وزير المالية السوداني لـ«الشرق الأوسط»: زيادة الواردات والطلب وراء تراجع صرف الجنيه

الدولار يتجاوز 8 آلاف جنيه... ومضاربون يتوقعون استمرار ارتفاعه

تشريد وعطش ومعاناة... ثمن باهظ للحرب السودانية (اليونيسف)
تشريد وعطش ومعاناة... ثمن باهظ للحرب السودانية (اليونيسف)
TT

وزير المالية السوداني لـ«الشرق الأوسط»: زيادة الواردات والطلب وراء تراجع صرف الجنيه

تشريد وعطش ومعاناة... ثمن باهظ للحرب السودانية (اليونيسف)
تشريد وعطش ومعاناة... ثمن باهظ للحرب السودانية (اليونيسف)

عزا وزير المالية السوداني، جبريل إبراهيم، التراجع المتسارع في سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية إلى ارتفاع الطلب على النقد الأجنبي وزيادة حجم الواردات مقارنة بالصادرات. وأكد أن تدهور سعر صرف العملة الوطنية انعكس بصورة مباشرة على معيشة المواطنين، خصوصاً أصحاب الدخول المحدودة.

وتأتي تصريحات إبراهيم في وقت تجاوز سعر صرف الجنيه السوداني حاجز 8 آلاف مقابل الدولار الأميركي في السوق الموازية، وذلك وفقاً لمتعاملين، وسط تقلبات حادة في الأسعار خلال اليوم الواحد، وشحّ في المعروض من العملات الأجنبية، فيما توقع متعاملون في سوق العملات وصول سعر صرف الدولار إلى 10 آلاف جنيه خلال أيام.

وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم زعيم حركة «العدل والمساواة» (رويترز)

وقال إبراهيم في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن زيادة حجم الواردات نسبة إلى الصادرات تُمثل أحد أهم أسباب ارتفاع الدولار، موضحاً أن أسعار العملات الأجنبية تحددها مستويات العرض والطلب، في ظل طلب مرتفع على النقد الأجنبي.

وربط الوزير «جانباً من زيادة الطلب بالتطورات في منطقة الخليج ومضيق هرمز وباب المندب، وما صاحبها»، وأشار إلى «ارتفاع أسعار البترول وتضاعف تكاليف النقل والتأمين، ما يرفع فاتورة الواردات، ويزيد الحاجة إلى العملات الأجنبية».

واتسعت الفجوة بين السوق الموازية والأسعار المعلنة في المصارف، رغم الزيادات التي أجرتها بعض البنوك على أسعار الصرف، وسجل «بنك النيل» 6900 جنيه لشراء الدولار، و6951.75 جنيه للبيع، في حين ظل سعر السوق الموازية أعلى من ذلك بكثير.

وتوقع تاجر عملة يعمل وسط الخرطوم، عرّف نفسه بالأحرف الأولى من اسمه «ج. م» في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، ارتفاع سعر الدولار إلى 10 آلاف جنيه في غضون أيام، مشيراً إلى الطلب المرتفع على العملات الأجنبية عموماً في البلاد، وقال: «المعروض من العملات الأجنبية قليل جداً»، مشيراً إلى أن بعض التجار أوقفوا التداول بالأسعار السائدة.

مخبز لبيع الخبز السوداني... وفرة وقلة شرائية بسبب الغلاء (الشرق الأوسط)

وتشهد السوق الموازية حالةً من الترقب مع التسارع الكبير في الأسعار، إذ يؤدي إحجام بعض حائزي العملات الأجنبية عن البيع إلى تقليص المعروض، في وقت يتزايد الطلب، بما يضيف مزيداً من الضغوط على الجنيه.

ونفى وزير المالية لجوء الحكومة إلى شراء الدولار من السوق الموازية لتغطية احتياجاتها من النقد الأجنبي، وقال «إن الحكومة تعتمد على شراء الذهب وتصديره للحصول على العملات الأجنبية».

