إيجارات المساكن تتصاعد... الغلاء يهدد ما تبقى من طمأنينة اليمنيين

تواطؤ حوثي مع الملاك وضغوط جراء تدفق النازحين

اضطرت عائلات يمنية إلى السكن في الكهوف بسبب الفقر وغلاء الإيجارات والنزوح (أ.ف.ب)
اضطرت عائلات يمنية إلى السكن في الكهوف بسبب الفقر وغلاء الإيجارات والنزوح (أ.ف.ب)
TT

إيجارات المساكن تتصاعد... الغلاء يهدد ما تبقى من طمأنينة اليمنيين

اضطرت عائلات يمنية إلى السكن في الكهوف بسبب الفقر وغلاء الإيجارات والنزوح (أ.ف.ب)
اضطرت عائلات يمنية إلى السكن في الكهوف بسبب الفقر وغلاء الإيجارات والنزوح (أ.ف.ب)

نهاية كل شهر يضطر نديم محمد وزوجته لبيع أحد أغراضهما لسداد إيجار المنزل الذي يسكنونه في العاصمة صنعاء، ويخشيان أن يأتي اليوم الذي لا يجدان ما يبيعانه، فالزوجة تخلت عن أغلب حليها وهدايا زواجها، ولم يتبقَّ من أثاث المنزل سوى ما تنام عليه العائلة.

تسكن عائلة نديم، المكونة منه ومن زوجته وثلاثة أطفال لم يتجاوز أكبرهم العاشرة، منزلا يوصف بالشعبي، (غير مسلح بالخرسانة) في حي السنينة غربي العاصمة صنعاء، ويبلغ إيجاره 55 ألف ريال يمني (نحو 110 دولارات)، وبين الحين والحين يأتي المالك للمطالبة بزيادة، غير أنه يضطر لتأجيل الأمر في انتظار أن يتحسن دخل نديم.

لم يؤدِّ التوسع العمراني الناتج عن اقتصاد الحرب في صنعاء إلى تراجع الإيجارات (إكس)

يعمل نديم منذ عدة أعوام في عدة أشغال بالأجر اليومي بعد أن توقف راتبه وراتب زوجته منذ سبع سنوات، حيث كانا يعملان في وظيفتين عموميتين، غير أن أجره اليومي لا يكفي إلا لمتطلبات المعيشة ومصاريف دراسة الأطفال، أما الإيجار فلا يستطيع الوفاء به إلا بالتنازل عن بعض الممتلكات.

أزمة ومضاربات

يعاني السكان في العاصمة صنعاء وعموم المدن اليمنية من أزمة سكنية ومضاربة في أسعار الإيجارات مصحوبة بانقطاع رواتب الموظفين العموميين واتساع رقعة البطالة وتدهور العملة المحلية. وفي صنعاء تقدر نسبة من يعيشون في مساكن بالإيجار بـ 75 في المائة، وفقا لإحصاءات غير رسمية.

وبرغم التوسع العمراني الذي تشهده المدينة، وهو التوسع الذي صنعته أموال اقتصاد الحرب، وفقاً للباحث اليمني أنيس مانع، فإن الزيادة المهولة في أعداد البنايات في مختلف أرجاء المدينة لم تساهم في تخفيف أزمة السكن، لأن هذه البنايات صممت وأعدت للأثرياء، ويتم تأجيرها بمبالغ خيالية لا يقدر عليها غالبية السكان، أو تترك خاوية.

ويتهم مانع في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الانقلابيين الحوثيين بعدم الجدية في مزاعمهم إنصاف المستأجرين وحمايتهم من ملاك العقارات والمؤجرين، حيث أجروا تعديلات على قانون تنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، والتي بموجبها يُمنع زيادة الإيجارات أو طرد المستأجر ما دام يدفع الإيجار بانتظام، إلا أن هذا لا يجري تنفيذه إلا في نطاق محدود، بينما يجري الالتفاف عليه غالبا.

