توقعات محلية ودولية بصعوبة الوصول إلى سلام حقيقي في اليمن

بسبب تكتيكات إيران وأساليب الحوثيين الابتزازية

تتناقض الجماعة الحوثية مع نفسها في الخطاب والممارسة حول عملية السلام (أ.ف.ب)
تتناقض الجماعة الحوثية مع نفسها في الخطاب والممارسة حول عملية السلام (أ.ف.ب)
TT

توقعات محلية ودولية بصعوبة الوصول إلى سلام حقيقي في اليمن

تتناقض الجماعة الحوثية مع نفسها في الخطاب والممارسة حول عملية السلام (أ.ف.ب)
تتناقض الجماعة الحوثية مع نفسها في الخطاب والممارسة حول عملية السلام (أ.ف.ب)

بينما كانت الثقة بإمكانية تحقيق تقدم في عملية السلام في اليمن، وبإمكانية حدوث تطور حقيقي من جهة الجماعة الحوثية نحو إنهاء الحرب، جاءت ممارسات التصعيد على المستويات العسكرية والسياسية لتحقق التوقعات بصعوبة الوصول إلى سلام حقيقي، وهي الممارسات التي اتفق الجميع على أنها تكتيك انقلابي يهدف للابتزاز وتحقيق مكاسب استراتيجية.

فبرغم الحديث عن التقدم الملحوظ في مفاوضات السلام، فإن مركز «رع» للدراسات يرى أن الحوثيين لا يزالون يمارسون استفزازاً عسكرياً وسياسياً، في خطوة معاكسة للمباحثات مع الجانب السعودي، مما يهدد بعرقلة المساعي السلمية لإحلال السلام والعودة إلى نقطة الصفر مرة أخرى على الساحة اليمنية.

وكانت آخر تلك الاستفزازات، منع الجماعة الحوثية شركة الخطوط الجوية اليمنية من سحب أموالها في بنوك صنعاء.

يعد الباحثون الإجراءات الحوثية الأخيرة ضد شركة الطيران اليمنية تصعيداً يهدف إلى تعطيل مساعي السلام (أ.ف.ب)

وطبقاً لتحليل «رع»، وهو مركز دراسات مصري، فإن هذه الخطوة الاستفزازية تهدف إلى التصعيد على المستويين السياسي والأمني، خصوصاً وأنها لم تكن العملية الاستفزازية الوحيدة، حيث أعقبها استهداف موقع داخل الأراضي السعودية بطائرة مسيرة، أدى إلى مقتل ثلاثة جنود بحرينيين تابعين للوحدة العسكرية المشاركة في تحالف دعم الشرعية.

وحيث أن هذا الاستهداف هو أول عملية عسكرية على الحدود منذ تطبيع العلاقات السعودية الإيرانية؛ فإن المركز يصنفه كورقة ضغط تمكن الجماعة من الحصول على أكبر قدر من المكاسب في المفاوضات حال استمرارها، غير أنه من المحتمل بشكل كبير أن تداعياتها ستكون عكس المساعي السلمية.

فهذه العملية، جاءت عقب النقاشات التي جرت في الرياض مع وفد حوثي وبحضور عماني، التي وصفت بالإيجابية والمثمرة من طرف السعودية، وتمحورت حول آلية دفع أجور الموظفين، وإعادة فتح الموانئ التي يسيطر عليها الحوثيون ومطار صنعاء بشكل كامل، وكذلك جهود إعادة البناء والإعمار.

لكنها على جانب آخر يمكن أن تؤدي إلى استمرار حالة الحرب التي تعدّ مكسباً لبعض القيادات الحوثية نظراً لما تحصل عليه من دعم مادي وعسكري. وفق ما يقوله المركز.

تصعيد تكتيكي

يرى الباحث السياسي محمد فوزي من المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية أن التصعيد الحوثي نسف أي ادعاءات حوثية بشأن السلام، وطرح جملة من الدلالات المهمة، مثل استراتيجية التصعيد التكتيكي، التي تتمثل في خطاب سياسي حول الحلول السياسية للأزمة، بالتزامن مع التصعيد الميداني لتحقيق مكاسب متعددة.

