أزمة المياه في تونس... تهديد يطال الاقتصاد والأمن الغذائي

ندرة المياه قد تكلف البلاد 6.4 % من ناتجها المحلي بحلول 2050

بحيرات كثيرة اختفت بفعل الجفاف في تونس (رويترز)
بحيرات كثيرة اختفت بفعل الجفاف في تونس (رويترز)
TT

أزمة المياه في تونس... تهديد يطال الاقتصاد والأمن الغذائي

بحيرات كثيرة اختفت بفعل الجفاف في تونس (رويترز)
بحيرات كثيرة اختفت بفعل الجفاف في تونس (رويترز)

حذر البنك الدولي من أن ندرة المياه قد تكلف تونس ‌ما يعادل 6.4 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي بحلول عام 2050، إذا لم تتخذ إجراءات كافية لمواجهة الأزمة، في بلد لا يتجاوز نصيب الفرد فيه 380 متراً مكعباً من المياه العذبة المتجددة سنوياً.

وفي تقريره «تحدِّي المياه في تونس: من الندرة إلى القدرة على التكيف»، الصادر في 22 سبتمبر (أيلول) الماضي، قدر البنك الدولي احتياجات البلاد بنحو 900 مليون ​دولار سنوياً حتى منتصف القرن لمواجهة التحديات المائية.

ولا تقتصر أزمة المياه في تونس على تقلبات الأمطار ومستويات مخزون السدود؛ إذ تشمل أيضاً استنزاف الموارد، وخسائر شبكات التوزيع والري، والضغوط على الإنتاج الزراعي والأسعار، إلى جانب صعوبة تحويل الخطط والتمويلات المعلنة إلى إصلاحات ملموسة.

ويرى التقرير أن أزمة المياه في تونس ذات طابع هيكلي وليست عابرة، وأن تحسن الأمطار وارتفاع مخزون السدود لا يوفران سوى انفراجة مؤقتة في ظل الضغوط المتزايدة على الموارد المائية.

قلة التساقطات ترغم سكان القرى على قطع مسافات طويلة للتزود بالمياه (أ.ف.ب)

يقول الخبير حسين الرحيلي، المتخصص في التنمية والتحكم في الموارد، الذي يعتبر أن المياه والطاقة من أهم محددات التنمية الاقتصادية في أي دولة، لـ«رويترز»، إن التقرير يتوافق مع تحذيرات أُطلقت قبل عشر سنوات.

وتشير وثائق البنك الدولي إلى أن تونس تستغل نحو 92 في المائة من مواردها المائية السطحية، فيما بلغ استغلال المياه الجوفية نحو 133 في المائة من قدرتها على التجدد، مما يزيد مخاطر استنزاف المخزون الجوفي وتملّح المياه.

ووصف الرحيلي صيف 2026 بأنه استثنائي، مشيراً ‌إلى أن توفير ‌مياه الشرب أصبح الأولوية القصوى، في ظل الضغوط التي يشهدها القطاع.

الفلاحة والأسعار تحت الضغط

يعمل ​في ‌الزراعة ⁠نحو 14 ​في المائة ⁠من القوى العاملة في تونس، وترتفع النسبة إلى نحو 50 في المائة في المناطق الريفية.

ويقدر البنك أن الضغوط المناخية وقلة المياه قد تؤديان إلى فقدان ما لا يقل عن 30 في المائة من الوظائف الزراعية بحلول منتصف القرن.

وفي هذا السياق، قال الرحيلي إن الزراعة المروية تستهلك ما بين 75 و77 في المائة من إجمالي استهلاك المياه في تونس، مضيفاً أن تراجع الإنتاج الزراعي ساهم في ارتفاع أسعار الطماطم والفلفل والبطاطا والبصل بأكثر من 200 في المائة.

مواطنة تونسية في رحلة يومية للحصول على المياه في ظل ندرة التساقطات (رويترز)

وبلغ التضخم 5.9 في المائة في سبتمبر (أيلول) الماضي، فيما توقع الرحيلي أن يرتفع أكثر خلال أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، موضحاً أن عدد العاملين في الزراعة انخفض 30 في المائة، وأن النساء يمثلن 72 في المائة منها، وهو ما يعكس، بحسب تقديره، أبعاداً اجتماعية عميقة للأزمة لا سيما على النساء.