عائلة يمنية مشردة في الشارع بعد سنوات من توقف راتب عائلها (إكس)

ويفسر مانع هذا الالتفاف بأن غالبية ملاك العقارات والبنايات السكنية يملكون نفوذا وحظوة لدى جهات الضبط التابعة للانقلابيين، في حين يجهل الكثير من المستأجرين مواد القانون، أو لا يثقون في إنصافهم حال التقدم بشكوى، ما قد يعود عليهم بإساءة المعاملة من طرف المؤجرين أو اللجوء لطردهم.

غلاء برغم هروب السكان

يتبع ملاك المساكن حيلاً كثيرة لطرد المستأجرين، فقد يزعمون أنهم بصدد بيع المنازل أو الحاجة لها لإسكان عائلات أبنائهم أو أقاربهم أو الرغبة في ترميمها وتجديدها، كما أنهم يؤجرون منازلهم من دون عقود مكتوبة، وإذا ما تم التأجير بعقد مكتوب يتم التجديد بعد انتهاء المدة الإيجارية دون عقد.

ويضيف مانع أن أزمة السكن في صنعاء تفاقمت منذ وصول نازحي الحديدة، وأصبح الحصول على شقة من غرفتين أشبه بالمستحيل، ما يجعل المستأجر أمام خيارات صعبة، ويستغل غالبية الملاك الوضع لطلب إيجار عام كامل أو ستة أشهر مقدما، إلى جانب مبلغ الضمان الذي يساوي إيجار شهر على الأقل وتكليف المستأجر بدفع أجور السماسرة.

تضطر عائلات يمنية إلى السكن في دكاكين الحارات الصغيرة المهجورة (إكس)

وتعاني مدينة الحديدة من نقص كبير في الخدمات، ويعد انقطاع الكهرباء وشحة المياه من أشد مظاهر معاناة السكان فيها، ولكونها تقع على الساحل الغربي للبلاد المعروف بارتفاع درجات الحرارة والرطوبة إلى مستويات كبيرة، فإن نقص الكهرباء والمياه يجعل الحياة أكثر صعوبة فيها من غيرها من المدن.

ويقول عبد الله الوتيري إن الحديدة أصبحت طاردة للسكان منذ عام 2015، وتحديداً عندما انقطعت الكهرباء عن عموم البلاد بفعل الحرب الحوثية، وكانت الحديدة من أكثر المدن تأثراً بذلك، وبرغم أن الحرب لم تصل إليها إلا بعد ثلاثة أعوام، فإن النزوح منها بدأ في أول صيف انقطعت فيه الكهرباء.

وبحسب الوتيري، وهو موظف عمومي، عاد الكثير من سكان الحديدة إلى الأرياف التي كانوا قدموا منها، والكثير منهم اضطر إلى إخلاء مسكنه وبيع أثاثه، وتفاقم الأمر أكثر في صيف عام 2018 عندما اقتربت القوات المؤيدة للحكومة الشرعية من المدينة وتمكنت من تحرير الضواحي والأجزاء الجنوبية والشرقية منها.

وأجبرت المواجهات العسكرية والإجراءات الحوثية المتمثلة باتخاذ السكان دروعا بشرية، غالبية الأهالي على النزوح باتجاه محافظات مجاورة أو بعيدة، حيث نزح عشرات الآلاف باتجاه محافظات حجة وصنعاء وإب، بينما اتجه كثيرون إلى محافظات تعز وعدن، وتسبب هؤلاء النازحون في ارتفاع الإيجارات في المحافظات التي وصلوا إليها.

وقفة في مدينة تعز اليمنية احتجاجاً على غلاء إيجارات المساكن (إكس)

وبرغم ذلك، يؤكد الناشط الاجتماعي عبد الرحيم رامي أن الحديدة هي الأخرى شهدت ارتفاعاً تصل نسبته في بعض الأحيان إلى أكثر من 100 في المائة، لكن الزيادات الكبيرة تحدث عند استئجار سكن جديد، في حين لم يتمكن ملاك المساكن من فرض زيادات كبيرة على المستأجرين الذين فضلوا البقاء وعدم الانتقال.

