السودان يخلي مناطق الذهب من الوجود المسلح

مجلس الأمن والدفاع يأمر بتشكيل محاكم خاصة للمخدرات والتهريب

أرشيفية لعناصر من الجيش السوداني بعد سيطرتهم على إحدى المناطق (رويترز)
أرشيفية لعناصر من الجيش السوداني بعد سيطرتهم على إحدى المناطق (رويترز)
TT

السودان يخلي مناطق الذهب من الوجود المسلح

أرشيفية لعناصر من الجيش السوداني بعد سيطرتهم على إحدى المناطق (رويترز)
أرشيفية لعناصر من الجيش السوداني بعد سيطرتهم على إحدى المناطق (رويترز)

أصدر «مجلس الأمن والدفاع» السوداني قرارات مشدَّدة، قضت بمنع «وجود منسوبي الجيش والقوات الأمنية والنظامية في مناطق التعدين»، وأمر بمصادرة الأسلحة والمركبات العسكرية التي تخالف هذا القرار. كما قضى المجلس بتشكيل محاكم خاصة لجرائم المخدرات والاتجار بالبشر وتهريب الأسلحة والذهب، وذلك في خطوة تستهدف تشديد مكافحة الجريمة المنظمة وإحكام سيطرة الدولة على قطاع التعدين.

وقال المجلس، في بيان، إن القرارات صدرت عقب اجتماع للمجلس ترأسه رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، حيث استعرض الاجتماع تطورات الأوضاع الأمنية وسير العمليات العسكرية في البلاد، قبل إجازة تدابير جديدة، قال البيان إنها تهدف إلى تعزيز الأمن الوطني وسيادة القانون.

تشكيل محاكم

وأقر اجتماع المجلس حزمة تدابير، تضمنت تشكيل محاكم خاصة للنظر في جرائم المخدرات والاتجار بالبشر وتهريب الأسلحة والذهب، وحظر أي وجود للجيش والقوات النظامية المساندة في مناطق التعدين، وأمر بمصادرة الأسلحة والمركبات العسكرية التي تُضبط بالمخالفة للقرار. وأكد استمرار الدولة في اتخاذ إجراءات لتعزيز سيادة القانون، ومكافحة الجريمة المنظمة، والتصدي للمهددات الأمنية بما يحفظ استقرار البلاد وسلامة المواطنين.

وجاءت تلك القرارات بعد أسابيع من حملة أمنية ضد منقبين وشبكات للتعدين غير المشروع، قرب الحدود السودانية-المصرية، أعقبها تراجع القوات الحكومية السودانية من بعض مواقع التعدين الحدودية، في تطور سلط الضوء على هشاشة الوضع الأمني في مناطق إنتاج الذهب وأهمية إعادة تنظيم الوجود العسكري. ولم يحدد «مجلس الأمن والدفاع» المناطق التي سيبدأ فيها تنفيذ قرار الإخلاء أو الجهة التي ستتولى الإشراف عليه. كما لم يوضح موعد بدء عمل المحاكم الخاصة أو اختصاصاتها الإجرائية، واكتفى بالتشديد على أهمية استمرار الدولة في اتخاذ التدابير الكفيلة بحماية الأمن الوطني والتصدي للجريمة المنظمة.

أول إعلان رسمي

ويُعد القرار أول إعلان رسمي يقضي بإبعاد القوات النظامية والقوات المساندة من مناطق التعدين التي تحولت خلال سنوات الحرب إلى بؤر تتداخل فيها أنشطة التعدين الأهلي مع انتشار السلاح وشبكات التهريب، في ظل تراجع الرقابة الحكومية على أجزاء واسعة من البلاد بسبب الحرب.

ويعتمد السودان بصورة متزايدة على الذهب باعتباره أهم مصدر للنقد الأجنبي. غير أن جزءاً كبيراً من الإنتاج يخرج من البلاد عبر شبكات تهريب تنشط على الحدود مع عدد من دول الجوار، مستفيدة من فوضى الحرب وضعف الرقابة الأمنية. وتشير تقديرات رسمية وتقارير دولية إلى أن تهريب الذهب حرم الخزانة العامة من عائدات كبيرة، في حين أصبح القطاع أحد أبرز مسارات الاقتصاد غير الرسمي خلال سنوات النزاع المسلح.