وذكر الرحيلي أن الجفاف الذي شهدته البلاد عام 2023 أدى إلى انكماش القطاع ⁠الفلاحي بنحو 11 في المائة، مما أبقى النمو الاقتصادي قريباً من الصفر.

وقال مصدر من «اتحاد الفلاحين التونسيين» لـ«رويترز»، ‌طلب عدم الكشف عن اسمه، إن نحو 33 عطلاً في شبكات توزيع المياه بولاية نابل ‌(شمال شرق)، أكبر مناطق إنتاج الموالح (القوارص) في البلاد، أدت إلى تأخر بدء عمليات ​الري عن موعدها المعتاد، مما يعكس تداعيات نقص المياه، وضعف الاستعداد ‌للتغيرات المناخية على القطاع الزراعي.

وأضاف المصدر أن إنتاج الموالح قد يتراجع بنحو 10 في المائة في موسم 2026، مقارنة بإنتاج بلغ ‌نحو 270 ألف طن في الموسم السابق، وسط تحديات متزايدة تتعلق بالمياه والمناخ، وغياب استراتيجية واضحة لمواجهتها.

تسربات وتحلية وبدائل

تشير بيانات البنك الدولي إلى فقدان نحو 23 في المائة من مياه الشرب، و30 في المائة من مياه الري في الشبكات العمومية بسبب التسربات.

ودعا وزير الزراعة عز الدين بن الشيخ، خلال الندوة الدورية للمندوبين الجهويين للتنمية الفلاحية، الأسبوع الماضي، إلى التسريع في إنجاز المشاريع المائية، وإصلاح أعطال شبكات الري، وتحسين توزيع المياه وفق الحاجيات الفلاحية، للحد من ضياع الموارد المائية وتعزيز الأمن المائي.

نصيب المواطن التونسي لا يتجاوز 380 متراً مكعباً من المياه العذبة المتجددة سنوياً (رويترز)

ولا ‌تمثل تحلية مياه البحر سوى نحو 2 في المائة من إمدادات المياه في تونس، بينما لا تتجاوز حصة المياه المعالجة المعاد استخدامها 1 في المائة، بحسب وثائق البنك الدولي.

وأطلقت وزارة التجارة التونسية خطة لزيادة ⁠المخزون الاحتياطي من المياه المعبأة إلى نحو ⁠200 مليون لتر في أفق عام 2027، مقابل 70 مليون لتر في عام 2026، وذلك بعد أزمة غير مسبوقة شهدتها البلاد خلال صيف العام الحالي.

ويرى الرحيلي أن التحلية ينبغي أن تكون «آخر الحلول» بسبب كلفتها المرتفعة، ويقترح بدلاً من ذلك التوسع في استخدام المياه المعالجة، التي يتجاوز حجمها 300 مليون متر مكعب سنوياً، ولا يُستفاد سوى من 8 في المائة منها، إلى جانب استخدام الطاقة الشمسية لتشغيل محطات التحلية. كما دعا إلى استخدام تقنيات حديثة للحد من تبخر المياه في السدود، معتبراً أن الاعتماد على بناء السدود وحده لا يكفي لمواجهة التحديات المائية.

خطط حكومية وتمويل دولي

تقول الحكومة التونسية إن استراتيجية المياه 2050 والبرامج المقترحة للفترة 2026 - 2030، تقوم على أربعة محاور تضم 43 برنامجاً ونحو 1200 إجراء، باستثمارات معلنة تبلغ 74.515 مليار دينار، خُصص 53 في المائة منها للمياه غير التقليدية.

ويتضمن البرنامج الاستعجالي، الذي أُعلن عنه في التاسع من يونيو (حزيران) الماضي حفر 38 بئراً عميقة وربطها بالشبكة، وصيانة وتجديد 26 محطة ضخ، وتجديد شبكات في إطار 22 مشروعاً، فضلاً عن تسريع تنفيذ 187 منظومة مائية بكلفة 147 مليون دينار، يستفيد منها نحو 248 ألف شخص.

مظاهر الجفاف الحاد جنوب تونس (رويترز)

ووافق البنك الدولي في الأول من أبريل (نيسان) الماضي على تمويل بقيمة 332.5 مليون دولار للمرحلة الأولى من برنامج الأمن المائي والصمود، ​ضمن إطار تمويلي تصل قيمته إلى 700 مليون دولار على ​مدى عشر سنوات.