انهيار قيم الريف

يقارن رامي، وهو ناشط اجتماعي، بين الإيجارات في صنعاء المزدحمة والحديدة التي نزح الكثير من سكانها بسبب نقص الخدمات وظروف المعيشة، مفيداً بأن الأخيرة تعد أغلى من حيث الإيجارات، وهو ما يصفه بالظلم الواقع على سكان الحديدة الذين، إلى جانب افتقارهم الشديد للخدمات الملحة، يعانون من قلة مصادر الدخل وانتشار البطالة أكثر من صنعاء.

ويقع متوسط إيجار الشقق في الحديدة ما بين 50 و70 ألف ريال، وهو متوسط مقارب لمتوسط الإيجارات في صنعاء.

أما مدينة إب (193 كيلومترا جنوب صنعاء) فقد استقبلت منذ بداية الحرب نازحين من مدينة تعز التي حاصرها الانقلابيون الحوثيون، كما استقبلت في صيف 2018 نازحين من مدينة الحديدة بسبب المعارك العسكرية فيها، لترتفع الإيجارات فيها بشكل غير مسبوق، برغم كونها مدينة ذات طابع ريفي زراعي.

عائلة يمنية تتخذ من فصول مدرسة في مدينة عدن سكناً لها (الأمم المتحدة)

وشهدت إب ارتفاعاً مهولاً في الإيجارات، وصل إلى ما يعادل 200 في المائة، بحسب ما ذكره فؤاد ثابت الذي يرى أن هذا الارتفاع المهول لا يعود سببه إلى النزوح فقط، بل وإلى ممارسات ميليشيات الحوثي التي استهدفت مدينة إب بأعمال النهب والجبايات.

ويذهب ثابت، وهو اسم مستعار لمهندس وناشط سياسي، إلى أن الميليشيات تسببت في خوف أهالي المحافظة من الفقر والفاقة ومن ضياع ممتلكاتهم وثرواتهم، ما أدى بهم إلى محاولة الكسب السريع دون اعتبار لأضرار ذلك على قيم الترابط والتكافل في مجتمع ريفي زراعي.

ويشير إلى أن عوامل مثل غلاء المعيشة ونهب الأراضي والعقارات وانتشار الجريمة وتكوين العصابات في إب، ساهمت جميعاً، وبشكل غير مباشر، إلى جانب موجات النازحين، في رفع الإيجارات بشكل كبير، حيث يسعى أصحاب العقارات إلى تأمين أنفسهم من خلال الكسب السريع.

وتعد هذه الأزمة المعقدة في غلاء المساكن في اليمن من أكبر التحديات التي تواجه السكان، لا سيما الموظفين الذين فقدوا رواتبهم، كما هو الحال مع نديم محمد وزوجته، ومثلهما عشرات الآلاف من العائلات في صنعاء وبقية المدن.


مقالات ذات صلة

الحوثيون يستنزفون سوق الدراجات النارية للاستخدام العسكري

العالم العربي الحوثيون يكثّفون استخدام الدراجات النارية في جبهات القتال (فيسبوك)

الحوثيون يستنزفون سوق الدراجات النارية للاستخدام العسكري

تكثف الجماعة الحوثية شراء الدراجات النارية للاستخدام العسكري؛ ما يرفع الأسعار ويقلص المعروض في صنعاء ومدن أخرى، ويهدّد مصدر رزق محدودي الدخل

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)

تحرك يمني - دولي لفتح منفذ إلى تعز المحاصرة خلال أيام

تعمل الجهات المعنية في الحكومة اليمنية، بالتنسيق مع المنظمات الإنسانية، على فتح طريق من أحد المنافذ الرئيسية لمدينة تعز، بهدف إدخال مساعدات إغاثية عاجلة.