وفي الآونة الأخيرة، كثفت السلطات السودانية حملاتها ضد شبكات تهريب الذهب والمخدرات والاتجار بالبشر، معلنة في أكثر من مناسبة ضبط شحنات من المخدرات والأسلحة، في وقت تربط فيه الحكومة بين تنامي هذه الأنشطة واتساع نفوذ الجريمة المنظمة في المناطق المتأثرة بالحرب.

وكانت السلطات المصرية قد أعلنت في يونيو (حزيران) الماضي تنفيذ عمليات استهدفت مجموعات تعمل في التعدين غير المشروع والتهريب على حدودها الجنوبية مع السودان. وفي أعقاب تلك الأحداث، دعا البرهان المنقبين السودانيين إلى عدم تجاوز الحدود، وأكد أن السلطات تعمل على معالجة القضية بالتنسيق مع الجهات المختصة.

وهنّأ «مجلس الأمن والدفاع»، خلال الاجتماع، القوات المسلحة والقوات النظامية والقوات المساندة بما وصفه بالانتصارات العسكرية في مختلف الجبهات، مؤكداً استمرار الدولة في اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية الأمن الوطني وتعزيز سيادة القانون ومواجهة المهددات الأمنية.


مقالات ذات صلة

عمال اليومية في مهب ريح الحرب بالسودان

تقرير إخباري مزارعون يحصدون محصول الجرجير بالخرطوم يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ب)

عمال اليومية في مهب ريح الحرب بالسودان

في الخرطوم التي تحاول استعادة إيقاع الحياة بعد سنوات الحرب لا تزال أبواب كثيرة مغلقة أمام العمال الذين كانوا يعتمدون على ما يكسبونه نهاية كل يوم

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
خاص سودانية تعد طعاماً لتوزيعه بالخرطوم يوم 23 سبتمبر الماضي (أ.ب)

خاص مسؤول محلي: وفاة أكثر من 500 بسبب الجوع في دارفور

قال مسؤول محلي لـ«الشرق الأوسط» إن أكثر من 500 شخص توفوا بسبب الجوع وسوء التغذية في مخيم طويلة للنازحين بولاية شمال دارفور في غرب السودان.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا فتى سوداني يمسك وعاء للحصول على طعام من مطبخ خيري بالخرطوم 23 سبتمبر الماضي (أ.ب)

قوى سودانية تبحث مع «الآلية الخماسية» سبل وقف الحرب

بحث وفد «إعلان المبادئ السوداني» بأديس أبابا مع «الآلية الخماسية» إنهاء الحرب ومعالجة الأزمة الإنسانية في البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا لقاء سابق بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان في القاهرة (الرئاسة المصرية)

تحذيرات رسمية في مصر من محاولات إحداث «وقيعة» مع السودان

تواترت التحذيرات المصرية من محاولات «الوقيعة» مع السودان على خلفية الجدل الذي صاحب استهداف «منقبين عن الذهب والمعادن» قرب الحدود المصرية - السودانية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقائه رئيس مجلس السيادة السوداني في مدينة العلمين الجديدة (الرئاسة المصرية)

تأكيد مصري - سوداني على «صون السيادة والاحترام المتبادل»

أكدت مصر والسودان على عمق العلاقات الثنائية، وشدد البلدان على الاحترام المتبادل بينهما، بما في ذلك احترام سيادة كل دولة ووحدة وسلامة أراضيها وحدودها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

سلطات شرق ليبيا أعدمت 31 شخصاً منذ أغسطس الماضي

أسامة حماد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان شرق ليبيا (حكومة الاستقرار)
أسامة حماد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان شرق ليبيا (حكومة الاستقرار)
TT

سلطات شرق ليبيا أعدمت 31 شخصاً منذ أغسطس الماضي

أسامة حماد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان شرق ليبيا (حكومة الاستقرار)
أسامة حماد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان شرق ليبيا (حكومة الاستقرار)

أفادت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، الأربعاء، بأن السلطات العسكرية في الشرق الليبي أعدمت 31 شخصاً على الأقل منذ أواخر أغسطس (آب) الماضي، مشيرة إلى أن عمليات الإعدام هذه هي الأولى التي يُعلَن عنها في ليبيا ككل منذ 2010.

وبحسب تقرير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، فقد نددت المنظمة في بيان بإقدام القوات الخاضعة لسيطرة المشير خليفة حفتر، والمسيطرة على شرق ليبيا، وجنوبها على إعدام هؤلاء الأشخاص «عقب محاكمات عسكرية جائرة للغاية»، وتفتقر بوضوح إلى «معايير العدالة».