وقال إبراهيم: «الحكومة تشتري الذهب وتصدره للحصول على العملات، ولا يمكن أن تشتري من السوق الموازية، وهي تعلم خطورة هذا الأمر».

ويشكل الذهب أحد أهم مصادر النقد الأجنبي التي تعول عليها السلطات، في وقت تسعى الحكومة إلى زيادة موارد العملات الأجنبية عبر القنوات الرسمية، والحد من تسرب حصائل الصادرات إلى السوق الموازية.

وأشار وزير المالية إلى عوامل أخرى، قال إنها تؤثر في سعر صرف الجنيه، من بينها «تداول العملة الوطنية في المناطق الخاضعة» لسيطرة «قوات الدعم السريع».

وتأتي موجة تراجع الجنيه في ظل أزمة اقتصادية عميقة خلّفتها الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023، وما صاحبها من تراجع الإنتاج، وتعطل قطاعات اقتصادية وتضرر البنية التحتية وسلاسل الإمداد والتجارة.

استمرار هبوط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي مقابل الدولار (رويترز)

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للسودان بنحو 29.4 في المائة خلال 2023، وبنسبة إضافية بلغت 14 في المائة في 2024. فيما هبطت إيرادات الدولة من نحو 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي قبل الحرب، إلى أقل من 5 في المائة خلال عامي 2024 و2025، وأدت الحرب وتراجع قيمة الجنيه وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل واضطراب الأسواق إلى ضغوط تضخمية كبيرة.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن معدل التضخم بلغ نحو 170 في المائة على أساس سنوي خلال 2024، مدفوعاً بارتفاع أسعار الغذاء والسكن والنقل واضطراب سلاسل الإمداد.

وينعكس ارتفاع العملات الأجنبية بصورة مباشرة على أسعار الوقود والأدوية والسلع المستوردة ومدخلات الإنتاج، قبل أن ينتقل أثره إلى أسعار السلع والخدمات المحلية.

ويصبح الأثر أشد على أصحاب الدخول المحدودة والعاملين الذين يتقاضون أجورهم بالجنيه، إذ يؤدي استمرار ارتفاع الأسعار إلى تراجع القيمة الحقيقية للدخول والمدخرات، في وقت يقدر البنك الدولي ارتفاع نسبة السكان الذين يعيشون في فقر مدقع إلى نحو 59 في المائة خلال 2025.

وقال إبراهيم: «إن الحكومة اتخذت إجراءات لتحسين الوضع الاقتصادي، لكنها تحتاج إلى بعض الوقت حتى تظهر آثارها الإيجابية على المواطنين والبلاد».

«البنك المركزي السوداني» متوقف عن العمل منذ اندلاع الحرب (متداولة)

وأشار إلى «ترتيبات لرفع رواتب العاملين في الدولة خلال الفترة المقبلة»، مؤكداً اهتمام الحكومة بزيادة الإنتاج، خصوصاً في القطاع الزراعي، باعتباره من المداخل لزيادة الصادرات وتوفير الموارد من النقد الأجنبي.

وكانت «اللجنة الوطنية لإدارة الاقتصاد» قد أكدت، في اجتماعها الدوري بمجلس الوزراء، ضرورة تحسين وزيادة الإنتاج والإنتاجية في القطاعات الزراعية والحيوانية وغيرهما، والعمل على «تطوير وتحديث البنية التحتية للصادرات السودانية، إلى جانب تشجيع الصناعات التحويلية التي تُضيف قيمة إلى المنتجات المصدرة».

ويعني استمرار اتساع الفجوة بين أسعار المصارف والسوق الموازية مزيداً من الضغوط على القنوات الرسمية للحصول على العملات الأجنبية، في حين يهدد أي ارتفاع جديد في الدولار بموجة إضافية من زيادة أسعار السلع، وتآكل القوة الشرائية للمواطنين.


