تطورات متسارعة للحرب الإثيوبية تضع القرن الأفريقي أمام سيناريوهات مفتوحة

بعد قطع العلاقات بين أديس أبابا وأسمرة

دبابة إريترية متضررة بالقرب من بلدة ويكرو شمال إثيوبيا (رويترز)
دبابة إريترية متضررة بالقرب من بلدة ويكرو شمال إثيوبيا (رويترز)
TT

تطورات متسارعة للحرب الإثيوبية تضع القرن الأفريقي أمام سيناريوهات مفتوحة

دبابة إريترية متضررة بالقرب من بلدة ويكرو شمال إثيوبيا (رويترز)
دبابة إريترية متضررة بالقرب من بلدة ويكرو شمال إثيوبيا (رويترز)

تشهد منطقة القرن الأفريقي تطوراً مع توسع الحرب الإثيوبية لأبعاد إقليمية، عقب اتهام أديس أبابا لأسمرة، بالتدخل في الصراع الحالي الدائر بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» المعارضة، قبل أن تتطور الأمور لقطع العلاقات الدبلوماسية وطرد دبلوماسيين.

تلك التطورات المتسارعة التي تزيد من موجات التوتر المحتدم بين البلدين منذ نحو 3 أعوام، يراها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» تضع منطقة القرن الأفريقي أمام سيناريوهات مفتوحة أولها اتساع الحرب لتشمل إريتريا أو تدخل واشنطن بوساطة لمنع تدهور المنطقة.

وبلغت التوترات القائمة منذ فترة طويلة بين البلدين الجارين، مرحلة حرجة عقب اندلاع اشتباكات عنيفة الأسبوع الماضي بين القوات الإثيوبية و«جبهة تحرير شعب تيغراي»، ما أثار مخاوف من تجدد الحرب الأهلية المدمرة في إثيوبيا التي دارت بين عامي 2020 و2022 وأودت بما يقدر بنحو 600 ألف شخص، بحسب «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقطعت إثيوبيا وإريتريا العلاقات الدبلوماسية بينهما، الخميس، وتبادل الطرفان الاتهامات بتأجيج الصراعات الداخلية في ظل استمرار القتال في شمال إثيوبيا، واتهمت أديس أبابا جارتها أسمرة بدعم جبهة تحرير شعب تيغراي.

وأعلنت إثيوبيا أنها ستطرد عشرة دبلوماسيين إريتريين «يشكلون تهديداً مباشراً للأمن القومي الإثيوبي»، وأنها ستغلق سفارتها في أسمرة. فيما ردت وزارة الخارجية الإريترية بأنها «لا تملك خياراً سوى الرد بالمثل وقطع جميع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا».

وأكدت «الخارجية» في بيان، مساء الخميس، أن إثيوبيا «تتبنى نهجاً عدائياً متواصلاً ضد إريتريا منذ ثلاث سنوات، سعياً للحصول على منفذ سيادي بحري من خلال غزو الموانئ والمناطق الساحلية الإريترية ذات السيادة».

ونالت إريتريا استقلالها عن إثيوبيا عام 1993، وبموجبه صارت إثيوبيا بلا منفذ بحري، ودخل البلدان في حرب حدودية بين عامي 1998 و2000، لكن العلاقات تحسنت بينهما عندما تولى آبي أحمد رئاسة الحكومة عام 2018، حتى إنهما قاتلا معاً ضد قوات تيغراي خلال الحرب الأهلية في 2020- 2022.

غير أن العلاقات تدهورت بشكل حاد بعدها، إذ أبدت إريتريا مخاوف من أن إثيوبيا التي تفتقر إلى منفذ بحري، تعتزم غزوها والاستيلاء على منفذ إلى البحر الأحمر.

ويعتقد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد حجازي، أن«القرن الأفريقي أمام لحظة شديدة الحساسية، لأن ما يجري لم يعد مجرد خلاف دبلوماسي عابر، وإنما تزامن خطير بين تصاعد القتال داخل إثيوبيا، والانهيار المفاجئ للعلاقات الإثيوبية - الإريترية».

وحذر من أن هذه التطورات المتسارعة «تفتح الباب أمام احتمالات يصعب التكهن بمدى اتساعها، خاصة أن هذه الملفات تتصل مباشرة بأمن البحر الأحمر، والسودان، وأمن القرن الأفريقي، وأمن مياه النيل».