ويشمل التمويل مشروعاً لمياه الشرب بقيمة 208.5 مليون دولار، يهدف إلى مضاعفة الطاقة الإنتاجية لمحطة الزارات لتحلية مياه البحر في قابس من 50 ألف متر مكعب إلى 100 ألف متر مكعب يومياً، وتركيب 100 ألف عداد ذكي، كما يشمل مشروعاً للري بقيمة 124 مليون دولار يستهدف نحو أربعة آلاف فلاح.


مقالات ذات صلة

تونس: مواجهات بين الشرطة ومحتجين وسط تصاعد التوتر

شمال افريقيا تعزيزات أمنية مكثفة في تونس العاصمة بعد اندلاع المواجهات بين الشرطة والمحتجين (أ.ف.ب)

تونس: مواجهات بين الشرطة ومحتجين وسط تصاعد التوتر

أطلقت الشرطة التونسية الغاز المسيل للدموع لتفريق محتجين في حي التضامن بالعاصمة، الخميس، عقب وفاة رجل أوقفته.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا واجهة المحكمة التي شهدت محاكمة عشرة ناشطين بيئيين

القضاء التونسي يدين ناشطين بيئيين

قضت محكمة تونسية، الأربعاء، بأحكام بالسجن تراوح بين سنة واحدة نافذة، وستة أشهر مع وقف التنفيذ بحق عشرة ناشطين بيئيين، شاركوا في اعتصام.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا المعارضة السياسية التونسية - الأميركية، ألفة الحامدي

الحكم بسجن مرشحة سابقة لـ«رئاسية» تونس أربع سنوات

قضت المحكمة العسكرية في تونس بسجن المعارضة السياسية التونسية - الأميركية، ألفة الحامدي، أربع سنوات بتهم متعددة، من بينها «التآمر على أمن الدولة».

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا ولاة المناطق الحدودية التونسية لدى وصولهم إلى اجتماع لجنة تنمية الحدود (ولاية الوادي)

الجزائر وتونس لمواجهة التهريب والهجرة السرية

يعقد مسؤولون رفيعو المستوى من الجزائر وتونس اجتماعات ماراثونية، منذ أمس الثلاثاء، لبحث سبل تعزيز التعاون الثنائي وتنمية المناطق الحدودية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا جانب من المظاهرات العارمة التي جابت شوارع العاصمة التونسية (إ.ب.أ)

التونسيون يخرجون في أكبر احتجاجات للمطالبة باستعادة الديمقراطية‭ ‬والحريات

تدفق آلاف التونسيين إلى شوارع العاصمة، اليوم السبت، في احتجاج حاشد للمطالبة باستعادة الديمقراطية‭ ‬والحريات

«الشرق الأوسط» (تونس)

الرئيس المصري: العلاقات مع روسيا تنمو بوتيرة متسارعة

وصول الرئيس السيسي إلى موسكو الأربعاء لترأس وفد مصر في القمة الروسية - الأفريقية (الرئاسة المصرية)
وصول الرئيس السيسي إلى موسكو الأربعاء لترأس وفد مصر في القمة الروسية - الأفريقية (الرئاسة المصرية)
TT

الرئيس المصري: العلاقات مع روسيا تنمو بوتيرة متسارعة

وصول الرئيس السيسي إلى موسكو الأربعاء لترأس وفد مصر في القمة الروسية - الأفريقية (الرئاسة المصرية)
وصول الرئيس السيسي إلى موسكو الأربعاء لترأس وفد مصر في القمة الروسية - الأفريقية (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي «حرص بلاده على توطيد الشراكة الاستراتيجية مع روسيا»، وأشار إلى أن «العلاقات بين مصر وروسيا تنمو بوتيرة متسارعة، وتقوم على مبدأ المنافع المشتركة».

ولفت السيسي خلال محادثات موسعة مع نظيره الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قصر الرئاسة الروسية (الكرملين) على هامش أعمال القمة الروسية - الأفريقية الثالثة، أوردتها تفاصيلها «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، مساء الأربعاء، إلى «أهمية مواصلة التنسيق بين البلدين لتعزيز التعاون في المجالات المختلفة، خاصة المجالات الاقتصادية والتجارية، والموضوعات الخاصة المتعلقة بالحبوب لما لها من أهمية كبيرة».

