«يعيشون لدفع الإيجار»... اليمنيون في مواجهة غلاء المساكن

تدهور في سعر العملة المحلية وقصور في التشريعات

وقفة احتجاجية في تعز ضد غلاء السكن وارتفاع الإيجارات (إكس)
وقفة احتجاجية في تعز ضد غلاء السكن وارتفاع الإيجارات (إكس)
TT

«يعيشون لدفع الإيجار»... اليمنيون في مواجهة غلاء المساكن

وقفة احتجاجية في تعز ضد غلاء السكن وارتفاع الإيجارات (إكس)
وقفة احتجاجية في تعز ضد غلاء السكن وارتفاع الإيجارات (إكس)

بعد أشهر من الإقامة في محل يتكون من غرفة واحدة وحمام فقط؛ اضطر معتز عبد الباسط إلى نقل عائلته إلى منزل والده في القرية الواقعة في ريف مدينة تعز (جنوب غربي اليمن)، ريثما يجد منزلاً جديداً بعد قرار المحكمة الذي ألزمه بإخلاء المنزل لصالح المالك.

يروي معتز قصته ويقول: «عندما وصلت القضية إلى النيابة بدأت البحث عن سكن جديد، كنت أعرف أن قرار القضاء سيكون لصالح المؤجر، ولم أجد منزلاً بسهولة، فاضطررت لأخذ عائلتي إلى محل معروض للإيجار».

يصف معتز السكن في المحل التجاري بأنه عذاب حقيقي، حيث احتل الأثاث غالبية المحل وما تبقى منه خصصه وعائلته للنوم، وفي إحدى الزوايا وضعوا موقداً صغيراً للطبخ، ولا يوجد في المحل أي ملحقات سوى حمام صغير، وكان ضجيج الشارع رفيقهم الدائم حتى في أوقات الليل المتأخرة.

مشكلة معتز تحيل إلى معضلة يعاني منها اليمنيون في مختلف المدن، بخاصة في مدن مثل تعز وعدن وصنعاء، حيث ارتفعت إيجارات المساكن، بالتزامن مع انقطاع الخدمات، وشحّة وغلاء السلع الأساسية.

زيادة مرهقة

في تعز وقبل بدء حصار المدينة منذ ثماني سنوات؛ نزح غالبية من السكان، قبل أن يعاودوا تحدي الحصار والقصف لتزدحم الأحياء مجدداً، ويصاحب ذلك ارتفاع في إيجارات المساكن.

لم ترتفع الإيجارات كثيراً، مقارنةً بانهيار سعر صرف العملة المحلية، كما يفيد به الصحافي وسام محمد، لكن في الوضع الذي تعيشه تعز، وبالنظر إلى أن هذا الانهيار يشمل الجميع بمن في ذلك الموظفون الحكوميون الذين فقدت رواتبهم نحو 70 في المائة من قيمتها، يصبح رفع الإيجارات مرهقاً.

عائلة يمنية في عدن تتخذ من إحدى المدارس سكناً مؤقتاً (الأمم المتحدة)

ارتفعت الإيجارات إلى ما يقارب 80 في المائة خلال العامين الأخيرين حسبما يقول محمد، بسبب الاستقرار النسبي الذي عاشته المدينة نتيجة توقف المعارك في أطرافها، وتخفيف حدة القصف على الأحياء السكنية، والتحسن الملحوظ في الأوضاع الأمنية، وعودة النازحين، وهو ما استغله المؤجرون.

ويشير إلى أن وجود فروع لمنظمات دولية تستأجر شققاً أو مباني بالعملات الأجنبية (الدولار أو الريال السعودي)، أغرى المؤجرين بطرد المستأجرين وتأجير عقاراتهم للمنظمات أو كبار موظفيها، في حين يقف القانون إلى جانب المؤجرين. كما يتفق معه في ذلك المحامي صلاح أحمد غالب، الذي يعزو الأمر لجمود التشريعات القانونية وعدم تحديثها.