وذلك الموقف الإثيوبي يُعد بحسب حجازي، دليلاً على أن «البيئة الأمنية والسياسية المحيطة بإثيوبيا أصبحت أكثر هشاشة من أي وقت مضى»، مؤكداً أن «أخطر ما في الوضع الراهن هو احتمال أن تتحول الأزمة الداخلية الإثيوبية إلى صراع إقليمي بالوكالة، وأن تنتقل المواجهة من البيانات والاتهامات والطرد الدبلوماسي، إلى تحركات أمنية وعسكرية مباشرة».

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية في أديس أبابا يوليو 2018 (رويترز)

ويعتقد المحلل السياسي الإريتري، المختص بالشؤون الأفريقي عبد القادر محمد علي، أن التطور الأخير بين البلدين «لا يمكن فصله عن سياق كامل من التوتر الذي شهدته العلاقات بينهما خلال السنوات الماضية»، مؤكداً أن «انتقال الأمر إلى نوع من المواجهة العسكرية بين الطرفين يظل احتمالاً وارداً».

وقُتل وأصيب المئات منذ استئناف القتال العنيف في شمال إثيوبيا في 24 سبتمبر (أيلول) الماضي، وشنت «جبهة تحرير شعب تيغراي» هجمات داخل إقليمي عفر وأمهرا المجاورين، بمساندة التحالف المسلح الذي تم تشكيله قبل أيام من التصعيد.

ومع تصعيد «جبهة تحرير تيغراي»، يعتقد محمد، أن إثيوبيا الآن معنية بشأنها الداخلي أكثر من الوصول إلى الحدود الإريترية والاشتباك مع الجيش الإريتري، ويؤكد أن «اتساع التصعيد داخل إثيوبيا يحمل تداعيات ستلقي بظلالها على القرن الأفريقي وأمن جنوب البحر الأحمر عموماً».

كما يرجح أن يدفع هذا التصعيد إلى تدخل وساطة دولية، ويعتقد أن «من يملك التأثير في المواقف هو الولايات المتحدة الأميركية خاصة في ظل عدم امتلاك الاتحاد الأفريقي، النفوذ القوي لمنع تأثر منطقة القرن الأفريقي من هذا التصعيد الإثيوبي».


مقالات ذات صلة

تصعيد إثيوبي - مصري متبادل يُعقّد حلول أزمتي «السد» و«المنفذ البحري»

شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في القاهرة يونيو 2018 (الرئاسة المصرية)

تصعيد إثيوبي - مصري متبادل يُعقّد حلول أزمتي «السد» و«المنفذ البحري»

توترات تتصاعد بين القاهرة وأديس أبابا، كان أحدثها تبادل طرد دبلوماسيين في ظل خلافات حول «سد النهضة» الإثيوبي انتهت بتجميد المفاوضات.

محمد محمود (القاهرة)
أفريقيا بقايا دبابة متفحمة دُمرت خلال اشتباكات بين الجيش الإثيوبي و«جبهة تحرير شعب تيغراي» على طريق بالقرب من «غيريب أغيو» في جنوب تيغراي مارس 2026 (أ.ف.ب)

«مُسيّرات تيغراي»... هل تهدد باتساع الحرب الإثيوبية؟

متغير جديد تشهده المواجهات المسلحة بين التحالف المسلح بقيادة «جبهة تحرير تيغراي» وقوات الحكومة الفيدرالية في إثيوبيا.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا البحارة المصريون عقب تحريرهم الأربعاء (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

نهاية محنة بحارة مصريين في الصومال بعد 4 أشهر من الاختطاف

أعلنت القاهرة، الأربعاء، انتهاء أزمة 8 بحارة كانوا مختطفين على متن السفينة «M/T Eureka» قبالة سواحل إقليم بونتلاند في الصومال منذ 2 مايو (أيار) الماضي.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا رئيس الوزراء الإثيوبي يستقبل الرئيس الصومالي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

اضطرابات تيغراي... تحركات إثيوبية مع «الجوار» لاحتواء التصعيد

بدأت إثيوبيا تزامناً مع اندلاع اضطرابات إقليم تيغراي، في 24 سبتمبر (أيلول) تحركات مع دول جوار شملت بشكل علني جيبوتي والصومال.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية في أديس أبابا يوليو 2018 (رويترز)

مسؤول إريتري لـ«الشرق الأوسط»: لا نستبعد حرباً مع إثيوبيا

قال المستشار الإعلامي لسفارة إريتريا في القاهرة حبيب محمد عثمان لـ«الشرق الأوسط»، الاثنين، إن بلاده لا تستبعد حرباً مع إثيوبيا.