مقالات ذات صلة

تحذيران أمميان من انفجار الأزمة الإنسانية في السودان

شمال افريقيا سودانية خُطف زوجها منذ أكثر من عام ولا تزال تبحث عنه (أرشيفية - أ.ب)

تحذيران أمميان من انفجار الأزمة الإنسانية في السودان

أطلقت منظمتان أمميتان، تحذيرات متزامنة من أن يؤدي النقص الحاد في التمويل إلى تقليص المساعدات الغذائية، وانهيار نظام لإيصال مواد الإغاثة خلال أسابيع بالسودان.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا ازدحام عند محطة وقود في مدينة بورتسودان مع ارتفاع أسعار البنزين بشكل كبير يوم الأحد الماضي (أ.ف.ب)

ماذا وراء توافد المبعوثين الدوليين على السودان؟

شهدت العاصمة السودانية الخرطوم حراكاً دبلوماسياً لافتاً خلال الفترة من 6 إلى 12 من الشهر، أثار تساؤلات بشأن دلالات توقيته وأهميته.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يستقبل المبعوث الأممي للسودان الاثنين (الخارجية المصرية)

تنسيق مصري - أممي لدعم جهود إنهاء الصراع في السودان

أكدت مصر مجدداً دعمها الثابت لوحدة السودان وسيادة وسلامة أراضيه، خلال اجتماع وزير الخارجية بدر عبد العاطي، مع مبعوث السكرتير العام للأمم المتحدة بيكا هافيستو.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا تشريد وعطش ومعاناة... ثمن باهظ للحرب السودانية (اليونيسف)

معارك عنيفة في النيل الأزرق... وتحركات دبلوماسية لإنهاء الحرب

تصاعدت العمليات العسكرية في النيل الأزرق، متزامنة مع حراك دبلوماسي وسياسي تضمن لقاءات بين الحكومة وقوى مدنية سياسية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا البرهان لدى مخاطبته مجموعة من الإعلاميين في مقر القيادة العامة للجيش بالخرطوم (إعلام مجلس السيادة)

البرهان يدعو واشنطن للتحقيق بمزاعم «الكيماوي»

دعا قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الولايات المتحدة إلى إرسال فريق للتحقيق في أي مزاعم باستخدام الجيش للسلاح الكيماوي في السودان.

وجدان طلحة (الخرطوم)

بلديات الجنوب تتحول إلى أحدث حلقات الصراع بين حكومتي ليبيا

رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان في شرق ليبيا أسامة حماد (الصفحة الرسمية للحكومة)
رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان في شرق ليبيا أسامة حماد (الصفحة الرسمية للحكومة)
TT

بلديات الجنوب تتحول إلى أحدث حلقات الصراع بين حكومتي ليبيا

رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان في شرق ليبيا أسامة حماد (الصفحة الرسمية للحكومة)
رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان في شرق ليبيا أسامة حماد (الصفحة الرسمية للحكومة)

فرضت بلديات الجنوب الليبي نفسها مجدداً على واجهة الصراع السياسي بين الحكومتين المتنافستين في شرق البلاد وغربها، بعد قرار الحكومة المكلفة من البرلمان في بنغازي، برئاسة أسامة حماد، إيقاف 12 عميد بلدية عن العمل وإخضاعهم للتحقيق، وذلك على خلفية زيارتهم العاصمة طرابلس، ولقاء مسؤولين في حكومة «الوحدة الوطنية» وفي الشركة العامة للكهرباء.

ولم يصدر عن حكومة حماد حتى الآن تعليق يوضح ملابسات القرار، أو طبيعة المخالفات المنسوبة إلى العمداء، في وقت أثارت فيه الخطوة اعتراضاً من العمداء المعنيين، الذين رأوا أن تحركاتهم إلى طرابلس جاءت في إطار متابعة احتياجات مناطقهم، والتنسيق حول ملفات خدماتية.

