قمة «العلمين-أفريقيا» في مصر لشراكات استراتيجية أوسع وسط توترات بالقارة

انطلقت بمشاركة 1500 مستثمر

نقاش وزاري حول دور ريادة الأعمال في التنمية الاقتصادية بأفريقيا على هامش المنتدى الجمعة (صفحة مجلس الوزراء المصري على «فيسبوك»)
نقاش وزاري حول دور ريادة الأعمال في التنمية الاقتصادية بأفريقيا على هامش المنتدى الجمعة (صفحة مجلس الوزراء المصري على «فيسبوك»)
TT

قمة «العلمين-أفريقيا» في مصر لشراكات استراتيجية أوسع وسط توترات بالقارة

نقاش وزاري حول دور ريادة الأعمال في التنمية الاقتصادية بأفريقيا على هامش المنتدى الجمعة (صفحة مجلس الوزراء المصري على «فيسبوك»)
نقاش وزاري حول دور ريادة الأعمال في التنمية الاقتصادية بأفريقيا على هامش المنتدى الجمعة (صفحة مجلس الوزراء المصري على «فيسبوك»)

انطلقت الجمعة قمة «العلمين-أفريقيا» في مصر، وسط تطلعات لشراكات استراتيجية في ظل توترات بالقارة. ويعوّل خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» على «المنتدى لفتح مساحات للحوار حول بعض جذور التوترات ووضع حلول استراتيجية لها».

ويشارك في النسخة الأولى من منتدى «العلمين-أفريقيا» للأعمال بالعلمين (شمال غرب مصر) خلال الفترة من 2 إلى 4 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي نحو 1500 من قادة مجتمع الأعمال والمستثمرين الأفارقة.

وأكد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال الجلسة الترحيبية بالمنتدى أن «أفريقيا تقف (اليوم) أمام لحظة مهمة»، مشيراً إلى أن القارة تمتلك موارد طبيعية هائلة، وسوقاً واسعة، وواحداً من أكثر المجتمعات شباباً في العالم، وفرصاً كبيرة في مجالات التصنيع والطاقة والزراعة والتكنولوجيا والخدمات والاقتصاد الرقمي. وأوضح أن هناك إدراكاً لحجم التحديات التي تواجه جهود التنمية، سواء ما يتعلق بتوفير التمويل، أو تطوير البنية الأساسية، أو ارتفاع تكلفة رأس المال، أو الحاجة إلى تعزيز الربط بين الأسواق، وإزالة الحواجز التي لا تزال تحد من حركة التجارة والاستثمار داخل القارة. وأشار مدبولي إلى أن القارة «تلتقي (اليوم) في وقت تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والتكنولوجية على المستوى العالمي، وتُعاد فيه صياغة سلاسل الإمداد ومراكز الإنتاج والتجارة والاستثمار»، مؤكداً أن هذه التحولات تفرض على الجميع أن ينظر إلى أفريقيا ليس فقط باعتبارها قارة تواجه تحديات تنموية، وإنما باعتبارها أيضاً قارة تقدم فرصاً حقيقية، وتمتلك القدرة على أن تكون جزءاً فاعلاً من الاقتصاد العالمي الجديد.

من جانبه، أكد وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية المصري أحمد رستم أن «أفريقيا تمثل أولوية استراتيجية قصوى»، داعياً إلى «تغيير النظرة التقليدية للقارة من مجرد أسواق تصديرية والتعامل معها كمنظومة اقتصادية متكاملة». وطرح خلال جلسة «ريادة الأعمال في أفريقيا» مبادرة لتطوير نموذج «الابتكار المشترك» بين رواد الأعمال المصريين والأفارقة، والذي يعتمد على تبادل التكنولوجيا وبناء سلاسل قيمة إقليمية عابرة للحدود. وأضاف أن «تفعيل اتفاقية التجارة الحرة القارية» يتطلب توسيع دور رأسمال المخاطر القادر على تحمل تحديات الاستثمار في القارة.

في حين أشار وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال فعالية «من الصمود إلى التعافي» على هامش المنتدى، إلى أن «القارة الأفريقية تمتلك إمكانات اقتصادية وبشرية وموارد طبيعية هائلة بما يؤهلها لتحقيق معدلات أعلى من النمو والتنمية»، وشدد على «أهمية الانتقال من مرحلة تحديد الأولويات وصياغة الأطر إلى مرحلة التنفيذ الفعلي للمشروعات، وحشد الموارد والاستثمارات اللازمة لتحويل الخطط التنموية إلى نتائج ملموسة تنعكس بصورة مباشرة على شعوب القارة استفادة من اتفاقية التجارة الحرة القارية».