وإذ لاحظت بأن هذه الحالات تشكّل «أول عمليات إعدام معروفة في ليبيا منذ عام 2010»، نبّهت إلى أن «ما لا يقل عن 50 شخصاً آخرين محتجزين في سجن قرنادة العسكري، عرضة لخطر الإعدام الوشيك»، لكنها لم توضح مزيداً من التفاصيل عن زمان ومكان إعدامهم.

وتشهد ليبيا فوضى أمنية وانقساماً سياسياً ومؤسساتياً منذ سقوط معمر القذافي ومقتله عام 2011. وتسيطر قوات المشير خليفة حفتر على شرق البلاد، حيث توجد حكومة مدعومة منه، فيما تدير الغرب حكومة مقرّها طرابلس، برئاسة عبد الحميد الدبيبة.

ويواجه معظم مؤسسات الإصلاح والتأهيل (السجون) في ليبيا، اتهامات متكررة من منظمات حقوقية محلية ودولية، بتسجيل انتهاكات «جسيمة» لحقوقهم، تصل إلى حد وفاتهم جراء التعذيب، إلى جانب «تنفيذ أحكام عسكرية بالسجن أو الإعدام بحق بعضهم، لا تستوفي الإجراءات القضائية اللازمة»، خاصة في الشرق حيث تسيطر قوات حفتر.

ويقع سجن قرنادة على بعد نحو مائة كيلومتر شمال شرقي بنغازي، ويخضع في معظمه لسيطرة عسكرية، مما يجعله خارج نطاق اختصاص السلطات القضائية. وغالباً ما تثار اتهامات لهذا السجن بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، من بينها ممارسات تعذيب وسوء معاملة.

واتهم نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة «هيومن رايتس ووتش»، بسام خواجا، قوات حفتر بإعدام أشخاص «بعد محاكمات سرية بنيت على اعترافات يزعم انتزاعها بالتعذيب، أمام محاكم قالت المحكمة العليا الليبية نفسها إنها ينبغي ألا تحاكم المدنيين».

ورأى خواجا أن «كل إعدام ينفذ في هذه الظروف ظلم لا رجعة فيه، وعلى كل حكومة لها نفوذ على القوات المسلحة، الضغط بشدة لمنع الإعدام التالي».

ولا تزال عقوبة الإعدام سارية في ليبيا، إذ ينص عليها قانون العقوبات لجرائم القتل والأعمال الإرهابية والمساس بأمن الدولة. وتصدر المحاكم الليبية أحكاماً بالإعدام، إلا أنها ظلت، حتى الآن، غير منفذة.

وإذ لاحظ خواجا أن «ليبيا لم تنفذ أي حكم بالإعدام طوال 15 عاماً»، أسف لكسر هذا التوقف عن التنفيذ «في غضون بضعة أسابيع»، وشدّد على أن «حياة ما لا يقل عن 50 شخصاً آخرين باتت مرهونة بقرار قوات حفتر، والحكومات التي تدعمها، بشأن ما إذا كانت ستضع حدّاً لعمليات الإعدام هذه أم لا».

وأشارت المنظمة غير الحكومية إلى أن عائلات المتهمين لم تتلق أي إخطار سلفاً بموعد تنفيذ الإعدامات، وإلى أن السلطات في شرق ليبيا رفضت تسليم جثامين من أعدموا، وطلبت من أقاربهم تأكيد هوياتهم، ثم دفنتهم من دون حضور العائلات، وحذرت الأقارب من إقامة جنازات.


تحرك برلماني في مصر لكشف أسباب التراجع بمؤشرات «مكافحة الفساد»

مجلس النواب المصري في إحدى جلساته (المجلس)
مجلس النواب المصري في إحدى جلساته (المجلس)
TT

تحرك برلماني في مصر لكشف أسباب التراجع بمؤشرات «مكافحة الفساد»

مجلس النواب المصري في إحدى جلساته (المجلس)
مجلس النواب المصري في إحدى جلساته (المجلس)

قدّم نائب برلماني مصري طلب إحاطة عاجل إلى الحكومة، الأربعاء، لمساءلتها عن أسباب التراجع في مؤشر «مدركات الفساد» العالمي، الذي احتلت بلاده فيه المركز 130 من بين 180 دولة، وما يمثله ذلك من «إهدار للمال العام» في ظل أوضاع جيوسياسية صعبة.

