«الوحدة» الليبية تحت ضغط «احتجاجات فئوية» متصاعدة

غضب بين الأطباء والمعلمين والمتقاعدين بسبب ضعف المرتبات

وقفة احتجاجية في وحدة الرعاية الصحية بمدينة سمنو جنوب ليبيا الأحد (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)
وقفة احتجاجية في وحدة الرعاية الصحية بمدينة سمنو جنوب ليبيا الأحد (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)
TT

«الوحدة» الليبية تحت ضغط «احتجاجات فئوية» متصاعدة

وقفة احتجاجية في وحدة الرعاية الصحية بمدينة سمنو جنوب ليبيا الأحد (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)
وقفة احتجاجية في وحدة الرعاية الصحية بمدينة سمنو جنوب ليبيا الأحد (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)

تواجه حكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة ضغوطاً متزايدة على خلفية تحركات احتجاجية يقودها أطباء ومعلمون ومتقاعدون، للمطالبة بتحسين أوضاعهم المالية وتسوية مستحقات متأخرة، في وقت يتصاعد فيه الجدل بشأن عدالة توزيع الزيادات في المرتبات، خصوصاً بعد زيادات أُقرت للعسكريين في شرق البلاد وغربها.

وفي ظل صمت حكومي، رصد «المجلس الوطني للحريات وحقوق الإنسان» في ليبيا اتساع الاحتجاجات الفئوية المطالبة بالعدالة في الأجور الحكومية، خصوصاً بقطاعي التعليم والصحة.

وحذر المجلس، وهو منظمة حقوقية في طرابلس، في بيان مساء الأحد، من أن «تأخر معالجة أزمة المرتبات قد يوسع نطاق الاعتصامات والمطالبات، ويمتد إلى قطاعات حكومية أخرى».

ويأتي هذا التحذير في وقت بدأت فيه المطالب تأخذ طابعاً أكثر تصعيداً؛ إذ دعا «اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا» إلى إضراب عام في المؤسسات الصحية، للمطالبة بتسوية الأجور والفروقات المالية المستحقة للأطباء منذ سنوات، إلى جانب توفير التأمين الصحي للعاملين في القطاع.

ويشدد مؤسس الحراك، الدكتور سليمان الصومادي، على «مشروعية المطالب»، ملوحاً بالتصعيد القانوني ضد وزارة الصحة. ويقول لـ«الشرق الأوسط»، إن الإضراب يستثني الحالات الطارئة والمزمنة، ولا يخالف التشريعات الطبية، مشيراً إلى استجابة مؤسسات صحية في شرق ليبيا وغربها وجنوبها.

وتعكس مطالب الأطباء الضغوط المالية التي يواجهها العاملون بالقطاع الصحي. وأشارت طبيبة الأسنان آية كعبار، عبر «فيسبوك»، إلى أن مرتب الطبيب لا يتجاوز نحو 200 دولار، معتبرة أنه لا يكفي لتلبية الاحتياجات الأساسية في ظل غلاء المعيشة والتضخم.

وأبدى وزير الصحة الأسبق، رضا العوكلي، استغرابه من استمرار عمل آلاف الأطباء والعاملين في المهن الطبية والكوادر الصحية والفنية من دون الحصول على مرتباتهم لسنوات، في ظل ظروف مهنية ومعيشية صعبة، بينما تتجه الدولة في الوقت نفسه إلى بحث إمكانية استقدام أطباء وكوادر تمريض من الخارج.

وسبق أن نشر الحراك الاحتجاجي مستندات قال إنها تتعلق باستقدام أطباء وكوادر طبية سورية، برواتب تتجاوز 2500 دولار شهرياً، لكن وزارة الصحة نفت ذلك، مؤكدة عدم إبرام تعاقدات نهائية، وأن الأمر لا يزال قيد دراسة الاحتياجات والخيارات.