نائب رئيس حكومة الوحدة الوطنية في غرب ليبيا سالم الزادمة (حسابه الرسمي في «فيسبوك»)

ولا تبدو الواقعة معزولة عن سوابق شهدتها العلاقة بين حكومة حماد وعدد من عمداء البلديات. فقبل عامين اتخذت سلطات شرق ليبيا إجراءات بحق عمداء شاركوا في اجتماع مع عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» في طرابلس، في خطوة أثارت حينها انتقادات محلية، على خلفية ما اعتُبر تدخلاً في عمل المجالس البلدية، وانعكاساً للانقسام السياسي على الإدارة المحلية.

بدا منذ اللحظة الأولى لصدور قرار وزارة الحكم المحلي بحكومة حماد تمسك العمداء الموقوفين بصحة موقفهم، في بيان مشترك مساء الثلاثاء، قائلين إن زيارتهم لطرابلس جاءت «في إطار التواصل والتنسيق» بشأن احتياجات مناطقهم الخدمية، وأعربوا عن استغرابهم من اتخاذ إجراءات بحقهم، لافتين إلى مشاركة عمداء بلديات أخرى في لقاءات مماثلة من دون أن تتخذ إجراءات مماثلة في حقهم.

وطالب العمداء بتطبيق القانون «بمعيار واحد»، وإعادتهم إلى ممارسة أعمالهم ما لم تثبت بحقهم مخالفات قانونية، وأكدوا احترامهم للقانون واختصاصات مؤسسات الدولة، ونفوا أن تكون زياراتهم إلى طرابلس مرتبطة بأي مخالفات مالية أو إدارية، مشددين على أن هدفها الأساسي كان متابعة احتياجات السكان، والتنسيق بشأن الخدمات المقدمة إليهم.

وضمّ البيان عمداء بلديات غات والعوينات وجرمة، والرقيبة والوادي الشرقي ومرزق والشرقية وزويلة، إضافة إلى تجرهي والقطرون وبراك الشاطئ وبرقن الشاطئ.

ويعيد القرار إلى الواجهة مدى تأثر الإدارة المحلية في ليبيا بالانقسام بين المؤسسات التنفيذية في الشرق والغرب، خصوصاً في المناطق الجنوبية، التي ترتبط احتياجاتها الخدمية، من كهرباء ومياه وبنية تحتية، بمؤسسات وهيئات تعمل في مناطق تخضع لسلطات مختلفة.

معدات كهربائية في طريقها للجنوب الليبي (صفحة تابعة لحكومة الوحدة)

ويحمل التعامل مع عمداء البلديات في هذا السياق بعداً يتجاوز الإجراءات الإدارية، بحسب مراقبين، ذلك أن المجالس البلدية المنتخبة تمثل حلقة اتصال مباشرة بين السكان ومؤسسات الدولة، فيما قد يؤدي إدخالها في مسارات التجاذب السياسي إلى تعقيد قدرتها على متابعة الملفات الخدمية، التي تتطلب في كثير من الأحيان التواصل مع جهات تقع خارج نطاق السلطة المحلية.

وانتقدت الناشطة السياسية، رانيا عبد السلام عثمان، العضو المؤسس في «التجمع السياسي الوطني فزان»، ما وصفته باستجواب وتهديد عدد من عمداء بلديات الجنوب، بسبب توجههم إلى طرابلس للبحث عن حلول للأوضاع الخدمية. وقالت، في منشور عبر «فيسبوك»، إن «معاناة الناس ليست تهمة، والسعي في خدمتهم ليس جرماً»، داعية إلى تمكين الإدارات المحلية من التواصل مع مؤسسات الدولة المختلفة.

كما أثارت الواقعة تساؤلات ناشطين ومدونين حول مدى اتساق الإجراءات المتخذة بحق العمداء مع المساعي الدولية المعلنة لتوحيد مؤسسات الدولة.