يتفق محمد وغالب ومصدر قضائي في تعز في إفادتهم لـ«الشرق الأوسط» على أن القانون تمت صياغته منذ زمن بعيد من طرف ملاك العقارات، ولم يجرِ تحديثه أو تعديله ليستوعب المتغيرات الكثيرة خلال العقود الماضية، فالقضايا الكثيرة التي تشهدها أجهزة القضاء تنتهي لصالح المؤجرين، رغم أن السلطة المحلية في تعز أصدرت تعميماً بمنع الإخلاء، إلا أنه ليس أقوى من القانون.

صمود ومكافأة بالطرد

يتفق محمد والمحامي غالب على أنه بإمكان السلطة المحلية في تعز تعديل الكفة قليلاً لصالح المستأجرين بتفعيل قانون ضرائب العقارات المجمد منذ بداية الحرب، والذي سيحدّ من رفع الإيجارات، كما يستنكر المحامي غالب السرعة التي ارتفعت بها إيجارات بعض المنازل من 30 ألف ريال إلى 150 ألف (الدولار يساوي 1490 ريالاً يمنياً في المناطق المحررة).

ويتحسر وسام محمد لأن تعز عندما هجرها ثلثا سكانها في بداية الحصار، كان مالكو العقارات أول الهاربين، بينما بقي البسطاء ليدافعوا عنها، وعندما أصبح الوضع أقل خطورة عاد ملاك العقارات لفرض زيادات في الإيجارات. وفي مفارقة مؤلمة، وفق وصفه، يواجه كثير ممن صمدوا في وجه الحصار قضايا في المحكمة ومضايقات وتهديداً بالطرد.

أنقذت المساعدات الأممية بعض العائلات النازحة في تعز من التشرد (الأمم المتحدة)

ويدعو المحامي غالب القضاء إلى رفض أي دعوى إخلاء شقة مؤجرة ما لم يكن المدعي مسدداً للضرائب، كوسيلة للحد من طرد المستأجرين، وأن يقوم قطاع الصناعة والتجارة بتحديد سعر رسمي للشقة الواحدة حسب عدد غرفها ووضع حدين أعلى وأدنى كنوع من التوازن والعدالة بين الطرفين.

أما المصدر القضائي، الذي رفض الكشف عن بياناته لحساسية منصبه؛ فطالب المستأجرين بالتنبه والحذر واتخاذ احتياطات تساعد القضاء على إنصافهم، مثل كتابة عقود إيجار بمدد إيجارية طويلة الأمد، وعدم الركون إلى اتفاقات شفوية أو الثقة بالملاك، متمنياً حدوث تعديل قانوني عاجل يحقق العدالة.

واستدرك: «نحن ندرك معاناة المستأجرين وجشع واستغلال المؤجرين بحكم أن غالبية موظفي السلك القضائي يسكنون بالإيجار؛ غير أننا لا نستطيع الحكم إلا بما يقره القانون رغم تعاطفنا مع المستأجرين، أو على الأقل نحاول حل القضايا بالصلح والتوفيق».

قاضٍ آخر تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن عدم قبول دعاوى الإخلاء حسب قرار رئيس محكمة استئناف تعز، وإلزام الملاك بنسبة معقولة لرفع الإيجارات بسبب الأوضاع المعيشية القاسية، داعياً المستأجرين المنتظمين في دفع الإيجارات إلى رفع شكاوى ضد الملاك في حال مطالبتهم بزيادة أو اتخاذ إجراءات تعسفية ضدهم.

أغلى المدن إيجاراً

تعد مدينة عدن أغلى المدن اليمنية في إيجار المساكن، لكونها العاصمة المؤقتة للبلاد منذ ثماني سنوات، وتتابع موجات النزوح إليها خلال السنوات الماضية، ويعيش سكانها معاناة صعبة بوصول الإيجارات إلى مستويات قياسية.

وبلغت نسبة زيادة الإيجارات أكثر من 400 في المائة عمّا كانت عليه قبل الحرب طبقاً لرواية الصحافي اليمني عبد الرحمن أنيس، الذي يوضح أن هذا الارتفاع لا يتناسب بأي شكل من الأشكال مع رواتب ومداخيل الموظفين، ناهيك بالعاطلين والعاملين بالأجر اليومي، بينما يرفض ملاك العقارات توقيع عقود لمدة أكثر من عام.