استعرضت الجماعة الحوثية قوتها العسكرية في ذكرى انقلابها بشكل مفرط (إ.ب.أ)

وشنت الجماعة الحوثية مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الحالي هجوماً على حفل عسكري لقيادة محور علب باقم في محافظة صعدة شمالاً بطائرات مسيَّرة مفخخة وعبر المدفعية وصواريخ الكاتيوشا، مما أسفر عن مقتل عسكري وجرح آخرين، والتوسع في حملة الاعتقالات ضد المشاركين في الاحتفال بذكرى ثورة 26 سبتمبر (أيلول)، وتهديد قادة سياسيين بالقتل.

ومن دلالات هذا التصعيد الحوثي الذي يستنتجه الباحث فوزي، عدم استجابة الحوثيين أو جديتهم في التعامل مع الجهود الإقليمية والأممية والدولية، الرامية إلى إنهاء الحرب وإحلال السلام، إلى جانب استفزاز مكونات الشرعية، ودفعها إلى رد عسكري.

وبحدوث أي تصعيد عسكري؛ تتراجع فاعلية أي مباحثات بخصوص حلحلة الأزمة، فيكسب الحوثيون من خلال ذلك الوقت لإعادة تنظيم صفوفهم، فضلاً عن التحرك لبناء واقع ميداني يخدم أجندتهم، إلى جانب هدم الثقة مع الأطراف الأخرى.

ويخلص فوزي إلى أن نهج التصعيد التكتيكي الحوثي يهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف السياسية والميدانية التي تعزز نفوذ الجماعة، ويكشف عن استمرارها في المراوغة عبر إظهار الدعم لمبادرات التسوية، مع انعدام فرص الوصول حتى اللحظة إلى تسويات إقليمية واضحة للأزمة اليمنية.

الولايات المتحدة الأميركية بدورها ترى عدم جدية إيران في حل الملف اليمني، حيث طالب المبعوث الأميركي إلى اليمن تيم ليندركينغ النظام الإيراني بضرورة العمل بشكل إيجابي لإنهاء معاناة اليمنيين.

تستخدم الجماعة الحوثية الأزمة الإنسانية في المساومة من أجل الحصول على مكاسب (أ.ف.ب)

وفي ندوة نظمها معهد الشرق الأوسط أكد ليندركينغ، إن بلاده لم ترَ أي مؤشرات لدعم إيران لجهود السلام في اليمن، وأنها وشركاءها يرغبون في أن تتصرف طهران بشكل مرن في اليمن، فمعالجة التحدي الإيراني يكمن في إحراز بعض التقدم في ملف الأزمة اليمنية، مشدداً على حرصهم على عدم وقوع المضائق المائية في المنطقة تحت السيطرة الإيرانية.

الاستراتيجية الإيرانية والحسابات الحوثية

يضع الباحث السياسي فارس البيل في حديث لـ«الشرق الأوسط» شرطين لإمكانية حدوث تغيير حقيقي يؤدي إلى الدخول في عملية سلام ممكنة وفعلية، يتعلق الأول بالداعم والموجه للجماعة الحوثية، وهو النظام السياسي في إيران الذي يمكن استغلال الضمانات الصينية المصاحبة لاتفاقه مع السعودية على تطبيع العلاقات لترويضه وأذرعه وجرهم إلى مربع بعيد عن العنف والتآمر والهيمنة.

أما الثاني فيرتبط بمراقبة سلوك الحوثي وتعاطيه إعلامياً وعلى الأرض، ومدى تخليه عن المكاسب المهمة التي حققها، والتي تعدّ أدوات يحتفظ بها للصراع الطويل، فإذا ما تخلى عنها، يمكن التفاؤل بحذر حول انتهاء دور العنف لديه.

ويتابع البيل: «صحيح أن لدينا ضمانات صينية ومتغيرات، ولعل إيران التزمت بعدة شروط وقضايا ليست معلنة، لكن مع يقين أنها مرحلية فقط؛ فيمكن الحكم على كل ذلك في كيف سيغير الحوثيون من سلوكهم وإلى أي مدى سيصلون من السلام والتفاوض وتطبيقه».

فالنظام الإيراني، طبقاً للبيل، لن يتخلى عن مشروع استراتيجي هو عقيدة وفكر وآيديولوجيا بالنسبة له وليس مجرد سياسة، وبالتالي لا يمكن تصديق أنه سيتخلى فجأة عن نظام الولاية والتمذهب والفكر الطائفي، الذي انتهجه طوال أكثر من أربعة عقود، خصوصاً ولم نشهد بعد تغيراً هيكلياً أو فكرياً داخل النظام الإيراني، ولا حركة تصحيح أو إفاقة أو مراجعة، ولا حتى تغير في خطاب أو سلوك.