محمد الريس (القاهرة )

تصعيد إثيوبي - مصري متبادل يُعقّد حلول أزمتي «السد» و«المنفذ البحري»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في القاهرة يونيو 2018 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في القاهرة يونيو 2018 (الرئاسة المصرية)
TT

تصعيد إثيوبي - مصري متبادل يُعقّد حلول أزمتي «السد» و«المنفذ البحري»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في القاهرة يونيو 2018 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في القاهرة يونيو 2018 (الرئاسة المصرية)

تتصاعد توترات بين القاهرة وأديس أبابا، كان أحدثها تبادل طرد دبلوماسيين في ظل خلافات حول «سد النهضة» الإثيوبي انتهت بتجميد المفاوضات في 2024، وكذلك تمسُّك القاهرة برفض وصول أديس أبابا لمنفذ بحري على مدار عامين.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن «التصعيد الحالي سيعقّد أي حلول سياسية ممكنة لأزمتي (سد النهضة) والمنفذ البحري»، وتوقعوا «فشل أي وساطة محتملة بين البلدين في ظل ازدياد التوترات».

وأعلنت مصر أن «دبلوماسياً إثيوبياً في القاهرة شخص غير مرغوب فيه، ومنحته مهلة 48 ساعة لمغادرة البلاد»، بعد أن طردت أديس أبابا دبلوماسياً مصرياً، وفق ما نقلت وكالة «أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، مساء الخميس، عن مصدر مسؤول.

ووصف المصدر المصري قرار إثيوبيا طرد الدبلوماسي بأنه «مؤسف وغير مبرر»، مؤكداً أن القاهرة «التزمت منذ مدة طويلة بسياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وأن أديس أبابا تبحث عن شماعة خارجية» لمشكلاتها الداخلية.

ومساء الخميس، أعلنت وزارة الخارجية الإثيوبية في بيان، أن «دبلوماسياً مصرياً شخص غير مرغوب فيه»، وأبلغت سفارة مصر في أديس أبابا بضرورة مغادرته الأراضي الإثيوبية خلال 48 ساعة.

ويرى المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم أن «العلاقات المصرية - الإثيوبية تشهد حالياً مرحلة جديدة وغير مسبوقة من التصعيد، انتقلت من مجرد المشادات الإعلامية والاتهامات المتبادلة إلى مستوى أكثر خطورة».

وحذر من أن «عدم السيطرة على هذا المسار بصورة عاجلة قد يدفع الأوضاع نحو مراحل متطورة من التوتر، تتأثر بها المنطقة بأكملها بالنظر إلى الوزن الإقليمي والدور المحوري لكلا البلدين في الاتحاد الأفريقي والحراك القاري».

«سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

ويشير خبير الشؤون الأفريقية في «المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط» حسين البحيري، إلى أن «إبعاد أحد الدبلوماسيين المصريين، واختلاق الادعاءات حول دعم دول الجوار للصراعات الداخلية، ليسا سوى محاولة مكشوفة من الحكومة الإثيوبية للتغطية على أزماتها الداخلية المعقدة والصراعات المسلحة المتفاقمة في أقاليم تيغراي، وعفر، وأمهرة إلى جانب حالة الغضب المتصاعدة في إقليم أوروميا».

وتستهدف أديس أبابا «من خلال هذه الادعاءات الباطلة إقناع الداخل الإثيوبي بوجود مؤامرات وتحالفات خارجية تستهدف أمنهم القومي»، بحسب البحيري.

ويعتقد أن «هذه المواقف التصعيدية تنعكس بشكل سلبي مباشر على فرص استئناف المفاوضات بشأن (سد النهضة)»، مؤكداً أنها «تعد دليلاً قاطعاً على غياب الإرادة السياسية لدى أديس أبابا، للتوصل إلى تسوية سلمية أو اتفاق قانوني ملزم يحفظ حقوق مصر المائية وأمنها القومي».