ويتابع أنيس: «يبلغ متوسط الإيجارات في عدن 150 ألف ريال يمني لمن يؤجرون بالعملة المحلية، ويجري رفعها باستمرار، حيث سعر الدولار في المناطق المحررة يبلغ 1490 ريالاً، غير أن الغالبية يؤجّرون بالعملات الأجنبية، وتحديداً الدولار والريال السعودي، وغالباً لا تكفي رواتب كبار موظفي الدولة لسداد إيجارات منازلهم، وكثيراً ما تذهب رواتب اثنين أو ثلاثة من أفراد العائلة للإيجار».

يضطر النازحون في عدن إلى السكن في الخيام بسبب غلاء الإيجارات (إكس)

وفي حي المنصورة الذي يقع شمال المدينة، يصل إيجار بعض الشقق إلى 1000 ريال سعودي، و500 ريال سعودي كحد أدنى للشقق الصغيرة، بينما تتراوح الإيجارات زيادةً أو نقصاناً في بقية الأحياء حسب قربها من قلب المدينة وتوفر الخدمات وحال الشقق والبنايات، ويوضح أنيس لـ«الشرق الأوسط» أنه من النادر أن تصل قضايا الإيجارات إلى المحاكم حيث يجري حلها غالباً لدى السلطة المحلية.

لجنة حكومية في عدن

لجأ الكثير من النازحين إلى عدن للسكن في أطراف المدينة، تحديداً في حي دار سعد، حيث الإيجارات أرخص بكثير، لكنّ البنايات متهالكة وضيقة وسيئة التهوية كما يصفها الناشط الاجتماعي عمر عبدان، الذي يعمل في تقديم المساعدات للنازحين وذوي الدخل المحدود في عدن.

وبشكل شبه يومي يدخل عبدان منازل بعض النازحين في حي دار سعد، حيث وجد منهم من يسكن في محل يتكون من غرفة واحدة، وبعضها من دون حمامات مقابل مبالغ تصل إلى 80 ألف ريال، ويضطرون لاستخدام حمامات جيرانهم أو حمامات المساجد.

في أواخر العام قبل الماضي شكل محافظ عدن أحمد حامد لملس، لجنة مكلّفة بعدد من المهام الخاصة بالقضايا الاقتصادية والمعيشية بينها إلزام وإخضاع معاملات وعقود إيجارات العقارات لاستخدام العملة الوطنية، إلا أن اللجنة واجهت الكثير من الصعوبات والعقبات.

ساعدت الأمم المتحدة بتمويل سعودي مئات العائلات لترميم منازلهم جنوبي تعز (مركز الملك سلمان للإغاثة)

يؤكد عبد الرؤوف زين وكيل محافظة عدن ورئيس اللجنة، لـ«الشرق الأوسط» أنه تم إبلاغ الحكومة بأن ضبط الإيجارات مرتبط باستقرار الاقتصاد المحلي وسعر العملة الوطنية، وأن تحقيق إنجاز في هذا الشأن يأتي ضمن إنجازات اقتصادية ومعيشية.

وحاولت اللجنة إلزام المؤجرين بالتعامل بالعملة الوطنية، إلا أن عدم استقرار أسعار الصرف حال دون تنفيذ ذلك بشكل كامل، رغم تمكنها من تحقيق بعض الالتزام بالتعاون مع بعض الجهات الضبطية مثل المحاكم والنيابات والمكاتب التنفيذية الأخرى، غير أن الشكاوى أصبحت تأتي من جهة المؤجرين أيضاً بحجة أن تغير سعر العملة المحلية يؤثر عليهم في المقابل.

ويأمل زين، من أصحاب رؤوس الأموال ومالكي العقارات، التعاون مع الحكومة في سبيل الحد من تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، والالتزام بالتعامل بالعملة المحلية، وتخفيف الأعباء عن المواطنين، منبهاً إلى أن محافظة عدن تدخلت في هذا الملف بشكل رئيسي رغم أنه من اختصاص جهات حكومية أخرى مثل قطاع الأشغال.


