حكم قضائي جديد يعيد الجدل بشأن منصب «الاستخبارات الليبية»

العايب يطعن في قرار إعفائه... ومليقطة يتحرك بصفته رئيساً للجهاز

اجتماع سابق بين محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي وحسين العايب في طرابلس (مكتب المنفي)
اجتماع سابق بين محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي وحسين العايب في طرابلس (مكتب المنفي)
TT

حكم قضائي جديد يعيد الجدل بشأن منصب «الاستخبارات الليبية»

اجتماع سابق بين محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي وحسين العايب في طرابلس (مكتب المنفي)
اجتماع سابق بين محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي وحسين العايب في طرابلس (مكتب المنفي)

احتدم النزاع مجدداً على قيادة جهاز الاستخبارات الليبية، بعد صدور حكم قضائي جديد بوقف تنفيذ قرار المجلس الرئاسي الذي أعفى حسين العايب من رئاسة الجهاز، وكلف عبد المجيد مليقطة خلفاً له.

وقضت محكمة استئناف الزاوية، دائرة القضاء الإداري، مساء الأحد، في الشق المستعجل من الطعن الإداري رقم «173» لسنة 2026، بوقف تنفيذ قرارات المجلس الرئاسي المتعلقة بإعفاء العايب وتكليف مليقطة برئاسة الجهاز وتعيين نائب له.

ويشكّل الحكم أحدث حلقة في نزاع قضائي وسياسي مستمر، ويعيد الجدل بشأن الجهة التي تملك صلاحية تغيير قيادة جهاز الاستخبارات، أحد أبرز الأجهزة السيادية والأمنية في ليبيا.

وقبل صدور هذا الحكم، وفي تطور يعكس احتدام الصراع حول تمثيل الجهاز، أصدر الجهاز مؤخراً تعميماً حذر فيه من التعامل مع العايب، أو أي جهة تتصرف باسمه، مؤكداً أن صفته رئيساً للجهاز انتهت منذ 29 يونيو (حزيران)، وأن مليقطة هو المخوّل بتمثيل الجهاز والتصرف باسمه.

وبينما يستند العايب إلى الطعن والأحكام القضائية التي أوقفت تنفيذ قرارات إعفائه، واصل مليقطة تحركاته بصفته رئيساً للجهاز، حيث التقى في أذربيجان رئيس جهاز الاستخبارات العامة المصري اللواء حسن رشاد الذي هنّأه بتوليه مهامه، وأكد دعم مصر لتعزيز التعاون والتنسيق بين الجهازين.

رئيس الاستخبارات الليبي الجديد مليقطة (إلى اليمين) ورئيس الاستخبارات المصري يلتقيان في أذربيجان يوم الاثنين (الاستخبارات الليبية)

وبحث الجانبان -حسب جهاز الاستخبارات الليبية- توسيع التعاون وتبادل المعلومات في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية والتهريب وتأمين الحدود، إلى جانب التطورات الإقليمية، مؤكدين أهمية التنسيق الأمني بين ليبيا ومصر لدعم أمن واستقرار البلدين وشمال أفريقيا.

كما اجتمع مليقطة مع رئيس جهاز أمن الدولة الأذربيجاني علي ناغييف الذي هنّأه بتولي مهامه الجديدة وبمنصب رئيس لجنة أجهزة الأمن والمخابرات الأفريقية.

كما التقى مليقطة رئيس الاستخبارات السوداني أحمد إبراهيم، وبحث معه -حسب الاستخبارات الليبية- تطورات الأوضاع في السودان وانعكاساتها على الأمن الإقليمي.

وكان مليقطة قد أعلن اعتماده رئيساً للجنة أجهزة الأمن والمخابرات الأفريقية (سيسا)، التي تضم أجهزة الأمن والاستخبارات في 53 دولة أفريقية، وتتولى تعزيز التعاون والتنسيق الأمني والاستخباراتي بين دول القارة.

