فشل هجوم بـ«مسيّرة مجهولة» على مستودع نفطي بالعاصمة الليبية

تحشيد مسلح في طرابلس وسط نزاع بشأن جهاز الاستخبارات

جانب من حطام المسيّرة التي تحطمت قبل استهداف خزانات الوقود بمستودع البريقة بالعاصمة الليبية الخميس (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
جانب من حطام المسيّرة التي تحطمت قبل استهداف خزانات الوقود بمستودع البريقة بالعاصمة الليبية الخميس (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
TT

فشل هجوم بـ«مسيّرة مجهولة» على مستودع نفطي بالعاصمة الليبية

جانب من حطام المسيّرة التي تحطمت قبل استهداف خزانات الوقود بمستودع البريقة بالعاصمة الليبية الخميس (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
جانب من حطام المسيّرة التي تحطمت قبل استهداف خزانات الوقود بمستودع البريقة بالعاصمة الليبية الخميس (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

هاجمت طائرة مسيّرة «مجهولة» خزانات الوقود بمستودع البريقة بطريق المطار بالعاصمة الليبية طرابلس، صباح الخميس، في حادثة جدّدت التساؤلات في البلد الذي يعاني تغوّل الميليشيات المسلحة حول هذه الطائرات، والجهة التي تطلقها.

وانتشر حطام «الدرون» داخل المستودع، بعد أن أخطأت هدفها، وانفجرت في ساعة مبكرة الخميس، قبيل استهداف خزانات المستودع لتنجو طرابلس من كارثة إنسانية وبيئية محقّقة، في عملية وصفتها المؤسسة الوطنية للنفط بـ«التخريبية».

واعتاد الليبيون في غرب ليبيا على مثل هذه الطائرات، التي تستهدف منشآت حيوية، من بينها خزانات للنفط.

حطام المسيّرة التي تحطمت قبل استهداف خزانات الوقود بمستودع البريقة (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

واستهجنت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا محاولة استهداف خزانات الوقود بمستودع البريقة بطائرة مسيّرة عن بُعد، وقالت إن العملية التي «لم تحدث أضراراً تذكر؛ تُعدّ مؤشراً خطيراً يستدعي تكاثف جهود جميع الجهات الأمنية والعسكرية لتحمّل مسؤولياتها، وحماية هذه المواقع الحيوية الحساسة، التي يشكل العبث بها خطراً محققاً على حياة المواطنين، واستنزافاً لثرواته ومقدراته».

وذهبت المؤسسة الوطنية في بيان الخميس إلى أن استهداف المنشآت النفطية «في أي مكان في ليبيا وبأي شكل من الأشكال، يمثل تهديداً مباشراً لمنظومة الإمداد والخدمات الأساسية»، متحدثة عن تأثيرات ذلك على توفير الوقود لمحطات الكهرباء وإنتاج الطاقة، والمرافق الصحية، والقطاعات الصناعية والخدمية، فضلاً عن توفير حاجة المواطنين اليومية من الوقود.

وفي أغسطس (آب) الماضي استهدفت طائرتان مسيّرتان منشأتين حيويتين في طرابلس، وسط توعّد حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة بالرد على المتورطين، لكنها لم تتخذ أي إجراء، أو تعلن عن تحقيق بشأن ذلك حتى الخميس.

وحذّر عبد المنعم الحر، أمين المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا، من وجود مثل هذه الأسلحة في يد الأفراد، وخارج سيطرة الدولة، وقال إن «الحل الجذري لإيقاف هذه الانتهاكات يستوجب حظر وتفكيك السلاح، بحيث يبقى في قبضة المؤسسة العسكرية الرسمية، وفق أسس مهنية احترافية تصون الحدود، وتحمي المنشآت الحيوية، وتوفر الأمن المتساوي لجميع المواطنين تحت مظلة القانون والعدالة».

«الوحدة» الليبية توعدت بمحاسبة المتورطين في استهداف مصفاة الزاوية بمسيّرة 12 أغسطس الماضي (إ.ب.أ)

وأضاف الحر في تصريح صحافي أن المسؤولية الجنائية المباشرة تقع على عاتق قادة التشكيلات المسلحة بالغرب الليبي، بينما تتحمل السلطتان التنفيذية والأمنية المسؤولية التقصيرية، لافتاً إلى «المسؤولية الدولية التي تقع على عاتق الدول، التي تخرق قرارات مجلس الأمن بشأن حظر توريد السلاح».

