احتقان متصاعد بين معلمي ليبيا بسبب الأجور

جدل بشأن دعوات إلى «الإضراب» قبل أيام من انطلاق العام الدراسي

معلمة ليبية في طابور بأول أيام الدراسة العام الماضي (الصفحة الرسمية لوزارة التربية والتعليم)
معلمة ليبية في طابور بأول أيام الدراسة العام الماضي (الصفحة الرسمية لوزارة التربية والتعليم)
TT

احتقان متصاعد بين معلمي ليبيا بسبب الأجور

معلمة ليبية في طابور بأول أيام الدراسة العام الماضي (الصفحة الرسمية لوزارة التربية والتعليم)
معلمة ليبية في طابور بأول أيام الدراسة العام الماضي (الصفحة الرسمية لوزارة التربية والتعليم)

مع اقتراب موعد انطلاق العام الدراسي الجديد في 13 سبتمبر (أيلول) الحالي، يتصاعد الاحتقان داخل أوساط المعلمين في ليبيا، وسط جدل بين مؤيد ومعارض لدعوات إلى الإضراب شامل للمعلمين في المدارس للمطالبة بتحسين الأجور، وتسوية المستحقات المالية.

وتثير أوضاع المعلمين المالية تساؤلات كثيرة حول مدى تناسب دخلهم مع تكاليف المعيشة في البلاد، إذ لا يتجاوز مرتب المعلم نحو ألفي دينار ليبي شهرياً، وفق تقديرات نقابة المعلمين في طرابلس، وهو مستوى يقول معلمون إنه لم يعد كافياً لمواجهة الارتفاع المتواصل في أسعار السلع والخدمات، ولا سيما بالنسبة إلى من يعيلون أسرهم.

(سعر الدينار الليبي نحو 6.35 دينار للدولار في السوق الرسمية مقابل نحو 9.18 دينار في السوق الموازية).

ويروي المعلم محمد إبراهيم، البالغ 32 عاماً، جانباً من الضغوط التي يواجهها المعلمون في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، قائلاً إن راتبه لم يعد يتناسب مع الاحتياجات الأساسية للأسرة، مؤكداً أن الجزء الأكبر من دخله يذهب إلى الغذاء والسكن والمواصلات، فيما تتراجع قدرته على مواجهة أي نفقات طارئة.

طالب ليبي في أحد الفصول الدراسية مع بداية الدراسة العام الماضي (الصفحة الرسمية لوزارة التربية والتعليم بغرب ليبيا)

مطالب مشروعة

يصف أشرف بوراوي، نقيب المعلمين في طرابلس، مطالب زملائه بأنها «مشروعة»، مؤكداً أن النقابة لن تتنازل عنها «حتى نيل كامل حقوق المعلمين». وقال بوراوي لـ«الشرق الأوسط» إنه «من غير المقبول وغير المنطقي» أن يبقى مرتب المعلم، الذي وصفه بأنه «أساس بناء الدولة»، عند حدود ألفي دينار، في حين حصلت قطاعات أخرى على زيادات وتسويات مالية.

وأضاف بوراوي موضحاً أن المعلمين يواجهون في الوقت ذاته نقصاً حاداً في أعداد العاملين بمختلف التخصصات، ما أدى إلى زيادة الأعباء على الموجودين في الخدمة، مشيراً إلى أن ذلك يحدث «رغم استمرار المعلم في أداء رسالته بصبر وثبات».

وحسب بيانات مركز المعلومات والتوثيق بوزارة التربية والتعليم، يبلغ عدد المعلمين والمعلمات في ليبيا 19 ألفاً و356 معلماً ومعلمة موزعين على 136 مراقبة تعليمية.

وبلغت فاتورة مرتبات العاملين في قطاع التربية والتعليم في ميزانية عام 2025 نحو 15.77 مليار دينار، وفق البيانات المتداولة، وهي تشمل العاملين في مراقبات التعليم بالمناطق، ولا تقتصر على المعلمين وحدهم.