سعيد الأبيض (جدة)
العالم العربي محافظ عدن خلال جولته في مطار عدن قبل استهدافه من قبل ميليشيا الحوثي (سبأ)

ما بين جولة الإعمار والصاروخ... محافظ عدن ينجو من هجوم المطار

السلطات المحلية تتخذ احتياطات أمنية خلال تحركاتها، ومن بين هذه الاحتياطات تجنب البقاء فترات طويلة في المواقع، وعدم الإعلان مسبقاً عن مواعيد الزيارات والتحركات.

سعيد الأبيض (جدة)
العالم العربي مئات المشاريع السعودية لدعم قطاعات التعليم والصحة في اليمن (البرنامج السعودي لإعمار اليمن)

300 مشروع سعودي لتعزيز الخدمات الأساسية في اليمن

توسّع السعودية دعمها لليمن عبر 300 مشروع ومبادرة في 16 محافظة، تشمل الصحة والتعليم والمياه والغذاء، بالتوازي مع تطوير المنشآت الطبية والمدارس ومساعدة النازحين.

«الشرق الأوسط» (عدن)
أوروبا وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يدلي بتصريح على متن طائرة في شونيفيلد بألمانيا قبيل التوجه إلى إسطنبول يوم 23 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

وزير خارجية ألمانيا: تعطيل حرية الملاحة يهدد بحدوث مجاعات

حذّر وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول من تداعيات الهجمات على الممرات البحرية، سواء في مضيق هرمز أو هجمات الحوثيين أو الهجمات الروسية على شحنات الحبوب.

«الشرق الأوسط» (برلين)

الحوثيون يستنزفون سوق الدراجات النارية للاستخدام العسكري

الحوثيون يكثّفون استخدام الدراجات النارية في جبهات القتال (فيسبوك)
الحوثيون يكثّفون استخدام الدراجات النارية في جبهات القتال (فيسبوك)
TT

الحوثيون يستنزفون سوق الدراجات النارية للاستخدام العسكري

الحوثيون يكثّفون استخدام الدراجات النارية في جبهات القتال (فيسبوك)
الحوثيون يكثّفون استخدام الدراجات النارية في جبهات القتال (فيسبوك)

في وقت تتفاقم فيه الأوضاع المعيشية وتتقلص فرص العمل في مناطق سيطرة الحوثيين باليمن، تكثف الجماعة شراء الدراجات النارية من الأسواق في صنعاء ومدن أخرى، لتوزيعها على عناصرها في جبهات القتال؛ ما يرفع أسعارها ويزيد صعوبة اقتنائها أمام الشباب الذين يعتمدون عليها مصدراً للدخل.

وكشفت مصادر مطلعة في صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، عن تخصيص الحوثيين أموالاً لشراء مئات الدراجات النارية خلال الأسبوعين الماضيين، في صنعاء وعمران والحديدة وذمار وإب؛ لاستخدامها في العمليات العسكرية.

وأوضحت المصادر أن زيادة الطلب أسهمت في ارتفاع الأسعار وتقليص المعروض؛ ما أضعف قدرة المواطنين، خصوصاً العمال والشباب محدودي الدخل، على شرائها لتأمين احتياجات أسرهم.

وحسب المصادر، جاء هذا التوجه بعد إخفاق الجماعة في استقطاب عدد من مالكي الدراجات وسائقيها في صنعاء ومدن أخرى للانضمام إلى صفوفها؛ ما دفعها إلى شرائها مباشرة من الأسواق وتوزيعها على عناصرها لاستخدامها في الجبهات.

الدراجات النارية تشكّل مصدر عيش لعشرات آلاف اليمنيين (فيسبوك)

وربطت المصادر تكثيف عمليات الشراء بتعرض تعزيزات الجماعة ومركباتها لضربات جوية خلال الأسابيع الأخيرة، إلى جانب النقص الحاد في إمدادات الوقود. وقالت إن الدراجات توفر وسيلة للتحرك عبر الشعاب ومجاري السيول والمسالك الوعرة التي يصعب على الآليات العسكرية الثقيلة اجتيازها، وتُستخدم في نقل المقاتلين والإمدادات إلى الجبهات وإخلاء القتلى والجرحى.