ووصل السيسي إلى العاصمة الروسية موسكو، الأربعاء، لترأس وفد مصر في القمة الروسية - الأفريقية الثالثة، حيث كان في استقباله لدى الوصول إلى مطار فونوكوفو الدولي، نائب وزير الخارجية الروسي بوريسينكو جورجي، وسفير روسيا بالقاهرة ليوكمانوف أرتو روشانوفيتش، ومدير إدارة المراسم بوزارة الخارجية الروسية بوغداشيف إيغور، وسفير مصر لدى روسيا حمدي شعبان، وأعضاء السفارة المصرية في موسكو.

مشاركة الرئيس السيسي في القمة الروسية - الأفريقية تُعد الثالثة (الرئاسة المصرية)

وقال المتحدث الرسمي للرئاسة المصرية محمد الشناوي، في إفادة، الأربعاء، إن مشاركة الرئيس السيسي في القمة الروسية - الأفريقية تُعد الثالثة، حيث شارك في القمة الأولى التي عقدت بمدينة سوتشي الروسية في أكتوبر (تشرين الأول) 2019 تحت الرئاسة المشتركة للرئيسين المصري والروسي، وذلك خلال فترة تولي مصر رئاسة الاتحاد الأفريقي، كما شارك الرئيس السيسي في أعمال القمة الثانية التي عقدت بمدينة سان بطرسبرغ عام 2023.

وبحسب «وكالة أنباء الشرق الأوسط» شارك الرئيس السيسي، مساء الأربعاء، في حفل استقبال القادة المشاركين في القمة الروسية - الأفريقية، الذي أقامه الرئيس بوتين تكريماً لهم... ومن المقرر أن تنطلق القمة، الخميس، بقصر الكرملين.

وأكد بوتين خلال المحادثات مع السيسي «وجود فرص واسعة لتعزيز العلاقات بين مصر وروسيا»، مشدداً على أن «التعاون بين البلدين يقوم على أساس المصالح والمنافع المشتركة ويشهد تطوراً متسارعاً في مختلف المجالات».

وأشار بوتين، وفق ما أوردته مواقع إخبارية محلية في مصر، مساء الأربعاء، إلى أن العلاقات المصرية - الروسية تتمتع بالاستقرار رغم التوترات التي يشهدها العالم»، لافتاً إلى «تعدد مجالات التعاون المشترك بين البلدين، والفرص المتاحة لدفع الشراكة الثنائية إلى آفاق أوسع».

الرئيس المصري أكد أهمية مواصلة التنسيق بين القاهرة وموسكو لتعزيز التعاون في المجالات المختلفة (الرئاسة المصرية)

وأضاف الرئيس الروسي أن «حجم التبادل التجاري بين مصر وروسيا تجاوز 10 مليارات دولار، بما يعكس تطور العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الجانبين، وأهمية مواصلة العمل على تعزيز التعاون المشترك خلال المرحلة المقبلة».

وحول ما يتعلق بالتعاون في مجال الطاقة، لفت بوتين إلى «مشروع محطة الضبعة النووية بمصر لتوليد الكهرباء باعتباره أحد أبرز مشروعات التعاون الاستراتيجي بين البلدين».

ووقّعت القاهرة وموسكو في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 اتفاق تعاون لإنشاء محطة «الضبعة» بتكلفة تبلغ 25 مليار دولار، قدمتها روسيا قرضاً حكومياً ميسّراً إلى مصر، وفي ديسمبر (كانون الأول) 2017 وقّع البلدان اتفاقات نهائية لبناء المحطة.

وتضم «محطة الضبعة» 4 مفاعلات نووية بقدرة إجمالية 4800 ميغاواط بواقع 1200 ميغاواط لكل مفاعل، ومن المقرَّر أن يبدأ تشغيل المفاعل النووي الأول عام 2028 ثم تشغيل المفاعلات الأخرى تباعاً في عام 2030 بحسب وزارة الكهرباء المصرية.

وأكد الرئيس الروسي، مساء الأربعاء، تنظيم احتفالية كبرى بمناسبة «الوحدة النووية الثانية» بمحطة الضبعة، في إطار التقدم المحرز في تنفيذ المشروع، الذي يمثل محوراً مهماً للتعاون المصري - الروسي في مجال الطاقة النووية السلمية.