وجاء اعتماد مليقطة -وفقاً لجهاز الاستخبارات- بصفته «الرئيس الشرعي للجهاز»، فيما تتخذ اللجنة من العاصمة الإثيوبية أديس أبابا مقراً لأمانتها.

وكان المجلس الرئاسي، برئاسة محمد المنفي، قد أصدر في يونيو الماضي قراراً بإعفاء العايب وتكليف مليقطة، وهو ما أثار خلافاً داخل المجلس نفسه، بعدما أعلن عضو المجلس موسى الكوني رفضه تغيير قيادة الجهاز.

ولجأ العايب إلى القضاء للطعن في القرارات، في حين تمسكت السلطات الداعمة لمليقطة بكون قرارات المجلس الرئاسي نافذة.

ويأتي حكم محكمة استئناف الزاوية بعد أحكام وأوامر قضائية أخرى تناولت القرارات نفسها، ما أدى إلى تعقيد الوضع القانوني حول قيادة الجهاز، لكنه لا يعني حسم أصل النزاع الموضوعي، وإنما يضيف عقبة قضائية جديدة أمام استمرار تنفيذ قرارات المجلس الرئاسي.

وبينما يواصل العايب الدفاع عن «شرعيته» عبر المسار القضائي، يسعى مليقطة إلى تثبيت صفته من خلال ممارسة مهامه والظهور في اتصالات رسمية خارج ليبيا.

ويأتي الحكم القضائي الأخير ضمن سلسلة أوامر وأحكام قضائية سابقة صادرة عن محاكم ليبية مختلفة، من بينها محكمة استئناف بنغازي في أغسطس (آب) الماضي التي أوقفت تنفيذ القرارات نفسها إلى حين الفصل في الطعون.

وفجرت قرارات المنفي، المستندة إلى الإعلان الدستوري والاتفاق السياسي ومخرجات «ملتقى الحوار السياسي»، وشملت إعفاء العايب وتكليف مليقطة وتعيين عبد الشفيع حسين نائباً؛ انقساماً فورياً داخل المجلس الرئاسي نفسه.

ورغم الجدل، تولى مليقطة فعلياً إدارة بعض المقرات في طرابلس، والتقى رئيس حكومة الوحدة المؤقتة عبد الحميد الدبيبة في العاصمة طرابلس.


مقالات ذات صلة

بنغازي بعد 12 عاماً على مواجهة «داعش»... رحلة التعافي من الحرب

شمال افريقيا جانب من إعادة الإعمار الذي شهدته مدينة بنغازي بعد دحر الإرهاب (القيادة العامة للجيش الوطني)

بنغازي بعد 12 عاماً على مواجهة «داعش»... رحلة التعافي من الحرب

بعد 12 عاماً على اندلاع «معركة الكرامة»، تستعيد بنغازي ذكرى المواجهات مع التنظيمات الإرهابية، وما شهدته من دمار طال مناطق واسعة، قبل أن تنطلق في مسار الإعمار.

جمال جوهر
شمال افريقيا جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا في نيويورك الأربعاء الماضي (البعثة الأممية)

تلويح أميركا بالعقوبات يختبر فرص التسوية السياسية في ليبيا

يختبر التلويح الأميركي بفرض عقوبات على «معرقلي» العملية السياسية في ليبيا مدى استعداد واشنطن للانتقال من التحذير إلى الفعل، وسط خلافات متصاعدة بشأن اتفاق «4+4».

علاء حموده
شمال افريقيا وقفة احتجاجية أمام مراقبة التربية والتعليم في تاجوراء بغرب ليبيا نهاية سبتمبر الماضي (حراك المعلمين)

«قانون التظاهر» في غرب ليبيا... تنظيم للاحتجاج أم أداة لتقييده؟

أعاد تحذير أمني بالعاصمة الليبية من تنظيم مظاهرات دون إخطار مسبق الجدل حول حدود الحق في الاحتجاج.