مشاركون في منتدى «العلمين-أفريقيا» الجمعة (صفحة مجلس الوزراء المصري على «فيسبوك»)

وأشار عبد العاطي إلى أن «تعزيز التكامل الاقتصادي الأفريقي يمثل أحد المسارات الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة، من خلال ربط الأسواق وتطوير سلاسل القيمة الإقليمية وزيادة معدلات التجارة والاستثمار البيني»، مؤكداً «أهمية بناء شراكات أكثر فاعلية بين الحكومات ومؤسسات التمويل والقطاع الخاص، وتهيئة بيئة مواتية تمكن رواد الأعمال والشركات الأفريقية من التوسع والنمو والاستفادة من الفرص المتاحة في مختلف أسواق القارة».

ووفق إفادة لوزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، الجمعة، فإن «حجم الاقتصاد الأفريقي يُقدر بنحو 3.6 تريليون دولار، ورغم أن القارة تضم نحو خُمس سكان العالم فإن حصتها من التجارة العالمية لا تتجاوز 1.5 في المائة، إلى جانب محدودية تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر مقارنة بإمكاناتها».

أستاذة العلوم السياسية، الخبيرة في الشؤون الأفريقية نجلاء مرعي، ترى أن «هدف المنتدى هو تحويل خطط التنمية القارية لمشروعات ملموسة، وتعزيز التكامل الاقتصادي والتجارة البينية بين دول القارة».

وتقول إن «القمة منصة استراتيجية لتعزيز الشراكات الاستراتيجية بين الشركات المصرية ونظيراتها الأفريقية، وهناك تأسيس لبعض الآليات التي سيسهم فيها المنتدى بشكل عملي في دفع وتطوير هذه الشراكات».

إحدى فعاليات قمة «العلمين-أفريقيا» الجمعة (صفحة مجلس الوزراء المصري على «فيسبوك»)

وحول رسائل «القمة»، توضح مرعي أنها تتمثل في «التأكيد على أن أفريقيا قادرة على قيادة النمو الذاتي بغض النظر عن علاقاتها مع القوى الدولية؛ لأن القارة تمتلك مقومات ضخمة للاستثمار، ولديها مستثمرون قادرون على توجيه الثروات لمشروعات تجارية واعدة».

وتضيف أن «أهم رسالة أن أفريقيا لم تعد تريد أن تظل مجرد ساحة للتنافس الدولي أو مصدراً للمواد الخام، بل تسعى إلى أن تكون شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبلها الاقتصادي من خلال التصنيع وتوسيع التجارة البينية وبناء سلاسل إمداد إقليمية أكثر مرونة».

من جهته، يرى خبير الشؤون الأفريقية رامي زهدي أن «مشاركة نحو 1500 مستثمر ومشارك تعكس حجم الاهتمام بالفرص الاقتصادية الأفريقية، وتؤكد أن القارة باتت حاضرة بقوة على أجندة الاستثمار الدولي والإقليمي»، لكنه يوضح أن «حجم الحضور مهما كان كبيراً ليس معيار النجاح النهائي، والمعيار الحقيقي هو عدد الاتفاقات التي تتحول إلى مشروعات، وحجم التمويلات التي تدخل حيز التنفيذ».

بالنسبة لمصر، فإن استضافة المنتدى تحمل رسالة واضحة بأن «القاهرة تسعى إلى تعزيز دورها كحلقة وصل بين الأسواق ورؤوس الأموال والمشروعات الأفريقية»، بحسب زهدي الذي قال إن المنتدى فرصة للانتقال بالعلاقات الاقتصادية المصرية-الأفريقية من مستوى الاتفاقيات والتفاهمات الرسمية إلى شراكات مباشرة بين الشركات.

ويضيف: «تكمن أهمية المنتدى في جمع المستثمرين وصُنّاع القرار وممثلي القطاع الخاص، بما يتيح التعرف على احتياجات الأسواق الأفريقية، وبناء تحالفات إنتاجية وتجارية عابرة للحدود، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية، بالتوازي مع جذب الاستثمارات الأفريقية إلى مصر».