الحكومة السودانية تنفي المجاعة وتتهم دولاً بتسييس الأزمة الإنسانية

الحرب تسببت في نزوح الملايين من السودانيين (أ.ب)
الحرب تسببت في نزوح الملايين من السودانيين (أ.ب)
TT

الحكومة السودانية تنفي المجاعة وتتهم دولاً بتسييس الأزمة الإنسانية

الحرب تسببت في نزوح الملايين من السودانيين (أ.ب)
الحرب تسببت في نزوح الملايين من السودانيين (أ.ب)

تصاعد الخلاف بين الحكومة السودانية وأطراف دولية بشأن حجم الأزمة الغذائية في البلاد، بعدما نفت الخرطوم وجود مجاعة، واتهمت دولاً ومنظمات بمحاولة استغلال الأوضاع الإنسانية لفرض هدنة تخدم «قوات الدعم السريع». وأثار الموقف الحكومي انتقادات من تحالف «صمود» المدني، وسط مخاوف من أن ينعكس الخلاف بشأن توصيف الأزمة الإنسانية على الجهود الدولية الرامية إلى وقف الحرب.

وأكدت وزارة الخارجية السودانية، في بيان، الثلاثاء، أن الوضع الغذائي في البلاد «مطمئن»، وأن المخزون الاستراتيجي والعمليات الزراعية الجارية من شأنهما توفير الاحتياجات الغذائية وتحقيق الاستقرار للمجتمعات المحلية، بما يدحض، وفق تعبيرها، المزاعم بشأن حدوث مجاعة. وجاء الموقف السوداني رداً على بيان مشترك أصدرته 32 دولة وشريكاً دولياً، من بينهم الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أوروبية، حذَّروا فيه من تدهور مقلق في الأمن الغذائي بالسودان، ومن احتمال حدوث مجاعة خلال الأشهر المقبلة، ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة لتسهيل وصول المساعدات.

وقالت الخارجية السودانية إن الحكومة ترحب بالدعم الإنساني الذي يقدمه المانحون والمنظمات الدولية، مؤكدة أنها ظلت توفر الغذاء والدواء في أصعب ظروف الحرب، وأن البلاد لم تشهد مجاعة رغم ما تعرضت له من تدمير للبنية التحتية ونهب للمخزون الاستراتيجي وتهجير للسكان من مناطق الإنتاج الزراعي. وأوضحت أن الجهات المختصة شرعت في تقييم آثار شح الأمطار في بعض المناطق؛ نتيجة ظاهرة «النينيو» والتغير المناخي، وبدأت اتخاذ التدابير اللازمة لسد الفجوات الغذائية التي قد تنشأ عنها.

سوق على الحدود بين السودان وجنوب السودان تعرّض لهجوم بطائرات مسيّرة (رويترز)

وأعربت الوزارة عن أسفها لما وصفته بمحاولات بعض الدول والمنظمات توظيف الأوضاع الإنسانية في مناطق بالسودان لخدمة مشروع سياسي، وفرض شروط تسوية تحت مسمى «الهدنة الإنسانية».

واتهمت تلك الأطراف بالسعي إلى إنقاذ «قوات الدعم السريع» من الهزائم العسكرية، ومنحها فرصة لإعادة التسلح والانتشار.

وجددت الحكومة رفضها استخدام المساعدات الإنسانية لتحقيق أهداف سياسية أو تمويل «الدعم السريع» وتقوية قدراتها العسكرية، مؤكدة التزامها بالتعاون مع الوكالات والمنظمات الإنسانية، وبمسؤوليتها عن حماية المدنيين والحفاظ على وحدة البلاد وسيادتها.

وكانت واشنطن ولندن وشركاؤهما حذروا، في بيان مشترك، من أن نحو 19.5 مليون سوداني، يمثلون 41 في المائة من السكان، يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم 5 ملايين شخص في مرحلة الطوارئ. وأشار البيان إلى أن عدد الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد الوخيم قد يتجاوز 825 ألفاً، محذراً من احتمال تضاعف عدد المناطق المهددة بالمجاعة، المقدر حالياً بنحو 14 منطقة. ودعا الموقعون طرفي الحرب إلى إزالة العوائق أمام المساعدات، والسماح بوصولها عبر الحدود وخطوط التماس، بما في ذلك النقل الجوي إلى دارفور، وتسهيل حركة العاملين في المجال الإنساني وحماية المنشآت المدنية.