جاكلين زاهر
شمال افريقيا تيتيه المبعوثة الأممية لدى ليبيا أمام مجلس الأمن الأربعاء (البعثة الأممية)

من اتفاق «الصخيرات» إلى «4+4».... ليبيا رهينة «معرقلِي الحل»

بين اتفاق «الصخيرات» وآلية «4+4»، تتوالى المبادرات وتتكرر التعطيلات، ليبقى المشهد الليبي أسيراً لتجاذبات القوى النافذة وتصفية حسابات المصالح الضيقة.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا أسامة حماد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان شرق ليبيا (حكومة الاستقرار)

سلطات شرق ليبيا أعدمت 31 شخصاً منذ أغسطس الماضي

أفادت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، الأربعاء، بأن السلطات العسكرية في الشرق الليبي أعدمت 31 شخصاً على الأقل منذ أواخر أغسطس الماضي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

محادثات ليبية لبحث جهود توحيد المؤسسة العسكرية

المشير خليفة حفتر ونجله ونائبه صدام خلال إحياء الذكرى الثانية عشرة لدخول الجيش إلى بنغازي (إعلام القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر ونجله ونائبه صدام خلال إحياء الذكرى الثانية عشرة لدخول الجيش إلى بنغازي (إعلام القيادة العامة)
TT

محادثات ليبية لبحث جهود توحيد المؤسسة العسكرية

المشير خليفة حفتر ونجله ونائبه صدام خلال إحياء الذكرى الثانية عشرة لدخول الجيش إلى بنغازي (إعلام القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر ونجله ونائبه صدام خلال إحياء الذكرى الثانية عشرة لدخول الجيش إلى بنغازي (إعلام القيادة العامة)

تتواصل في العاصمة التونسية، اليوم السبت، لليوم الثاني، محادثات ليبية تستهدف توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية، في إطار الجهود الرامية إلى إنهاء الانقسام العسكري والمؤسسي، المستمر منذ أكثر من عقد بين قوات «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر في شرق البلاد، وتشكيلات عسكرية وأمنية مرتبطة بالسلطات القائمة في غربها.

وتكتسب المحادثات، المنعقدة تحت اسم «اللجنة الوطنية لتوحيد المؤسسة العسكرية والأمنية في ليبيا»، والتي انطلقت الجمعة، أهمية في ظل اتساع نطاق المشاركة، التي تضم ممثلين عن بعثة الأمم المتحدة، واللجنة العسكرية المشتركة «5+5».

كما أن نقاشات هذا الحوار تكتسب زخماً أوسع في ظل مشاركة أعضاء في مجلسي النواب والأعلى للدولة، إلى جانب ممثلين عن المسار الأمني ضمن «الحوار المهيكل»، وعدد من المؤسسات المدنية، بحسب قيادي عسكري يشارك في اللقاء وتقارير محلية.

ستيفاني خوري (أ.ف.ب)

وشهدت الأسابيع الأخيرة تحركات متجددة لتعزيز التنسيق بين الجانبين؛ إذ استضافت مدينة سرت اجتماعات عسكرية، شارك فيها مسؤولون من الشرق والغرب، بينهم رئيس الأركان صلاح الدين النمروش وخالد حفتر، إلى جانب أعضاء من اللجنة العسكرية المشتركة «5+5»، وآلية «3+3»، وبمشاركة ستيفاني خوري، نائبة الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية.

واتفق المشاركون في أحد هذه الاجتماعات على تنظيم تمرين ميداني مشترك في جنوب ليبيا، وعقد اجتماعات شهرية لرؤساء الأركان النوعية بهدف تعزيز التنسيق، وتوسيع التعاون بين الوحدات العسكرية.

عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني (المجلس الرئاسي)

وفي تحرك موازٍ، بحث عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني، بصفته القائد الأعلى للجيش، مع أعضاء اللجنة العسكرية المشتركة «5+5» عن المنطقة الغربية، مستجدات الأوضاع الأمنية والعسكرية والخطوات المطلوبة لتوحيد المؤسسة العسكرية، وشدد الكوني على ضرورة بناء مؤسسة عسكرية موحدة على أسس مهنية ووطنية.