مقالات ذات صلة

إطلاق أول منصة رقمية لتوثيق الفنون البصرية اليمنية

يوميات الشرق يُعد المشروع أول منصة رقمية شاملة ومتخصصة تُعنى بتوثيق الفنون البصرية اليمنية (الشرق الأوسط)

إطلاق أول منصة رقمية لتوثيق الفنون البصرية اليمنية

يُعد المشروع أول منصة رقمية شاملة ومتخصصة تُعنى بتوثيق الفنون البصرية اليمنية بمختلف مجالاتها وأجيالها، ضمن مبادرات الدار الهادفة إلى خدمة الثقافة اليمنية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي حشد من المتسوقين بأحد المتاجر في صنعاء الخاضعة للحوثيين (أ.ف.ب)

تجار حوثيون يغرقون صنعاء بأصناف من الألعاب النارية الخطرة

انتشار واسع للألعاب النارية الخطرة بصنعاء وسط اتهامات للحوثيين بتسهيل دخولها وارتفاع مقلق في إصابات الأطفال مع تحذيرات طبية من مخاطرها وغياب الرقابة

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني الصبيحي ورئيس الحكومة الزنداني أثناء صلاة العيد في عدن (إكس)

عدن تطوي إجازة عيد فطر استثنائية وسط استقرار أمني

شهدت عدن إقبالاً سياحياً غير مسبوق خلال عيد الفطر، مع انتعاش الشواطئ والحدائق وارتفاع إشغال الفنادق، وسط انتشار أمني واسع يعزز الاستقرار وينظم الحركة.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي الحوثيون أجبروا مزارعين في ريف صنعاء على دعم الجبهات (فيسبوك)

الحوثيون يفرضون تبرعات في ريف صنعاء لدعم جبهاتهم

فرض التبرعات والإتاوات من قبل الحوثيين في ريف صنعاء يثقل كاهل السكان، ويستنزف القطاع الزراعي، وسط تحذيرات من تعميق الأزمة الاقتصادية وتقويض فرص التعافي.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي سكان عدن أفاقوا على شوارع غمرتها مياه الأمطار (إعلام محلي)

مياه الأمطار تغمر شوارع عدن

أمطار غزيرة تغمر شوارع عدن وتدفع السلطات لنشر فرق ميدانية تعمل على مدار الساعة؛ لشفط المياه وفتح الطرق، وسط تحذيرات من استمرار الحالة الجوية وازدياد المخاطر.

محمد ناصر (عدن)

مصر لتقنين أوضاع المدارس السودانية بعد أزمات إغلاقها

وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)
وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)
TT

مصر لتقنين أوضاع المدارس السودانية بعد أزمات إغلاقها

وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)
وزير التعليم المصري خلال استقبال نظيره السوداني بالقاهرة (وزارة التعليم المصرية)

أعلنت الحكومة المصرية، استعدادها لتقنين أوضاع المدارس السودانية على أراضيها، بعد أزمة إغلاقها منذ عدة أشهر، وسط شكاوى متكررة من الجالية السودانية بالقاهرة.

وأكد وزير التربية والتعليم المصري محمد عبد اللطيف، «استعداد بلاده لتقديم الدعم الكامل للسودان في عدد من المجالات التعليمية؛ من بينها تطوير المناهج، ونظم التقييم والامتحانات والتعليم الفني»، وشدد خلال استقباله نظيره السوداني التهامي الزين، الثلاثاء، على «حرص القاهرة على تعزيز أطر التعاون المشترك وتبادل الخبرات بما يخدم مصلحة الطلاب السودانيين».

وناقش وزيرا التعليم المصري والسوداني، «سبل تعزيز التعاون المشترك في تطوير المنظومة التعليمية وتبادل الخبرات، بما يسهم في الارتقاء بجودة التعليم»، حسب إفادة لوزارة التعليم المصرية.

وخلال اللقاء، أكد وزير التعليم المصري «استعداد بلاده لتقنين أوضاع المدارس السودانية في مصر، بما يعزز التعاون المشترك وتبادل الخبرات».