وبحسب المحلل السياسي خالد الشارف، فإن ثمة «ديناميكية تحرك للخلف تتسارع في التعطيل بخطوات بين أطراف الصراع، كلما اقترب بصيص أمل في حل الأزمة الليبية». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن هذه الممارسات أصبحت من «العلامات البارزة لمحطات الانقسام السياسي في ليبيا»، مبرزاً أن انعكاساتها تصل إلى مستويات الإدارة المحلية والخدمات اليومية.

وتأتي أزمة البلديات في وقت تشهد فيه ليبيا مساراً سياسياً جديداً تقوده الأمم المتحدة، بعد أن وقّعت لجنة «4+4» في 30 أغسطس (آب) اتفاقاً بشأن استكمال خريطة الطريق السياسية، يتضمن ترتيبات للانتخابات، وإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، في مسعى لإنهاء المرحلة الانتقالية وتوحيد المؤسسات.

وتزامن ذلك مع استمرار الحديث عن مبادرات دولية، تهدف إلى تقريب مواقف الأطراف الليبية وتوحيد السلطة التنفيذية والمؤسسات السيادية. غير أن استمرار الخلافات على مستويات محلية، ومنها إدارة البلديات، وعلاقة المجالس المنتخبة بالسلطات المركزية، يبرزان أن مسار توحيد المؤسسات لا يزال يواجه اختباراً يتجاوز التفاهمات السياسية العليا.


«ملف حارق» يختبر التشريع الجديد أمام البرلمان الجزائري

من أشغال بداية الدورة الأولى للبرلمان المنبثق عن تشريعية 2 يوليو الماضي (البرلمان)
من أشغال بداية الدورة الأولى للبرلمان المنبثق عن تشريعية 2 يوليو الماضي (البرلمان)
TT

«ملف حارق» يختبر التشريع الجديد أمام البرلمان الجزائري

من أشغال بداية الدورة الأولى للبرلمان المنبثق عن تشريعية 2 يوليو الماضي (البرلمان)
من أشغال بداية الدورة الأولى للبرلمان المنبثق عن تشريعية 2 يوليو الماضي (البرلمان)

يشرع البرلمان الجزائري الجديد، المنبثق عن الانتخابات التشريعية التي جرت في الثاني من يوليو (تموز) الماضي، في أعماله اليوم الأربعاء ضمن دورته التشريعية الأولى، متصدراً جدول أعماله ملف عاجل يتمثل في مراجعة قانون العقوبات. ويهدف التعديل المرتقب إلى تفعيل عقوبة الإعدام بحق كل من تثبت إدانته قضائياً بإضرام النار عمداً في الغابات، فضلاً عن المدانين بجرائم قتل الأطفال والتنكيل بهم.

الرئيس تبون أمر خلال مجلس للوزراء وزير العدل بتحضير نص يتضمن تفعيل الإعدام (الرئاسة)

ويأتي هذا التحرك التشريعي استجابة لإعلان الرئيس عبد المجيد تبون عن رغبته في رفع التجميد الفعلي عن عقوبة الإعدام، على خلفية موجة حرائق الغابات المدمرة التي ضربت عدة مناطق شرق البلاد خلال الصيف، مخلفة عشرات الضحايا وخسائر هائلة في الأملاك. ورغم أن المحاكم الجزائرية واصلت النطق بأحكام الإعدام، إلا أن تنفيذها يظل مجمداً عملياً منذ عام 1993.