المشير خليفة حفتر ونجله ونائبه صدام خلال إحياء الذكرى الثانية عشرة لدخول الجيش إلى بنغازي (إعلام القيادة العامة)

ويُعد توحيد المؤسسة العسكرية أحد الملفات الرئيسية المرتبطة بإنهاء المرحلة الانتقالية، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية، لكن هذا المسار يواجه خلافات بشأن القيادة الموحدة، وإعادة هيكلة القوات، ودمج التشكيلات المسلحة، وحدود العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية.

وكان اتفاق الصخيرات، الذي أُبرم برعاية الأمم المتحدة عام 2015، قد وضع إطاراً لتسوية الأزمة السياسية، لكنه لم ينهِ الانقسام بين مراكز السلطة المتنافسة، ولم يسفر عن توحيد المؤسسة العسكرية.

على صعيد آخر، أحيا «الجيش الوطني» الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، مساء الجمعة، الذكرى الثانية عشرة لدخول قواته مدينة بنغازي في 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2014، في محطة بارزة من عملية «الكرامة»، التي أطلقها حفتر لمواجهة الجماعات المتطرفة في شرق البلاد.

وخلال عرض عسكري نظمته إدارة القوات الخاصة «الصاعقة والمظلات» في بنغازي، وصف حفتر أحداث ذلك اليوم بأنها محطة مفصلية في مواجهة الإرهاب، مشيداً بمساندة أهالي المدينة للقوات المسلحة، وبالتضحيات التي قدمها ضباط وجنود القوات الخاصة خلال المعارك.

عناصر من القوات الخاصة الليبية خلال إحياء ذكرى دخول الجيش إلى مدينة بنغازي الجمعة (إعلام القيادة العامة)

كما أثنى حفتر على جهود نائبه ونجله صدام في تطوير قدرات القوات الخاصة وتعزيز جاهزيتها. ومن جانبه، أشاد صدام بمستوى الانضباط والاستعداد القتالي لعناصرها، وقال في منشور عبر «فيسبوك» إن القيادة العامة تعمل على تطوير قدراتها القتالية والتقنية، ومنظومات التدريب والتأهيل، في إطار رؤية 2030 لتحديث المؤسسة العسكرية.

وشهدت بنغازي، ثاني أكبر المدن الليبية، مواجهات دامية بين قوات موالية لحفتر وجماعات مسلحة، في ظل اضطرابات أمنية أعقبت الإطاحة بنظام معمر القذافي عام 2011، واتسمت بعمليات اغتيال وتفجيرات وصراع على النفوذ.

وأطلق حفتر عملية «الكرامة» في مايو (أيار) 2014، قبل أن تدخل قواته بنغازي في أكتوبر من العام نفسه، وتسيطر على مواقع رئيسية، بينها معسكر كتيبة 17 فبراير (شباط)، وسط اشتباكات عنيفة. واستمرت المعارك في المدينة لسنوات، وخلفت قتلى وجرحى ونازحين ودماراً واسعاً، إلى أن أعلن حفتر في يوليو (تموز) 2017 استعادة السيطرة عليها بالكامل.

وتحتفي السلطات في شرق ليبيا بهذه الذكرى، باعتبارها محطة في قتال الجماعات المتطرفة، وترسيخ نفوذ القيادة العامة، مع إبراز دور القوات الخاصة في العمليات العسكرية.