المعلمون

لا يقتصر الاحتقان على القطاع الصحي؛ إذ تتصاعد مطالب المعلمين بتحسين أوضاعهم المالية، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة. ولا يتجاوز مرتب المعلم نحو ألفي دينار ليبي شهرياً، وهو دخل يرى معلمون أنه لم يعد كافياً لتلبية احتياجات أسرهم. (الدولار يساوي 6.35 دينار في السوق الرسمية. و9.27 دينار في الموازية).

وزير التربية والتعليم في غرب ليبيا محمد القريو (الصفحة الرسمية لوزارة التعليم)

ويتمسك حراك احتجاجي يعرف بـ«حراك المعلمين في ليبيا» بـ3 شروط لإنهاء الاعتصام؛ تتمثل في: تأجيل بدء العام الدراسي إلى أكتوبر (تشرين الأول) مع صرف منحة الأبناء، وصرف الفروقات المالية المستحقة ولو على دفعات، وزيادة المرتبات بما يتناسب مع طبيعة العمل والجهود المبذولة.

وحذر أشرف بوراوي، رئيس نقابة معلمي طرابلس الكبرى، في تصريحات إعلامية، من اللجوء إلى العصيان والاعتصام مع بداية العام الدراسي، مطالباً بزيادة الرواتب بما يتناسب مع المعيشة، وصرف الفروقات والمستحقات المالية، وتوفير التأمين الصحي للمعلمين، أسوة بالمتقاعدين.

المتقاعدون

امتد الاحتقان كذلك إلى شريحة المتقاعدين؛ إذ دعا المكتب الإعلامي للنقابة العامة للمتقاعدين في ليبيا إلى تنظيم وقفات احتجاجية، الثلاثاء، في ظل ما وصفه باستمرار تجاهل مطالبهم المتعلقة بتسوية المعاشات.

وتطالب النقابة بتفعيل قانون 2013 الذي يربط زيادة معاشات المتقاعدين بزيادات العاملين بالدولة، داعية الحكومة والجهات التشريعية والتنفيذية إلى تسوية مستحقاتهم، ومهددة بالتصعيد عبر تنظيم اعتصام مفتوح أمام مقرات الجهات التي تتجاهل مطالبها.

ملتقى للمتقاعدين في الزنتان غرب ليبيا الجمعة الماضي (بلدية الزنتان)

ووصفت النقابة أوضاع المتقاعدين بأنها تتسم بـ«التهميش والتجويع والموت البطيء»، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وعدم تنفيذ القوانين والقرارات المتعلقة بتسوية معاشاتهم، مقارنة بزيادات حصلت عليها شرائح أخرى من العاملين في الدولة، بحسب بيان صدر عقب ملتقى في مدينة الزنتان أخيراً.

جدل الزيادات

امتد الجدل إلى الأجهزة الأمنية؛ إذ دعا عبد الحكيم الخيتوني، مدير إدارة إنفاذ القانون في غرب ليبيا، إلى «إنصاف رجال الشرطة والأمن»، مطالباً بزيادة مرتباتهم ومنحهم امتيازات مماثلة لتلك المقررة لمنتسبي وزارة الدفاع.

ويربط مراقبون تصاعد المطالب المهنية بحالة استياء مكتومة من الزيادات التي أُقرت لمنتسبي المؤسسة العسكرية في شرق ليبيا وغربها، في وقت لم تشمل فيه الزيادات قطاعات أخرى، من بينها التعليم والصحة.

وكانت وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة» قد اعتمدت في يوليو (تموز) الماضي، مرتبات منتسبيها، في خطوة جاءت بعد قرار مماثل اتخذه مجلس النواب الليبي بشأن زيادة مرتبات منتسبي القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» المتمركز في شرق وجنوب البلاد.

ومن دون الإشارة إلى مرتبات العسكريين، رأى «المجلس الوطني للحريات وحقوق الإنسان» أن معالجة أزمة الأجور لا ينبغي أن تقتصر على زيادة مرتبات فئة دون أخرى، مشدداً على أن العدالة الاجتماعية تتطلب منظومة وطنية موحدة ومنصفة تحفظ كرامة جميع العاملين وتكفل لهم أجراً عادلاً، بالتوازي مع ضمان استمرار الخدمات العامة الأساسية للمواطنين.