ووفق زهدي، فإنه «لا يمكن فصل الاقتصاد عن الأمن والاستقرار السياسي، لكن من الخطأ تعليق فرص التنمية الأفريقية بالكامل على انتهاء الصراعات، فالقارة تواجه تحديات أمنية ونزاعات مسلحة واضطرابات في سلاسل الإمداد، لكنها في الوقت نفسه تمتلك أسواقاً واعدة، وموارد ضخمة، وفرصاً استثمارية هائلة».

توقيع أحد المشروعات على هامش المنتدى الجمعة (صفحة مجلس الوزراء المصري على «فيسبوك»)

وبحسب مجلس الوزراء المصري، شهد وزير الاستثمار والتجارة الخارجية محمد فريد صالح، الجمعة، توقيع اتفاقية مشروع بين مجموعة «العربي» وشركة «Malben Engineering» الجنوب أفريقية لـ«دعم تطوير سلاسل إمداد قطاع السيارات وتعميق التصنيع المحلي لمكوناته، إلى جانب استكشاف فرص التوسع في الأسواق الأفريقية».

وأكد صالح أن «الشراكات بين الشركات المصرية ونظيراتها الأفريقية تمثل أحد المسارات المهمة لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين دول القارة». وقال إن المنتدى يستهدف النفاذ إلى أسواق منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، وتحويل الإمكانات الصناعية للقارة إلى استثمارات ومشروعات قابلة للتمويل، وسلاسل إمداد إقليمية متكاملة.

وبشأن إمكانية طرح «القمة» حلولاً للتوترات بالقارة، يرى زهدي أنه «رغم أن المنتدى اقتصادي في المقام الأول، فإنه ينعقد في سياق أفريقي لا يمكن فيه عزل الاقتصاد عن السياسة والأمن، ولذلك يمكن أن يفتح مساحات للحوار حول بعض جذور التوترات المرتبطة بالتنافس على الموارد والممرات التجارية والمياه والطاقة، والتحديات التي تعوق التعاون الإقليمي».

ويتابع أن «المشروعات وشبكات الربط الكهربائي والنقل والتجارة الإقليمية يمكن أن تتحول إلى أدوات لبناء الثقة وخلق مصالح متبادلة تجعل الاستقرار خياراً ذا عائد اقتصادي مباشر على الدول والشعوب».

ولم تستبعد مرعي أن يطرح المنتدى حلولاً استراتيجية للتوترات الأفريقية تربط بين الاستقرار السياسي وجهود إعادة الإعمار والتنمية في مناطق النزاع.

وتقول إن المنتدى يهدف إلى «تنفيذ مشروعات رغم التوترات بالقارة»، وترجح أن يتبنى المنتدى «نقل الخطابات السياسية إلى مشروعات تنفذ على الأرض رغم التوترات، عبر مشاركة مستثمرين وشركات ستوفر ضمانات تمويلية للمشروعات العابرة للحدود، وهذا سيقلل مخاطر الاستثمار في المناطق المضطربة».


مقالات ذات صلة

إغلاق السفارة الهولندية في القاهرة «حتى إشعار آخر»

شمال افريقيا إحدى الفعاليات التي نظمتها السفارة الهولندية في القاهرة خلال يونيو الماضي (السفارة الهولندية بالقاهرة)

إغلاق السفارة الهولندية في القاهرة «حتى إشعار آخر»

أعلنت السفارة الهولندية في القاهرة «إغلاق أبوابها حتى إشعار آخر»، وقالت إن «وزارة الخارجية الهولندية اتخذت هذا القرار في ضوء المظاهرات التي يتم تنظيمها أمامها».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا  جلسة حول أزمة الطاقة في» منتدى مصر» الخميس 22 أكتوبر2026 (رئاسة الوزراء المصرية)

موازنة الطاقة تضغط على الحكومة المصرية... فهل ترفع أسعار الوقود؟

وضعت الحكومة المصرية الخميس، مواطنيها، أمام عدة خيارات «صعبة» في مواجهة ارتفاعات أسعار الطاقة عالمياً، بالتوازي مع تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا إحدى الكنائس الأرثوذكسية في القاهرة (كنيسة السيدة العذراء مريم الأثرية)

القبض على متهم بإشعال حريق في كنيسة بالجيزة

ألقت الأجهزة الأمنية في مصر، الخميس، القبض على متهم بإشعال حريق في كنيسة «السيدة العذراء» بمحافظة الجيزة (جنوب القاهرة).

