ليبيا: احتقان في القطرون عقب مقتل شاب بنيران نُسبت لـ«الجيش الوطني»

«تجمع سياسي» يدعو إلى تدخل دولي عاجل لحماية الجنوب

المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان يقدم واجب العزاء لأهالي القطرون (المجلس)
المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان يقدم واجب العزاء لأهالي القطرون (المجلس)
TT

ليبيا: احتقان في القطرون عقب مقتل شاب بنيران نُسبت لـ«الجيش الوطني»

المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان يقدم واجب العزاء لأهالي القطرون (المجلس)
المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان يقدم واجب العزاء لأهالي القطرون (المجلس)

سادت حالة من التوتر والاحتقان مدينة القطرون، الواقعة في جنوب ليبيا، بعد مقتل المواطن حسين سيدي مطر (16 عاماً) إثر تعرضه لإطلاق نار أثناء وجوده في محطة وقود بالمدينة.

وتباينت الروايات بشأن الجهة التي تقف وراء إطلاق الرصاص على مطر، في ظل توجيه مواطنين اتهاماً إلى «الكتيبة 87» التابعة لـ«الجيش الوطني».

وشهدت القطرون مناوشات وكرّاً وفرّاً بين مواطنين وعناصر من «الكتيبة 87» مساء الخميس، استخدم فيها إطلاق الرصاص العشوائي، وظهر خلالها عدد من أبناء قبيلة «التبو» وهم يحملون السلاح.

صدام حفتر في زيارة إلى القطرون الليبية في نوفمبر 2025 (القيادة العامة)

وسارع «التجمع السياسي الوطني فزان» بتحميل المسؤولية كاملة لـ«الجهة المنفذة»، ومطالبة «الكتيبة 87 بتحمل كامل تبعات هذه الجريمة». ولم يعلق «الجيش الوطني» بشكل رسمي على الواقعة، لكنّ مصدراً مقرباً من القيادة العامة «أكد تقديرها لأهالي القطرون؛ وسعيها لحل أزماتهم المعيشية».

وقالت رانيا الصيد، العضو المؤسس لـ«تجمع فزان»، إن «ما حدث في القطرون لا يمكن قراءته بوصفه حادثة عابرة أو نزاعاً فردياً»، وعدّته «استهدافاً مباشراً للنسيج الاجتماعي ولحالة الاستقرار الهشة، التي نحاول الحفاظ عليها في الجنوب، وهو يستهدف جر المنطقة إلى مربع الفوضى والثأر».

وذهبت في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «أي اعتداء على النفس والمال والعرض مرفوض»، داعية الأجهزة الأمنية والقضائية إلى القيام بواجبها في ضبط الجناة، وتقديمهم للعدالة فوراً.

وعوّلت رانيا الصيد «على دور مجالس الحكماء والأعيان والمشايخ في القطرون، وفي عموم الجنوب»، وقالت: «دوركم اليوم ليس تشريفاً، بل تكليف؛ عليكم مسؤولية رأب الصدع، وحقن الدماء، واحتواء الفتنة قبل أن تستفحل».

مشايخ وأعيان فزان يقدمون واجب العزاء لأهالي القطرون (المجلس)

ووصل وفد من المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان، برئاسة الشيخ إبراهيم أبو بكر نصر، إلى القطرون مساء الخميس، سعياً لاحتواء الأحداث المتصاعدة، وتقديم العزاء والوقوف على الوضع الراهن داخل المدينة.

وطالب «تجمع فزان» بـ«تشكيل لجنة تحقيق عاجلة وشفافة، والكشف عن نتائجها للرأي العام، وتسليم الجناة للعدالة دون تستر أو مماطلة»، داعياً إلى وقف ما سمّاه «أي إجراءات انتقامية، أو عقاب جماعي بحق أهالي القطرون، وعدم تحميل المنطقة مزيداً من الدماء والاحتقان».