وفي يونيو (حزيران) من عام 2024، أغلقت السلطات المصرية المدارس السودانية العاملة في مصر، لحين توفر الاشتراطات القانونية لممارسة النشاط التعليمي، وشملت إجراءات الإغلاق مدرسة «الصداقة» التي دشنتها السفارة السودانية بالقاهرة في عام 2016، ومدارس خاصة، قبل أن تعلن السفارة السودانية، استئناف الدراسة في مدرسة «الصداقة» مرة أخرى، بداية من ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وطالبت السلطات المصرية وقتها، من أصحاب المدارس السودانية العاملة بمصر، الالتزام بثمانية شروط لتقنين أوضاع المدارس المغلقة، وتضمنت وفق إفادة للملحقية الثقافية بالسفارة السودانية، «موافقة من وزارتي التعليم والخارجية السودانية، وموافقة من الخارجية المصرية، وتوفير مقر للمدرسة في جميع الجوانب التعليمية مصحوباً برسم تخطيطي لهيكل المدرسة، وإرفاق البيانات الخاصة لمالك المدرسة، مع طلب من مالك المدرسة للمستشارية الثقافية بالسفارة السودانية، وملف كامل عن المراحل التعليمية وعدد الطلاب المنتظر تسجيلهم بالمدرسة».

وبسبب الحرب السودانية، فرّ نحو مليون و200 ألف سوداني، إلى مصر، حسب إحصائيات رسمية، إلى جانب آلاف آخرين من الذين يعيشون فيها منذ سنوات.

محادثات بين وزير التعليم المصري ونظيره السوداني بالقاهرة الثلاثاء (وزارة التعليم المصرية)

ويعد تقنين أوضاع المدارس السودانية، خطوة إيجابية سيستفيد منها كثير من الأسر المقيمة بمصر، وفق رئيس لجنة العلاقات الخارجية بـ«جمعية الصداقة السودانية - المصرية»، محمد جبارة، الذي قال إن «المحادثات بين وزيري التعليم المصري والسوداني، تعكس موافقة على استئناف الدراسة في بعض المدارس السودانية التي قننت أوضاعها، وفق مواصفات التعليم بمصر».

وفي وقت سابق، أعلنت السفارة السودانية، عن قيام «لجنة من وزارة التعليم المصرية بزيارة بعض المدارس السودانية المغلقة، لمراجعة البيئة المدرسية، والتأكد من توافر اشتراطات ممارسة النشاط التعليمي»، وشددت في إفادة لها لأصحاب المدارس على «الالتزام بتقديم كل المستندات الخاصة بممارسة النشاط التعليمي، وفق الضوابط المصرية».

ويرى جبارة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «عودة الدراسة بالمدارس السودانية ستعالج كثيراً من إشكاليات كانت تواجهها الأسر السودانية بمصر»، وقال إن «هناك عدداً من المدارس السودانية التي كانت عاملة في مصر، بدأت في العودة للسودان مرة أخرى، مع تزايد رحلات العودة الطوعية»، عاداً ذلك «سيعزز من فرص التعاون بين القاهرة والخرطوم في المجال التعليمي».

وخلال اللقاء، دعا وزير التعليم السوداني، إلى «تعزيز التعاون مع الجانب المصري في جهود إعمار وتطوير المؤسسات التعليمية في السودان»، وأكد أهمية «الاستفادة من التجربة المصرية الناجحة في التعليم، خاصة نموذج الشراكة مع الجانب الياباني»، حسب «التعليم المصرية».

ويأتي التعاون التعليمي بين مصر والسودان، بوصفه من أبرز ثمار الزيارات واللجان المشتركة بين البلدين، وفق مدير وحدة العلاقات الدولية بـ«المركز السوداني للفكر والدراسات الاستراتيجية»، مكي المغربي، الذي قال إن «ملف التعليم والمدارس السودانية، كان أحد الملفات التي جرت مناقشتها في زيارة رئيس وزراء السودان، كامل إدريس للقاهرة، نهاية شهر فبراير (شباط) الماضي».

ويرى المغربي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «استئناف الدراسة في المدارس السودانية لا يتعارض مع برامج العودة الطوعية التي تهتم بها الحكومة السودانية»، مشيراً إلى أن «هناك كثيراً من الأسر السودانية، ارتبطت بجدول دراسي لأبنائها داخل مصر، ومن ثمّ فإن استئناف الدراسة بالمدارس، سيعالج كثيراً من إشكاليات أعضاء الجالية».