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس السيسي خلال مشاركته في «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)

«سد النهضة»: اتهامات مصرية متجددة وسط جمود المفاوضات

اتهامات مصرية تتواصل صوب «سد النهضة» الإثيوبي، والإجراءات التي تتخذها أديس أبابا في هذا المسار الذي تجمَّدت مفاوضاته منذ 2024.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)

الاتفاقية البحرية بين ليبيا وتركيا... قضية خلافية لا تهدد العلاقات بين القاهرة وأنقرة

على الرغم من أن مصر وتركيا قطعتا شوطاً كبيراً خلال السنوات الماضية على طريق التقارب والتعاون، برزت مؤخراً إلى السطح قضية الخلاف حول «الاتفاق التركي - الليبي».

هشام المياني (القاهرة)

«المركزي» الليبي يفتح جبهة جديدة في الصراع على قيادة المؤسسات السيادية

مقر مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (رويترز)
مقر مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (رويترز)
TT

«المركزي» الليبي يفتح جبهة جديدة في الصراع على قيادة المؤسسات السيادية

مقر مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (رويترز)
مقر مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (رويترز)

عاد مصرف ليبيا المركزي إلى واجهة الصراع على قيادة المؤسسات السيادية في ليبيا، بعدما قبلت هيئة رئاسة مجلس النواب استقالة المحافظ ناجي عيسى، وقررت تكليف عضو بمجلس إدارة المصرف بتسيير مهامه مؤقتاً، في خطوة رفضها المجلس الأعلى للدولة، وأثارت اعتراض المصرف نفسه.

وتأتي هذه الخطوة غداة اقتحام مسلحين مقر ديوان المحاسبة في طرابلس، أكبر جهاز رقابي في ليبيا، في محاولة لتمكين مسؤول من تولي منصب وكيل الديوان، بما يعيد استقلال المؤسسات السيادية والرقابية إلى واجهة الانقسام الليبي، ويثير تساؤلات حول قدرتها على مقاومة ضغوط صراعات التعيينات والقيادة.

ناجي عيسى محافظ المصرف المركزي الليبي المقبول استقالته من البرلمان (صفحة المركزي)

وعلى الرغم من مرور نحو عامين على أزمة الإطاحة بالمحافظ السابق الصديق الكبير، عادت الخلافات بشأن قيادة المصرف إلى الواجهة، مع إعلان هيئة رئاسة مجلس النواب، الخميس، قبول استقالة عيسى مبدئياً، وإحالة الأمر إلى المجلس في جلسته المقبلة لاتخاذ القرار النهائي وفقاً للتشريعات النافذة، إلى جانب تكليف فوزي مصباح أبو خزام، عضو مجلس الإدارة، بتسيير مهام المحافظ.

وفي مؤشر على بدء تنفيذ القرار، تداولت وسائل إعلام محلية محضر تسليم وتسلم مهام المحافظ، قالت إنه وُقّع من لجنة تضم أعضاء في مجلسي النواب والأعلى للدولة. وأظهرت تسجيلات مصورة وصول أبو خزام إلى مقر المصرف، وسط استمرار الخلاف بشأن قانونية الإجراء.

غير أن إدارة المصرف المركزي، التي قُبلت استقالتها، أبدت اعتراضاً صريحاً على ما جرى، وأعربت في بيان نشرته عبر الصفحة الرسمية للمصرف على «فيسبوك»، عن «بالغ استنكارها» لدخول قوة وأطراف أخرى إلى المقر، وانتهاك حرمة مكتب المحافظ في غيابه.

وعدّت الإدارة التابعة لناجي عيسى الواقعة تجاوزاً للأصول المؤسسية والإدارية، وإخلالاً بواجب احترام مقاره وصون حرمتها، محمّلاً الجهات التي شاركت فيها أو أسهمت فيها مسؤولية تداعياتها، وفي مقدمتها وزارة الدفاع، بالنظر إلى مسؤوليتها عن حماية المقر وتأمينه.

وفي تصعيد للموقف، أكدت الإدارة التابعة لناجي عيسى عدم تحمله المسؤولية عن الإجراءات، أو التصرفات التي ترتبت على دخول المقر، متمسكاً بحقه في اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لحماية مقاره ومكاتبه ووثائقه، ومساءلة المسؤولين عن الواقعة.