وقال فريدي البياضي، عضو مجلس النواب عن «الحزب المصري الديمقراطي» المعارض، في طلب الإحاطة، إن «الفساد يزداد في مصر، والحكومة مطالبة بكشف حساب».

وصدر مؤشر «مدركات الفساد» عن منظمة الشفافية الدولية في فبراير (شباط) الماضي، وأرجع البياضي تقديم طلب الإحاطة متأخراً عن وقت صدور التقرير إلى إجازة المجلس طيلة 3 أشهر، نافياً ربطه بأي وقائع حديثة تتعلق بالفساد، وفق تصريحه لـ«الشرق الأوسط».

غير أن مراقبين ربطوا هذا الطلب بـ«منتدى مصر 2026»، المقرر إقامته في التاسع عشر من الشهر الحالي.

وتترقب الساحة المصرية عقد «منتدى مصر» التفاعلي لعرض الإنجازات الحكومية. ويتيح المنتدى للمواطنين تقديم تساؤلات واقتراحات عبر موقع خاص به أطلقته الحكومة مطلع الشهر الحالي، وكذلك تسجيل طلبات للمشاركة فيه.

واستقرت مصر في المرتبة 130 بمؤشر «مدركات الفساد» عن العام 2025، وهو المركز نفسه الذي هبطت له في عام 2024، من المركز 108 الذي حققته في 2023، والمركز 94 في عام 2014.

المال العام

ويشير عضو مجلس النواب في طلب الإحاطة، وفق بيان بصفحته على «فيسبوك»، إلى أن «الفساد قد يكون في مشروع يقام بتكلفة أكبر من قيمته، أو في مناقصة تُحسم بالمحسوبية، أو في مسؤول يستغل منصبه، أو إنفاق مال عام دون رقابة».

وأضاف أن مصر أطلقت «الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد» في عام 2014، وأنه بعد مرور أكثر من 10 سنوات من «الاستراتيجيات والمؤتمرات وتصريحات مكافحة الفساد، تراجعنا للوراء بدلاً من تحقيق تقدم في الملف».

ويعتبر الخبير السياسي وعضو البرلمان السابق عماد جاد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن المؤشر يعكس عدم إحراز تقدم في مكافحة الفساد، رغم أن مصر لديها منظومة دستورية وقانونية واستراتيجية جامعة وشاملة لمجابهة إهدار المال العام، لكن الأزمة تظل في التطبيق، وليس التشريع.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال المؤتمر الصحافي الدوري للحكومة في 4 يونيو الماضي (رئاسة مجلس الوزراء)

وتعمل «هيئة الرقابة الإدارية» المستقلة على مكافحة الفساد في مصر، وتعلن من وقت لآخر عن ضبط قضايا متنوعة بين رشاوى واستغلال نفوذ واختلاس وغيرها في قطاعات مختلفة من الدولة.

وفي 14 يوليو (تموز) الماضي، أعلنت الهيئة عن ضبط «تشكيل إجرامي تخصص في الاحتيال الإلكتروني والنصب على المواطنين». وفي التاسع من نفس الشهر، أعلنت عن ضبط مسؤولي 13 شركة زوّروا تخليصات جمركية للإفراج عن 122 رسالة جمركية بالمخالفة للقانون ودون تحصيل الرسوم المستحقة.

وحذّر النائب البرلماني من تأثيرات الفساد على الاستثمار، قائلاً في طلب الإحاطة إن «المستثمر لن يطمئن لبيئة بها محسوبية أو منافسة غير عادلة، والنتيجة فرص عمل أقل واقتصاد أضعف».

الرقابة والمساءلة

وسبق أن أكد مسح لـ«منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» عن عام 2024 الأمر ذاته، إذ أوضح أن «الفساد يقف عائقاً أمام الاستثمار والمنافسة وكفاءة الاقتصاد المصري». ولفت التقرير إلى أن «المشكلة لا تكمن أساساً في غياب القوانين والاستراتيجيات، بل في ضعف تنفيذ الأدوات القائمة، وقصور آليات الإبلاغ والمساءلة والرقابة، وصعوبة الوصول إلى المعلومات».