واتفق وزيرا التعليم المصري والسوداني، على «تشكيل لجنة مشتركة من الوزارتين، تتولى مناقشة مختلف مجالات التعاون»، إلى جانب «وضع آليات تنفيذها بشكل عملي، ومتابعة وتقييم ما يتم إنجازه، بما يضمن سرعة البدء في التنفيذ وتحقيق النتائج المستهدفة»، حسب بيان وزارة التعليم المصرية.


تحركات مصرية لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران

لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)
لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)
TT

تحركات مصرية لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران

لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)
لقاء وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في الرياض فجر الخميس (الخارجية المصرية)

واصلت مصر تحركاتها المكثفة لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران، تزامناً مع حديث أميركي عن تلقي إيران نقاطاً للبحث عبر وسطاء. وأكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «القاهرة تسعى لتقريب وجهات النظر، والوصول إلى اتفاق عادل مستدام يراعي مصالح أطرافه، ويحفظ أمن الخليج».

وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالات هاتفية، الاثنين، مع نظرائه في السعودية وسلطنة عمان والإمارات وتركيا وباكستان وفرنسا وقبرص، إضافة إلى ستيف ويتكوف المبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط.

وصرح السفير تميم خلاف، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، في بيان صحافي، بأن «هذه الاتصالات المكثفة تأتي في إطار حرص مصر على مواصلة التنسيق والتشاور مع الأشقاء العرب، ومع الشركاء الإقليميين والدوليين إزاء التطورات الأمنية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وبحث سبل احتواء التصعيد العسكري الجاري»، مؤكداً أن من شأن هذا التصعيد واتساع نطاقه ورقعته «أن يجر الإقليم بأكمله إلى فوضى شاملة غير محسوبة العواقب تضر بالسلم والأمن الإقليميين والدوليين».

وأضاف خلاف أن «الاتصالات تناولت المفاوضات المحتملة بين الجانبين الإيراني والأميركي في ضوء مبادرة الرئيس دونالد ترمب الأخيرة، والجهود المبذولة من جانب عدد من الأطراف الإقليمية في المنطقة من بينها مصر، لدفع المسار الدبلوماسي والتفاوضي بوصفه السبيل الوحيد لتفادي الفوضى الشاملة في المنطقة». وقال إن «لغة الحوار هي الضمان الحقيقي لتجنيب المنطقة مخاطر اتساع رقعة الصراع، وصون مقدرات شعوبها».

وشدد وزير الخارجية المصري خلال اتصالاته مجدداً على «الإدانة الكاملة للاعتداءات الإيرانية التي تستهدف دول الخليج، وعدم تبريرها بأي ذرائع واهية، وضرورة وقفها بشكل فوري»، وأكد «أهمية تضافر جميع الجهود لخفض التصعيد، ودعم مصر الكامل وانخراطها الإيجابي مع جميع المبادرات والمساعي الهادفة لتحقيق التهدئة وإنهاء الحرب».

وفي سياق متصل، نقلت شبكة «سي بي إس» الأميركية عن مسؤول رفيع في «الخارجية الإيرانية» قولَهُ، إنّ بلاده تلقّت نقاطاً للتفاوض، من الولايات المتحدة عبرَ وسطاء، مشيراً إلى أنّ «هذه النقاط قيد الدراسة».

ووفق ما نشره موقع «أكسيوس» الأميركي، الاثنين، فإن «مصر وتركيا وباكستان نقلت رسائل متبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث أجرى مسؤولون من الدول الثلاث اتصالات منفصلة مع مبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي».

وأوضح مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد حجازي لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ضوء تصاعد خطورة الوضع الراهن على كل دول المنطقة والعالم وما تعرضت له سلاسل الإمداد العالمية تحركت عدة دول، ومن بينها مصر وباكستان وتركيا، من أجل وقف التصعيد وتجنيب المنطقة ويلات المزيد من التصادم والفعل ورد الفعل بضرب البنية التحتية».

وقال إن «مصر تستغل درجة المصداقية التي تتمتع بها لدى طهران وواشنطن في التحرك، ونقل رسائل مهمة تركز على الدعم الدبلوماسي والسياسي والمادي لدول الخليج باعتبار أمن الخليج جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، والتأكيد على ضرورة وقف التصعيد».