ولم يكن استخدام الدراجات النارية في العمليات القتالية جديداً على الجماعة؛ إذ اعتمدت عليها خلال سنوات الحرب الماضية في عدد من الجبهات، مستفيدة من صغر حجمها وسهولة حركتها. وتشير المصادر إلى استمرار استخدامها في جبهات تعز والضالع والساحل الغربي، مع سعي الحوثيين إلى توفير أعداد إضافية منها لتعزيز تحركاتهم العسكرية.

منافسة جديدة

تضع هذه التحركات الحوثية السكان أمام منافسة جديدة على وسيلة تُعدّ بالنسبة إلى كثيرين أداة للعمل ومصدراً محدود التكلفة لكسب الرزق، في وقت تتراجع فيه فرص العمل وتتزايد الأعباء المعيشية.

ويقول مواطنون في صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، إن الدراجات النارية لا تمثل مجرد وسيلة مواصلات، بل رأسمال لمشروعات صغيرة ومصدراً مباشراً للدخل، سواء عبر توصيل الطلبات أو نقل البضائع أو التنقل إلى مواقع العمل. وأشاروا إلى أن ارتفاع أسعارها يهدد بحرمان مزيد من الشباب والعمال من فرص العمل التي تعتمد على امتلاكها.

وفي السياق، أفاد مالك معرض لبيع الدراجات النارية في جنوب صنعاء بأن مشرفين حوثيين اشتروا خلال الأسبوعين الماضيين العشرات من الدراجات من معرضه.

يمنيون في إحدى أسواق صنعاء على متن دراجاتهم النارية (الشرق الأوسط)

وقال مالك المعرض، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، لـ«الشرق الأوسط»، إن أسعار الدراجات تتراوح بين 280 ألفاً و500 ألف ريال يمني للدراجة الواحدة، تبعاً لموديلها ومواصفاتها (سعر الدولار الذي تفرضه الجماعة يبلغ نحو 530 ريالاً). وأضاف أن الإقبال على الشراء ارتفع خلال الأيام الأخيرة بالتزامن مع تكثيف عمليات التزويد الموجهة إلى الجبهات.

وأشار إلى أن زيادة الطلب انعكست على الأسعار، وأضعفت قدرة المواطنين، خصوصاً الشباب محدودي الدخل، على اقتناء الدراجات والعمل عليها لتوفير احتياجات أسرهم، في وقت بات فيه تأمين رأس المال اللازم لبدء مشروع صغير يفوق قدرة كثيرين.


تحرك يمني - دولي لفتح منفذ إلى تعز المحاصرة خلال أيام

مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)
مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)
TT

تحرك يمني - دولي لفتح منفذ إلى تعز المحاصرة خلال أيام

مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)
مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)

تعمل الجهات المعنية في الحكومة اليمنية، بالتنسيق مع السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية، على فتح طريق من أحد المنافذ الرئيسية لمدينة تعز، بهدف إدخال مساعدات إغاثية عاجلة إلى للمحافظة المُحاصَرة من قبل الميليشيات الحوثية، ومن المتوقع أن تتم هذه العملية خلال الأيام القليلة المقبلة.

مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)

وقال نايف البكري، وزير الشباب والرياضة اليمني، رئيس لجنة الإسناد الشعبي والدعم الحكومي للقوات المسلحة في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إن اللجنة تبذل كل مساعيها مع الشركاء الدوليِّين لنجدة المُحاصَرين في مدينة تعز، لافتاً إلى أن القافلة الجاري تجهيزها تشمل المشتقات النفطية والأدوية والاحتياجات الأساسية، إلى جانب تسيير قوافل إغاثية إلى عدد من المحافظات والمناطق المتضررة من هجمات الحوثيِّين.