وقال جاد لـ«الشرق الأوسط»: «البيروقراطية وقلة أعداد موظفي الرقابة تجعل هناك صعوبات في محاصرة الفساد... وعدد القضايا المُعلن عنها قليل مقارنة بحجم الفساد».

وأضاف: «ملف مواجهة الفساد يتطلب أيضاً رفع الأجور بما يتناسب مع الأسعار، حتى يتمكن الموظف من العيش دون أن يلجأ إلى الرشاوى وغيرها من الأشكال».

ولا توجد إحصائيات دورية عن عدد قضايا الفساد التي يتم ضبطها، والقطاعات الأبرز من حيث تفشي الفساد فيها، ونتائج هذه القضايا، أو حجم الأموال المُستردة من مكافحة الفساد؛ غير أن «هيئة الرقابة الإدارية» أشارت في تقرير عن أول 7 أشهر من عام 2019 إلى ضبط 412 قضية جنائية لرشوة واختلاس وتسهيل الاستيلاء على المال العام والتزوير والكسب غير المشروع، كما أعلنت اتخاذ إجراءات قانونية حيال 1433 موظفاً عاماً بسبب انحرافات وظيفية.

وعن المسارات المفترض أن يخوضها طلب الإحاطة الذي قدّمه النائب البياضي، قال: «يُفترض أن تُرسِل الحكومة لجنة لمناقشته مع اللجان المختصة في مجلس النواب، ثم يرد الوزراء المعنيون على ما جاء فيه مع تقديم كشف الحساب»، لكنه أردف قائلاً إن ذلك «غير مضمون... وقد لا ترد الحكومة» على الطلب.


ليبيون يتخوفون من تأثير تراجع الدينار أمام الدولار

يشتكي عدد من الليبيين من ضغوط المعيشة مع تراجع القدرة الشرائية للعملة المحلية وارتفاع تكلفة السلع (أ.ف.ب)
يشتكي عدد من الليبيين من ضغوط المعيشة مع تراجع القدرة الشرائية للعملة المحلية وارتفاع تكلفة السلع (أ.ف.ب)
TT

ليبيون يتخوفون من تأثير تراجع الدينار أمام الدولار

يشتكي عدد من الليبيين من ضغوط المعيشة مع تراجع القدرة الشرائية للعملة المحلية وارتفاع تكلفة السلع (أ.ف.ب)
يشتكي عدد من الليبيين من ضغوط المعيشة مع تراجع القدرة الشرائية للعملة المحلية وارتفاع تكلفة السلع (أ.ف.ب)

تزداد المخاوف في ليبيا من تداعيات تراجع قيمة الدينار أمام الدولار على معيشة المواطنين والمالية العامة للدولة، مع استمرار صعود العملة الأميركية في «السوق الموازية»، وبالتزامن مع تجدد تلويح محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي محمد عيسى، بالاستقالة في ظل خلافات بشأن الإنفاق العام، واستنزاف موارد الدولة بالعملة الصعبة، وفق مصدر بـ«المصرف».

وواصل الدولار ارتفاعه في السوق الموازية، الأربعاء، مسجلاً 9.98 دينار مقابل 9.82 دينار مطلع الأسبوع، وفق أسعار متداولة. واتسع الفارق بين السعرين الرسمي والموازي إلى 3.56 دينار، بعدما سجل الدولار في التعاملات الرسمية نحو 6.42 دينار، في مؤشر على اتساع الفجوة بين السوقين.

وامتدت تداعيات ارتفاع الأسعار إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، إذ تداولت صفحات ليبية على مواقع التواصل الاجتماعي أخيراً مقطع فيديو لمواطن من طرابلس وهو يشكو ارتفاع تكلفة وجبة إفطار بسيطة إلى نحو 32 ديناراً، ويؤكد أن طبق البيض بلغ 25 ديناراً، والجبن 4 دنانير، والخبز 4 دنانير، معبّراً عن استيائه من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، في ظل أزمة الدولار، وصعود سعر صرفه أمام الدينار الليبي، وتساءل عن مصير العملة المحلية في ظل هذه التطورات.

واجهة البنك المركزي بطرابلس (رويترز)

وتعكس هذه الشكوى جانباً من الضغوط المعيشية التي يواجهها الليبيون، مع تراجع القدرة الشرائية للعملة المحلية وارتفاع تكلفة السلع. ويرتبط سعر الصرف بأوضاع السوق المحلية، خصوصاً في بلد يعتمد على الاستيراد لتلبية جانب كبير من احتياجاته، ما يجعل أي زيادة في تكلفة العملة الأجنبية عاملاً ضاغطاً على الأسعار.