تتخذ الجماعة الحوثية تكتيكات تصعيدية ومراوغة للحصول على مكاسب استراتيجية (أ.ب)

أما الناشط السياسي عبد الجليل الحقب فيتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن الشروط التي وضعتها الجماعة الحوثية على التحالف كثمن للقبول باستمرار الهدنة، حيث أظهر التحالف حسن نواياه من خلال زيادة الطيران إلى عمان، وفتح خط مباشر لتفويج الحجاج إلى مكة.

وبحسب الحقب، يأتي التصعيد الكلامي والمناورات العسكرية المتكررة للجماعة الحوثية لتذكير التحالف والحكومة اليمنية أنها منحت فترة استقرار دون مقابل، مما يعني أن الجماعة ترى في الهدنة التي لا تحقق مطالبها تنازلاً من دون ثمن لا ينبغي أن يستمر كثيراً، فهي تطالب بما تسميه استحقاقات الملف الإنساني، وهو الملف الذي لا ينبغي إخضاعه لأي مساومات.

وبرغم أن هذا الوعيد يوحي أننا نسير نحو استئناف المعارك العسكرية الكبيرة؛ غير أنه لا يمكن الجزم بحتمية هذا المآل قبل معرفة الحسابات الدقيقة التي تحرك قرار السلم والحرب لدى الجماعة، حيث يعتمد مسار الأحداث على ما تقرره الجماعة من خيار في مواجهة مشاريع خصومها بناء على توجهات الرعاة الداعمين لها إقليمياً ودولياً.

ويذهب الحقب إلى أن الجماعة الحوثية لا تبدو مكتفية بواقع سيطرتها على الكتلة السكانية الكبيرة في شمال اليمن، فالحكم من دون موارد يبدو مستحيلاً، لذلك نجدها تلح على موضوع تسليم الجزء الأكبر من عوائد النفط إليها دون السماح بمروره مباشرة إلى مستحقيه على شكل رواتب.

ويحذر من أن الجماعة في حال شعرت بتصاعد السخط الشعبي؛ فقد تذهب نحو استئناف جزئي للحرب، لكنها في حال أمنت على مكاسبها المحدودة؛ فستحافظ على هذه الحالة السائلة من اللاحرب واللاسلم، بما يعزز من توجهات إيران للتهدئة وتصفير الأزمات مع جيرانها.


مقالات ذات صلة

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

العالم العربي عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عجز الحوثيين عن تشكيل حكومة بديلة بعد استهداف قياداتها يعزز قناعة بوجود سلطة خفية تدير المناطق، وسط تراجع دور المؤسسات وتفاقم الأزمة المعيشية وتآكل ثقة السكان

محمد ناصر (عدن)
الخليج المشروع يعزِّز من القيمة المضافة للمنتجات المحلية (الشرق الأوسط)

مشروع سعودي لتعزيز سلاسل القيمة الزراعية في اليمن

دُشِّن مشروع «تعزيز سلسلة القيمة الزراعية لتحقيق الأمن الغذائي لمزارعي الحيازات الصغيرة في اليمن»، بتمويل من «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن».

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)

إشادة أممية بالدعم السعودي الفاعل لتخفيف معاناة اليمنيين

أشاد «برنامج الأغذية العالمي» في اليمن بدور «مركز الملك سلمان» في دعمه؛ حيث أسهمت التمويلات في إنقاذ عشرات آلاف الأسر وتعزيز سبل العيش وسط تفاقم أزمة الجوع.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)

انتهاكات حوثية تستهدف المعلمين في 4 محافظات يمنية

تصاعدت الانتهاكات الحوثية ضد المعلمين في 4 محافظات يمنية، شملت الاعتقال والاعتداء، وسط تحذيرات حقوقية من تأثيرات خطيرة على مستقبل التعليم واستقراره

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
الخليج أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

الحوثيون... «حساب المكاسب» يطغى على «وحدة الساحات»

كشف موقف الجماعة الحوثية خلال حرب إيران عن تغليب البراغماتية على الآيديولوجيا، إذ تجنّبت التصعيد الواسع وفضّلت حماية نفوذها الداخلي، رغم خطاب «وحدة الساحات».

علي ربيع (عدن)

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.