ولم يصدر، حتى الآن، رد حكومي مباشر على المطالب المتعلقة بزيادة أجور المعلمين وتسوية فروقاتهم المالية، لكن مصادر قريبة من منظومة التعليم ذكرت لـ«الشرق الأوسط»أن المطالب المتعلقة بزيادة الأجور تواجه تحفظات حكومية بسبب التكلفة المالية الكبيرة التي قد تترتب عليها، في ظل أزمة اقتصادية وانقسام سياسي يفرضان ضغوطاً على المالية العامة.

أما وزير التربية التعليم في غرب البلاد، محمد القريو، فقد قال في رسالة الثلاثاء إن «عودة المعلم للمدارس ليست مجرد عودة إلى مقر العمل، بل هي عودة إلى رسالة وطنية وإنسانية ومسؤولية عظيمة».

وخاطب القريو المعلمين قائلاً: «لقد انتهت الإجازة وحان موعد العودة إلى الميدان... عودوا إلى مدارسكم بعزيمة تليق برسالتكم، وبروح جديدة تحمل الأمل والتفاؤل والعطاء... فالأبناء ينتظرونكم، والمدارس تنتظر حضوركم».

دعوات لتأجيل الدراسة

جاء ذلك على خلفية دعوات في أوساط المعلمين إلى الإضراب، كان أبرزها ما يطلق على نفسه «حراك المعلمين في ليبيا»، الذي طالب بتأجيل الدراسة إلى حين توفير ظروف ملائمة للطلاب وأولياء الأمور، وتعديل قانون صدر عن مجلس النواب قبل نحو ثمانية أعوام بشأن مرتبات المعلمين، إضافة إلى صرف الفروقات المالية المستحقة، وتفعيل العلاوات والمزايا المنصوص عليها قانوناً.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن أشرف محمد الهادي، رئيس «حراك المعلمين»، قوله إن الدعوة إلى الإضراب جاءت بعد «تراكم طويل للمطالب»، وتأخر معالجة الملفات المتعلقة بحقوق المعلمين وظروفهم المعيشية والمهنية.

وزير التربية والتعليم في غرب ليبيا محمد القريو خلال اجتماعه مع النقابة العامة للمفتشين التربويين بطرابلس الاثنين (صفحة الوزارة)

وأكد الهادي أن الحراك سيواصل ما وصفه بـ«التصعيد النقابي السلمي والمنظم» في حال عدم وجود استجابة جادة، باستخدام الوسائل القانونية والإعلامية، مشدداً على أن الحراك يعبر عن معاناة آلاف المعلمين، ولن يقبل استمرار تأجيل حقوقهم.

لكن هذه الدعوة لا تحظى بتأييد نقابة المعلمين في طرابلس، التي وصفت الحراك بأنه «جسم مجهول الهوية والمصدر»، وقالت إنه لا يمثل المعلمين ولا يعبر عن موقف النقابة.

في هذا السياق شدّد بوراوي على أن النقابة تؤيد «أي حراك حقيقي وواضح المعالم ينطلق من داخل الميدان التربوي، ويهدف إلى خدمة المعلم»، لكنها ترفض استغلال حالة الاحتقان بين المعلمين من جانب جهات مجهولة، محذراً من أن يؤدي ذلك إلى «خلق البلبلة والتوتر وضرب استقرار العملية التعليمية».

وأكد بوراوي أن النقابة هي الجهة المخولة بالإعلان عن أي تحرك احتجاجي، وأن أي خطوة مقبلة ستكون «مدروسة ومنظمة ومعلنة عبر القنوات الرسمية للنقابة».

حل مؤقت لتخفيف النفقات

في محاولة لتخفيف الضغوط، طالب بوراوي بإقرار علاوة حصة مجزية، وصرف مكافآت عادلة للإداريين ومديري المدارس والاختصاصيين، إلى جانب إقرار التأمين الصحي الشامل للمعلمين وأسرهم.