رئيس مجلس النواب الليبي الصالحين عبد النبي خلال لقاء مع رئيس مجلس التخطيط الوطني في بنغازي الخميس (مجلس النواب)

وعلى المسار السياسي، أعلن المجلس الأعلى للدولة رفضه الإجراء، الذي اتخذته هيئة رئاسة مجلس النواب، إذ وجّه النائب الأول لرئيس المجلس، ناجي مختار علي، مراسلة رسمية إلى المحافظ، أكد فيها الاعتراض على قبول الاستقالة، وتكليف أحد أعضاء مجلس الإدارة بتسيير مهامه مؤقتاً.

وتعود بداية الأزمة الحالية إلى أغسطس (آب) الماضي، عندما أعلن عيسى استقالته من منصبه، من دون الكشف عن أسبابها، مكتفياً بالإشارة، في رسالة وجّهها إلى مجلسي النواب والأعلى للدولة، إلى «حساسية» تلك الأسباب، غير أن مصادر مقربة من المحافظ (المقبول استقالته) ربطت عدوله عن الاستقالة بتسريع تنفيذ اتفاق الإنفاق الموحد، ووقف زيادات الرواتب غير المتناسبة مع الإيرادات، وإقرار إجراءات للحد من تهريب السلع والمحروقات وحماية الاحتياطيات، وهي ملفات ترتبط مباشرة باستقرار المالية العامة وإدارة الموارد.

ومن وجهة نظر اقتصادية، رأى علي الشريف، أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، أن قبول الاستقالة مبدئياً كان ينبغي أن يعقبه استدعاء المحافظ، والاستماع إلى الأسباب التي دفعته إلى تقديمها، بدلاً من اتخاذ قرار متسرع قبل تحديد طبيعة الأزمة.

من جلسة سابقة للمجلس الأعلى للدولة (المجلس)

وحذّر الشريف من أن استمرار الأسباب، التي دفعت عيسى إلى الاستقالة، سيُبقي تداعياتها قائمة، حتى لو جرى تغيير أكثر من محافظ، مشيراً إلى أن معالجة الأزمة تتطلب التعامل مع مسبباتها، لا الاكتفاء بتغيير المسؤول عن إدارة المصرف.

ويأتي تجدد الخلاف في سياق انقسام سياسي ومؤسسي مستمر منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، مع وجود سلطات متنافسة في شرق البلاد وغربها، وتكرار النزاعات بشأن إدارة المؤسسات العامة وتعيين قياداتها، وسط تعثر جهود توحيد مؤسسات الدولة.

وجاء تعيين عيسى عام 2024 ثمرة لاتفاق بين مجلسي النواب والأعلى للدولة، في محاولة لإنهاء أزمة السيطرة على المصرف المركزي، التي انتهت بإطاحة المحافظ السابق الصديق الكبير، بعد تصاعد الخلاف بشأن صلاحيات التعيين وإدارة المؤسسة النقدية.

وتفجرت الأزمة آنذاك بعدما قرر المجلس الرئاسي تغيير الكبير، وتعيين محافظ جديد، في خطوة رفضها مجلس النواب، قبل أن يتصاعد النزاع إلى إغلاق حقول نفطية وتعطل الإنتاج، وصولاً إلى اتفاق برعاية أممية لاختيار قيادة جديدة للمصرف.

وغير بعيد عن الصراع على قيادة المؤسسات السيادية، استمر توقف العمل في ديوان المحاسبة في طرابلس، الخميس، بعدما حاول مسلحون تمكين مسؤول من تولي منصب وكيل الديوان، وفق وصف المؤسسة الرقابية، التي أعلنت تعليق العمل عقب الواقعة إلى حين توافر الظروف المناسبة والآمنة لمباشرة مهامه الرقابية

واتسعت دائرة الإدانات الدولية لاقتحام مقر ديوان المحاسبة، إذ أدانت بعثة الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا و27 بعثة دبلوماسية، الخميس، هذا التصرف، داعية إلى إنهاء الوجود المسلح ومغادرة المقر دون تأخير، وتسوية الخلافات بشأن التعيينات القيادية عبر الإجراءات القانونية والمؤسسية.

وسبق الموقف الأوروبي، الأربعاء، تعبير الولايات المتحدة عن قلقها إزاء وجود قوات مسلحة داخل مقر ديوان المحاسبة، مؤكدة أن استقلال المؤسسات الليبية «أمر بالغ الأهمية»، وأنه ينبغي أن تتمكن من أداء مهامها بعيداً عن الترهيب والتهديدات الجسدية.

وتعيد التطورات الأخيرة ملف حماية المؤسسات السيادية والرقابية إلى صدارة المشهد الليبي، مع تزامن النزاع على قيادة المصرف المركزي، والخلاف على المناصب داخل ديوان المحاسبة، بما يضع قدرة التفاهمات السياسية على تحييد هذه المؤسسات عن صراعات النفوذ أمام اختبار جديد.


إغلاق السفارة الهولندية في القاهرة «حتى إشعار آخر»

إحدى الفعاليات التي نظمتها السفارة الهولندية في القاهرة خلال يونيو الماضي (السفارة الهولندية بالقاهرة)
إحدى الفعاليات التي نظمتها السفارة الهولندية في القاهرة خلال يونيو الماضي (السفارة الهولندية بالقاهرة)
TT

إغلاق السفارة الهولندية في القاهرة «حتى إشعار آخر»

إحدى الفعاليات التي نظمتها السفارة الهولندية في القاهرة خلال يونيو الماضي (السفارة الهولندية بالقاهرة)
إحدى الفعاليات التي نظمتها السفارة الهولندية في القاهرة خلال يونيو الماضي (السفارة الهولندية بالقاهرة)

أعلنت السفارة الهولندية في القاهرة «إغلاق أبوابها حتى إشعار آخر». وقالت، في بيان الخميس، إن «وزارة الخارجية الهولندية اتخذت هذا القرار في ضوء المظاهرات التي يتم تنظيمها أمام مبنى السفارة».

وأشارت السفارة، بحسب البيان، إلى أنه «سيتم التواصل مع الأشخاص الذين لديهم مواعيد مسبقة في السفارة، وإخطارهم في أقرب وقت ممكن بإعادة جدولة مواعيدهم»، مؤكدة أن «هذا الإغلاق المؤقت لا يؤثر على الخدمات التي تقدمها الشركة المتخصصة بإجراءات التقديم على التأشيرات في القاهرة».

ويأتي هذا التصعيد من جانب هولندا عقب تجدد التوترات الدبلوماسية مع القاهرة على خلفية توقيف الناشط أحمد ناصر نائب رئيس «اتحاد شباب المصريين بالخارج»، وزميل له في هولندا، وما سببه ذلك من تداعيات واحتجاجات أمام مبنى السفارة في حي الزمالك بالقاهرة.

وجاء توقيف ناصر وزميله، في الحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، خلال توجههما للمشاركة في مظاهرة مؤيدة للحكومة المصرية أمام مقر سفارتها في لاهاي، شارك فيها عشرات من أبناء الجاليات المصرية بأوروبا لإظهار «دعمهم لموظفي السفارة»، عقب مظاهرة مناهضة للحكومة نظمها الناشط المعارض أنس حبيب أمام مقرها في 4 أكتوبر الحالي.

وإثر توقيف ناصر وزميله أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالاً هاتفياً بنظيره الهولندي توم بيريندسن، الأسبوع الماضي، طالبه خلاله بـ«معرفة ملابسات التوقيف وسرعة الإفراج عن المواطن المصري».

وأكد بحسب بيان لوزارة الخارجية آنذاك «الأهمية القصوى لتوفير الحماية اللازمة والكافية لمقر السفارة المصرية في لاهاي، واحترام الالتزامات المنصوص عليها في اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، وربط ذلك بمبدأ المعاملة بالمثل»، مشيراً إلى «حرص السلطات المصرية على حماية جميع البعثات الدبلوماسية الموجودة في مصر».

كما امتدّت تداعيات المسألة إلى البرلمان حيث دعا رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب طارق رضوان إلى «توضيح الأساس القانوني للإجراءات المتخذة بحق ناصر وضمان حقوقه»، مطالباً أمستردام بالإفراج عنه وعن زميله.

وامتدت التداعيات إلى محيط السفارة الهولندية في القاهرة حيث احتشد العشرات أمام السفارة للمطالبة بالإفراج عن ناصر، وكرروا الاحتجاج لعدة أيام، وسط مخاوف من تجدد التوترات الدبلوماسية بين القاهرة وأمستردام على خلفية «مظاهرات السفارات» التي جرت في وقت سابق.

وشهد العام الماضي حملة تظاهر أمام سفارات وبعثات دبلوماسية مصرية في الخارج والدعوة لإغلاقها، قام فيها المعارض المصري أنس حبيب نفسه بزعم أن القاهرة «تعرقل دخول المساعدات إلى غزة»، وهو ما نفته مصر مراراً، مُوجّهة أصابع الاتهام إلى تنظيم «الإخوان» بالوقوف وراء الحملة التي تطورت إلى احتجاجات أمام سفاراتها لدى عدة دول.


موازنة الطاقة تضغط على الحكومة المصرية... فهل ترفع أسعار الوقود؟

 جلسة حول أزمة الطاقة في» منتدى مصر» الخميس 22 أكتوبر2026 (رئاسة الوزراء المصرية)
جلسة حول أزمة الطاقة في» منتدى مصر» الخميس 22 أكتوبر2026 (رئاسة الوزراء المصرية)
TT

موازنة الطاقة تضغط على الحكومة المصرية... فهل ترفع أسعار الوقود؟

 جلسة حول أزمة الطاقة في» منتدى مصر» الخميس 22 أكتوبر2026 (رئاسة الوزراء المصرية)
جلسة حول أزمة الطاقة في» منتدى مصر» الخميس 22 أكتوبر2026 (رئاسة الوزراء المصرية)

وضعت الحكومة المصرية، الخميس، مواطنيها، أمام عدة خيارات «صعبة» في مواجهة ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، بالتوازي مع تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار، متخطياً الـ55 جنيهاً، ومن بين هذه الخيارات رفع أسعار المحروقات.

وكانت لجنة تسعير الطاقة الحكومية، أعلنت الخميس الماضي، تثبيت أسعار المحروقات، دون زيادة جديدة، ما هدأ مخاوف المصريين من استقبال موجات جديدة من زيادات الأسعار، غير أن التطورات الإقليمية المتلاحقة «بما في ذلك زيادة سعر برميل النفط على القيمة التي اتخذت اللجنة بموجبها قرارها الأسبوع الماضي، والارتفاع المتزايد لقيمة الدولار أمام الجنيه، جعلت كل السيناريوهات واردة بما في ذلك التراجع عن قرار التثبيت، وزيادة الأسعار لاحتواء الزيادات العالمية» حسب توقعات الخبير الاقتصادي وائل النحاس.

وقفز سعر النفط عالمياً نحو 6 في المائة خلال أسبوع، من نحو 105 دولارات للبرميل ليتخطى 110 دولارات.

ولم تعلن الحكومة صراحة خلال الجلسة الخاصة بمناقشة ملف الطاقة، في «منتدى مصر»، الخميس، نيتها تحميل المواطن كلفة الزيادة في أسعار الطاقة عالمياً، لكنها لم تظهر سيناريو يستبعد ذلك في وقت استعرض الرئيس عبد الفتاح السيسي الأعباء الكبيرة التي تحملتها الدولة لتوفير الطاقة منذ عام 2013.

وقرأ مراقبون هذه التصريحات باعتبارها تمهيداً لقرار وشيك برفع أسعار المحروقات مرة ثانية خلال هذا العام، بعدما زادت أسعارها بنسبة تتراوح بين 14 إلى 30 في المائة مارس (آذار) الماضي، لكن آخرين استبعدوا ذلك، متوقعين أن تُبقي الحكومة على الأسعار الحالية حتى نهاية العام، على أن تأتي الزيادة مع بداية العام المقبل، وذلك «لأسباب سياسية واجتماعية واقتصادية» وفق أستاذ الاقتصاد علي الإدريسي.

وأوضح السيسي خلال المنتدى، الخميس، أن الدولة تتحمل الجزء الأكبر من تكلفة الطاقة الحقيقية التي يتم توفيرها في ظل ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، لافتاً إلى «أهمية توفر الوعي لدى الرأي العام المصري بذلك»، قائلاً: «أسعار المواد البترولية والكهرباء الحالية غير اقتصادية على الإطلاق، ونبيعها بأقل من تكلفتها الحقيقية».

وأضاف أن «التكاليف الحالية تفوق قدرة الدولة، والتحدي أمامنا هو حجم التمويل المطلوب ومصادر توفيره... ما يهمني أن يعرف المواطن حجم التكلفة وأعباء التحديات الجيوسياسية»، مشدداً على أن أزمة الطاقة عالمية «والتحدي أكبر من الحكومة والرئيس، لكنه ليس أكبر من المواطن، وأنا حريص على تشكيل رأي عام واعٍ».

وتبلغ قيمة دعم الطاقة في الموازنة العامة للدولة 120 مليار جنيه وفق تصريحات سابقة لوزير المالية.

مصر أمام خيارات صعبة لمواجهة أزمة الطاقة (رئاسة الوزراء المصرية)

وشرح رئيس الوزراء المصري، أزمة الطاقة حالياً في أن «الموازنة بنيت على سعر 75 دولاراً لبرميل النفط، بينما ارتفع حالياً إلى نحو 110 دولارات، وتضاعفت كلفة شحنات الطاقة المستوردة مقارنة بما قبل عامين»، عارضاً خيارات الحكومة للتعامل مع الأزمة، وأولها «تحميل المواطن الزيادة كاملة، كما حدث في دول نامية ومتقدمة».

ويرى أستاذ الاقتصاد علي الإدريسي، «أن كلفة هذا الخيار كبيرة، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي والسياسي»، موضحاً «الأسعار في بعض السلع مثل الأجهزة الكهربائية والسيارات وغيرها زادت بالفعل مع زيادة قيمة الدولار، والمواطن لن يتحمل عبء زيادة أسعار المحروقات، التي تؤدي بشكل مباشر إلى زيادة جميع أسعار السلع والخدمات تقريباً، والحكومة لهذا السبب قررت قبل أسبوع تجنب هذا الخيار وتثبيت الأسعار لنهاية العام».

وشرح مدبولي الخيار الثاني في مواجهة أزمة الطاقة «بتحمل الدولة بالكامل قيمة الزيادات، بينما لا تملك الموارد الكافية، ما قد يجبرها على الاقتراض»، وتوسع في شرح مخاطر هذا الخيار، وما قد تتعرض له الحكومة من انتقادات فيه، خصوصاً أن تكلفته ستتحملها الأجيال القادمة في صورة فوائد الدين. أما الخيار الثالث، الذي يرى الخبير الاقتصادي وائل النحاس، أن الحكومة بدأت فيه بالفعل بصورة غير معلنة، فهو «تخفيف الأحمال».

وقال مدبولي، إن «نقص الموارد قد يفرض تخفيف أحمال الكهرباء بين 6 و8 ساعات يومياً، ونجتمع أسبوعيا مع المجموعة الاقتصادية ومحافظ البنك المركزي لتدبير تمويل الشحنات».

وعلق النحاس أن «الكهرباء بالفعل تقطع مرتين بشكل يومي في بعض المناطق، ما قد يشير إلى بدء سيناريو تخفيف الأحمال، خصوصاً أن انقطاع الكهرباء ليس معتاداً في هذا التوقيت من العام»، متوقعاً أن تلجأ الحكومة للخيارين الأول والثالث خلال الفترة المقبلة.

قلق في مصر من قرار جديد بزيادة أسعار المحروقات (وزارة النقل المصرية)

وانتقد عضو مجلس النواب (البرلمان) عن الحزب «المصري الديمقراطي» المعارض، إيهاب منصور، عرض الحكومة للأزمة «دون حتى مشاركة المواطنين في الحل»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الحكومة «مطالبة بالبحث عن حلول لا تُحمل المواطن أعباء اقتصادية جديدة تضاف إلى الأعباء الكثيرة التي يتحملها بالفعل، أو باتخاذ قرار مثل تخفيف الأحمال الذي له كلفة اقتصادية ويؤثر سلباً على كثير من الأنشطة والمجالات»، متسائلاً باستنكار: «إذا لم نلجأ لتخفيف الأحمال في فصل الصيف حين تتزايد الأحمال بشكل كبير، فهل نلجأ إليه الآن؟».

ويميل منصور إلى الإدريسي في استبعاده زيادة أسعار المحروقات على الأقل حتى نهاية العام الحالي، ورأى الأخير «أن الدولة ستوفر الموارد سواء من الاحتياطي أو غيره، لتوفير التكلفة دون أن تحملها للمواطن».

وبينما استعرضت الحكومة الموقف المتأزم الحالي، أشارت إلى حلول مستقبلية ستقوض أزمات هذا الملف عبر «الطاقة المتجددة». وقال مدبولي: «رفعنا مستهدف الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة إلى 45 في المائة بحلول 2028 بدلاً من 42 في المائة بـ2030، ونستهدف 50 في المائة بحلول 2030، مع توفير 200 مليار جنيه لتطوير الشبكات».