تفاصيل خطة الأمم المتحدة لإنقاذ «صافر»

إجراءات فنية وأمنية... والتكلفة نحو 150 مليون دولار

السفينة اليمنية المتهالكة «صافر» (رويترز)
السفينة اليمنية المتهالكة «صافر» (رويترز)
TT

تفاصيل خطة الأمم المتحدة لإنقاذ «صافر»

السفينة اليمنية المتهالكة «صافر» (رويترز)
السفينة اليمنية المتهالكة «صافر» (رويترز)

مع وصول السفينة البديلة للناقلة اليمنية المتهالكة «صافر»، من المتوقَّع أن تبدأ عملية لإفراغ حمولة الناقلة المتهالكة التي تحمل 1.1 مليون برميل من النفط الخام خلال الأيام المتبقية من شهر مايو (آيار) الحالي، وفق خطة أعدتها الأمم المتحدة، وسلَّمت نسخة منها إلى الحكومة اليمنية والحوثيين.

عملية الإنقاذ الأممية تُقدَّر التكلفة الإجمالية لها تحديداً بـ148 مليون دولار، بينما تبلغ تكلفة المرحلة الأولى من العملية 129 مليون دولار، وتستمر في مرحلتها الأولى ثلاثة أشهر وتمتد إلى ثمانية أشهر.

الخطة التي أعدتها الأمم المتحدة تضم تفاصيل عملية نقل كمية النفط الخام من السفينة المتهالكة (صافر) إلى سفينة جديدة تم شراؤها لهذا الغرض، كما تتضمن الخطة الترتيبات الإدارية والأمنية، وإجراءات تنقل الفرق التي ستعمل على ذلك، والميزانية المطلوبة إلى جانب المخاطر والمحاذير التي قد تواجه هذه الخطة التي كان من المفترض أن تُنفَّذ قبل نهاية العام الماضي لكنها تأجلت بسبب حلول موسم الرياح والتأخر في شراء ناقلة بديلة للناقلة المتهالكة.

وبحسب الخطة التي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منها، فإن المرحلة الأولى سوف تستغرق 9 أسابيع، وسيتم خلالها إجراء التخطيط التفصيلي من قبل شركة «سميت سالفدج» والتحضير للعمليات والحصول على التصاريح وحشد الأصول والمعدات والموظفين، والتحقق من الإجراءات الأمنية والطبية في موقع مرابطة السفينة «صافر».

وتذكر الخطة أنه، ومع بدء التقدم نحو ناقلة «صافر» المرابطة بالقرب من الخطوط الملاحية الدولية، ستتم عملية  التقييم والمعاينة على ظهرها، وخلق بيئة عمل آمنة للأفراد والأصول، والاستعدادات للنقل منها إلى السفينة البديلة والعمليات اللاحقة لذلك.

وتنبه إلى أن عملية بهذا الحجم إلى جانب اعتبارات عديدة، فإن التخطيط سوف يتطلب التحديد الدقيق للوضع بعد المعاينة وأثناء العملية، ومن بعدها سيتم ضخ الغاز الخامل في صهاريج الحمولة قبل وصول الناقلة الجديدة.

كمية النفط غير معروفة

المرحلة الثانية التي سوف تستغرق 7 أسابيع، سيتم خلالها ربط الناقلة البديلة بعوامة الرسو، وإجراء النقل من سفينة إلى سفينة، وغسل الناقلة، وصهاريج الحمولة في الناقلة «صافر»، وتقشير صهاريج الحمولة وفحص مياه الاتزان لتعويض وزن الحمولة المزالة، والتخلص من مياه الغسل إلى ناقلة مستقبلة، والقيام بإزالة الشحوم من صهاريج الحمولة والتخلص الآمن من الرواسب، وتطهير وتهوية صهاريج الحمولة.

ونظراً لأن الناقلة «صافر» ستظل في مكانها في البداية انتظاراً للاتفاق على حل طويل الأجل، فإن الملكية ليست مشكلة تحتاج إلى حل قبل بدء العملية الطارئة. وبسبب ملكية شحنة النفط في الناقلة (وهي من النفط الخفيف) لعدد من الكيانات المختلفة، ولم يكن هناك تحديث للبيانات منذ عام 2015، فإن الكمية الدقيقة للنفط التي سيتم رفعها غير معروفة على وجه اليقين.

«الشحنة من النفط الخفيف ومملوكة لعدد من الكيانات المختلفة... وستظل في موقعها بالسفينة الجديدة حتى الاتفاق على بيعها»

الأمم المتحدة

ومع ذلك، تقول الخطة إنه، ونظراً لأن الحمولة ستبقى (على الأقل في البداية) في موضعها بالسفينة الجديدة، فإنه لا توجد ضرورة لتحديد ما إذا كان الملاك سيوافقون على التنازل عن حقوقهم حتى يمكن بيع الكمية، إلا أنه نتيجة اتفاق  الطرفين من حيث المبدأ على أنه إذا تم بيع النفط، كلياً أو جزئياً، في تاريخ ما في المستقبل، فإنه يمكن استخدام العائدات لدفع رواتب الموظفين الحكوميين. ولهذا فإنه يمكن تحديد قيمة البيع في مرحلة لاحقة، نظراً لعدم معرفة كمية النفط وحالته، ولأن قيمته غير واضحة حالياً.

بشأن المسؤوليات المتعلقة بعملية الإنقاذ وتخزين الحمولة في المستقبل يجري تقديم المشورة القانونية في هذا الشأن من جانب الشركة، ومن جانب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بشكل مستقل، وسيحتاج هذا الأمر إلى توضيح المسؤولية في حالة حدوث تسرب أثناء نقل النفط إلى السفينة البديلة. وعادة ما تتم تغطية ذلك من خلال التأمين، ولكن على نحو ما تم ذكره سابقاً، فإنه لا يوجد تأمين على الناقلة «صافر»، ولا يمكن الحصول عليه لسفينة غير مصنفة بشأن التأمين أثناء النقل والتخزين من سفينة إلى سفينة.