وأوضح بوراوي أن علاوة الحصة تمثل حلاً مؤقتاً لتخفيف الأعباء المعيشية، ولا تعني التخلي عن مطلب زيادة المرتبات بصورة شاملة ومستدامة، داعياً إلى وضع جدول زمني واضح وملزم لتنفيذ قانون زيادة مرتبات المعلمين، وتسوية الفروقات المالية.

وبين الدعوات إلى الإضراب وتحفظ النقابة عليها، يبقى ملف أجور المعلمين أحد أبرز التحديات التي تواجه قطاع التعليم الليبي مع بدء العد التنازلي لانطلاق عام دراسي جديد، في وقت يخشى فيه مسؤولون تربويون من أن يؤدي استمرار الأزمة المالية، ونقص الكوادر إلى زيادة الضغوط على العملية التعليمية.


مقالات ذات صلة

محاكمة ليبيّ أمام «الجنائية الدولية» تُسعِّر الغضب ضد الدبيبة

شمال افريقيا مناصرو الهيشري من مشايخ وأهالي سوق الجمعة بالعاصمة الليبية يوم الأحد (من مقطع فيديو بثه المجلس الاجتماعي لسوق الجمعة)

محاكمة ليبيّ أمام «الجنائية الدولية» تُسعِّر الغضب ضد الدبيبة

تتصاعد احتجاجات مناصري الليبي خالد الهيشري، المسؤول الأمني السابق الماثل أمام «الجنائية الدولية»، ضد حكومة «الوحدة»، وسط اتهامات لها بـ«التواطؤ في تسليمه».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا محادثات بين برلمانيين ليبيين ويونانيين في أثينا الخميس الماضي (مجلس النواب الليبي)

«النواب» الليبي يبقي الملف البحري «قيد الدراسة» بسبب الانقسام السياسي

أبقى مجلس النواب الليبي ملف ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط «قيد الدراسة»، في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي والمرحلة الانتقالية الممتدة منذ عام 2011.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع سابق بين محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي وحسين العايب في طرابلس (مكتب المنفي)

حكم قضائي جديد يعيد الجدل بشأن منصب «الاستخبارات الليبية»

أعاد حكم قضائي جديد الجدل بشأن قيادة جهاز الاستخبارات الليبية، بعدما أوقف تنفيذ قرار المجلس الرئاسي بإعفاء حسين العايب وتكليف عبد المجيد مليقطة خلفاً له.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)

تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

تترقب ليبيا تحديد آلية تشكيل سلطة تنفيذية موحدة وفق اتفاق «4+4» لإجراء الانتخابات خلال عامين، فيما يرجح محللون تشكيل لجنة حوار جديدة لحسم الملف.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)

معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

صعّد المعلمون في عدة مدن ليبية احتجاجاتهم للمطالبة بزيادة رواتبهم، في وقت شدد وزير التعليم في غرب ليبيا على «التزام الوزارة الكامل بحماية حقوق المعلمين».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

المغاربة يصوتون في انتخابات تحدد شكل الحكومة قبل «كأس العالم 2030»

حملة نسائية لحزب الاستقلال في سلا الجديدة بالقرب من الرباط (رويترز)
حملة نسائية لحزب الاستقلال في سلا الجديدة بالقرب من الرباط (رويترز)
TT

المغاربة يصوتون في انتخابات تحدد شكل الحكومة قبل «كأس العالم 2030»

حملة نسائية لحزب الاستقلال في سلا الجديدة بالقرب من الرباط (رويترز)
حملة نسائية لحزب الاستقلال في سلا الجديدة بالقرب من الرباط (رويترز)

يُصوّت الناخبون في المغرب، اليوم (الأربعاء)، في انتخابات ستحدد شكل الحكومة التي ستُشرف على المراحل النهائية لخطة تبلغ قيمتها 20 مليار دولار، استعداداً لاستضافة نهائيات كأس العالم لكرة القدم 2030، وعلى مشروعات تهدف إلى توجيه المكاسب الاقتصادية نحو الشبان المحبطين في البلاد.