التونسيون يخرجون في أكبر احتجاجات للمطالبة باستعادة الديمقراطية‭ ‬والحريات

جانب من المظاهرات العارمة التي جابت شوارع العاصمة التونسية (إ.ب.أ)
جانب من المظاهرات العارمة التي جابت شوارع العاصمة التونسية (إ.ب.أ)
TT

التونسيون يخرجون في أكبر احتجاجات للمطالبة باستعادة الديمقراطية‭ ‬والحريات

جانب من المظاهرات العارمة التي جابت شوارع العاصمة التونسية (إ.ب.أ)
جانب من المظاهرات العارمة التي جابت شوارع العاصمة التونسية (إ.ب.أ)

تدفق آلاف التونسيين إلى شوارع العاصمة، اليوم السبت، في احتجاج حاشد للمطالبة باستعادة الديمقراطية‭ ‬والحريات، في تحرك يعكس تزايد الغضب من سياسات الرئيس قيس سعيد، وسط اتهامات له ​بالفشل الذريع في معالجة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة. ويعد هذا الاحتجاج، الذي قاده اتحاد الشغل ومنظمات وازنة، من بينها رابطة حقوق الإنسان وعمادة المحامين ونقابة الصحافيين، هو الأكبر من نوعه منذ عدة سنوات، ويشكل تحدياً قوياً للرئيس سعيد بعد سنوات شهدت انقسامات أضعفت قدرة معارضيه على الحشد.

عرفت المظاهرات مشاركة واسعة للنساء (إ.ب.أ)

وفي مشهد نادر من وحدة الصف، انضمت أحزاب معارضة من مختلف الأطياف السياسية، بينها أطراف شهدت خصومة لسنوات، إلى محامين وأطباء وصحافيين وعاطلين عن العمل، ومنظمات المجتمع المدني ‌في الاحتجاج.

وتجمع المتظاهرون ‌في ساحة محمد علي، معقل اتحاد الشغل، ​قبل ‌أن يجوبوا ⁠شوارع في ​العاصمة ⁠باتجاه شارع الحبيب بورقيبة، وهو نقطة محورية في المظاهرات، التي أطلقت شرارة الربيع العربي قبل 15 عاماً.

وانتشر مئات من أفراد الشرطة في شوارع وأحياء العاصمة، فيما أُغلق العديد منها. ورفع الاحتجاج شعار «تونس أولاً.. الشعب فوق كل اعتبار»، ولوح المتظاهرون بأعلام تونس.

وقال صلاح الدين السالمي، الأمين العام لاتحاد الشغل في كلمة أمام الحشود: «أزمة تونس اليوم هي بالأساس تفرد شخص واحد بكل ⁠السلطات».

طالب المحتجون بالكرامة واستعادة الديمقراطية والحريات (إ.ب.أ)

وحسب ما نقلته وكالة «رويترز»، فقد ردد المشاركون مطالب تنادي بالحريات واستقلالية القضاء، والكف عن ‌ملاحقة المعارضين، ووقف المساس بالحق النقابي. ‌كما رفعوا لافتات وشعارات تعبر عن الامتعاض المتنامي ​من تفشي البطالة، وسوء الخدمات العامة، ‌ومما وصفوها بالوعود الزائفة، مؤكدين في شعاراتهم أنه «لا ديمقراطية دون حريات» و«لا كرامة مع الفقر»، و«لا لتجريم العمل المدني والسياسي». وهتفوا بصوت واحد «يا نظام الفشل... الرحيل هو الحل».

وقال ياسين الغرسلاوي،‭ ‬أحد المشاركين في الاحتجاج:‭» ‬البلاد تنهار على جميع المستويات... نعاني الأزمة تلو الأخرى، من عطش وانقطاع متكرر للكهرباء، بينما يُلقى بالأزمات على المتآمرين والخونة‭.«‬

وأضاف الغرسلاوي لـ«رويترز»: «أنا هنا لأدافع عن حريتي، ولست مستعداً للتخلي عنها ولو كنت آخر صوت يصرخ في البلاد».

قادة نقابة اتحاد العمال خلال مشاركتهم في المظاهرات (رويترز)

من جهته، قال عميد الهيئة الوطنية للمحامين بوبكر ثابت إن جهود المجتمع المدني «تتحد اليوم للدفاع عن حق المواطن في العيش بكرامة، والعمل بحرية وفق ما تكفله المواثيق الدولية والدستور».