ودعا التجمع في بيان أصدره، مساء الخميس، بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، إلى «تحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية في حماية المدنيين بالجنوب، وفتح تحقيق دولي مستقل في الواقعة»، كما طالب المجتمع الدولي بـ«التدخل العاجل لوقف هذه الأفعال التي تستهدف الأبرياء، ووضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان في مناطق الجنوب الليبي».

من جهتها، شددت رانيا الصيد على أن ليبيا «لا تحتمل مزيداً من الأزمات والانقسامات»، فيما نبهت إلى أن «ما يحدث في القطرون قد يتكرر في أي مدينة، إذا استمررنا في معالجة الأعراض وتجاهلنا الأسباب»، وحذرت «من الانجرار إلى الفتن، وخطاب الكراهية، أو تحويل المنطقة وجعلها سلاحاً في يد من يريدون لنا الفرقة».

وتخضع القطرون لسيطرة «الجيش الوطني»، ولا يوجد أي وجود لحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة بالمدينة، التي تعاني من أزمة نقص الوقود مثل غالبية المدن الليبية.

وقال المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان إن وفداً منه قدم واجب العزاء والمواساة إلى أهالي القطرون، «في إطار دوره المجتمعي ومساعيه للم شمل أبناء المنطقة وتوحيد الصف».

«التجمع السياسي فزان» في لقاء سابق مع محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي - 13 يوليو الماضي (مكتب المنفي)

وأوضح المجلس، الجمعة، أنه «كان في استقبال الوفد مشايخ وحكماء وشباب من أبناء التبو بالقطرون؛ وجرى خلال اللقاء البحث بشأن مجريات الحدث الذي شهدته المدينة، وسط تأكيد على أهمية التماسك الاجتماعي واحتواء تداعياته».

وأكد المجلس أن «دماء أهل فزان واحدة؛ وجرح القطرون هو جرح فزان كلها»، مشدداً على «المضي في طريق التسامح والتصالح وحقن الدماء وإحقاق الحق».

ودخلت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا على خط الأزمة، وعبرت عن قلقها حيال «تصاعد معدلات القتل خارج القانون في كثير من المدن والمناطق والبلديات»، وأرجعت ذلك إلى «الفوضى الأمنية التي يشهدها العديد من المدن في عموم البلاد، نتيجة غياب دور وزارة الداخلية والجهات الأمنية المختصة».

ودعت المؤسسة، وزارة الداخلية، ومديرية أمن القطرون، وجهاز المباحث الجنائية، ومكتب المحامي العام بدائرة محكمة استئناف سبها، إلى فتح تحقيق شامل في ملابسات واقعة قتل مطر، وتكثيف جهودها لضبط المتهمين المتورطين في ارتكاب هذه الجريمة، وتقديمهم إلى العدالة.

وسبق أن التقى نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، الفريق صدام حفتر، في مدينة القطرون، مشايخها وأعيانها، ضمن زيارة موسعة شملت مدناً عديدة بالجنوب للوقوف على حالة الأمن، واحتياجات المواطنين المعيشية.


مقالات ذات صلة

ليبيا: «الرقابة الإدارية» تبحث أزمتي الوقود والكهرباء وتتوعد المخالفين

شمال افريقيا رئيس هيئة الرقابة الإدارية في ليبيا عبد الله قادربوه يترأس اجتماعاً لبحث أزمتي الوقود والكهرباء 3 سبتمبر (الهيئة)

ليبيا: «الرقابة الإدارية» تبحث أزمتي الوقود والكهرباء وتتوعد المخالفين

وجّهت هيئة الرقابة الإدارية في ليبيا بضرورة التصدي لأزمتي الكهرباء والوقود، وتتبع مسارات الوقود والغاز من المصدر إلى محطات التوزيع، وضبط المخالفين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا من مراسم توقيع اتفاق لجنة «4 + 4» بشأن القوانين الانتخابية و«مجلس المفوضية» الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

مسارات تفاوضية متلاحقة في ليبيا... متى تقترب الأزمة من الحل؟

شهدت ليبيا كثيراً من اللجان برعاية البعثة الأممية؛ بهدف حلحلة الانقسام السياسي والعسكري والأمني، ليظل التساؤل متمحوراً حول إمكانية هذه المسارات في إنهاء الأزمة.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من حطام المسيّرة التي تحطمت قبل استهداف خزانات الوقود بمستودع البريقة بالعاصمة الليبية الخميس (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

فشل هجوم بـ«مسيّرة مجهولة» على مستودع نفطي بالعاصمة الليبية

وصفت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا «محاولة استهداف خزانات الوقود بمستودع البريقة بطائرة مسيّرة عن بُعد» بأنها عملية «تخريبية تمثل تهديداً  لمنظومة الإمداد».

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من منشآت مصفاة الزاوية «شركة الزاوية لتكرير النفط»

هل تكبح الأحكام الرادعة شبكات تهريب الوقود في ليبيا؟

فتح حكم قضائي صدر في ليبيا، بسجن 10 مدانين على خلفية تهريب وقود وسلع غذائية إلى خارج البلاد، التساؤلات حول قدرة العقوبات المشددة على كبح شبكات تهريب الوقود.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا المبعوثة الأممية في ليبيا هانا تيتيه لدى توقيع اتفاق «4+4» الأحد الماضي «البعثة الأممية»

اتفاق «4+4» يرسم خريطة جديدة للنفوذ السياسي في ليبيا

رغم أن اتفاق «4+4» قد يمهد لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في ليبيا خلال 24 شهراً فإنه قد يعيد أيضاً رسم موازين القوى وخريطة النفوذ، بعد سنوات من الانقسام.

جاكلين زاهر (القاهرة)

ليبيا: «الرقابة الإدارية» تبحث أزمتي الوقود والكهرباء وتتوعد المخالفين

رئيس هيئة الرقابة الإدارية في ليبيا عبد الله قادربوه يترأس اجتماعاً لبحث أزمتي الوقود والكهرباء 3 سبتمبر (الهيئة)
رئيس هيئة الرقابة الإدارية في ليبيا عبد الله قادربوه يترأس اجتماعاً لبحث أزمتي الوقود والكهرباء 3 سبتمبر (الهيئة)
TT

ليبيا: «الرقابة الإدارية» تبحث أزمتي الوقود والكهرباء وتتوعد المخالفين

رئيس هيئة الرقابة الإدارية في ليبيا عبد الله قادربوه يترأس اجتماعاً لبحث أزمتي الوقود والكهرباء 3 سبتمبر (الهيئة)
رئيس هيئة الرقابة الإدارية في ليبيا عبد الله قادربوه يترأس اجتماعاً لبحث أزمتي الوقود والكهرباء 3 سبتمبر (الهيئة)

مع تفاقم أزمتي الوقود والكهرباء؛ بدأت تتسع رقعة الاستياء الشعبي في ليبيا، بعد أن أصبحت طوابير السيارات تتمدد أمام المحطات، بالتزامن مع الانقطاعات الطويلة للتيار وسط موجة حر شديدة، ما يضع المؤسسات الخدمية والرقابية أمام اختبار حقيقي لاحتواء الغضب المتصاعد.

ورصد عدد من المواطنين، خصوصاً في العاصمة طرابلس، اصطفافاً ممتداً للمركبات أمام محطات التوزيع للحصول على الوقود، فضلاً عن شكاوى مماثلة من تخفيف أحمال الكهرباء لمدة تتجاوز 10 ساعات يومياً، ما يعكس تفاقم المعاناة اليومية.

رصد عدد من المواطنين شكاوى من تخفيف أحمال الكهرباء لمدة تتجاوز 10 ساعات يومياً (إ.ب.أ)

وفي إطار المساعي الرسمية لمواجهة التداعيات، عقد رئيس هيئة الرقابة الإدارية، عبد الله قادربوه، اجتماعاً موسعاً بمقر ديوان الهيئة في طرابلس لبحث أسباب الأزمة وطرح معالجات مستدامة، بحضور مسؤولين من شركتي العامة للكهرباء، والبريقة لتسويق النفط والغاز، والمؤسسة الوطنية للنفط.

واستعرض الاجتماع جذور المشكلة، وفي مقدمتها تراجع أعمال الصيانة، وتهالك أجزاء واسعة من محطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع، إلى جانب تأخر تنفيذ عدد من المشروعات الحيوية، ومحدودية القدرات التوليدية، وتكرار الأعطال والاختناقات الفنية.

وشدّد المشاركون في الاجتماع، الذي عقد مساء الخميس، على ضرورة الانتقال إلى «حلول جذرية تضمن إعادة توجيه الإنفاق العام نحو الأولويات الفعالة، وتسريع وتيرة المشروعات المتعثرة، ورفع كفاءة محطات التوليد وشبكات النقل»، مشددين على «ضرورة استقرار إمدادات الغاز والوقود، والحد من الهدر، ووضع خطط استراتيجية مستدامة للاعتماد على الطاقة المتجددة».

وفي ملف قطاع النفط، أكد رئيس الهيئة على «حتمية ضبط عمل المؤسسة الوطنية للنفط، بما يكفل زيادة معدلات الإنتاج واستدامة الإمدادات، مقترناً بحسن إدارة الموارد ورفع كفاءة الإنفاق المالي، وتوجيهه للإيفاء بالمتطلبات الأساسية».

ووجّه قادربوه الإدارات المختصة بالهيئة «لتقصي القرارات والعقود وعمليات التوريد والمخصصات المالية، ومطابقة المستندات بالواقع الميداني، فضلاً عن تتبع مسارات الوقود والغاز من المصدر إلى محطات التوزيع، للتحقق من سلامة العمليات وضبط المخالفين».

كما تضمنت التوجيهات استكمال إجراءات الفحص والاستدلال بشأن أوجه القصور والمخالفات، وتحديد المسؤوليات القانونية عنها، وتشكيل لجان رقابية تتولى مطابقة كميات الوقود المصروفة لمحطات التوليد مع البيانات الرسمية لشركة «البريقة»، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق أي تجاوزات مثبتة، وفق التشريعات النافذة.

وأوضح رئيس الهيئة أن معالجة أزمتي الكهرباء والوقود «لا تقتصر على توفير التمويل، بل تتطلب معالجة أسباب التعثر، وضبط الإنفاق والتوريد، وتوجيه الموارد إلى مواقع الاحتياج الفعلي، ومتابعة تنفيذ المشروعات وقياس أثرها على أرض الواقع».

يشتكي عدد من سكان العاصمة طرابلس اصطفافاً ممتداً للمركبات أمام محطات التوزيع للحصول على الوقود (إ.ب.أ)

وانتهى الاجتماع إلى «فرض متابعة رقابية دورية على ملفي الطاقة والنفط لضمان تطبيق التوصيات، والحد من الهدر، وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين».

كما أهابت الهيئة بالأجهزة الأمنية «تشديد الرقابة على شحنات الوقود، ابتداءً من المستودعات، حتى وصولها للمحطات لمنع عمليات التهريب»، مؤكدة أنها «لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية ضد أي مقصر أو مخالف».

على صعيد متصل، عقد وزير الداخلية في حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عماد الطرابلسي، اجتماعاً موسعاً لمتابعة آليات توزيع الوقود، وتفكيك العوائق التوجيهية التي تعترض وصوله للمحطات، ومكافحة التهريب والتلاعب، مشدداً على إنفاذ القانون، ودعم الأجهزة الأمنية لفرض النظام وإنهاء حالة الازدحام.


مخاوف مصرية من تداعيات اقتصادية مع التحسّب لـ«حرب ممتدة» في المنطقة

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحافي الخميس (الحكومة المصرية)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحافي الخميس (الحكومة المصرية)
TT

مخاوف مصرية من تداعيات اقتصادية مع التحسّب لـ«حرب ممتدة» في المنطقة

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحافي الخميس (الحكومة المصرية)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحافي الخميس (الحكومة المصرية)

​ وسط مخاوف من التداعيات الاقتصادية، تتحسب مصر لـ«حرب ممتدة» بالمنطقة، عبر سيناريو حكومي توقع استمرار النزاع حتى عام 2030، ورأى خبراء أن طول أمد التوترات الإقليمية «قد يجبر الحكومة المصرية على تفعيل اقتصاد الحرب».

وقال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، إن الحكومة وضعت سيناريوهات مختلفة للتعامل مع تداعيات الحرب في المنطقة، من بينها «السيناريو الأسوأ» وهو استمرار الحرب لسنوات، موضحاً خلال مؤتمر صحافي الخميس، أن «أحد السيناريوهات التي وضعتها الحكومة حتى عام 2030 هو استمرار الحرب، وتداعياتها على الاقتصاد المصري»، مؤكداً ضرورة «التحسب لاستمرار الوضع الحالي لسنوات مقبلة».

وأشار رئيس الوزراء المصري إلى أن «وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية وضعت سيناريوهات مختلفة للتعامل مع تداعيات الحرب»، لافتاً إلى أنه «رغم ارتفاع الأسعار الكبير وعبئه على الدولة المصرية، وتزايد الاستهلاك الكبير للطاقة في فصل الصيف، لم تحدث أي أزمة».

حديث رئيس الوزراء المصري أثار تساؤلات بشأن تأثر الاقتصاد في حال استمرار الحرب بالمنطقة، و«التحوط» الحكومي للتعامل مع التأثيرات، وفي رأي الخبير الاقتصادي الدكتور وائل النحاس، «تتركز المخاوف المصرية بالأساس على المصادر الرئيسية للتدفقات الدولارية؛ وهي قناة السويس، وتحويلات المصريين بالخارج، والسياحة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «التحسب الحكومي لحرب ممتدة يعني اعتماد اقتصاد الحرب عبر التحوط لتوفير السلع الأساسية من خلال جهاز (مستقبل مصر)، وضمان إمدادات الطاقة والبحث عن مصادر بديلة للسلع الأساسية وعلى رأسها بدائل للقمحين الروسي والأوكراني».

وسبق أن لوح رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2024، إلى تعامل الدولة مع ما يمكن وصفه بـ«اقتصاد الحرب»، مشيراً إلى أن «هذا التوجه قد تضطر إليه الحكومة إذا تعرضت المنطقة لحرب إقليمية»، وهو ما أثار جدلاً وتساؤلات في ذلك الحين.

الحكومة المصرية تحاول السيطرة على الأسعار عبر التوسع في طرح السلع المدعمة (وزارة التموين المصرية)

وأكد النحاس أن «استمرار الحرب بالمنطقة سيؤثر مباشرة في التدفقات الدولارية؛ سواء السياحة أو قناة السويس وتحويلات المصريين بالخارج».

وبحسب إفادة لـ«البنك المركزي»، أوائل يوليو (تموز) الماضي، فإن تحويلات المصريين العاملين بالخارج واصلت وتيرتها المتصاعدة، حيث «ارتفعت خلال الفترة من يوليو (تموز) 2025 إلى مايو (أيار) 2026، بمعدل 31.2 في المائة لتصل إلى نحو 43.1 مليار دولار، مقابل نحو 32.8 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق».

وأشار النحاس إلى أن «تصريحات رئيس الوزراء تحمل رسالة إلى المواطنين مفادها أن الحكومة يمكن أن تكون مضطرة إلى خفض الدعم عن بعض الخدمات؛ وفي مقدمتها المحروقات والكهرباء، بسبب تداعيات الحرب الاقتصادية».

وذكر مدبولي أن أسعار الغاز والبترول ارتفعت بسبب الاضطرابات الإقليمية، و«تحملت الدولة خلال السنوات القليلة الماضية فاتورة تلك الاضطرابات»، موضحاً أن «هناك حكومات تمرر الزيادة بالكامل على المواطن، أو تتخذ إجراءات في صورة تحميل جزء على المواطن وتحميل جزء آخر على فاتورة الدين، وهذه هي السياسات ببساطة شديدة، لكننا اخترنا البديل الثاني؛ وهو أن تتحمل الدولة جزءاً من هذه الفاتورة في صورة ديون، وتحمل المواطن الجزء الآخر».

«حرب إيران» تلقي بظلالها على الأسواق المصرية (وزارة التموين المصرية)

ويحمل حديث رئيس الوزراء المصري في خلفياته رسائل سياسية عدة، بحسب مدير «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور أيمن عبد الوهاب، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «ثمة رسالة للمواطن المصري، بألا يتوقع تراجع موجة الغلاء قريباً؛ وهي رسالة للمكاشفة والمصارحة بشأن تأثيرات الأزمات الإقليمية». وفي رأيه، فإن «طبيعة المرحلة والتحولات الإقليمية تعزز سيناريو عدم الاستقرار بالمنطقة، وهو ما ينعكس على السياسات الاقتصادية لمعظم الدول، ومنها مصر».

وتابع: «يمكن اعتبار التحسب الحكومي للتأثيرات الاقتصادية شكلاً من أشكال إدارة المخاطر، يتطلب الاستعداد لكل السيناريوهات، خصوصاً القطاعات التي تتأثر سريعاً بالتوترات؛ مثل إمدادات الطاقة وتحويلات المصريين بالخارج والسياحة وقناة السويس، لذلك لا بد أن يُؤخذ التحوط الحكومي بجدية».

وأكد عبد الوهاب أن «حديث رئيس الوزراء يتضمن تنبيهاً للرأي العام إلى حجم الضغوط التي يتعرض لها اقتصاد البلاد بسبب التوترات الإقليمية والصعوبات والتحديات التي تواجهها الحكومة، بهدف زيادة الوعي لدى المواطنين بحجم المخاطر».

وتأتي تصريحات رئيس الوزراء المصري في وقت تتجه الحكومة إلى التحول من «الدعم العيني» إلى «النقدي» لحاملي البطاقات التموينية، حيث بدأت وزارة التموين في مايو الماضي، إجراءات لتنقية بطاقات التموين، وحذف غير المستحقين، وهو ما أثار مخاوف من امتداد التأثيرات الاقتصادية للحرب على ملف الدعم.


مسارات تفاوضية متلاحقة في ليبيا... متى تقترب الأزمة من الحل؟

من مراسم توقيع اتفاق لجنة «4 + 4» بشأن القوانين الانتخابية و«مجلس المفوضية» الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)
من مراسم توقيع اتفاق لجنة «4 + 4» بشأن القوانين الانتخابية و«مجلس المفوضية» الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)
TT

مسارات تفاوضية متلاحقة في ليبيا... متى تقترب الأزمة من الحل؟

من مراسم توقيع اتفاق لجنة «4 + 4» بشأن القوانين الانتخابية و«مجلس المفوضية» الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)
من مراسم توقيع اتفاق لجنة «4 + 4» بشأن القوانين الانتخابية و«مجلس المفوضية» الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

يتنقل الأفرقاء الليبيون بين صيغ ومسارات تفاوضية عبر لجان ترعاها البعثة الأممية لدى البلاد، تحمل أرقاماً تبدأ من «5 + 5» إلى «6 + 6»، و«3 + 3»، و«2 + 2»، وصولاً إلى «4 + 4»، وذلك في محاولات لكسر جمود سياسي، وتعثُّر انتخابي، وانقسام عسكري وأمني طال أمده.

ومع توصُّل لجنة «4 + 4» إلى تفاهمات بين «الجيش الوطني» في شرق البلاد، وحكومة «الوحدة» المؤقتة في غربها بشأن القوانين الانتخابية و«مجلس المفوضية»، الأسبوع الماضي، وما أثارته من جدل، يعود التساؤل حول جدوى هذه المسارات، وما إذا كانت ستُنهي المرحلة الانتقالية، أم قد تمهِّد لصيغة جديدة؟

وتشترك هذه اللجان، رغم اختلاف مهامها، في محاولة تقريب وجهات النظر بين مؤسسات وأطراف شرق ليبيا وغربها، ومعالجة ملفات عالقة، من وقف إطلاق النار، وتوحيد المؤسسة العسكرية، إلى القوانين الانتخابية أو توحيد الميزانية.

اجتماع لجنة «6 + 6» لإعداد القوانين الانتخابية بطرابلس في 7 مايو 2023 (مجلس النواب)

ومن منظور الدكتور عارف أحمد التير، الأكاديمي الليبي، فإن توالي هذه المسارات يعكس جانباً من تعقيدات الأزمة، في ظلِّ الانقسام السياسي والعسكري، وانتشار السلاح والميليشيات، فضلاً عن التدخلات الإقليمية والدولية.

ويعتقد التير في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الصيغ «باتت تمثل إطاراً لإيجاد حلول للأزمة من خلال إشراك ممثلين عن شرق البلاد وغربها»، عادّاً أن طبيعة الصراع دفعت إلى البحث عن ترتيبات تستوعب توازنات القوى، لكنها بقيت تحمل في طياتها سؤالاً لدى الليبيين عن «رقم الحظ» الذي يحمل حلاً لليبيين.

البداية مع تلك المسارات كانت عسكرية، حين شُكِّلت لجنة «5 + 5» في يناير (كانون الثاني) 2020 بموجب مخرجات «مؤتمر برلين»، واضطلعت بمهمة تثبيت وقف إطلاق النار، الذي أعقب حرب العاصمة طرابلس عام 2019، والعمل على توحيد المؤسسة العسكرية، وتمكنت من تثبيت الهدنة، لكنها لم تحقق نتائج حاسمة لتوحيد الجيش.

ومع تعثر انتخابات 2021 الرئاسية والبرلمانية، تشكلت لجنة «6 + 6» في مارس (آذار) 2023، بواقع 6 أعضاء من مجلس النواب، ومثلهم من المجلس الأعلى للدولة، وأقرَّت في يونيو (حزيران) من العام نفسه تعديلات للقوانين الانتخابية، لكنها لم تُفضِ إلى إجراء الانتخابات بسبب استمرار الخلافات السياسية.

توقيع ممثلي مجلسَي النواب و«الأعلى للدولة» للاتفاق الموحد في أبريل الماضي (المصرف المركزي)

ولم تتوقف هذه المسارات، إذ ارتبط إقرار أول ميزانية موحدة في ليبيا منذ 13 عاماً، في أبريل (نيسان) الماضي، بتفاهمات عُرفت بصيغة «2 + 2»، جمعت ممثلين عن مجلسَي النواب و«الأعلى للدولة» في مسار مرتبط بمصرف ليبيا المركزي. لكن تنفيذه لم يكتمل بالشكل المأمول، وفق تصريحات لمسؤولين حكوميين.

راهناً، تحيط السرية بأعمال لجنة «3 + 3»، التي تشكلت بين عسكريين من شرق ليبيا وغربها، عقب مناورات مشتركة في سرت خلال أبريل الماضي برعاية أميركية. ويتركز هدفها المعلن على مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة، بما فيها الاتجار بالبشر والتهريب.

ويرى مراقبون أن هذا المسار قد يفتح الباب أمام خطوات لتقريب المؤسسة العسكرية بين الشرق والغرب، وإن لم تظهر حتى الآن نتائج معلنة بشأن توحيد الجيش، لكنها تبقى رهينة سؤال مؤجل عن مصير الميليشيات والوجود الأجنبي.

ورغم ما حققته لجنة «4 + 4»، الأسبوع الماضي، من توافق بشأن الانتخابات وقوانينها و«مجلس المفوضية»، بوصفه «خطوة مهمة» على مسار إنهاء المرحلة الانتقالية، فإن التير يشدِّد على أن «الاختبار الحقيقي في توحيد المؤسسة العسكرية والسلطة التنفيذية»، عادّاً أن نجاح الصيغة في ذلك «سيكون إنجازاً مهماً»، ويمهد لمعالجة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وتنظيم الانتخابات.

سياسيون آخرون ينظرون إلى ظاهرة اللجان ذات الصيغ الرقمية بقدر أكبر من التشكيك، عادّين أن سوابقها لا تحمل أي حظوظ لإنهاء المرحلة الانتقالية، بعدما عالجت ملفات جزئية من دون إنتاج حل شامل.

ويقول أبو بكر مصباح، عضو «ملتقى الحوار السياسي الليبي في جنيف»، إن الصيغ التي طُرحت، ومنها «6 + 6» و«4 + 4» و«3 + 3»، أثبتت أنها أقرب إلى «حلول وقتية لإدارة الأزمة» منها إلى مسارات تستهدف إنهاءها والتوصل إلى تسوية دائمة.

ويربط مصباح في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، استمرار هذه الدائرة بتغير المبعوثين الأمميين إلى ليبيا، موضحاً أن تغيير القائمة بأعمال المبعوثة الأممية السابقة ستيفاني وليامز أسهم، في رأيه، في «تعطيل المسار السياسي»، إذ يأتي كل مبعوث جديد برؤى وترتيبات مختلفة قبل اكتمال المسارات السابقة.

ويضع مصباح ملاحظة على تركيبة اللجان، إذ يرى أن معظم الصيغ ركزت على الشرق والغرب، بينما تجاهلت معادلاتها الجنوب، رغم موقعه المؤثر، عادّاً أن الجنوب «يمثل رمانة الميزان في هذه المعادلة السياسية المعقدة»، ومؤكداً أن الوصول إلى تسوية مستقرة «لا يمكن أن يتم من دون إشراك الجنوب بصورة حقيقية»، محذراً من أن استمرار إنتاج اللجان وفق صيغ مختلفة لا يعني بالضرورة أن الحل أصبح أقرب، ما لم تتوافر إرادة سياسية لتنفيذ التفاهمات.

ولا يحمّل فتح الله السريري، عضو المجلس الأعلى للدولة وعضو لجنة «6 + 6»، اللجان نفسها مسؤولية التعثر، إذ يرى لـ«الشرق الأوسط» أن «المشكلة ليست في اللجان، وإنما في توجهات البعثة لإطالة المرحلة الانتقالية لتحقيق أغراض بعض المتدخلين في الشأن الليبي إقليمياً ودولياً».

اجتماع سابق للجنة «5 + 5» العسكرية الليبية أبريل 2023 (البعثة الأممية)

وبينما تختلف التقييمات، تكشف حصيلة هذه المسارات عن أن كل لجنة جاءت لمعالجة عقدة محددة، لكنها لم تتمكَّن حتى الآن من تقديم حلول حاسمة وقابلة للاستدامة. ويبقى السؤال: إذا لم تكن «4 + 4» هي المسار الذي يخرج ليبيا من أزمتها، فكم ستحتاج البلاد من الصيغ واللجان كي تنتهي المرحلة الانتقالية؟