عملية معقدة

بخصوص الترتيبات الأمنية للعملية ونقل حمولة الناقلة «صافر»، تصفها الخطة بأنها عملية معقدة تنطوي على العديد من المخاطر المصاحبة، ولهذا قامت شركة «سميت سالفدج / بوسکالیس»  بإجراء تحليل للتهديدات وتقييم للمخاطر الأمنية. كما قامت الأمم المتحدة بدراسة جميع التوصيات للتخفيف من المخاطر بعناية، وسيتم تنفيذها.

وبحسب الخطة، فإن تحول خط المواجهة العسكرية إلى جنوب محافظة الحديدة، أي في شمال منطقة الحيمة تقريباً بالقرب من الساحل المحاذي لمديرية حيس، نحو 90 كيلومتراً من ميناء الحديدة، فقد أصبحت البيئة المباشرة أقل تقلباً مما كانت عليه في السابق، حيث تتموضع ناقلة النفط «صـافر» في شمال ميناء الحديدة.

وبخصوص السفر والإقامة والمرافق الطبية الطارئة سيكون السفر في سيارات مدرعة، وسيخضع للإجراءات الأمنية النظامية للأمم المتحدة. وسوف يسافر ضابط أمن تابع للأمم المتحدة مع فريق «سميت سالفدج» عبر الطريق بين صنعاء والحديدة، وهو مستخدم بشكل جيد ويسافر عليه بانتظام موظفو الأمم المتحدة. وبالمثل، سيتم استخدام الطريق المؤدي إلى ميناء رأس عيسى وميناء الصليف بانتظام من قبل بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة للقيام بدوريات في كلا الميناءين.

صورة من على متن السفينة المتهالكة (رويترز)

 وتنص خطة العمل على أنه سيتم إبرام الاتفاقات بشأن أي تحركات للفرق الفنية مع سلطات الأمر الواقع، بحيث تكون جميع نقاط التفتيش على علم بالعملية والتحركات الضرورية. مع وجوب مراعاة البروتوكولات المتفَق عليها، على أن تكون إقامة الفرق في دور ضيافة تابعة للأمم المتحدة وستخضع لنفس الإجراءات التي يخضع لها موظفو الأمم المتحدة. على أن تدير كل من الخدمات المشتركة للأمم المتحدة وبعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة عيادات أساسية، وتعمل مع مزود الخدمات الطبية التابع لشركة «سميت سالفدج»، للنظر في سبل رفع كفاءة المرافق. 

التعامل مع المخاطر

أيضاً  تذكر الخطة أن سيارات إسعاف مدرعة سوف تُستخدم، كما يوجد ترتيب  للنقل جواً إلى نيروبي. كما أن لدى بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة أيضاً طائرة هليكوبتر متمركزة في جيبوتي، ويمكن استخدامها للإجلاء الطبي، حيث تم الاتفاق مسبقاً على موقع هبوط مناسب، وعلى إجراءات الموافقة على تصاريح الطيران، كما سيتعين أيضاً النظر في نقل المصابين من السفينة إلى نقطة وصول آمنة.

ووفق ما جاء في خطة العمل، فإن التعامل مع المخاطر المصاحبة للسفينة وعملية الإنقاذ سيكون مسؤولية «سميت سالفدج»، كجزء من طرق عملها الاعتيادي، ولأن السفينة قديمة، ذات هيكل واحد ولم تتم صيانته لفترة طويلة، وعلى وجه الخصوص، لم يتم ضخ أي غازات خاملة في صهاريج التخزين الخاصة بها، منذ نفـاد الوقود من الغلايات في عام 2017، سيتم التخفيف من المخاطر المرتبطة بالعمل في هذه السفينة باستخدام مقاول ذي خبرة عالية قام بهذا النوع من العمليات في السابق.

صورة مع على متن السفينة تبين حالة التآكل التي تعرضت لها (رويترز)

 وسيتم  إجراء عملية النقل من سفينة إلى سفينة استناداً إلى الإرشادات الصادرة عن غرفة الشحن الدولية المبينة في دليل النفط والمواد الكيميائية والغاز المسال، على أن تقوم شركة  «سميت سالفدج» بتهيئة بيئة عمل آمنة على ظهر ناقلة النفط «صافر».

وقبل بدء العمليات، تشير الخطة الأممية إلى أنه سيتم بشكل مستقل نقل أنظمة مناولة وسلامة حمولة ناقلات النفط العائمة باستخدام معدات الإنقاذ المتنقلة المتخصصة، وغسل الصهاريج والتطهير وتحرير الغاز وإزالة الشحوم، وعند الانتهاء من ضخ الغاز الخامل سيقلل ذلك من مخاطر الانفجار، وستغطي خطة الطوارئ أي حالات تسرب أثناء العملية والمخاطر البحرية، وفي حين أن المخاطر البحرية موجودة، كما هو متوقع في بيئة النزاع، فإن تقييم الأمم المتحدة يشير إلى أنه يمكن التخفيف منها.


مقالات ذات صلة

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

العالم العربي شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

ارتفعت أسعار المياه المعدنية في صنعاء في ظل عجز قطاع واسع من السكان عن استهلاكها، بالتوازي مع قطع الحوثيين شبكات المياه عن الأحياء للمطالبة بمديونيات مزعومة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)

وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

أكد وزير الدفاع اليمني اللواء الركن طاهر العقيلي أن التحولات الإقليمية والدولية لصالح اليمن وأن التنسيق العسكري بلغ مراحل متقدمة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.