وفي أحدث موقف بريطاني معلن، حذرت وزيرة الدولة للتنمية الدولية كيرستي ماكنيل، في رد برلماني من خطر تعرض السودان لمجاعة غير مسبوقة منذ أربعة عقود، مشيرة إلى أن الهجمات على البنية التحتية وعرقلة المساعدات والجفاف تفاقم الأزمة. وأوضحت أن بلادها خصصت 146 مليون جنيه إسترليني للمساعدات الإنسانية للسودان خلال العام الحالي، بينها 15 مليوناً لدعم المستجيبين المحليين.

من جانبه، استنكر التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود)، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، بشدة بيان الخارجية السودانية، عادَّاً أن إنكار خطر المجاعة يعكس تنصلاً من المسؤولية عن الكارثة الإنسانية، ومحاولة لاتخاذها ذريعة لرفض الجهود الرامية إلى وقف الحرب. وقال التحالف، في بيان نشره على «فيسبوك»، إن التحذيرات الدولية بشأن تعرُّض نحو 19.5 مليون سوداني لانعدام الأمن الغذائي الحاد تستدعي تحركاً عاجلاً، بدلاً من التشكيك في حجم الأزمة. ودعا المجتمع الدولي إلى اتخاذ تدابير فعالة لفتح المعابر وتأمين الممرات البرية والجوية، وتسهيل عمل المنظمات الإنسانية دون قيود أو تدخل من أطراف القتال. وجدد «صمود» مطالبته بإقرار هدنة إنسانية فورية وغير مشروطة، تتيح حماية المدنيين وإيصال المساعدات، وتمهد لوقف دائم لإطلاق النار واستعادة الحكم المدني الديمقراطي.


المسيّرات توسّع ضرباتها على منشآت الطاقة في السودان

سوق على الحدود بين السودان وجنوب السودان تعرّض لهجوم بطائرات مسيّرة (رويترز)
سوق على الحدود بين السودان وجنوب السودان تعرّض لهجوم بطائرات مسيّرة (رويترز)
TT

المسيّرات توسّع ضرباتها على منشآت الطاقة في السودان

سوق على الحدود بين السودان وجنوب السودان تعرّض لهجوم بطائرات مسيّرة (رويترز)
سوق على الحدود بين السودان وجنوب السودان تعرّض لهجوم بطائرات مسيّرة (رويترز)

واصلت الطائرات المسيّرة، الأربعاء، استهداف منشآت الكهرباء والوقود في مناطق جديدة خاضعة لسيطرة الجيش السوداني، شملت مدينتي المناقل بولاية الجزيرة وهيا بولاية البحر الأحمر، بعد سلسلة هجمات عطّلت محطات تحويل الكهرباء في عدد من الولايات، وأغرقت مناطق واسعة في الظلام. وحذرت الأمم المتحدة من التداعيات الخطيرة لاستهداف منشآت الطاقة على الخدمات الأساسية، فيما قال أمينها العام أنطونيو غوتيريش إن الصراع السوداني تحول من صراع على السلطة إلى «حرب على المدنيين». وفي المقابل.

وفي أحدث الهجمات، استهدفت مسيّرات يُرجح أنها تابعة لـ«الدعم السريع»، فجر الأربعاء، محطة كهرباء المناقل ومنشآت لتخزين الوقود وتوزيعه داخل المدينة. وأعلنت شركة توزيع الكهرباء خروج المحطة عن الخدمة، بينما أفادت مصادر محلية بانقطاع التيار عن المناقل والمناطق المجاورة. وقالت مصادر ميدانية إن فرق الدفاع المدني تمكنت من السيطرة على الحرائق، وسط معلومات متداولة عن تضرر ثلاث محطات وقود ومحوّل كهرباء رئيسي، من دون ورود تقارير عن خسائر بشرية.