ومن غير المتوقع أن تُحدث الانتخابات البرلمانية تغييراً جوهرياً في ميزان القوى بالمغرب، لكن مجلس النواب المقبل سيكون مكلفاً بتنفيذ مبادرات تركز بصورة متزايدة على معالجة استياء الشبان، وهو ما تجلّى في محاولة عبور جماعية للحدود نحو جيب سبتة الإسباني، وفي احتجاجات قادها «جيل زد»، وأسفرت عن سقوط قتلى العام الماضي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وبموجب دستور أُقر عام 2011، يعيّن الملك رئيس الوزراء من الحزب الذي يفوز بأكبر عدد من مقاعد البرلمان البالغ عددها 395 مقعداً.

أنصار حزب العدالة والتنمية الإسلامي يشاركون في حملة انتخابية في سلا الجديدة قرب الرباط (رويترز)

ويتوجب على رئيس الوزراء بعد ذلك إجراء مشاورات لتشكيل ائتلاف حكومي، قبل تقديم قائمة بأسماء الوزراء، للحصول على موافقة الملك.

وتفتح مراكز الاقتراع أبوابها الساعة الثامنة صباحاً (08:00 بتوقيت غرينتش)، وتغلق الساعة السابعة مساء (19:00 بتوقيت غرينتش). وعادة ما تُعلن النتائج الأولية في اليوم التالي للانتخابات.

وستكون نسبة المشاركة، لا سيما بين الناخبين الشبان، موضع مراقبة دقيقة، لأنها ستُعدّ مؤشراً على مدى تفاعل المواطنين وثقتهم بالمؤسسات المنتخبة.

ويبلغ عدد المغاربة في سن التصويت نحو 27 مليوناً، لكن المسجلين في القوائم الانتخابية لا يتجاوزون 15.8 مليون، بانخفاض يقارب 12 في المائة، مقارنة بانتخابات عام 2021.

خطط الإنفاق

تعهد كلٌّ من الحزبين الكبيرين في البرلمان الحالي، وهما حزبا التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، بتوفير نحو مليون فرصة عمل خلال الولاية التشريعية المقبلة التي تمتد خمس سنوات، وقدما وعوداً بتحسين الإسكان والأجور والمستشفيات.

ويحكم الحزبان معاً في إطار ائتلاف، لكنهما تبادلا الاتهامات خلال الحملة الانتخابية بشأن الإخفاق في كبح ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وغيرها من أوجه القصور في السياسات.

وبسبب هذه الخلافات، استبعد قادة حزب الأصالة والمعاصرة الانضمام إلى ائتلاف آخر مع التجمع الوطني للأحرار في حال تصدّر نتائج الانتخابات.

أما رئيس الوزراء عزيز أخنوش، رجل الأعمال الملياردير الذي يقود الحكومة منذ عام 2021، فلن يترشح مرة أخرى، وذلك بعد تنحيه عن رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار هذا العام.

وانضم فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، الوزير المنتدب لدى وزارة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، قبل أسابيع من الانتخابات إلى قيادة حزب الأصالة والمعاصرة. ويترأس لقجع اللجنة المنظمة لنهائيات كأس العالم لكرة القدم 2030.

ويضخ المغرب استثمارات ضخمة في الملاعب والسكك الحديدية وغيرها من البنى التحتية قبل كأس العالم، التي سيستضيفها بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال، ويهدف إلى مضاعفة نصيب الفرد من الناتج الاقتصادي بحلول عام 2035.

وقدّر صندوق النقد الدولي الإنفاق المزمع بنحو 190 مليار درهم، أو نحو 20 مليار دولار، وهو ما يمثّل قرابة 12 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للمغرب في عام 2024.

ومن بين الأحزاب الأخرى المتنافسة حزب الاستقلال ذو التوجه القومي المحافظ، وهو شريك في الائتلاف الحاكم، وحزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي تعرّض لهزيمة ساحقة في الانتخابات السابقة، بالإضافة إلى عدد من الأحزاب اليسارية.


البعثة الأممية تستقطب شباباً ليبيين لدعم اتفاق «4+4»

تيتيه خلال لقاء مع محمد بحرون أحد أبرز قادة الميليشيات في الزاوية يوم الاثنين (بلدية الزاوية)
تيتيه خلال لقاء مع محمد بحرون أحد أبرز قادة الميليشيات في الزاوية يوم الاثنين (بلدية الزاوية)
TT

البعثة الأممية تستقطب شباباً ليبيين لدعم اتفاق «4+4»

تيتيه خلال لقاء مع محمد بحرون أحد أبرز قادة الميليشيات في الزاوية يوم الاثنين (بلدية الزاوية)
تيتيه خلال لقاء مع محمد بحرون أحد أبرز قادة الميليشيات في الزاوية يوم الاثنين (بلدية الزاوية)

كثّفت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا اتصالاتها مع الفعاليات الشبابية والمحلية في غرب وجنوب البلاد، في تحرك يتزامن مع مساعيها لتوسيع قاعدة التأييد لمسار «4+4» الذي أفضى إلى اتفاق بين ممثلين لطرفي الصراع في ليبيا، ويستهدف تعديل الإطار الانتخابي وإعادة تفعيل المسار المؤدي إلى الانتخابات.

وبدا لافتاً خلال تحركات مبعوثة الأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه، ونائبتها ستيفاني خوري، التركيز على التواصل المباشر مع القيادات الشبابية والبلديات، إلى جانب شخصيات أمنية ومحلية نافذة، في محاولة لإشراك مزيد من الأطراف في المرحلة المقبلة من العملية السياسية.

وجاء تحرك تيتيه في مدينة الزاوية، الاثنين، بالتزامن مع اليوم الدولي للسلام، إذ عقدت لقاءات مع عمداء البلديات وممثلي المجالس الشبابية في 8 بلديات بالمنطقة، هي الزاوية المركز، والزاوية الشمال، والزاوية الجنوب، والزاوية الغرب، والزاوية الوسط، وصبراتة، وصرمان، وأبوصرة.

وركّزت المناقشات وفق ما أعلنته بعثة الأمم المتحدة، الثلاثاء، على التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه المنطقة، وفي مقدمتها انتشار السلاح والمخدرات، إلى جانب دور الشباب والبلديات في المرحلة المقبلة. وأبدى ممثلو المجالس الشبابية رغبتهم في زيادة تمثيلهم في العملية السياسية والمساهمة في جهود السلام والتنمية.

وفي إشارة مباشرة إلى الاتفاق، نقلت البعثة عن أحد ممثلي المجالس الشبابية الثمانية تقديره لجهود «4+4»، معرباً عن رغبة أبناء مدن المنطقة في أن يكون لهم تمثيل في العملية السياسية والعمل على إنهاء الصراعات.

وتزامن اللقاء مع اتصالات لافتة أجرتها تيتيه مع شخصيات محلية في الزاوية، من بينها محمد بحرون، نائب رئيس ما يعرف بـ«جهاز التهديدات الأمنية»، وعميد بلدية الزاوية المركز سمير عاشور. وأظهرت صور اللقاء التي نشرتها بلدية الزاوية حضور بحرون، المعروف بلقب «الفار»، إلى جانب تيتيه وعاشور، فيما لم يرد ذكر اللقاء مع بحرون في البيان الذي نشرته البعثة بشأن زيارة الممثلة الأممية للمدينة.

ويُعد بحرون أحد أبرز قادة الميليشيات في الزاوية، وهي مدينة شهدت خلال السنوات الماضية مواجهات متكررة بين مجموعات مسلحة، فضلاً عن توترات أثَّرت في منشآت حيوية، بينها مصفاة الزاوية.

وكانت تيتيه قد أشارت في إحاطة سابقة أمام مجلس الأمن إلى هشاشة الوضع الأمني في المنطقة الغربية، بما في ذلك تجدد العنف في الزاوية، ودعت الأطراف المحلية إلى خفض التصعيد وضبط النفس.

ولا يقتصر انفتاح البعثة على الفاعلين المحليين في الغرب. ففي الجنوب، عقدت خوري اجتماعاً عبر الإنترنت مع نحو 65 شاباً وشابة ومسؤولين وصحافيين من المنطقة، تَرَكز على العملية السياسية ومسار «4+4». وأظهرت المداخلات التي نشرتها البعثة، الثلاثاء، وجود تأييد بين مشاركين للاتفاق باعتباره فرصة لتحريك المسار السياسي وتوحيد مؤسسات الدولة.

وتأتي هذه الاتصالات في سياق ما تقول البعثة الأممية إنه اهتمام متزايد بإشراك الشباب في العملية السياسية. وكانت البعثة قد أطلقت منصة رقمية للشباب بهدف توسيع المشاركة في الحوار المهيكل خارج دائرة الأعضاء المحدودة للحوار، مع إتاحة المجال للشباب في مختلف المناطق لطرح أفكارهم ومطالبهم ومتابعة أداء ممثليهم.

وقد كثّفت البعثة الأممية هذه الاتصالات بعد توقيع ممثلي «الاجتماع المصغر»، المعروف باسم «4+4»، اتفاقهم في طرابلس في 30 أغسطس (آب) الماضي، الذي يتناول إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتعديل الإطار الانتخابي، ضمن المسار الذي تيسره الأمم المتحدة.

وينص الاتفاق، بحسب ما أعلنته الأطراف الموقعة، على العمل باتجاه إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال فترة لا تتجاوز 24 شهراً، إلى جانب تعديلات على قواعد الترشح، من بينها السماح للعسكريين بالترشح، وتنظيم وضع مزدوجي الجنسية في حال الفوز.

ورغم موافقة مجلس النواب في جلسة جرى التشكيك في نصابها على اتفاق «4+4»، رفض المجلس الأعلى الدولة وعدد من الأحزاب والقوى السياسية، الاثنين، هذا الاتفاق رفضاً قاطعاً، وتحديداً ما يخص اعتماد قانون الانتخاب رقم 10 لسنة 2014 أساساً للانتخابات المقبلة، وتمسكوا بالقوانين التي أقرها مجلس النواب في 2023، وذلك خلال ملتقى وطني عقد في طرابلس، في موقف قد يعقِّد مساعي الأمم المتحدة لدفع العملية الانتخابية.

وأكد رئيس مجلس الدولة محمد تكالة أن حل الأزمة الليبية يجب أن يكون «ليبياً خالصاً»، قائماً على الإرادة الوطنية والمصلحة العليا للشعب، ومرتكزاً إلى أسس قانونية ودستورية، بما يمكّن البلاد من تجاوز المراحل الانتقالية والوصول إلى انتخابات شاملة ومستدامة.

وتعكس تحركات البعثة في الزاوية وسبها، ووسط، رفض بعض القوى السياسية الليبية، اتجاهاً نحو توسيع دائرة الأطراف المنخرطة في تنفيذ الاتفاق، في وقت تحاول فيه الأمم المتحدة الانتقال به من تفاهم بين عدد محدود من ممثلي المؤسسات والقوى المتنافسة إلى مسار يحظى بقبول محلي أوسع.