وقال أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، علي الشريف، إن وصول الدولار إلى عشرة دنانير يعني أن راتب شهر بقيمة ألفي دينار لا تتجاوز قيمته ما يعادل 200 دولار، وفق سعر الصرف الموازي.

وأضاف في منشور عبر صفحته الرسمية بـ«فيسبوك»، مساء الثلاثاء، موضحاً أن هذه القيمة تقل عن مستوى 300 دولار، الذي استند إليه في تقديره لخط الفقر، بما يعكس حجم التراجع في القوة الشرائية للدينار ومستوى معيشة المواطنين.

وفي موازاة الضغوط على سعر الصرف، يتجدد الحديث عن مستقبل إدارة السياسة النقدية، بعدما أفاد مصدر في المصرف المركزي لوسائل إعلام ليبية، مساء الثلاثاء، بأن المحافظ لا يزال متمسكاً بطلب الاعتذار عن الاستمرار في منصبه، بسبب ما وصفه بغياب المساندة الواضحة من مؤسسات الدولة لجهود المصرف، وعدم إقرار إصلاحات تحد من الإنفاق العام، واستنزاف موارد البلاد من النقد الأجنبي.

محافظ مصرف ليبيا المركزي خلال مشاركته باجتماع محافظي دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في بانكوك الأربعاء (صفحة المركزي)

وفيما يشارك محافظ المركزي في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين، المنعقدة بالعاصمة التايلاندية بانكوك، أوضح المصدر أن استمرار الإنفاق على مختلف الأغراض من دون دراسات تتناسب مع الواقع الاقتصادي، إلى جانب تهريب السلع والمحروقات، عطّل جهود المصرف للدفاع عن سعر الصرف، وأدى إلى بروز عوامل مؤثرة باتت، حسب تقديره، خارج نطاق اختصاصه المباشر. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من تفاصيل هذه المواقف.

وأشار المصدر ذاته إلى تعرض المصرف لضغوط من أطراف في شرق البلاد وغربها للحصول على الأموال، في مقابل عدم الاستجابة لمطالب المحافظ ومجلس الإدارة، الرامية إلى الحد من الإنفاق العام، محذراً من انعكاسات ذلك على الوضع المالي وسعر صرف الدينار.

وهنا استنتج الباحث الاقتصادي، عبد الحميد الفضيل، أن تجدد التلويح بالاستقالة يمثل إشارة إلى خطورة الوضع الاقتصادي، ورجح أن يؤدي استمرار الاختلالات الحالية إلى مزيد من تراجع قيمة الدينار، وربما بوتيرة أسرع، إذا لم تُتخذ إجراءات لمعالجة أسباب الضغط على العملة.

مواطن ليبي يعد عملات ورقية من فئة الدينار الليبي في مصرف الجمهورية الحكومي (الصفحة الرسمية للمصرف)

ورأى الفضيل في منشور عبر «فيسبوك»، مساء الثلاثاء، أن مشاورات المصرف المركزي مع صندوق النقد الدولي كشفت، على ما يبدو، عن معطيات مقلقة بشأن التوسع في الإنفاق العام من جانب حكومتي الوحدة الوطنية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد، إلى جانب الإنفاق المرتبط بملف الإعمار.

وعزا الفضيل تعقيد المشهد إلى غياب أفق قريب لتوحيد الإنفاق العام، بالتزامن مع ارتفاع فاتورة المحروقات، وتصدير النفط خارج القنوات الرسمية، فضلاً عن عدم امتثال بعض المصارف التجارية لتعليمات المصرف المركزي، وما وصفه بغياب استقلالية المؤسسة النقدية. وعدّ أن هذه العوامل تحد من قدرة المصرف على كبح استنزاف الاحتياطيات، في ظل ضغوط للحصول على مزيد من الأموال، بما يتجاوز القدرة الاستيعابية للاقتصاد.

في غضون ذلك، شارك محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي محمد عيسى، الأربعاء، في اجتماع محافظي المجموعة الأفريقية مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، وذلك على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك، عاصمة تايلاند، بحضور محافظي مصارف مركزية، ووزراء مالية أفارقة ومسؤولين من الصندوق.