ويرى المحلل السياسي، حسام الدين العبدلي، أن زيادة مرتبات العسكريين تقف وراء جانب من السخط المكتوم، في ظل غياب زيادات مماثلة لقطاعات أخرى تواجه ضغوطاً تضخمية. ويقر في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الزيادات تحمل أبعاداً سياسية تتصل بتعزيز النفوذ أكثر من كونها معالجة لاختلالات الأجور، محذراً من تداعياتها التضخمية واتساع فجوة المرتبات.

ووسط هذا الجدل، كانت دعوة «المجلس الوطني للحريات وحقوق الإنسان» كلاً من حكومة «الوحدة» والسلطة التشريعية، إلى احتواء الأزمة عبر حوار مباشر مع القطاعات المتضررة، ومراجعة منظومة الأجور على أسس عادلة وشفافة، مع إعطاء التعليم والصحة والخدمات الأساسية أولوية.


مقالات ذات صلة

باكستان تعزّز حضورها الدبلوماسي والعسكري في شرق ليبيا

شمال افريقيا مبنى القنصلية الباكستانية في بنغازي (وزارة الخارجية المكلفة من البرلمان الليبي)

باكستان تعزّز حضورها الدبلوماسي والعسكري في شرق ليبيا

تفتح باكستان مساراً دبلوماسياً جديداً في شرق ليبيا بافتتاح قنصلية عامة لها في بنغازي، بعد نحو عشرة أشهر من تقارب متنامٍ مع قيادة «الجيش الوطني».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع سابق بين الزوبي وصدام حفتر بحضور وزير الدفاع التركي (وكالة أنباء الأناضول)

محادثات أنقرة تختبر فرص توحيد المؤسسة العسكرية في ليبيا

تختبر المحادثات الجارية في أنقرة بين ممثلي القوتين العسكريتين الرئيستين في شرق ليبيا وغربها فرص «توحيد الجيش» وسط أنباء عن تباينات في الرؤى.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا واجهة المصرف المركزي بطرابلس (رويترز)

تضخم إنفاق حكومتي ليبيا يفاقم الضغوط على «المصرف المركزي»

لا يبدو تغيير قيادة مصرف ليبيا المركزي كافياً لإنهاء الضغوط التي تلاحق إدارته بسبب تضخم الإنفاق الحكومي، وفق خبراء.

علاء حموده (القاهرة )
شؤون إقليمية وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (أ.ف.ب) p-circle

تركيا تقول إن إعادة توحيد شرق ليبيا وغربها «باتت وشيكة»

رأى وزير الخارجية التركي، الجمعة، أن الوقت حان لإعادة توحيد الإدارتَين المتنافستَين في شرق ليبيا وغربها، ملمّحاً إلى إمكان صدور إعلان في هذا الشأن في وقت قريب.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
شمال افريقيا وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)

اختصاصات «الوحدة» الليبية في ملف الصحة تُصعّد غضب الأطباء

صعّدت مذكرة حكومية لتنظيم الاختصاصات الإدارية للخدمات الصحية في ليبيا من انتقادات الأطباء بالتزامن مع دعوات إلى وقفة احتجاجية في طرابلس الاثنين المقبل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

رداً على تصريحات ترمب... الدبيبة: نرفض أي إساءة إلى ليبيا

رئيس حكومة الوحدة الوطنية في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)
رئيس حكومة الوحدة الوطنية في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)
TT

رداً على تصريحات ترمب... الدبيبة: نرفض أي إساءة إلى ليبيا

رئيس حكومة الوحدة الوطنية في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)
رئيس حكومة الوحدة الوطنية في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)

أكد رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، اليوم الأحد، رفض أي إساءة إلى ليبيا أو إلى شعبها، بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن المهاجرين، التي ذكر فيها أسماء دول من ضمنها ليبيا.

وقال الدبيبة، في تغريدة على حسابه بمنصة «إكس» اليوم: «ليبيا دولة ذات سيادة، ونرفض أي إساءة إليها أو إلى شعبها الذي قدّم تضحيات كبيرة في محاربة الإرهاب».