وأضاف حجازي أن مصر والوسطاء «نقلوا رسائل مهمة لمد جسور التفاهم بين طرفي النزاع، وخفض التصعيد، والتأكيد على أنه ما كان يجب الانخراط في هذه المواجهة التي أدت تفاقم الوضع، وقد تخلف إذا استمرّت، الكثير من الضغائن»، مشيراً إلى أن «مصر تسعى لتقديم مقترحات تراعي مصالح الجميع، وتسمح لكل طرف بالخروج من المعركة، وتجنب المزيد من الخسائر». وقال: «القاهرة تسعى لاتفاق عادل مستدام يراعي مصالح أطرافه، وينهي التصعيد الحالي، ويحمي أمن الخليج».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الباكستاني محمد إسحاق دار في باكستان (الخارجية المصرية)

وأجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي جولة خليجية ضمت السعودية وقطر والإمارات والبحرين أعقبت جولة خليجية مماثلة لوزير الخارجية بدر عبد العاطي، تم خلالها التأكيد على أن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والعربي».

وكان الرئيس المصري قد أكد خلال اتصال هاتفي خلال الشهر الحالي مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، بحسب إفادة رسمية للرئاسة المصرية.

بدوره، أكد عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير رخا أحمد حسن، أن «مصر تلعب دوراً رئيسياً في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب كل من تركيا وباكستان»، مشيراً إلى أن «القاهرة تريد أولاً احتواء التصعيد وصولاً لوقف إطلاق النار».

وأضاف حسن لـ«الشرق الأوسط»، أن «هناك كثيراً من الشكوك لدى الطرفين، ومصر والوسطاء يحاولون بما لديهم من مصداقية لدى واشنطن وطهران، التوفيق بين وجهات النظر من أجل الوصول إلى اتفاق ينهي الحرب الحالية»، مشيراً في هذا الصدد، إلى اتصال السيسي وبزشكيان الذي أعربت فيه مصر عن استعدادها للوساطة.

ولم يستبعد حسن ألا تختلف «البنود المقترحة عن تلك التي سبق طرحها في المفاوضات التي جرت قبل الحرب بين الطرفين»، لكنه شكك في «جدية الطرح الأميركي الأخير في ظل استمرار الهجمات الإسرائيلية».

وقال: «الأيام ستكشف إلى أي مدي ستنجح الضغوط الدولية والوضع الاقتصادي العالمي المتأزم في إقناع ترمب وحليفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لوقف الحرب».

وتواصلت الغارات الأميركية والإسرائيلية على إيران والهجمات الصاروخية الإيرانية على إسرائيل، الثلاثاء، رغم إعلان الرئيس ترمب، الاثنين، عبر منصته «تروث سوشيال» أنه سينتظر 5 أيام أخرى قبل تنفيذ الضربات التي هدّد بشنّها على محطات كهرباء وبنى تحتية أخرى في إيران إن لم تفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، مشيراً إلى مفاوضات «جيدة جداً» مع مسؤول إيراني رفيع لم يسمه.

وأوضح ترمب، في تصريحات صحافية، أن الجانبين توصلا إلى نحو 15 نقطة اتفاق. وقال: «أعتقد أن هناك فرصة كبيرة جداً للتوصل إلى اتفاق».


اجتماع وزاري عربي مرتقب يناقش تداعيات الهجمات الإيرانية والتصعيد الإقليمي

اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)
اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)
TT

اجتماع وزاري عربي مرتقب يناقش تداعيات الهجمات الإيرانية والتصعيد الإقليمي

اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)
اجتماع سابق لوزراء الخارجية العرب (الجامعة العربية)

تترأس البحرين، يوم الأحد المقبل، اجتماع الدورة العادية الـ165 لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية. وقال مصدر دبلوماسي عربي لـ«الشرق الأوسط» إن «الاجتماع سيعقد عن بعد عبر الاتصال المرئي، وسيركز على بند واحد هو الاعتداءات الإيرانية على الأراضي العربية».

