إصابات، حيث كان المقر خالياً من الأشخاص لحظة استهدافه بالقصف.

إلى ذلك، أفادت مصادر أمنية ووسائل إعلام عراقية بأن مدناً ومناطق متفرقة من العراق تعرَّضت خلال الساعات الماضية، وصباح اليوم (الأحد) لهجمات بالطيران المسيّر والصواريخ.

وذكرت المصادر أن أحد مقار «الحشد الشعبي» في محافظة صلاح الدين تعرَّض لقصف بطائرة مسيّرة، وشوهدت سحب الدخان تغطي سماء المنطقة صباح اليوم، كما تعرَّض مطار الحليوة في أطراف قضاء طوز خرماتو، الذي يضم مقرات «للحشد الشعبي» بين محافظتَي كركوك وصلاح الدين لقصف بمسيّرة.

وأوضحت أن أحد مقار اللواء 41 لـ«الحشد الشعبي» في مدينة الموصل بمحافظة نينوى تعرَّض لهجوم بطائرة مسيّرة أميركية شمال بغداد.

وأعلنت خلية الإعلام الأمني في قيادة العمليات المشتركة العراقية، فجر اليوم، سقوط طائرة مسيّرة بشارع 42 في ساحة الواثق بحي الكرادة، دون وقوع إصابات.