ويكتسي هذا الملف أبعاداً ميدانية حساسة، حيث أُوقف قبل أسبوع تسعة أشخاص في ولاية جيجل (على بعد نحو 400 كلم شرق العاصمة) للاشتباه في تورطهم بإضرام النيران، وسط احتجاجات ومظاهرات محلية نظمت الأحد الماضي، عبر فيها أفراد عائلات الموقوفين عن مخاوفهم إزاء احتمال إخضاع الموقوفين لهذه العقوبة الصارمة. كما أن المحتجين يؤكدون على وجود «غموض متعمد» بشأن فيديو نشره المشتبه بهم أثناء الحرائق، يظهرون فيه حاملين وسائل تقليدية لإطفاء النار عندما كانت مستعرة، فيما تؤكد تحريات الأمن أنهم كانوا بصدد إشعالها.

صورة للحرائق المستعرة التي ضربت منطقة قالمة شرق الجزائر الصيف الماضي (الحماية المدنية)

رفع التجميد عن عقوبة الإعدام

وجه الرئيس تبون، الشهر الماضي، وزيره للعدل لطفي بوجمعة إلى تحضير نص مراجعة قانون العقوبات قبل 15 سبتمبر (أيلول) الحالي، من أجل تشديد العقوبات على المتسببين في حرائق الغابات، التي تؤدي إلى سقوط ضحايا، وإحالته على البرلمان ليأخذ مساره التشريعي، في أول جلسة له.

وأعلن تبون خلال اجتماع مجلس الوزراء في السادس من سبتمبر عن توسيع قرار رفع التجميد عن تطبيق عقوبة الإعدام ليشمل خاطفي الأطفال والمتورطين في تعذيبهم، إلى جانب تطبيقها ضد من يثبت تورطه في إشعال الحرائق التي تؤدي إلى سقوط ضحايا.

جزائريون يرفعون صور موقوفين بشبهة إشعال حرائق خلال مظاهرة بشرق البلاد (ناشطون)

والمعروف أن الحكومة لم تقدم حصيلة نهائية عن حرائق الصيف، فيما أكد وزير الصحة خلال الأيام الأولى لاندلاعها أنها خلفت 12 قتيلاً. لكن وفق إحصائيات أعدها ناشطون في المناطق المتضررة فإن عدد الضحايا يفوق المائة.

وعقوبة الإعدام منصوص عليها مسبقاً في قانون العقوبات الجزائري، عندما يؤدي الإحراق العمدي إلى وفاة شخص أو أكثر (المادة 399). غير أن التعديل الذي طلبه الرئيس تبون يهدف، فيما بدا لمراقبين، إلى توسيع نطاق عقوبة الإعدام لتشمل مرتكبي حرائق الغابات المتعمدة، بغض النظر عن وقوع حالات وفاة، فضلاً عن السماح بالتنفيذ الفعلي لتلك الأحكام.

وبذلك، سيمثل هذا الإجراء توسيعاً للجوء إلى عقوبة الإعدام، وكسراً للوقف الاختياري المفروض على تنفيذ الأحكام منذ عام 1993. وكان آخر من نفذت فيهم هذه العقوبة أربعة عناصر من «جبهة الإنقاذ» بعد أن دانهم القضاء في تفجير مطار الجزائر العاصمة في 1992، والذي خلف 10 قتلى و118 جريحاً.

مظاهرة بشرق الجزائر للتنديد بتوقيف 9 أشخاص بشبهة إضرام النار (ناشطون)

وينص القانون على عقوبة الإعدام في 18 جريمة، ورغم أن الجزائر أوقفت تنفيذ هذه العقوبة منذ ثلاثة عقود، لكن لم تمنع إصدارها بالمحاكم، بدليل أن هناك عدداً كبيراً من الأشخاص في السجون محكوم عليهم بالإعدام، من دون أن تطبق عليهم العقوبة، لأن الجزائر صادقت وصوتت في الأمم المتحدة بناء على توصية للجمعية العامة، لصالح إلغـاء عقوبة الإعدام.

رأي أحزاب السلطة والمعارضة

من أشهر المدانين قضائيا بحكم الإعدام، العسكري لمبارك بومعرافي قاتل الرئيس محمد بوضياف في 29 يونيو(حزيران) 1992، الذي صدر بحقه الحكم عام 1994، والذي تحول إلى سجن مدى الحياة.