البرهان: حان الوقت لوضع نهاية دائمة للحرب

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)
TT

البرهان: حان الوقت لوضع نهاية دائمة للحرب

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)
قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)

قال رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، إنه طرح، أمام مجلس الأمن الدولي، خطة لوقف دائم لإطلاق النار، والانتقال إلى الحكم المدني، بإشراف ومساعدة الأمم المتحدة، مشدداً على ضرورة بناء جيش وطني واحد تحت إشراف سلطة مدنية، في وقت دفعت فيه قوى سياسية سودانية بمطالب لفرض هدنة إنسانية. ودعت بريطانيا إلى توسيع حظر السلاح ليشمل كل السودان.

ورأى البرهان، في مقال نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأميركية بعنوان «كيف يتحقق السلام في السودان»، أن «الوقت حان» لوضع نهاية دائمة للحرب، وقال: «هذا ما يطلبه مني السودانيون بصفتي رئيساً لمجلس السيادة الانتقالي»، مضيفاً أن الحرب «يجب أن تنتهي... حتى لا يعود إطلاق النار بمجرد أن يصرف العالم نظره عنها».

ومن المقرر أن يُلقي البرهان خطاب السودان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في حين لم يتأكد رسمياً، حتى الآن، مغادرته البلاد متوجهاً إلى نيويورك. لكن «رويترز» نقلت عن دبلوماسيين سودانيين ومحلل غربي مطلع قولهم إن الولايات المتحدة حجبت، حتى الآن، الثلاثاء، تأشيرة دخول البرهان نيويورك، قبل أيام فقط من الموعد المقرر لإلقائه كلمة السودان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، يوم الخميس المقبل.

وأشارت «رويترز» إلى أن إصدار التأشيرة يبدو مرتبطاً بموافقة البرهان على وقف لإطلاق النار لمدة 90 يوماً اقترحه مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية. ولم يجرِ التأكد من هذه المعلومات من «الخارجية» الأميركية أو السلطات السودانية.

في الجانب الآخر، التقى وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم، مسؤول الإغاثة الأممي توم فليتشر، ومسؤولي وكالات الأمم المتحدة، في نيويورك، يوم الاثنين، بحضور حاكم دارفور مني أركو مناوي.

القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في فعالية ذكرى تأسيس الجيش 15 أغسطس (أ.ف.ب)

وأكد البرهان، في مقاله، أن الحرب ليست صراعاً بين «فصيلين» أو «حرباً أهلية»، وإنما وصفها بأنها عدوان تشنُّه «قوات الدعم السريع» على دولة عضو بالأمم المتحدة، متهماً إياها بارتكاب جرائم قتل وتطهير عِرقي ونهب. ودعا المجتمع الدولي إلى عدم إضفاء الشرعية على «الدعم السريع» أو التعامل معها بوصفها طرفاً مساوياً للجيش، وربط بين قياداتها وجرائم «الجنجويد»، خلال حرب دارفور.

كما استشهد بما شهدته الفاشر، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وبصور الأقمار الاصطناعية التي نشرها مختبر البحوث الإنسانية بجامعة ييل، وتقارير بعثة تقصي الحقائق، التابعة للأمم المتحدة، لدعم اتهاماته بوقوع انتهاكات واسعة بحق المدنيين.

واتهم البرهان «الدعم السريع» بالاستعانة بمئات المقاتلين الأجانب، وقال إن «شبكات وكيانات» عابرة للحدود في دول لم يُسمِّها تُوفر التمويل والدعم. وربط ذلك بازدياد استخدام الطائرات المسيّرة وقدراتها المتطورة في الهجمات على الخرطوم ومدن أخرى.

وقال إن خطته للسلام تقوم على وقف إطلاق النار وإخراج المقاتلين والأسلحة من المناطق المدنية، تمهيداً لتسوية سياسية، وتكوين جيش وطني واحد وإنهاء تعدد الجيوش والجماعات المسلَّحة.