وشدَّد على أن أكثر ما يزعج الميليشيات، ما يقدِّمه أبناء المدينة من نموذج فريد في الصمود والوفاء للوطن، مشيداً بمواقف أبنائها من الرجال والشباب والنساء، وما أظهروه من تضحيات في مواجهة الحصار والهجمات الحوثية، إذ شاهد العالم صوراً مشرفة لنساء تعز، إحداهن تحمل ابنها الشهيد، وأخرى تشتري السلاح للمقاومة، وهي صور تعكس حجم الوفاء والصمود اللذين تقدِّمهما هذه المدينة دفاعاً عن الدين والوطن.

نايف البكري وزير الشباب والرياضة اليمني رئيس لجنة الإسناد الشعبي والدعم الحكومي للقوات المسلحة

عن آلية وصول المساعدات قال البكري، إن لجنة الإسناد على تواصل مستمر مع محافظ تعز، وتبحث عن منافذ وطرق تتيح إدخال الإمكانات والمساعدات المتاحة إلى المحافظة، بما فيها المشتقات النفطية والأدوية وغيرهما من الاحتياجات الإنسانية، مشيراً إلى أن هناك تواصلاً وتباحثاً مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر لتلعب دوراً في إدخال هذه المساعدات، ولا تزال الجهود مستمرة لتأمين وصولها.

وكشف الوزير البكري، عن أن محافظة حضرموت سترسل كميات من المساعدات المُقدَّمة من أبنائها إلى تعز، كما وجَّهت لجنة الإسناد رسائل إلى «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» تطلب فيها مزيداً من الدعم للمحافظة، خصوصاً أن المركز يقدم كثيراً من البرامج والدعم المتواصل للمحافظات اليمينة كافة.

ولفت البكري إلى أن اليمن يشهد حراكاً مجتمعياً واسعاً لمساندة المتضررين من الحرب، خصوصاً مع نزوح أكثر من 200 ألف أسرة، مشيداً بالتضامن بين أبناء المحافظات اليمنية في إيواء النازحين وتوفير احتياجاتهم، مؤكداً أن الحكومة والسلطات المحلية تضطلع بمسؤولياتها تجاه الأسر النازحة، بالتوازي مع الجهود المجتمعية والمبادرات الإنسانية التي تنفِّذها لجنة الإسناد.

وحول دعم باقي المحافظات، أكد البكري، أن اللجنة نفَّذت بالتعاون مع السلطة المحلية في عدن، حملة إغاثية لأبناء مناطق الصبيحة والمضاربة ورأس العارة، خصوصاً الأسر التي تعرَّضت مناطقها للاستهداف بالصواريخ والهجمات الحوثية، مشيراً إلى تسيير قافلة إغاثية قبل يومين، إلى جانب التحضير لقوافل أخرى بالتنسيق مع محافظ لحج، لدعم المتضررين في مديرية المضاربة والمناطق المجاورة.

تشتد الأزمة الإنسانية في تعز مع تضييق الخناق الحوثي على المدينة (إعلام محلي)

وأضاف أن جهود الإسناد تشمل محافظة الضالع، بالتنسيق مع محافظها، لتقديم المساعدات للأسر المتضررة في مناطق مريس وقعطبة وجبهات القتال، موضحاً أن من أدوار اللجنة الطابع المجتمعي والإنساني، وتركز على دعم الأسر والمحافظات التي تعاني تداعيات الحرب والهجمات الحوثية.

وتابع: «اللجنة توسِّع خطط عمليات الإسناد خلال الأيام المقبلة، لتشمل المديريات الواقعة باتجاه الساحل الغربي، وفي مقدمتها موزع والوازعية والمخا، التي تشهد موجات نزوح كبيرة نتيجة العمليات العسكرية والهجمات الحوثية، كما يشمل هذا الدعم مخيمات النازحين في محافظتَي عدن ولحج، بالتنسيق مع المنظمات الدولية والجهات الحكومية المعنية بشؤون النازحين».

«وفي محافظة شبوة، تعمل لجنة الإسناد على ترتيب قوافل إغاثية لدعم المديريات التي تشهد مواجهات عسكرية»، وفقاً للبكري الذي أشار إلى أن «العمل جارٍ لتحضير وتسيير قافلة من محافظة المهرة إلى محافظة الجوف، إلى جانب استمرار الدعم المُقدَّم من عدد من المحافظات إلى جبهات مأرب»، مشدداً على أن كل أبناء اليمن بمَن فيهم النازحون يشاركون في معركة «فجر اليمن» ويلتحقون بمختلف الجبهات.

وتحدَّث البكري عن الدعم السعودي، قائلاً: «إن المملكة العربية السعودية تضطلع بدور مهم في دعم اليمن بشكل عام»، مثمناً جهود القوات المشتركة و«مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» في إيصال المساعدات إلى المتضررين، مؤكداً على أهمية المساعدات كافة التي وصلت إلى محافظة عدن بدعم من القوات المشتركة والمركز، ودورها في مساندة الأسر المتضررة والتخفيف من تداعيات الحرب.


ما بين جولة الإعمار والصاروخ... محافظ عدن ينجو من هجوم المطار

محافظ عدن خلال جولته في مطار عدن قبل استهدافه من قبل ميليشيا الحوثي (سبأ)
محافظ عدن خلال جولته في مطار عدن قبل استهدافه من قبل ميليشيا الحوثي (سبأ)
TT

ما بين جولة الإعمار والصاروخ... محافظ عدن ينجو من هجوم المطار

محافظ عدن خلال جولته في مطار عدن قبل استهدافه من قبل ميليشيا الحوثي (سبأ)
محافظ عدن خلال جولته في مطار عدن قبل استهدافه من قبل ميليشيا الحوثي (سبأ)

لم يكن في برنامج عبد الرحمن شيخ، وزير الدولة ومحافظ عدن، صباح الأربعاء، ما يوحي بأنَّ جولته الميدانية ستتحوَّل إلى سباق مع لحظات فارقة، وقد خرج من منزله كعادته لمتابعة أعماله اليومية، حاملاً جدولاً من الزيارات إلى مواقع ومرافق في المدينة.

ضمن هذه الزيارات كان مطار عدن الدولي، حيث تفقَّد أعمال تأهيل المدرج، واستمع إلى شرح عن تقدُّم المشروع، وأنهى زيارته وغادر المطار متجهاً إلى محطات أخرى، قبل أن يتلقَّى نبأ محاولة استهدافه بصاروخ باليستي سقط في محيطه.

بين مغادرة الموقع ووصول نبأ محاولة الاستهداف، لم يكن يفصل المحافظ عن مشهد آخر سوى وقت قصير، جولة بدأت اعتيادية، في إطار متابعة المشروعات والأعمال الجارية، انتهت بمفارقة النجاة من استهداف وقع بعد مغادرته المكان الذي كان يتفقده.

وفي حديثه إلى «الشرق الأوسط»، وصف شيخ، الزيارة بأنها جزء من جولاته الميدانية المعتادة، مؤكداً أن الاستهداف وقع بعد خروجه من المطار، حيث كان يتابع أعمال المرحلة الثالثة من مشروع التأهيل، الذي ينفِّذه «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، موضحاً أنه استمع خلال الزيارة إلى شرح عن سير العمل في تأهيل المدرج، الذي بلغت نسبة الإنجاز فيه ما بين 70 و80 في المائة، قبل أن يغادر لاستكمال جولته في مواقع أخرى من المدينة.

محافظ عدن خلال جولته في مطار عدن قبل استهدافه من قبل ميليشيا الحوثي (سبأ)

لم يكن المطار المحطة الأخيرة في برنامج المحافظ؛ فبعد مغادرته، واصل جولته لمتابعة مشروعات وأعمال خدمية أخرى، شملت طريق شارع الخمسين، إلى جانب زيارة عدد من الإدارات الأمنية، من بينها إدارة البحث الجنائي ومكافحة المخدرات.

هذه المفارقات في التوقيت، والنجاة من استهداف مباشر وغير مباشر، اعتاد على التعامل معها في مدينة عدن منذ تداعيات الحرب عام 2015 وانقلاب الحوثيِّين على السلطة، لتتداخل في تفاصيل العمل اليومي الاعتبارات الأمنية، في حين تظل المشروعات والخدمات جزءاً من محاولات الحفاظ على استمرارية الحياة رغم التحديات.

وهنا أوضح شيخ، أن السلطات المحلية تتخذ احتياطات أمنية خلال تحركاتها، في ظلِّ استخدام الحوثيين الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، ومن بين هذه الاحتياطات تجنب البقاء فترات طويلة في المواقع، وعدم الإعلان مسبقاً عن مواعيد الزيارات والتَّحرُّكات، خصوصاً مع إسقاط الأجهزة المعنية عدداً من الخلايا الحوثية النائمة في عدن ومحافظات أخرى، في سياق الجهود الأمنية الرامية إلى حماية المدينة ومرافقها الحيوية.

وأكد المحافظ أن هذه الأعمال العدائية لن تثني أبناء اليمن عن مواصلة أداء مهامهم وخدمة بلادهم، مشدداً على أن الاستهدافات لن توقف الحياة في عدن أو تعطِّل الجهود الرامية إلى تحسين الأوضاع.

بعيداً عن المشهد الأمني ونجاة المحافظ، تواجه المدينة العتيقة عدن، تحديات معيشية تتصل بتوفير الاحتياجات الأساسية، وفي مقدمتها الغاز المنزلي والكهرباء والأدوية، وهي ملفات تتأثر بظروف الحرب وضغوط الإمدادات والطلب المتزايد.

وقال المحافظ إن الأوضاع العامة لا تزال مطمئنة، رغم وجود تحديات في توفير بعض الاحتياجات، موضحاً أن أزمة الغاز المنزلي ترتبط بالإمدادات المقبلة من محافظة مأرب، التي تأثرت بظروف الحرب، إلى جانب ارتفاع الطلب مقارنة بالكميات المتاحة، الأمر الذي أدى إلى نقص المعروض.

أما الكهرباء، فتظل من أبرز الملفات الخدمية التي تواجه المدينة، في ظلِّ ظروف استثنائية قد تزيد من حدة الضغوط على هذا القطاع، وتنعكس على الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها السكان في حياتهم اليومية، في حين يمتد الاحتياج إلى القطاع الصحي، الذي يتطلب استمرار توفير الأدوية والمستلزمات الطبية، بما يساعد المرافق الصحية على أداء مهامها والاستجابة لاحتياجات المرضى.

في مواجهة هذه التحديات، ثمن محافظ عدن، الدعم الذي يقدمه «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، والقوات المشتركة، و«مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية»، مشيراً إلى مساهمتهم في توفير الأدوية والمستلزمات الطبية بصورة دورية، مؤكداً أن السلطات المحلية ستواصل متابعة المشروعات والعمل على الحفاظ على استقرار الخدمات، رغم التحديات الأمنية والاقتصادية.

وبين مطار غادره قبل استهدافه، وطرق ومرافق واصل جولته لتفقدها، تبدو عدن أمام مشهد تختلط فيه مخاطر الحرب بمحاولات استعادة الحياة، فالصاروخ الذي سقط في محيط المطار لم ينهِ برنامج المحافظ اليومي، كما لم يغيِّر، وفق تأكيده، إصرار السلطات المحلية على مواصلة العمل لتبقى مشروعات الإعمار والخدمات حاضرةً في مدينة تحاول المضي إلى الأمام، رغم كل ما يعترض طريقها بفعل الحوثيِّين.