كما أنزلت محكمة الجنايات بالعاصمة عام 2022 حكم الإعدام بحق 49 شخصا، اتهموا بارتكاب جريمة مروعة بحق شاب ثلاثيني، يدعى جمال بن إسماعيل بمنطقة القبائل (شرق)، جاء إليها للمساعدة على إخماد حرائق مهولة خلفت قتلى ودماراً كبيراً بالمنطقة في صيف 2021. ولاحقاً تم تخفيض العقوبة بعد نقض الأحكام.

الشاب جمال بن إسماعيل الذي قتل في حرائق القبائل عام 2022 (الشرق الأوسط)

وفي رد فعلها على قرار الجزائر العودة إلى تطبيق حكم الإعدام، أكدت «الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان» في بيان أصدرته في 14 من الشهر الحالي، على رفضها القاطع لهذه الخطوة، مشيرة إلى أن «مجرد إثارة فكرة استئناف التنفيذ، أو توسيع نطاق العقوبة القصوى، يُعد تراجعاً كبيراً في مجال حقوق الإنسان، وإشارة مقلقة للغاية تجاه التزامات البلاد الدولية». مؤكدة على «وجوب أن تستند مكافحة الحرائق المتعمدة إلى تحقيقات مستقلة ودقيقة، وتحديد المسؤوليات بالاستناد إلى الأدلة، واحترام قرينة البراءة، والضمانات الكاملة لحقوق الدفاع. كما ينبغي أن يتمتع كل شخص متابع بمحاكمة عادلة أمام قضاء مستقل، وأن تتوفر له سبل طعن فعلية».

من جهتها، دعت «منظمة العفو الدولية» السلطات الجزائرية في بيان إلى «التخلي فوراً عن أي خطط لتوسيع نطاق عقوبة الإعدام، أو استئناف تنفيذ الإعدامات، بعد أكثر من ثلاثة عقود من توقفها».

وفي حين غابت أصوات الحقوقيين الجزائريين في الداخل، بفعل حل أهم تنظيمات حقوق الإنسان بقرارات قضائية في السنوات الماضية، أعلنت كل الأحزاب الموالية للسلطة تأييدها للقرار، بعكس أحزاب المعارضة، خصوصاً «جبهة القوى الاشتراكية»، التي أبدت تحفظاً شديداً عليه.


الحكومة الموريتانية تستأنف اجتماعاتها وسط جدل سياسي محتدم

من أول اجتماع للحكومة بعد نهاية عطلتها السنوية (الرئاسة)
من أول اجتماع للحكومة بعد نهاية عطلتها السنوية (الرئاسة)
TT

الحكومة الموريتانية تستأنف اجتماعاتها وسط جدل سياسي محتدم

من أول اجتماع للحكومة بعد نهاية عطلتها السنوية (الرئاسة)
من أول اجتماع للحكومة بعد نهاية عطلتها السنوية (الرئاسة)

عادت الحكومة الموريتانية إلى اجتماعاتها الأسبوعية، الأربعاء، بعد 3 أسابيع من التوقف بسبب عطلة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ونصف أعضاء الحكومة، قضاها أغلبهم داخل البلاد في إطار خطة لإنعاش السياحة الداخلية.

وأكد مصدر شبه رسمي لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة عقدت أول اجتماع لها -منذ نهاية العطلة الرسمية- صباح اليوم في القصر الرئاسي، وقد استمر الاجتماع لعدة ساعات «دون أن تتخذ أي إجراءات خاصة»، وفق تعبير المصدر.

عودة في خضم الجدل

كان آخر اجتماع تعقده الحكومة الموريتانية في 27 أغسطس (آب) الماضي، وهو أطول توقف حكومي تعرفه موريتانيا، رغم انتقادات المعارضة لهذا التوقف؛ لأنه تزامن مع ما تقول المعارضة إنه أزمة في توفير الكهرباء والماء، وبعض الخدمات الأساسية في البلاد.