وأضاف: «نحرص على علاقاتنا مع الولايات المتحدة على أساس الاحترام المتبادل، ولن نقبل أن تكون كرامة ليبيا وشعبها مادة للسجالات الانتخابية».

ووفق «وكالة الأنباء الألمانية»، يأتي موقف الدبيبة رداً على تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال تجمع انتخابي بولاية جورجيا، أمس السبت، التي هاجم فيها السيناتور الديمقراطي جون أوسوف بسبب دعمه لتشريع يهدف إلى منح «وضع الحماية المؤقتة» لهايتي، مستحضراً في الوقت ذاته تصريحاته المثيرة للجدل والمماثلة في عام 2028 التي حملت إساءة للمهاجرين، ووصف ليبيا ودولاً أخرى وهي اليمن وهايتي والصومال بأنها «حثالة» و «موبوءة بالإرهاب».

كما أدلى ترمب بتصريحات مسيئة حول الصوماليين المقيمين في الولايات المتحدة، زاعماً أن 98 في المائة منهم لا يعملون ويعتمدون على السرقة. وادعى أنهم يعيشون في مستوى أفضل من الأميركيين، رغم ما وصفه بـ«انخفاض ذكائهم»، وفقاً لما ذكره موقع مجلة «أوبن».

وفي معرض إشارته إلى اجتماع سابق مع أعضاء في مجلس الشيوخ من الحزب الديمقراطي حول سياسة الهجرة، ذكر ترمب أنه تساءل عن سبب قبول الولايات المتحدة لمهاجرين من دول يعدها «غير مرغوب فيها»، بدلاً من استقبال مهاجرين من دول مثل النرويج والسويد والدنمارك.


«الأمة الجزائري» يصوّت بالإجماع لصالح إرسال قوة عسكرية إلى النيجر

من جلسات مجلس الأمة الجزائري (أرشيفية - البرلمان)
من جلسات مجلس الأمة الجزائري (أرشيفية - البرلمان)
TT

«الأمة الجزائري» يصوّت بالإجماع لصالح إرسال قوة عسكرية إلى النيجر

من جلسات مجلس الأمة الجزائري (أرشيفية - البرلمان)
من جلسات مجلس الأمة الجزائري (أرشيفية - البرلمان)

صوَّت مجلس الأمة الجزائري، في جلسة طارئة، يوم الأحد، بالإجماع على التماس إرسال قوة عسكرية خارج الحدود، وتحديداً إلى النيجر، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

كانت مصادر نيابية وتقارير إعلامية قد أجمعت في وقت سابق على أن أعضاء مجلس الأمة ونواب المجلس الشعبي الوطني (النواب) تلقوا دعوات رسمية عبر رسائل نصية مقتضبة جداً لحضور جلستين منفصلتين، إذ يجتمع أعضاء مجلس الأمة صباح اليوم، في حين يجتمع النواب في المساء.

ورجحت المصادر حينها أن يصادق البرلمان الجزائري على أمر رئاسي يخول لرئيس الجمهورية -بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة والمسؤول عن الدفاع الوطني- إرسال وحدات من الجيش إلى خارج الوطن، شريطة مصادقة البرلمان على ذلك بأغلبية ثلثي (2/3) أعضاء كل غرفة من فرعيه، حسب الفقرة الثانية من المادة «91» من الدستور الجزائري.

ويتم التصديق على النص المقترح من قِبَل الحكومة «دون مناقشة»، عملاً بأحكام المادة «37» من القانون العضوي المنظم للعلاقات بين البرلمان والحكومة التي تنص على أن الأوامر التي يعرضها رئيس الجمهورية على كل غرفة لتوافق عليها في بداية الدورة لا تعرض للمناقشة، وذلك بعد الاستماع إلى ممثل الحكومة، ومقرر اللجنة المختصة.

وتأتي هذه التطورات بعد الزيارة التي قام بها وزير دفاع النيجر الفريق أول ساليفو مودي إلى الجزائر، يوم الأربعاء الماضي؛ حيث استقبل من قبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، إضافة إلى لقائه رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق أول السعيد شنقريحة، للمرة الثانية في ظرف أسبوع.

ووقع مودي وشنقريحة، بمناسبة هذه الزيارة، على بروتوكول اتفاق في مجال التعاون العسكري لم يكشف عن فحواه.

وأكد شنقريحة، خلال اللقاء المذكور، حسبما ورد في بيان وزارة الدفاع الجزائرية، استعداد الجيش الجزائري لدراسة أي مقترح من النيجر، من شأنه «تعزيز التعاون العسكري والأمني»، خدمة للمصالح العليا للبلدين، وبما يتوافق مع الإرادة القوية لقائديهما.


انفراجة في أزمة «تقنين» أرض دير «سانت كاترين» بمصر

محافظ جنوب سيناء السابق مع رئيس دير سانت كاترين (محافظة جنوب سيناء)
محافظ جنوب سيناء السابق مع رئيس دير سانت كاترين (محافظة جنوب سيناء)
TT

انفراجة في أزمة «تقنين» أرض دير «سانت كاترين» بمصر

محافظ جنوب سيناء السابق مع رئيس دير سانت كاترين (محافظة جنوب سيناء)
محافظ جنوب سيناء السابق مع رئيس دير سانت كاترين (محافظة جنوب سيناء)

في انفراجة لأزمة الوضعية القانونية لدير «سانت كاترين»، الأثري بجنوب سيناء، قالت وزارة الخارجية المصرية، السبت، إنها تلقت خطاباً من مطران الدير سيميون، بالموافقة على توقيع العقد الخاص بالدير والأراضي المحيطة به، التزاماً بالحكم القضائي الصادر في عام 2025، الذي يقنن أرض الدير وفقاً للتشريعات المصرية.

وأكد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية «تقنين وضعية أرض الدير بما يحافظ على وضعيته الدينية والتاريخية في مصر»، إلى جانب «الحفاظ على مسار العلاقات المصرية - اليونانية»، وأشاروا إلى أن «الدير يمثل رمزاً دينياً بالنسبة لليونانيين وكثير من الدول الأوروبية، ومن المهم استثماره لتعزيز السياحة الثقافية والدينية».

وأثار حكم قضائي صادر من «محكمة استئناف الإسماعيلية» (شرق)، في شهر مايو (أيار) 2025، جدلاً حول وضعية دير «سانت كاترين»، بعد أن قضى بأحقية «تابعي دير سانت كاترين» في الانتفاع بالدير والمواقع الدينية الأثرية بالمنطقة، مع ملكية الدولة لهذه المواقع بوصفها من الأملاك العامة.

وتضمن حكم المحكمة «وجوب احترام العقود المحررة بين الوحدة المحلية لمدينة سانت كاترين والدير بشأن بعض قطع الأراضي المستغلة بمعرفة تابعي الدير»، وأكدت المحكمة أن باقي قطع الأراضي المتنازع عليها، محميات طبيعية، وجميعها من أملاك الدولة العامة، ولا يجوز التصرف فيها أو تملكها بالتقادم.

وآنذاك، ذهبت بعض التفسيرات إلى أن السلطات المصرية تعتزم إخلاء الدير وانتزاع الأراضي التابعة له بدعوى «إقامة مشروعات تطوير أو بيعها لمستثمرين»، وانتقد رئيس أساقفة أثينا واليونان للكنيسة الأرثوذكسية، إيرونيموس الثاني، الحكم، ما دفع الحكومة المصرية لتقديم تطمينات للجانب اليوناني، بـ«عدم المساس بالدير والأماكن الأثرية التابعة له»، إلى جانب «الحفاظ على قيمته الروحية ومكانته الدينية».

وفود سياحية في دير سانت كاترين (محافظة جنوب سيناء)

ويقع «دير سانت كاترين» على سفح جبل سيناء، ويعد من أقدم الأديرة العاملة في العالم، ويعرف باسم «دير القديسة كاترين»، وبُني بأمر من الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول لإيواء الرهبان الذين كانوا يعيشون في شبه جزيرة سيناء منذ القرن الرابع الميلادي، وتم تسجيله على قائمة التراث العالمي عام 2002، حسب وزارة السياحة المصرية.

وتلقى وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، خطاباً، السبت، من مطران «دير سانت كاترين» سيميون، تضمن الموافقة على توقيع العقد الخاص بالدير والأراضي المحيطة به، وفقاً للحكم القضائي الصادر في 2025، وحسب إفادة للخارجية المصرية، أكد الخطاب «الالتزام الكامل بالتشريعات الوطنية، بما ينهي كافة المسارات القضائية».

ولم يحدد بيان الخارجية المصرية التفاصيل الكاملة لبنود العقد، وأشار إلى أنه «سيتم تحديد موعد لتوقيع العقد الجديد».

ورحب وزير الخارجية المصري بخطاب مطران دير «سانت كاترين»، وأكد «اعتزاز بلاده بالدير، باعتباره أحد أعرق المعالم الدينية والتراثية في العالم، الذي احتضنته مصر لأكثر من 1600 عام، امتداداً لنهجها في حماية مقدساتها وتراثها الإنساني»، حسب بيان الخارجية المصرية.

وأكد مساعد وزير الخارجية المصري، السفير حسين هريدي، أهمية «الاتفاق الجديد»، بشأن أراضي دير «سانت كاترين»، وقال إنه «من المهم أن يأتي الاتفاق الجديد بموافقة من الحكومة اليونانية، حتى لا يؤثر على مسار العلاقات الثنائية بين القاهرة وأثينا».

وشدد في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» على ضرورة «حماية الوضعية التاريخية والدينية لدير (سانت كاترين)، بوصفه إحدى أبرز المناطق الدينية التي تحظى بمكانة دينية لدى المصريين واليونانيين»، وقال إن «الدير يعد رمزاً للكنيسة اليونانية»، مشيراً إلى أن «مصر تولت عبر عصور طويلة حماية الدير والدفاع عنه».

من زوار دير سانت كاترين (محافظة جنوب سيناء)

وجدد وزير الخارجية المصري تأكيد «التزام بلاده الثابت والممتد بصون دير سانت كاترين، وعدم المساس بالمكانة الروحية والدينية له»، مشيراً إلى أن «الدير يحظى بقيمة تاريخية فريدة تجسد قيم التسامح والتآخي والتعايش بين الأديان والحضارات».

وتنطلق أهمية تقنين وضعية أرض دير سانت كاترين، وفقاً للتشريعات المصرية، من أهميته الدينية والسياحية والسياسية، وفق كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار المصري، مجدي شاكر، الذي قال إن «هناك اهتماماً بوضعية الدير، باعتباره يقع على أرض سيناء»، مشيراً إلى أن «مكانته التاريخية جعلته أحد روافد السياحة الثقافية والدينية، خصوصاً من أوروبا».

ويرى شاكر، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «هناك اهتماماً من الحكومة المصرية بتطوير الدير والخدمات المحيطة به، ضمن مشروع (التجلي الأعظم)، الذي يستهدف تطوير وتعمير المنطقة، لتشكل مقصداً مهماً للسياحة الثقافية في البلاد»، مشيراً إلى أن «هناك أهمية بيئية لمنطقة الدير، نظراً لوجود بعض المحميات الطبيعية هناك».

وقاربت الحكومة المصرية على الانتهاء من تنفيذ مشروع «التجلي الأعظم»، لتطوير منطقة سانت كاترين، والذي أعلنت عنه في عام 2022، بهدف «إنشاء مزار روحاني على الجبال المحيطة بالوادي المقدس، لتكون مقصداً للسياحة الروحانية والجبلية والاستشفائية والبيئية على مستوى العالم، بجانب توفير جميع الخدمات السياحية والترفيهية للزوار، وتنمية المدينة ومحيطها»، وفق وزارة الإسكان المصرية.