وأوضح المصدر، الذي رفض الكشف عن هويته، أن «الاجتماع سيبحث اتخاذ موقف عربي واحد إزاء الاعتداءات الإيرانية على الأراضي العربية على غرار الاجتماع الطارئ الذي عقده وزراء الخارجية العرب أخيراً، للسبب نفسه».

وكان وزراء الخارجية العرب أدانوا، في اجتماع طارئ يوم 8 مارس (آذار) الجاري، اعتداءات طهران على دول عربية، وأكدوا تأييد جميع الإجراءات التي تتخذها تلك الدول، بما في ذلك خيار الرد على الاعتداءات. ودعا الوزراء، في الاجتماع الذي عقد بتقنية الاتصال المرئي، طهران إلى الوقف الفوري للهجمات العسكرية العدوانية، ووقف جميع الأعمال المتعلقة بإغلاق مضيق هرمز.

وأشار الدبلوماسي العربي إلى أن «الاجتماع يأتي في سياق الاجتماعات الدورية لمجلس الجامعة العربية على المستوى الوزاري، وكان من المفترض أن يتضمن جدول أعماله عدداً من الموضوعات المتعلقة بالعمل العربي المشترك، لكن حساسية الظرف الراهن دفعت إلى تأجيل مناقشة كل الملفات والاقتصار على ملف الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية».

وقال إن «المناقشات التحضيرية بشأن الاجتماع خلصت إلى أن وجود أكثر من موضوع على جدول الأعمال سيسحب التركيز من الموضوع الرئيسي وهو اعتداءات إيران، لذا كان القرار بتأجيل الملفات الاعتيادية، والاكتفاء بملف واحد مركزي».

وكان من المنتظر أن يناقش الاجتماع التحضير للقمة العربية المقبلة.

وفي هذا الصدد، قال المصدر الدبلوماسي إن «من المفترض أن يتم خلال الاجتماع الاتفاق على موعد القمة المقبلة، لكن الظرف الراهن يجعل من الصعب الاتفاق على موعد محدد».

من اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في 8 مارس 2026 (الخارجية المصرية)

وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالات هاتفية مع نظرائه في البحرين والأردن والعراق، تناولت التحضيرات الجارية لانعقاد الاجتماع.

وأكدت الوزارة في بيان «أهمية إطلاق موقف عربي موحد في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية المشتركة والتصعيد الخطير الذي تشهده المنطقة».

بدوره، عوّل المحلل السياسي الدكتور عبد المنعم سعيد على الاجتماع الوزاري «للوصول إلى رؤية عربية موحدة إزاء التعامل مع الوضع الراهن». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الوضع يتحرك ويتطور بصورة متسارعة... وفي ظل موقف أميركي مرتبك، من المهم عقد مشاورات عربية لتحديد الموقف تجاه الوضع الراهن».

واقترح سعيد «تشكيل مجموعة عمل عربية للتفكير فيما سيكون عليه الموقف مستقبلاً في مواجهة المشروعين الإيراني والإسرائيلي، اللذين يتصادمان على الأرض العربية». وقال إنه «يمكن عقد اتفاقات ثنائية في الإطار العربي لتعزيز التعاون في مواجهة أي عدوان».

وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير تميم خلاف، رجّح في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط» أن «تطرح القاهرة قضية الترتيبات الإقليمية الجديدة، في الاجتماع الوزاري العربي، ضمن التوجه المصري الهادف إلى احتواء التصعيد بالمنطقة». وقال إن هناك أولوية مصرية «لوضع تصور شامل لتلك الترتيبات لما بعد الحرب الإيرانية».

وسبق أن تحدث وزير الخارجية عبد العاطي عن «ضرورة بلورة مفهوم عملي للأمن الجماعي العربي والإقليمي، ووضع آليات تنفيذية له». وأشار خلال محادثات مع نظيره السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، في الرياض، منتصف الشهر الحالي، إلى أن «الشروع في وضع ترتيبات أمنية في الإطار الإقليمي سواء بالجامعة العربية، أو بالتعاون مع أطراف إقليمية غير عربية، ضرورة استراتيجية ملحة للتعامل مع التحديات غير المسبوقة التي تستهدف سيادة الدول العربية».