الرئيس ولد الغزواني يترأس أول اجتماع للحكومة (الرئاسة)

كما تتزامن عودة النشاط الحكومي مع جدل سياسي محتدم حول تعديل الدستور، والمطالبة بمأمورية ثالثة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، والتي وصلت إلى أروقة حزب «الإنصاف» الحاكم، فيما تواصل المعارضة رفضها بشدة.

وفي هذا السياق، دعا المكتب السياسي لحزب «الإنصاف» الحاكم إلى العمل على «إصلاحات كفيلة بتحقيق المطالب، التي عبّر عنها منتخبو الحزب، والمتعلقة بالتمسك بشخص الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني»، وفق بيان أصدره المكتب في ختام الدورة العادية الثالثة للمكتب السياسي، يوم الاثنين الماضي.

وشدد المكتب السياسي على أن من واجب الحزب أن يعمل على «دراسة المطالب التي عبّر عنها المنتخبون والمناضلون والأطر خلال الزيارات الميدانية الأخيرة، وتلبيتها، والمتعلقة بالتمسك بشخص الرئيس محمد ولد الغزواني، والدفع باتجاه الإصلاحات الكفيلة بتحقيق ذلك».

وكان الحزب قد أرسل وفوداً إلى داخل البلاد خلال الأسابيع الأخيرة، رفعت فيها مطالب بضرورة تعديل الدستور من أجل السماح للرئيس ولد الغزواني بالترشح لولاية رئاسية ثالثة، في انتخابات رئاسية مرتقبة عام 2029.

ويحكم ولد الغزواني (69 عاماً) موريتانيا منذ عام 2019، وأعيد انتخابه عام 2024 لولاية رئاسية ثانية، هي الأخيرة بموجب الدستور الحالي للبلاد، الذي يحدد عدد الولايات الرئاسية باثنتين فقط.

تحذيرات المعارضة

وقال حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل)»، وهو أكبر أحزاب المعارضة وأكثرها تمثيلاً في البرلمان، إن الدعوة لولاية رئاسية ثالثة بالتزامن مع التحضير للحوار الوطني «يبعث برسائل سياسية بالغة السلبية»، محذراً من «إرباك مسار الحوار، وتقويض مناخ الثقة الهشة بين الأطراف المشاركة في التحضير له».

وجدد الحزب رفضه لأي محاولة للالتفاف على الأحكام الدستورية المتعلقة بالولايات الرئاسية، أو إعادة تفسيرها بما يخدم تمديد السلطة، داعياً كل القوى السياسية والوطنية إلى تحمّل مسؤوليتها في حماية الدستور، والدفاع عن مبدأ التداول السلمي على السلطة بالوسائل الديمقراطية السلمية.

وانتقد الحزب بشدة ما ورد في بيان المكتب السياسي لحزب «الإنصاف» الحاكم، رافضاً ما قال إنها «محاولة تسويق الدعوة إلى المأمورية الثالثة في صورة مطالب شعبية أو إصلاحات ضرورية»، مشيراً إلى أن ذلك التسويق «لا يجعل من خرق النص الدستوري إصلاحاً».

وأكد الحزب المعارض أن الاستقرار «لا يُبنى على بقاء الأشخاص، ولا يرتبط باستمرار نهجهم، وإنما على قوة المؤسسات واحترام الدستور وسيادة القانون»، مشدداً على أن «ما تحتاج إليه موريتانيا في هذه المرحلة هو توجيه الجهد السياسي للقوى الوطنية كافة، وفي مقدمتها السلطة الحاكمة نحو معالجة الأوضاع المعيشية والاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، وتحسين الخِدمات الأساسية المتردية، وتعزيز دولة المؤسسات والقانون».