وسبق التصعيد الحالي اتهامات صريحة من أديس أبابا للقاهرة، بالتدخل في الشأن الإثيوبي، حيث قال رئيس الأركان العامة لـ«قوات الدفاع الوطني» الإثيوبية برهانو جولا، قبل أسبوع، أن «قوى أجنبية تدعم التحالف المسلح الحديث لمحاولة زعزعة استقرار إثيوبيا وإضعافها»، مؤكداً أنه «لا تستطيع جبهة تيغراي والتحالف تحقيق أي شيء بمفردها، ما لم يتم دفعهما ودعمهما وإمدادهما من جانب السودان ومصر وقوى أخرى».

ونفت مصر ضمنياً في بيان للمتحدث باسم وزارة الخارجية نادر زكي، قبل أيام، أنها «تتدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة»، مؤكداً أن «أي شيء آخر مجرد ادعاءات».

وجرت مفاوضات بين القاهرة وأديس أبابا حول «السد» على مدى عقد تقريباً، وتقرر تجميدها لمدة 3 أعوام قبل استئنافها في 2023، ثم تجميدها مجدداً في 2024، وسط رفض إثيوبيا إبرام اتفاق، وتأكيدها أنها لا تضر مصر ولا السودان دولتَي المصب.

كما جاء ذلك التصعيد في ظل استمرار موقف القاهرة على مدار عامين في رفض المنفذ البحري لإثيوبيا، وكذلك تصعيد القاهرة من لهجتها بأنها تحتفظ بحق الدفاع الشرعي عن أمنها المائي.

وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في مؤتمر صحافي، أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي، إن «هناك دولاً ذات سيادة، لديها موانئ على البحر الأحمر، ولا أحد يملك أن يمنح أي دولة نفاذاً بحرياً عسكرياً، وإلا فستكون فوضى، خصوصاً أن دولاً أفريقية كثيرة حبيسة، أما النفاذ التجاري فلا توجد أزمة به».

وباتت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993 عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت 3 عقود، وهي تعتمد على موانئ جيرانها، لا سيما ميناء جيبوتي.

ويوضح إبراهيم أن «استمرار التراشق السياسي والاتهامات الحالية يهدد بتعطيل أي مسارات أو مراحل مقبلة للتفاوض بشأن (سد النهضة)، وقد يزيد من المخاوف المصرية بشأن المنفذ البحري، وتتأزم الأمور أكثر، ولا نصل لحلول سياسية».

وحذر «من خطورة الربط المباشر بين ملف (سد النهضة) ومياه النيل وبين ملف أمن البحر الأحمر»، مؤكداً أن «دمج هذه الملفات المعقدة يولد سلسلة متصلة من الأزمات، ولن يخدم مسار الحلول السلمية، أو يقرب وجهات النظر بين القاهرة وأديس أبابا».

يعتقد البحيري أن «إثيوبيا هي من تهدد الأمن القومي لدول القرن الأفريقي، وتزعزع استقرار المنطقة؛ سواء عبر إصرارها على الأحادية في إدارة السد، وإهمال المطالب المصرية المشروعة بالترتيبات المشتركة، أو من خلال إطلاق تصريحات ومطالب غير معقولة بشأن المنفذ البحري، ولن يكون هناك حلول سياسية في ظل الارتباك والتخبط اللذين تعيشهما السلطة الإثيوبية حالياً».


هل يتجاوز أكبر تكتل معارض في مصر أزمة «تباين الآيديولوجيات»؟

اجتماع سابق للحركة المدنية التي تضم أحزاباً معارضة في مصر (الحركة المدنية)
اجتماع سابق للحركة المدنية التي تضم أحزاباً معارضة في مصر (الحركة المدنية)
TT

هل يتجاوز أكبر تكتل معارض في مصر أزمة «تباين الآيديولوجيات»؟

اجتماع سابق للحركة المدنية التي تضم أحزاباً معارضة في مصر (الحركة المدنية)
اجتماع سابق للحركة المدنية التي تضم أحزاباً معارضة في مصر (الحركة المدنية)

جددت عودة تمثيل حزب «الدستور» باللجنة التنفيذية لـ«الحركة المدنية الديمقراطية» التساؤلات حول إمكانية أن يتجاوز أكبر تكتل معارض في مصر أزمة «تباين الآيديولوجيات» التي فجرت خلافات سياسية داخله وترتب عليها انسحاب أحزاب وتجميد أخرى.