كما ردد المحتجون ‌هتافات غاضبة، من بينها: «لا خوف لا رعب... الشارع ملك الشعب»، و«حريات دولة البوليس وفات (انتهت)». وأعادوا إحياء أبرز شعارات ⁠الثورة التونسية، الذي تردد صداه لاحقاً في دول بالمنطقة «الشعب يريد إسقاط النظام». كما أطلقوا شعارات منددة بوزارة الداخلية وأداء الحكومة ووصفوها بـ«حكومة الفشل» وطالبوا برحيلها.

تعززت مظاهرات العاصمة بمشاركة صحافيين وأطباء ورؤساء أحزاب وقادة نقابيين (إ.ب.أ)

يأتي الاحتجاج في خضم أزمة اقتصادية متفاقمة، وتدهور حاد في الخدمات العامة، من بينها الانقطاعات المتكررة للمياه والكهرباء، ونقص الأدوية وبعض السلع الأساسية. كما تأتي هذه المسيرة مع تزايد احتجاجات العاطلين المطالبين بفرص عمل، والإسراع بتطبيق قانون صدر قبل عام يجيز توظيف من طالت بطالتهم لأكثر من عشر سنوات. في وقت تطالب فيه المعارضة بالإفراج عن العشرات من السياسيين المعارضين لحكم الرئيس سعيد، الذين أودعوا السجون منذ أكثر من ثلاثة أعوام.

وتتهم منظمات حقوقية محلية ودولية الرئيس سعيد بشن حملة قمع متصاعدة ضد منظمات المجتمع المدني، والزج بصحافيين وقادة من المعارضة خلف القضبان، متهمةً إياه بتحويل البلاد إلى سجن مفتوح. لكن الرئيس يرفض اتهامات الاستبداد والقمع، ويقول إنه ليس ديكتاتوراً، وإنه ماضٍ في تطهير البلاد ممن يصفهم بالخونة والفاسدين والمتآمرين. كما يتهم معارضيه بافتعال الأزمات الاقتصادية بهدف تأجيج الأوضاع الاجتماعية، وإشعال البلاد من الداخل.

جانب من مشاركة نقابة الأطباء والصيادلة في الاحتجاجات (رويترز)

وفي 2021، أحكم ​الرئيس سعيد قبضته على أغلب ​السلطات، وحل لاحقاً البرلمان المنتخب، وبدأ الحكم بمراسيم وحل مجلس القضاء، وعزل عشرات القضاة في خطوات وصفها منتقدوه بأنها انقلاب.


«مجازر 17 أكتوبر 1961»... ذكرى تعيد فتح الجراح العالقة بين الجزائر وباريس

«مجازر 17 أكتوبر 1961» تعيد فتح الجراح العالقة بين الجزائر وباريس (الرئاسة الجزائرية)
«مجازر 17 أكتوبر 1961» تعيد فتح الجراح العالقة بين الجزائر وباريس (الرئاسة الجزائرية)
TT

«مجازر 17 أكتوبر 1961»... ذكرى تعيد فتح الجراح العالقة بين الجزائر وباريس

«مجازر 17 أكتوبر 1961» تعيد فتح الجراح العالقة بين الجزائر وباريس (الرئاسة الجزائرية)
«مجازر 17 أكتوبر 1961» تعيد فتح الجراح العالقة بين الجزائر وباريس (الرئاسة الجزائرية)

بالتزامن مع حلول الذكرى الـ65 لـ«مجازر 17 أكتوبر (تشرين الأول) 1961» في باريس، أعلنت الجزائر التحضير لمشروع قانون يخص «الذاكرة الوطنية»، فيما طالب نحو 30 رئيس بلدية في فرنسا بالاعتراف بتلك الأحداث الدموية «جريمة دولة». وهاتان الخطوتان تعكسان تعثر ملف الذاكرة الاستعمارية، وبقاء ملف «المصالحة» لعام 2022 رهينة الخلافات التاريخية والأزمة الدبلوماسية المتواصلة بين البلدين.