وفي 8 أغسطس الماضي، تعرّض أحد خزانات مصفاة الزاوية، إحدى أكبر منشآت التكرير في البلاد لهجوم بطائرة مُسيّرة، ما أدى إلى إحداث ثقبين في جدار الخزان، وتسرب مادة نفطية شديدة الاشتعال، وذلك إثر اشتباكات مسلحة بين الميليشيات المتغولة في المدينة الواقعة (شمال غربي البلاد).

وبعد ذلك بأربعة أيام فقط، تعرّضت محطة تحويل الكهرباء جنوب مدينة الزاوية لهجوم بطائرة مسيّرة، ما أدى إلى احتراقها بالكامل وخروجها عن الخدمة، وفقدان التغذية الكهربائية عن مناطق واسعة جنوب المدينة. وجاء ذلك وسط توتر أمني في العاصمة طرابلس على خلفية النزاع على رئاسة جهاز الاستخبارات.

وطرح إطلاق المسيّرة أسئلة كثيرة على ألسنة الليبيين، ولا سيما المتابعين لتأثير التأزم السياسي على الوضع الأمني. وتساءل حسام الفنيش، المحلل السياسي الليبي قائلاً: «هل هذا حادث منفرد أم بداية اتساع لتهديد أمن الطاقة؟».

وربط الفنيش بين مسيّرة طرابلس، وبين عملية استهداف منشآت الوقود في الزاوية الشهر الماضي، وقال إنه «لا ينبغي النظر إلى ما وقع الخميس بوصفه حادثاً أمنياً منفصلاً فقط، بل بوصفه إشارة تستحق قراءة استراتيجية لأمن الطاقة في ليبيا». عادّاً أنه «حتى الآن لا توجد أدلة تثبت رابطاً مباشراً بين الحادثين، وتبقى نتائج التحقيق هي الفيصل في تحديد طبيعة الجسم والجهة المسؤولة»، ومبرزاً أن «تكرار التهديدات بالمسيّرات ضد منشآت حيوية يفرض مراجعة منظومة حماية البنية التحتية النفطية، ليس فقط من حيث الحراسة، وإنما من حيث الرصد المبكر والاستجابة واستمرارية الإمدادات».

وذهب الفنيش إلى أن «احتمال ارتباط الحادث بشبكات تهريب الوقود، أو مصالح اقتصادية، متضررة يظل أحد مسارات التحقيق الممكنة؛ لكنه يحتاج إلى أدلة؛ وفي الوقت نفسه ينبغي عدم استبعاد الرسائل السياسية، أو اختبار قدرة الدولة على حماية منشآتها الحيوية».

احتراق مرافق ومنشآت نفطية في مدينة الزاوية بعد استهدافها بطائرات مسيرة 12 أغسطس (أ.ب)

واستغل الفنيش هذا الحادث للتأكيد على أن «توحيد التنسيق بين المؤسسات الأمنية والعسكرية والجهات النفطية في ليبيا أصبح مسألة استراتيجية».

وأمام الحادث الذي رصده مواطنون في طرابلس صباح الخميس، فقد دعت المؤسسة الوطنية للنفط إلى «تجنيب المنشآت النفطية والعاملين بها أي أعمال عدائية، واحترام سلامتها وحرمتها، بما يضمن استمرارية إمدادات الوقود، ويحافظ على أمن الطاقة وسلامة المواطنين».

وانتهت المؤسسة إلى «أنها رفعت حالة الجهوزية التامة لكل فرق الطوارئ في جميع المواقع، كما باشرت الفرق المختصة في عملية سحب الوقود من الخزانات لتقليل منسوب الوقود فيها، ضمن الإجراءات الاحترازية المتبعة».

وسبق أن تعرّض مستودع البريقة لحوادث مشابهة؛ ففي ديسمبر (كانون الأول) 2019، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط وشركة البريقة لتسويق النفط عن تعرّضه لإطلاق نار مرتين، أثناء وجود الموظفين فيه، لكنهم تمكّنوا من إخلائه دون التعرض لأي إصابات.

وعقب استهداف مصفاة الزاوية بمسيّرة، توعّدت وزارة الدفاع التابعة لحكومة «الوحدة» بالرد، وقالت إن «استهداف المنشآت النفطية والحيوية في الزاوية عمل عدائي ممنهج، تقف وراءه أطراف تدفع بدعم وتحريض من جهات خارجية نحو زعزعة أمن البلاد واستقرارها، مما يجر ليبيا إلى مستنقع من الفوضى والصراع».

كما قالت سابقاً إنها لن تتهاون مع هذه «الاعتداءات والأعمال الإجرامية»؛ وإنها تتعامل مع هذه الأعمال بوصفها «اعتداءً مباشراً على أمن الوطن، وتهديداً خطيراً للاستقرار والسلم الاجتماعي».

وتعيش طرابلس حالة من التوتر والأجواء المشحونة بالتحشيد المسلح، إثر نزاع محتدم على رئاسة جهاز الاستخبارات بين رئيسه السابق المقال حسين العايب، وعبد المجيد امليقطة المكلف من رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي. وتفاقمت حدة التوتر عقب اتهام امليقطة للعايب بخطف أحد أعضاء فريقه، فور اتجاهه لتسلم مقر الجهاز بوزارة الخارجية في العاصمة.


مقالات ذات صلة

مخزونات النفط الأميركية تخالف التوقعات وترتفع بمقدار 3 ملايين برميل في أسبوع

الاقتصاد صهاريج لتخزين النفط الخام في محطة كيندر مورغان بولاية كاليفورنيا (رويترز)

مخزونات النفط الأميركية تخالف التوقعات وترتفع بمقدار 3 ملايين برميل في أسبوع

قالت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، الأربعاء، إن مخزونات الخام الأميركية ارتفعت، بينما انخفضت مخزونات البنزين ونواتج التقطير الأسبوع الماضي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد كان الكرملين قد صرح هذا الشهر بأن أوروبا تلحق الضرر بنفسها بشراء الغاز باهظ الثمن من السوق الفورية بدلاً من اختيار الإمدادات الروسية الأقل تكلفة (رويترز)

روسيا تخفض توقعاتها لإنتاج وتصدير الغاز

خفضت وزارة الاقتصاد الروسية توقعاتها لإنتاج وتصدير البلاد من الغاز الطبيعي هذا العام، في الوقت الذي تستعد فيه أوروبا لإنهاء مشترياتها الأخيرة من الغاز الروسي.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد شاشة تعرض أسعار البنزين والديزل في محطة وقود بلوس أنجليس 22 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

النفط يتجاوز 100 دولار من جديد بعد تصريحات ترمب بشأن الديزل

ارتفعت أسعار النفط، خلال النصف الثاني من جلسة يوم الأربعاء، ليتجاوز خام برنت مستوى 100 دولار من جديد، بعد أن تنفست الأسواق الصعداء مؤخراً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شعار شركة «شيفرون» أمام مقرها في هيوستن بولاية تكساس الأميركية (رويترز)

اليونان: «شيفرون» ستبدأ عمليات المسح الزلزالي قبل نهاية العام

أعلنت وزارة الطاقة اليونانية، الأربعاء، أن شركة النفط العملاقة «شيفرون» ستبدأ عمليات المسح الزلزالي في مناطق امتياز بحرية قبالة سواحل اليونان خلال العام الحالي.

«الشرق الأوسط» (أثينا)
الاقتصاد صهريج لتخزين النفط تابع لشركة توتال (إكس)

«توتال» و«أمني» تتخذان قرار الاستثمار النهائي بشأن حقل غاز بحري في نيجيريا

أعلنت شركة النفط الفرنسية «توتال إنرجي» وشريكتها النيجيرية «أمني» عن اتخاذ قرار الاستثمار النهائي لتطوير حقل غاز «آ.م.أ» (Ima) البحري في نيجيريا.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الانتخابات أولاً أم الدستور؟... فصل جديد للأزمة السياسية في ليبيا

الدبيبة خلال لقاء مع قيادات اجتماعية وقبلية في مصراتة بغرب ليبيا (مكتب رئيس حكومة الوحدة)
الدبيبة خلال لقاء مع قيادات اجتماعية وقبلية في مصراتة بغرب ليبيا (مكتب رئيس حكومة الوحدة)
TT

الانتخابات أولاً أم الدستور؟... فصل جديد للأزمة السياسية في ليبيا

الدبيبة خلال لقاء مع قيادات اجتماعية وقبلية في مصراتة بغرب ليبيا (مكتب رئيس حكومة الوحدة)
الدبيبة خلال لقاء مع قيادات اجتماعية وقبلية في مصراتة بغرب ليبيا (مكتب رئيس حكومة الوحدة)

اتسعت مساحة التباين داخل المشهد السياسي في غرب ليبيا بشأن الطريق إلى الانتخابات المؤجلة، بعدما أبدى رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة دعماً لمسار لجنة الحوار المصغر «4+4»، في وقت جدد فيه رئيس «المجلس الأعلى للدولة » محمد تكالة تمسكه بالمسار الدستوري والاستفتاء على مشروع الدستور المُنجَز عام 2017.

ويعكس الموقفان، بحسب مراقبين، خلافاً يتجاوز التفاصيل الإجرائية للانتخابات، إلى سؤال أوسع يتعلق بالترتيب الذي ينبغي أن يحكم المرحلة المقبلة: هل يكون البدء بتوفير الإطار السياسي والقانوني لإجراء الانتخابات، كما يقترح اتفاق «4+4»؟ أم بإتمام الاستحقاق الدستوري عبر طرح مشروع الدستور على الليبيين للاستفتاء قبل الانتقال إلى مؤسسات دائمة؟

رئيس «المجلس الأعلى للدولة» محمد تكالة مجتمعاً مع رئيس هيئة صياغة الدستور (المجلس الأعلى للدولة)

وخلال لقاء عقده، مساء الثلاثاء، مع شخصيات سياسية واجتماعية فاعلة من مدينة مصراتة، أعطى الدبيبة إشارة ضمنية على موافقته على اتفاق «4+4» بين الطرفين الحاكمين في شرق وغرب ليبيا، عاداً إياه «يتوافق مع رؤية حكومته للذهاب إلى الانتخابات وإنهاء المراحل الانتقالية، والعبور إلى مرحلة سياسية مستقرة ودائمة»، وفق بيان صادر عن مكتبه.

وذهب إلى القول إن «الرؤية واضحة بأن يكون القرار للشعب الليبي عبر انتخابات تنهي حالة الانقسام وتمنح المؤسسات شرعيتها الحقيقية من إرادة المواطنين»، مشدداً على رفض ترتيبات من شأنها إعادة إنتاج المراحل والأجسام السياسية القائمة.

ويأتي موقف الدبيبة بعد توقيع لجنة «4+4» اتفاقها في 30 أغسطس (آب) بمقر بعثة الأمم المتحدة في طرابلس، بحضور ممثلين عن مجلسي النواب والدولة والمجلس الرئاسي وسفراء، وبرعاية المبعوثة الأممية هانا تيتيه.

وينص الاتفاق على معالجة القضايا العالقة في الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات وإعادة تشكيل مجلس المفوضية العليا للانتخابات، ووضع إطار زمني لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً، مع حسم مسألة ترشح مزدوجي الجنسية والعسكريين.

وسبق أن رحب «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر بالاتفاق الذي حظي برعاية من مسعد بولس، كبير مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية الذي يقود تحركاً يركز على توحيد المؤسسات ودفع المسار الانتخابي، في وقت تسعى فيه الأمم المتحدة إلى توسيع قاعدة الدعم للاتفاق والتواصل مع الأطراف السياسية الأخرى.

وفي المقابل، أعاد تكالة ملف الدستور إلى واجهة المشهد السياسي خلال اجتماعه، مساء الثلاثاء، في طرابلس مع رئيس الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور مراجع نوح، مؤكداً حرص المجلس على التواصل مع الهيئة باعتبارها الجهة المنتخبة والمختصة بصياغة الدستور.

وشدد تكالة على أهمية استكمال الاستحقاقات الدستورية وتمكين الليبيين من ممارسة حقهم في اختيار نظامهم الدستوري عبر استفتاء حرٍ ونزيه، فيما بحث الاجتماع سبل تجاوز الانسداد السياسي والوصول إلى قاعدة دستورية متفق عليها تمهد لإجراء الانتخابات الوطنية.

وانتخبت الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور عام 2014، وأنجزت مشروع الدستور في يوليو (تموز) 2017، لكنه لم يُطرح للاستفتاء حتى الآن، ليبقى الخلاف قائماً حول أولوية الاستفتاء عليه أو اعتماد قاعدة دستورية مؤقتة تمهّد للانتخابات.

ويعيد موقف تكالة التذكير بخلاف سابق حول اتفاق «4+4»، حين رفض المسار باعتباره لا يستند، من وجهة نظره، إلى الإطار المؤسسي الكافي، ودعا إلى التمسك بالمسار الدستوري والقانوني والتنسيق مع مجلس النواب.

ويكشف تباين مواقف الدبيبة وتكالة عن خلاف أوسع داخل المؤسسات السياسية في طرابلس بشأن كيفية تحويل التفاهمات السياسية إلى مسار انتخابي قابل للتنفيذ؛ إذ يتفق الطرفان في المبدأ على إنهاء المرحلة الانتقالية وإجراء الانتخابات، لكنهما يختلفان حول الإطار السياسي والقانوني الذي ينبغي أن يقود إليها.


«الرباعي» يدعم «مؤسسات الدولة» والخرطوم ترفض موقف واشنطن

وزراء خاارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان خلال اجتماعهم في نيويورك حول السودان «واس»
وزراء خاارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان خلال اجتماعهم في نيويورك حول السودان «واس»
TT

«الرباعي» يدعم «مؤسسات الدولة» والخرطوم ترفض موقف واشنطن

وزراء خاارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان خلال اجتماعهم في نيويورك حول السودان «واس»
وزراء خاارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان خلال اجتماعهم في نيويورك حول السودان «واس»

دخلت التحركات الدولية لوقف الحرب في السودان مرحلة جديدة من التجاذب السياسي والدبلوماسي، مع تمسك السعودية ومصر وتركيا وباكستان، بدعم «مؤسسات الدولة الوطنية الشرعية» ورفض الكيانات الموازية، ورفض الخرطوم الموقف الأميركي من شرعية طرفي الحرب، وسط قلق أممي من تواصل أزمة تأشيرة رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وتصاعد الخلاف بين واشنطن وقيادة الجيش حول هدنة إنسانية مقترحة لمدة 90 يوماً.

وأكد وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان، خلال اجتماع تشاوري على هامش الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، دعمهم «الثابت» لسيادة السودان ووحدته واستقلاله وسلامة أراضيه، وشددوا على أهمية الحفاظ على «مؤسسات الدولة الوطنية الشرعية»، ورفض أي كيانات موازية من شأنها تقويض سيادة البلاد ووحدتها. كما طالب الوزراء بوقف التدفق غير المشروع للأسلحة والمرتزقة والمقاتلين الأجانب إلى السودان، في وقت تتزايد فيه التحركات الدولية والإقليمية لإيجاد صيغة توقف الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

الخرطوم ترفض

وأعلنت الخارجية السودانية، الأربعاء، رفضها للموقف الأميركي الأخير من طرفي الحرب، وقالت إن أي مبادرة للسلام ينبغي أن تنطلق من احترام سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه و«مؤسساته الوطنية الشرعية»، وأن تعالج التدخلات الخارجية ومصادر دعم «قوات الدعم السريع».

الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال استقباله نظيره السوداني محيي الدين سالم أحمد إبراهيم في الرياض (واس)

ورفضت الخارجية مساواة الجيش بـ«الدعم السريع»، أو أن تفضي أي عملية تفاوضية إلى إضفاء الشرعية على واقع فرضته الحرب، مؤكدة في الوقت نفسه استعداد الخرطوم للتعامل مع الولايات المتحدة وشركاء إقليميين ودوليين من أجل تحقيق السلام.

وعدد البيان، إلى جانب الولايات المتحدة، السعودية ومصر وقطر وروسيا والصين وتركيا وباكستان، فضلاً عن الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي و«إيغاد» ومنظمة التعاون الإسلامي والمجموعة الأفريقية في مجلس الأمن، ضمن الجهات التي قالت الخرطوم إنها مستعدة للتعاون معها.

قلق غوتيريش

وفي موازاة ذلك، تصاعدت أزمة عدم حصول البرهان على تأشيرة لدخول الولايات المتحدة، بعدما نقل السودان الخلاف إلى الأمم المتحدة.

وكان مندوب السودان لدى المنظمة الدولية الحارث إدريس قد وجه رسالة، في 21 سبتمبر (أيلول)، إلى الأمين العام أنطونيو غوتيريش، طالبه فيها بـ«التدخل الفوري» لدى السلطات الأميركية لضمان إصدار التأشيرات للبرهان ووفده. وحذر إدريس من أن استمرار الوضع سيمنع رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة من المشاركة شخصياً في أعمال الجمعية العامة.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قلق بسبب رفض واشنطن منح تأشيرة للبرهان (أ.ب)

وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك إن غوتيريش يشعر بـ«قلق بالغ» من عدم إصدار التأشيرة، وإن الأمانة العامة أثارت القضية على الفور مع السلطات الأميركية وتواصل اتصالاتها معها. وأفادت «رويترز» بأن البرهان أرجأ سفره إلى نيويورك، لكنه لم يتلق إخطاراً رسمياً برفض التأشيرة، فيما قال مصدر سوداني آخر للوكالة إن وزير الخارجية محيي الدين سالم سيلقي كلمة السودان أمام الجمعية العامة بدلاً منه.

هدنة الـ90 يوماً

وتتداخل أزمة التأشيرة مع خلاف أوسع بشأن مقترح أميركي لهدنة إنسانية لمدة 90 يوماً. ونقلت «رويترز» عن مصدر دبلوماسي سوداني ومحلل غربي مطلع على الاتصالات بين الجانبين أن إصدار التأشيرة يبدو مرتبطاً بموافقة البرهان على مقترح هدنة من 90 يوماً قدمه مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية. ولم تعلن الخارجية الأميركية رسمياً أن إصدار التأشيرة مشروط بقبول الهدنة. وقال مصدر سوداني رفيع للوكالة إن البرهان يرفض التعامل مع المقترح بمنطق «اقبل أو ارفض»، ويرى أن أي مبادرة ينبغي أن تكون قابلة للنقاش والتعديل.

وكان إدريس قد قال إن البرهان أبلغ بولس، في يوليو (تموز)، استعداده للتفاوض وإعلان هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً، لكنه ربطها بانسحاب «قوات الدعم السريع» من المناطق التي تسيطر عليها، ووضع آليات لمراقبة التنفيذ وضمان إيصال المساعدات. كما قال البرهان في مقال نشرته مجلة «فورين بوليسي»، الاثنين، إنه يرفض ما وصفه بالتوجيهات الخارجية بشأن الحرب، معتبراً أن اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة أتاحت لـ«الدعم السريع» وداعميه فرصة لإعادة تنظيم صفوفهم.

واشنطن تصعّد

في المقابل، صعّدت واشنطن لهجتها تجاه طرفي الحرب. وقالت الخارجية الأميركية إن الرئيس دونالد ترمب ملتزم بإنهاء ما وصفته بـ«أسوأ أزمة إنسانية في العالم»، متهمة الجيش و«الدعم السريع» بعدم إبداء التزام جدي بهدنة فورية، وبتكثيف العمليات القتالية وهجمات المسيّرات التي أوقعت ضحايا مدنيين.

مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية (أ.ف.ب)

وقالت واشنطن إنها طلبت مراراً من الطرفين قبول هدنة إنسانية «بالصيغة المطروحة ومن دون شروط مسبقة»، والانخراط في حوار سياسي شامل يقود إلى الانتقال نحو حكومة مدنية.

وحذرت في الوقت نفسه من أنها ستسعى إلى «رفع تكلفة استمرار النزاع» على الأطراف المتحاربة والشبكات التي تغذي الحرب. وكرر بولس الموقف في نيويورك، قائلاً إن الشعب السوداني يستحق هدنة إنسانية تيسر «حواراً سودانياً - سودانياً»، وداعياً إلى توسيع حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة.

سابقة البشير

وتعيد أزمة التأشيرة إلى الواجهة التزامات الولايات المتحدة بصفتها الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة، كما تستدعي سابقة سودانية تعود إلى سبتمبر 2013، عندما تقدم الرئيس السابق عمر البشير بطلب تأشيرة للسفر إلى نيويورك وسط جدل بسبب مذكرتي التوقيف الصادرتين بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية. وأعلن البشير آنذاك تمسكه بالسفر، لكن الزيارة لم تتم، وألقى وزير الخارجية في ذلك الوقت علي كرتي كلمة السودان أمام الجمعية العامة.

طبعت تقلبات علاقة البشير بالترابي مرحلة فارقة في تاريخ السودان (أ.ف.ب)

وبعد 13 عاماً، يتكرر جانب من المشهد مع البرهان، مع اتجاه محيي الدين سالم، وفق «رويترز»، لإلقاء كلمة السودان بدلاً منه، وإن اختلفت الظروف والأسباب المحيطة بالأزمتين.


مرصد عالمي: آلاف نازحي الصومال قد يواجهون الجوع بنهاية العام

طفل يعاني من سوء التغذية يتلقى العلاج في مستشفى بنادر في العاصمة الصومالية مقديشو يوم 14 مايو 2025 (أ.ب)
طفل يعاني من سوء التغذية يتلقى العلاج في مستشفى بنادر في العاصمة الصومالية مقديشو يوم 14 مايو 2025 (أ.ب)
TT

مرصد عالمي: آلاف نازحي الصومال قد يواجهون الجوع بنهاية العام

طفل يعاني من سوء التغذية يتلقى العلاج في مستشفى بنادر في العاصمة الصومالية مقديشو يوم 14 مايو 2025 (أ.ب)
طفل يعاني من سوء التغذية يتلقى العلاج في مستشفى بنادر في العاصمة الصومالية مقديشو يوم 14 مايو 2025 (أ.ب)

قال «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، وهو مرصد عالمي لمراقبة الجوع، اليوم (الأربعاء)، إن آلاف النازحين في جنوب غرب الصومال ربما يتعرّضون لمجاعة بين شهري أكتوبر (تشرين الأول) وديسمبر (كانون الأول) إذا تسببت ظاهرة إلنينيو في فيضانات أشد حدة من المتوقع وظلت المساعدات الإنسانية غير كافية، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويعيش في بيدوة، إحدى أكبر مدن الصومال، مئات الآلاف من النازحين بسبب الصراع والجوع.

عربة يجرها حمار تخوض مياه الفيضانات على طول شارع في مقديشو يوم 16 سبتمبر 2026 (رويترز)

أشار تقرير المرصد، وهو مبادرة مشتركة بين وكالات الأمم المتحدة والهيئات الإقليمية ومنظمات الإغاثة، إلى أن خمسة في المائة من النازحين في بيدوة، أي نحو 26 ألفاً، من المرجّح أن يواجهوا الجوع الشديد وانهيار سبل عيشهم في الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر.

وأشار التقرير إلى أن أكثر من خمسة ملايين صومالي، أي 26 في المائة من السكان الذين شملهم التحليل، يعانون بالفعل من انعدام الأمن الغذائي الذي وصل إلى مستوى الأزمة أو ما هو أسوأ بسبب موجات الجفاف المتكررة والصراع ونقص المساعدات.

ويرجّح التقرير أن يصل عدد من يعانون من انعدام الأمن الغذائي إلى 5.4 مليون شخص في الفترة بين أكتوبر وديسمبر.

صبي يخوض مياه الفيضانات على طول شارع عقب هطول أمطار غزيرة في مقديشو يوم 16 سبتمبر 2026 (رويترز)

وفي المقابل، يُتوقّع أن تصل المساعدات الغذائية إلى 70400 شخص فقط شهرياً خلال الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر، أي ما يمثل 1.3 في المائة من المحتاجين.

كما تشير التقديرات إلى أن نحو 1.92 مليون طفل، تتراوح أعمارهم بين ستة أشهر وخمس سنوات، سيحتاجون إلى علاج من سوء التغذية الحاد بحلول يونيو (حزيران) المقبل، بينهم 433 ألفاً يعانون حالات حادة.

وشهد الصومال آخر موجة مجاعة في عام 2011، عندما لقي نحو 250 ألفاً حتفهم، وكاد يشهد موجة أخرى في عامي 2017 و2022.