ورغم أن «الحركة المدنية» أقدمت على إعادة ترتيب هياكلها الداخلية الشهر الماضي، بهدف استعادة دورها السياسي، فإن ذلك اصطدم بأزمات داخلية طفت على السطح مجدداً، إذ أعلن حزب «الدستور»، أحد الأحزاب ذات التوجه الليبرالي داخل الحركة آنذاك، رفضه الهيكلة الجديدة، واعترض على تشكيل «اللجنة التنفيذية» التي حلت محل «مجلس الأمناء».

وفي ذلك الحين، قال حزب «الدستور» إن تشكيل اللجنة التنفيذية يشوبه «اختلال واضح في التمثيل السياسي»، إذ يغلب عليه تمثيل التيارين «الناصري» و«اليساري» في مقابل غياب التمثيل الملائم للتيار الليبرالي، وهو ما لا يعكس التنوع الحقيقي داخل الحركة.

وعقب مشاورات شهدتها الفترة الماضية لتقريب وجهات النظر بين أحزاب الحركة، أعلن حزب «الدستور» التوصل إلى «صيغة توافقية تحفظ تماسك الحركة وقدرتها على القيام بدورها تجاه القضايا الوطنية»، وقال الحزب في بيان الخميس: «إن اجتماعاً للأمانة العامة بالحركة عُقد خلال الأيام الماضية ضم مختلف المكونات السياسية، وأسفر الاجتماع عن عودة تمثيل التيار الليبرالي في (اللجنة التنفيذية)، واختيار رئيسة حزب (الدستور) الدكتورة وفاء صبري لشغل المقعد».

ويرى المنسق العام لـ«الحركة المدنية»، أكرم إسماعيل، أن نجاح جهود تجاوز الخلاف مع حزب «الدستور» يعزز تطلعات الحركة «لتجاوز أي تأثير لاختلاف الآيديولوجيات، وتحويل تلك التعددية إلى مكسب سياسي للحركة بما يُمكنّها من مخاطبة تيارات سياسية مختلفة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «ما تواجهه الحركة من مشكلات وخلافات سياسية أمر طبيعي ويحتاج إلى إرادة تنظيمية وصبر ودأب لتجاوزها»، مؤكداً أن «الهيكلة التنظيمية الجديدة تتضمن رؤية لتسوية الخلافات وتقريب وجهات النظر».

وأكد حزب «الدستور» في بيانه الخميس أن هدفه الأول سيظل «العمل من أجل الصالح العام»، والحرص على «وحدة الحركة المدنية الديمقراطية وتماسكها»، باعتبارها «إطاراً جامعاً لقوى المعارضة المدنية الديمقراطية على اختلاف توجهاتها وتنوعها»، وأن ما أبداه الحزب من «ملاحظات وتحفظات» جاء انطلاقاً من حرصه على «وضوح قواعد العمل وآليات اتخاذ القرار»، وعلى أن تكون الحركة «معبرة عن مختلف تياراتها ومكوناتها».

جانب من المؤتمر الاقتصادي للحركة في مايو الماضي (الحركة المدنية)

وتحدث المنسق العام للحركة، أكرم إسماعيل، في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»، عن تطلع الحركة إلى «تفعيل رؤيتها الجديدة التي تمكنها من استثمار التباين الآيديولوجي ليصبح تعبيراً عن كل المكونات السياسية من خلال وضع رؤية عامة يتفق عليها جميع الأحزاب».

وتأسست «الحركة المدنية» في عام 2017، وتعد أكبر تجمع مصري معارض، وتضم عدداً من الشخصيات العامة وأحزاب سياسية تتبنى آيديولوجيات متباينة، وهو ما انعكس على وجود خلافات بشأن قرارات سياسية حاسمة أبرزها المشاركة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية السابقتين.

ويعتقد الخبير في الشؤون السياسية والبرلمانية، نائب مدير «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور عمرو هاشم ربيع، أنه «يمكن البناء على المصالحة التي حدثت مع حزب (الدستور) لتجاوز أزمة تباين الآيديولوجيات»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الحركة تحتاج إلى تحديد نقاط الاختلاف قبل نقاط الاتفاق، كي يمكن وضع آلية سياسية للتعاطي مع ما هو مختلف عليه».

وأضاف: «من الواضح أن تحديد هذه النقاط لم يحدث خلال الفترة الماضية ما تسبب في تصاعد الخلافات»، ويرى أنه «يمكن تجاوز الاختلافات الآيديولوجية عبر تحديد مبادئ سياسية عامة تجاه القضايا الكبرى دون التطرق إلى تفاصيل تبرز الخلافات، وهذا يتطلب أيضاً أن تقوم الحركة بتوسيع دائرة الأحزاب والشخصيات العامة المشاركة فيها بإدخال كيانات جديدة».

وخلال بيان «المصالحة» الخميس، أكد حزب «الدستور» أن ما جرى يؤكد أهمية «الحوار الداخلي والتواصل المباشر بين مكونات الحركة، باعتبارهما السبيل الأمثل لتوضيح المواقف وتقريب وجهات النظر ومعالجة أي تباينات أو اختلافات»، مشيراً إلى «ضرورة استمرار هذا النهج في التواصل الداخلي، بحيث تُناقَش أي اختلافات في وجهات النظر داخل أطر الحركة ومؤسساتها، بما يحول دون تراكم التباينات أو اتساع مساحات سوء الفهم».


قمة «العلمين-أفريقيا» في مصر لشراكات استراتيجية أوسع وسط توترات بالقارة

نقاش وزاري حول دور ريادة الأعمال في التنمية الاقتصادية بأفريقيا على هامش المنتدى الجمعة (صفحة مجلس الوزراء المصري على «فيسبوك»)
نقاش وزاري حول دور ريادة الأعمال في التنمية الاقتصادية بأفريقيا على هامش المنتدى الجمعة (صفحة مجلس الوزراء المصري على «فيسبوك»)
TT

قمة «العلمين-أفريقيا» في مصر لشراكات استراتيجية أوسع وسط توترات بالقارة

نقاش وزاري حول دور ريادة الأعمال في التنمية الاقتصادية بأفريقيا على هامش المنتدى الجمعة (صفحة مجلس الوزراء المصري على «فيسبوك»)
نقاش وزاري حول دور ريادة الأعمال في التنمية الاقتصادية بأفريقيا على هامش المنتدى الجمعة (صفحة مجلس الوزراء المصري على «فيسبوك»)

انطلقت الجمعة قمة «العلمين-أفريقيا» في مصر، وسط تطلعات لشراكات استراتيجية في ظل توترات بالقارة. ويعوّل خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» على «المنتدى لفتح مساحات للحوار حول بعض جذور التوترات ووضع حلول استراتيجية لها».

ويشارك في النسخة الأولى من منتدى «العلمين-أفريقيا» للأعمال بالعلمين (شمال غرب مصر) خلال الفترة من 2 إلى 4 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي نحو 1500 من قادة مجتمع الأعمال والمستثمرين الأفارقة.

وأكد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال الجلسة الترحيبية بالمنتدى أن «أفريقيا تقف (اليوم) أمام لحظة مهمة»، مشيراً إلى أن القارة تمتلك موارد طبيعية هائلة، وسوقاً واسعة، وواحداً من أكثر المجتمعات شباباً في العالم، وفرصاً كبيرة في مجالات التصنيع والطاقة والزراعة والتكنولوجيا والخدمات والاقتصاد الرقمي. وأوضح أن هناك إدراكاً لحجم التحديات التي تواجه جهود التنمية، سواء ما يتعلق بتوفير التمويل، أو تطوير البنية الأساسية، أو ارتفاع تكلفة رأس المال، أو الحاجة إلى تعزيز الربط بين الأسواق، وإزالة الحواجز التي لا تزال تحد من حركة التجارة والاستثمار داخل القارة. وأشار مدبولي إلى أن القارة «تلتقي (اليوم) في وقت تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والتكنولوجية على المستوى العالمي، وتُعاد فيه صياغة سلاسل الإمداد ومراكز الإنتاج والتجارة والاستثمار»، مؤكداً أن هذه التحولات تفرض على الجميع أن ينظر إلى أفريقيا ليس فقط باعتبارها قارة تواجه تحديات تنموية، وإنما باعتبارها أيضاً قارة تقدم فرصاً حقيقية، وتمتلك القدرة على أن تكون جزءاً فاعلاً من الاقتصاد العالمي الجديد.

من جانبه، أكد وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية المصري أحمد رستم أن «أفريقيا تمثل أولوية استراتيجية قصوى»، داعياً إلى «تغيير النظرة التقليدية للقارة من مجرد أسواق تصديرية والتعامل معها كمنظومة اقتصادية متكاملة». وطرح خلال جلسة «ريادة الأعمال في أفريقيا» مبادرة لتطوير نموذج «الابتكار المشترك» بين رواد الأعمال المصريين والأفارقة، والذي يعتمد على تبادل التكنولوجيا وبناء سلاسل قيمة إقليمية عابرة للحدود. وأضاف أن «تفعيل اتفاقية التجارة الحرة القارية» يتطلب توسيع دور رأسمال المخاطر القادر على تحمل تحديات الاستثمار في القارة.

في حين أشار وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال فعالية «من الصمود إلى التعافي» على هامش المنتدى، إلى أن «القارة الأفريقية تمتلك إمكانات اقتصادية وبشرية وموارد طبيعية هائلة بما يؤهلها لتحقيق معدلات أعلى من النمو والتنمية»، وشدد على «أهمية الانتقال من مرحلة تحديد الأولويات وصياغة الأطر إلى مرحلة التنفيذ الفعلي للمشروعات، وحشد الموارد والاستثمارات اللازمة لتحويل الخطط التنموية إلى نتائج ملموسة تنعكس بصورة مباشرة على شعوب القارة استفادة من اتفاقية التجارة الحرة القارية».

مشاركون في منتدى «العلمين-أفريقيا» الجمعة (صفحة مجلس الوزراء المصري على «فيسبوك»)

وأشار عبد العاطي إلى أن «تعزيز التكامل الاقتصادي الأفريقي يمثل أحد المسارات الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة، من خلال ربط الأسواق وتطوير سلاسل القيمة الإقليمية وزيادة معدلات التجارة والاستثمار البيني»، مؤكداً «أهمية بناء شراكات أكثر فاعلية بين الحكومات ومؤسسات التمويل والقطاع الخاص، وتهيئة بيئة مواتية تمكن رواد الأعمال والشركات الأفريقية من التوسع والنمو والاستفادة من الفرص المتاحة في مختلف أسواق القارة».

ووفق إفادة لوزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، الجمعة، فإن «حجم الاقتصاد الأفريقي يُقدر بنحو 3.6 تريليون دولار، ورغم أن القارة تضم نحو خُمس سكان العالم فإن حصتها من التجارة العالمية لا تتجاوز 1.5 في المائة، إلى جانب محدودية تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر مقارنة بإمكاناتها».

أستاذة العلوم السياسية، الخبيرة في الشؤون الأفريقية نجلاء مرعي، ترى أن «هدف المنتدى هو تحويل خطط التنمية القارية لمشروعات ملموسة، وتعزيز التكامل الاقتصادي والتجارة البينية بين دول القارة».

وتقول إن «القمة منصة استراتيجية لتعزيز الشراكات الاستراتيجية بين الشركات المصرية ونظيراتها الأفريقية، وهناك تأسيس لبعض الآليات التي سيسهم فيها المنتدى بشكل عملي في دفع وتطوير هذه الشراكات».

إحدى فعاليات قمة «العلمين-أفريقيا» الجمعة (صفحة مجلس الوزراء المصري على «فيسبوك»)

وحول رسائل «القمة»، توضح مرعي أنها تتمثل في «التأكيد على أن أفريقيا قادرة على قيادة النمو الذاتي بغض النظر عن علاقاتها مع القوى الدولية؛ لأن القارة تمتلك مقومات ضخمة للاستثمار، ولديها مستثمرون قادرون على توجيه الثروات لمشروعات تجارية واعدة».

وتضيف أن «أهم رسالة أن أفريقيا لم تعد تريد أن تظل مجرد ساحة للتنافس الدولي أو مصدراً للمواد الخام، بل تسعى إلى أن تكون شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبلها الاقتصادي من خلال التصنيع وتوسيع التجارة البينية وبناء سلاسل إمداد إقليمية أكثر مرونة».

من جهته، يرى خبير الشؤون الأفريقية رامي زهدي أن «مشاركة نحو 1500 مستثمر ومشارك تعكس حجم الاهتمام بالفرص الاقتصادية الأفريقية، وتؤكد أن القارة باتت حاضرة بقوة على أجندة الاستثمار الدولي والإقليمي»، لكنه يوضح أن «حجم الحضور مهما كان كبيراً ليس معيار النجاح النهائي، والمعيار الحقيقي هو عدد الاتفاقات التي تتحول إلى مشروعات، وحجم التمويلات التي تدخل حيز التنفيذ».

بالنسبة لمصر، فإن استضافة المنتدى تحمل رسالة واضحة بأن «القاهرة تسعى إلى تعزيز دورها كحلقة وصل بين الأسواق ورؤوس الأموال والمشروعات الأفريقية»، بحسب زهدي الذي قال إن المنتدى فرصة للانتقال بالعلاقات الاقتصادية المصرية-الأفريقية من مستوى الاتفاقيات والتفاهمات الرسمية إلى شراكات مباشرة بين الشركات.

ويضيف: «تكمن أهمية المنتدى في جمع المستثمرين وصُنّاع القرار وممثلي القطاع الخاص، بما يتيح التعرف على احتياجات الأسواق الأفريقية، وبناء تحالفات إنتاجية وتجارية عابرة للحدود، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية، بالتوازي مع جذب الاستثمارات الأفريقية إلى مصر».

ووفق زهدي، فإنه «لا يمكن فصل الاقتصاد عن الأمن والاستقرار السياسي، لكن من الخطأ تعليق فرص التنمية الأفريقية بالكامل على انتهاء الصراعات، فالقارة تواجه تحديات أمنية ونزاعات مسلحة واضطرابات في سلاسل الإمداد، لكنها في الوقت نفسه تمتلك أسواقاً واعدة، وموارد ضخمة، وفرصاً استثمارية هائلة».

توقيع أحد المشروعات على هامش المنتدى الجمعة (صفحة مجلس الوزراء المصري على «فيسبوك»)

وبحسب مجلس الوزراء المصري، شهد وزير الاستثمار والتجارة الخارجية محمد فريد صالح، الجمعة، توقيع اتفاقية مشروع بين مجموعة «العربي» وشركة «Malben Engineering» الجنوب أفريقية لـ«دعم تطوير سلاسل إمداد قطاع السيارات وتعميق التصنيع المحلي لمكوناته، إلى جانب استكشاف فرص التوسع في الأسواق الأفريقية».

وأكد صالح أن «الشراكات بين الشركات المصرية ونظيراتها الأفريقية تمثل أحد المسارات المهمة لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين دول القارة». وقال إن المنتدى يستهدف النفاذ إلى أسواق منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، وتحويل الإمكانات الصناعية للقارة إلى استثمارات ومشروعات قابلة للتمويل، وسلاسل إمداد إقليمية متكاملة.

وبشأن إمكانية طرح «القمة» حلولاً للتوترات بالقارة، يرى زهدي أنه «رغم أن المنتدى اقتصادي في المقام الأول، فإنه ينعقد في سياق أفريقي لا يمكن فيه عزل الاقتصاد عن السياسة والأمن، ولذلك يمكن أن يفتح مساحات للحوار حول بعض جذور التوترات المرتبطة بالتنافس على الموارد والممرات التجارية والمياه والطاقة، والتحديات التي تعوق التعاون الإقليمي».

ويتابع أن «المشروعات وشبكات الربط الكهربائي والنقل والتجارة الإقليمية يمكن أن تتحول إلى أدوات لبناء الثقة وخلق مصالح متبادلة تجعل الاستقرار خياراً ذا عائد اقتصادي مباشر على الدول والشعوب».

ولم تستبعد مرعي أن يطرح المنتدى حلولاً استراتيجية للتوترات الأفريقية تربط بين الاستقرار السياسي وجهود إعادة الإعمار والتنمية في مناطق النزاع.

وتقول إن المنتدى يهدف إلى «تنفيذ مشروعات رغم التوترات بالقارة»، وترجح أن يتبنى المنتدى «نقل الخطابات السياسية إلى مشروعات تنفذ على الأرض رغم التوترات، عبر مشاركة مستثمرين وشركات ستوفر ضمانات تمويلية للمشروعات العابرة للحدود، وهذا سيقلل مخاطر الاستثمار في المناطق المضطربة».