تصميم تذكاري يخص مجازر 17 أكتوبر 1961 (وزارة الدفاع)

وجرى اليوم، السبت، تنظيم «وقفة دقيقة صمت»، حسبما أعلنت عنه وزارة المجاهدين الجزائرية في كل الأجهزة والهيئات الرسمية داخل البلاد، وبالممثليات الدبلوماسية الجزائرية بالخارج، ترحماً على أرواح المهاجرين الجزائريين، الذين قتلهم البوليس الفرنسي مطلع ستينات القرن الماضي، في وقت كانت فيه ثورة التحرير (1954 - 1962) على وشك حسم صراع طويل مع الاستعمار، دام 132 سنة.

وفي فرنسا، نشر قصر «الإليزيه»، اليوم السبت، بموقعه الإلكتروني بخصوص هذه الذكرى: «بعد 65 عاماً على أحداث 17 أكتوبر 1961، تتذكر فرنسا الجزائريين ضحايا القمع الدموي، الذي نُظّم تحت سلطة محافظ الشرطة موريس بابون... هذه الذاكرة الجريحة هي جزء من تاريخنا المشترك، والجمهورية تنظر إليها بوعي ووضوح».

في السياق ذاته، طالب نحو 30 رئيس بلدية في فرنسا بالاعتراف بـ«مجازر 17 أكتوبر 1961»، التي استهدفت مئات المتظاهرين، غالبيتهم عمال مصانع، باعتبارها «جريمة دولة». ودعا هؤلاء المنتخبون، في بيان مشترك، نشرته صحف فرنسية أمس الجمعة، على وجه الخصوص، إلى إدراج 17 أكتوبر ضمن الرزنامة الرسمية للأيام الوطنية والمراسم الرسمية.

* مطالب بالإنصاف والحقيقة

تضمن نص مشترك وقعه رؤساء البلديات، نشرته «إذاعة فرنسا الدولية» بموقعها الإلكتروني، مطالبةً بالاعتراف الكامل والصريح بمجازر 17 أكتوبر 1961، باعتبارها جريمة دولة، بالنظر إلى مسؤولية السلطات العمومية عن تنظيم حملة القمع وإدارتها. وينتمي أغلبية أصحاب المبادرة للحزب الاشتراكي الفرنسي، والحزب الشيوعي وحزب الخضر.

صورة أرشيفية لمعتقلين في مظاهرات 17 أكتوبر 1961 بباريس (صحيفة ليبراسيون)

وقبل 65 عاماً، تحديداً في ليلة 17 أكتوبر 1961، خرج آلاف الجزائريين والجزائريات في مظاهرات سلمية بباريس وضواحيها، استجابة لنداء «جبهة التحرير الوطني»، احتجاجاً على حظر التجول التمييزي المفروض عليهم، ليتعرضوا لقمع بالغ العنف على يد الشرطة الفرنسية، تحت سلطة محافظ شرطة باريس آنذاك، موريس بابون، وفق ما جاء في البيان. وحسب تقديرات مؤرخين، من بينهم جان لوك إينودي، فقد قتل نحو 300 جزائري، فيما أُلقي بالعديد من الضحايا في نهر السين.

كما طالب رؤساء البلديات بإدراج هذه الأحداث الدامية ضمن الرزنامة الرسمية للأيام الوطنية والمراسم الرسمية، «حتى تحيي الجمهورية الفرنسية سنوياً ذكرى ضحايا هذا القمع وتكرّمهم». كما دعوا إلى مواصلة فتح الأرشيف المتعلق بهذه الأحداث، وتسهيل الاطلاع عليه، إلى جانب الأرشيف المرتبط بحرب الجزائر عموماً، «حتى يتمكن الباحثون والعائلات والمواطنون من مواصلة توثيق الحقائق، ونقلها إلى الأجيال القادمة».