وفي هجوم متزامن، تعرضت منشآت الوقود بمدينة هيا في ولاية البحر الأحمر لهجوم بثلاث مسيّرات استهدفت مضخة وقود رئيسية. ووفق معلومات أولية، أخطأت مسيّرتان هدفهما، فيما أصابت الثالثة الموقع من دون إحداث أضرار كبيرة. وتكتسب الهجمات على هيا أهمية خاصة لمرور خط رئيسي لنقل المشتقات النفطية عبر المدينة، يربط ميناء بورتسودان بالخرطوم وعدد من الولايات.

آثار الدمار الذي تعرضت له المحطة التحويلية للكهرباء في الخرطوم (إعلام ولاية الخرطوم)

وجاءت الضربات بعد ساعات من استهداف محطة المرخيات التحويلية شمال غربي أم درمان، ما أدى إلى خروجها عن الخدمة وانقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة في الخرطوم وأجزاء من ولاية نهر النيل. ووصفت وزارة الطاقة والنفط الأضرار بأنها بالغة، وأعلنت بدء تقييم هندسي وفني تمهيداً للإصلاح. وكانت خمس محطات تحويلية في ولايات سنار والقضارف والنيل الأبيض والجزيرة قد تعرضت، الاثنين، لهجمات مماثلة، قالت شركة كهرباء السودان القابضة إنها تسببت في إظلام الشبكة الجنوبية الشرقية وتهديد استقرار الشبكة القومية.

وأفادت مجموعة «محامو الطوارئ» بإصابة اثنين من حراس محطة سنجة، وتضرر محوّل في محطة مشكور ومعدات بمحطة الحواتة، فيما خرجت محطة مصنع سكر الجنيد عن الخدمة. وسبقت هذه الموجة ضربة استهدفت محطة تندلتي بولاية النيل الأبيض في 20 أكتوبر (تشرين الأول)، وأدت إلى تدمير محولين رئيسيين وانقطاع الكهرباء عن تندلتي وأم روابة والأبيض.

تحذيرات أممية من انهيار الخدمات

وأعرب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» عن قلقه إزاء استمرار الهجمات على منشآت الكهرباء، محذراً من انعكاساتها على إمدادات المياه والخدمات الصحية وغيرها من المرافق الحيوية، ومشدداً على ضرورة حماية البنية التحتية المدنية بموجب القانون الدولي الإنساني. وفي موقف يعكس تصاعد القلق الدولي، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في منشور على منصة «إكس»، إن الحرب السودانية تحولت من صراع على السلطة، تغذيه جهات خارجية، إلى حرب على المدنيين. ودعا إلى وقف القتال وحماية السكان وضمان وصول المساعدات الإنسانية، مؤكداً ضرورة الحفاظ على وحدة السودان وسيادته.

وفي السياق، حذر العميد المتقاعد طارق كجاب، المعروف بمواقفه المؤيدة للجيش، من احتمال اتساع انقطاع الكهرباء، مدعياً أن نحو 80 في المائة من منشآتها خرجت عن الخدمة، وأن إصلاح المحولات قد يستغرق أشهراً. غير أنه لم يقدم بيانات فنية تسند تقديراته. وأفاد سكان بعودة التيار تدريجياً، مساء الثلاثاء، إلى بعض أحياء الخرطوم وبحري وشرق النيل، فيما تواصل السلطات حصر الأضرار وإجراء الصيانة.

وفي دارفور، أعلن تحالف «تأسيس» ارتفاع حصيلة ضحايا الغارات التي استهدفت مدينة نيالا إلى 102 قتيل و113 مصاباً، متهماً الجيش السوداني بتنفيذها. وقالت منظمة «أطباء بلا حدود» إن مستشفى نيالا التعليمي، الذي تدعمه، استقبل جثامين 36 شخصاً وأكثر من 150 مصاباً عقب غارة استهدفت سوقاً مكتظة بالسكان غرب المدينة، بينما أصابت غارة ثانية حياً سكنياً. وأوضحت المنظمة أن 21 من القتلى الذين وصلت جثامينهم إلى المستشفى كانوا يرتدون ملابس مدنية، وأن الفرق الطبية واصلت علاج المصابين. وكانت وكالة الصحافة الفرنسية قد نقلت، الثلاثاء، حصيلة أولية بلغت 21 قتيلاً وأكثر من 40 جريحاً، مشيرة إلى تعذر تحديد عدد مقاتلي «الدعم السريع» بين الضحايا.