وأضاف أن التسوية السياسية ينبغي أن تأتي عبر «حوار سوداني - سوداني»، وأن يضع السودانيون دستورهم المقبل دون تدخل خارجي.

عودة خمسة ملايين

تأتي التحركات السياسية في وقت كشفت فيه «الأمم المتحدة» عن تحول لافت في خريطة النزوح، إذ أعلنت المنظمة الدولية للهجرة أن عدد السودانيين الذين عادوا إلى مناطقهم تجاوز خمسة ملايين شخص، رغم استمرار الحرب وهشاشة الأوضاع الأمنية والخِدمية. وقالت المنظمة إن بياناتها الجديدة تشير إلى عودة 5.15 مليون شخص إلى 76 محلية في تسع ولايات، بزيادة 4 في المائة خلال شهر، بينما لا يزال 8.58 مليون شخص نازحين داخل البلاد، بانخفاض واحد في المائة عن الشهر السابق، ونحو الربع مقارنة بذروة أزمة النزوح.

تشريد وعطش ومعاناة... ثمن باهظ للحرب السودانية (يونيسيف)

وكانت الحرب قد دفعت، في ذروتها، نحو 12 مليون شخص إلى النزوح داخل السودان، في حين فرّ نحو خمسة ملايين إلى دول الجوار. وأوضحت المنظمة أن 82 في المائة من العائدين كانوا نازحين داخل البلاد، بينما عاد نحو 930 ألفاً من الخارج، خصوصاً من مصر وجنوب السودان وليبيا، وأن نصف العائدين تقلّ أعمارهم عن 18 عاماً.

ورحبت المنظمة بتجاوز عدد العائدين حاجز خمسة ملايين، ووصفته بأنه «إشارة نادرة إلى إحراز تقدم» وسط الأزمة، لكنها حذرت من أن كثيرين يعودون إلى مناطق تضررت فيها المنازل والمدارس والمرافق الصحية.

وقالت المديرة العامة للمنظمة، إيمي بوب: «إذا لم نساعدهم، الآن، فسيُجبر كثيرون منهم على النزوح مرة أخرى».

وفي موازاة ذلك، دفعت قوى سياسية ومدنية مناهضة للحرب، منضوية في «إعلان المبادئ السوداني»، بمذكرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وأعضاء مجلس الأمن، تطالب بهدنة إنسانية فورية وشاملة، وتوسيع حظر السلاح ليشمل جميع أنحاء السودان.

وشارك وفد، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، في تحركات، على هامش اجتماعات الجمعية العامة.

لندن: الحظر الحالي لا يكفي

وفي موقف يتقاطع مع الدعوات إلى تشديد القيود على تدفق السلاح، دعا وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند، خلال اجتماع بشأن السودان في نيويورك، إلى توسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل البلاد بأكملها، وعَدَّ أن «مجرد تمديد الحظر ليس كافياً».

وقال ميليباند إن انتشار المسيّرات غيّر طبيعة الحرب، مشيراً إلى أن ضرباتها قتلت، وفق تقارير، أكثر من ألف مدني، خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام، واستهدفت مستشفيات وأسواقاً ومستودعات وقود ومحطات كهرباء وطرق إمداد إنسانية.

سودانيون يعاينون حفرة سببتها مُسيَّرة استهدفت في وقت سابق مخيماً للنازحين بوسط دارفور (الأمم المتحدة)

وأضاف أن قدرات المسيّرات الجديدة «لا تظهر بمحض المصادفة»، بل «تُشترى وتُموّل وتُنقل» عبر شبكات في خارج السودان، دون أن يسمّيها.

وأكد الوزير البريطاني أنه «لا يوجد حل عسكري في السودان»، داعياً إلى وقف لإطلاق النار وعملية سياسية بقيادة مدنية، وممارسة ضغط فعلي على الجهات التي تُمول الحرب وتُزود أطرافها بالسلاح، ومحاسبة «من يربحون منها ويسهمون في استمرارها».