وشدّد الموقّعون على ضرورة إطلاق «فضاءات للذاكرة» ودعمها، وإطلاق «مبادرات تهدف إلى نقل هذه الذاكرة التاريخية، لا سيما إلى الأجيال الشابة، حتى يُدرّس تاريخ 17 أكتوبر 1961 بصورة كاملة، ويصبح معروفاً لدى الجميع». كما دعوا إلى الاعتراف بالضحايا والناجين وعائلاتهم، وتقديم الدعم اللازم لهم، بعد أن ظلت شهاداتهم وذاكرتهم مهمّشة ومتجاهلة طوال سنوات طويلة.

وجاء في البيان أن الاعتراف بهذه المجازر «لا يعني إحياء جراح الماضي، بل يعني مواجهة تاريخنا بشجاعة، وإنصاف الذين كانوا ضحايا هذا القمع»، مضيفاً أن ذلك «يمثل أيضاً اعترافاً بشهادات العائلات، وبجهود كل الذين يناضلون منذ عقود من أجل كشف الحقيقة».

مظاهرة في باريس نظمت في 2025 بمناسبة ذكرى مجازر 17 أكتوبر 1961 (ناشطون جزائريون في فرنسا)

* مسار مصالحة متعثر

كان الرئيس الفرنسي الأسبق، فرانسوا هولاند، قد اعترف في سنة 2012 خلال زيارته إلى الجزائر نهاية العام نفسه بحقيقة القمع الدموي، الذي شهدته أحداث 17 أكتوبر 1961. وفي عام 2021، أقر الرئيس إيمانويل ماكرون، بمناسبة الذكرى الستين لهذه المجازر، بهذه الوقائع، وصرح بأن الجرائم التي ارتُكبت في تلك الليلة تحت سلطة موريس بابون «لا يمكن للجمهورية أن تبررها»، دون أن يصدر حتى الآن اعتراف رسمي بها باعتبارها «جريمة دولة».

واعتبر رؤساء البلديات الموقّعون على النداء أن هذه الاعترافات «شكلت محطات مهمة، لكنها غير كافية»، مؤكدين أنها «لا ينبغي أن تكون الكلمة الأخيرة في هذا الملف». ودعوا الدولة الفرنسية إلى «مواصلة المسار الذي بدأته حتى نهايته، وتحمل مسؤولياتها كاملة تجاه هذه الأحداث التاريخية».

وتم تناول هذه الأحداث في تقرير رسمي، تسلمه الرئيس ماكرون في 20 يناير (كانون الثاني) 2021، من إعداد المؤرخ الشهير بنجامين ستورا، تطرق إلى ذاكرة الاستعمار وحرب الجزائر. وجرت هذه الخطوة بطلب من ماكرون. وتضمنت الوثيقة مقترحات لتعزيز الاعتراف بالذاكرة التاريخية، وتهدئة الخلافات بين البلدين، كما تطرقت إلى مجازر 17 أكتوبر في إطار معالجة إرث الاستعمار الفرنسي.

جانب من احتفالات العاصمة بالذكرى الـ65 لمجازر 17 أكتوبر 1961 (محافظة الجزائر العاصمة)

وفي أغسطس (آب) 2022، شكّلت زيارة ماكرون إلى الجزائر محطة بارزة في مسار المصالحة بين الذاكرتين الجزائرية والفرنسية، حيث اتفق مع الرئيس عبد المجيد تبون على إنشاء لجنة مشتركة من المؤرخين الجزائريين والفرنسيين لدراسة تاريخ الاستعمار، وحرب التحرير الوطني، والعمل على معالجة القضايا التاريخية العالقة بين البلدين.

متظاهرون جزائريون اعتقلوا في بوتو غرب باريس خلال مظاهرة 17 أكتوبر 1961 (الأرشيف الجزائري)

غير أن عمل هذه اللجنة توقف بشكل نهائي، بعد أن عقدت عدة اجتماعات، بسبب التوترات الحادة التي شهدتها العلاقات الثنائية، إثر اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء في نهاية يوليو (تموز) 2024.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended