مشاورات مصرية - أميركية - أفريقية بحثاً عن حلول لأزمات إقليمية

لقاءات بين عبد العاطي وبولس ووزيري خارجية إريتريا والصومال

لقاء مشترك بين وزراء خارجية مصر والصومال وإريتريا مع كبير مستشاري ترمب الأحد في القاهرة (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
لقاء مشترك بين وزراء خارجية مصر والصومال وإريتريا مع كبير مستشاري ترمب الأحد في القاهرة (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
TT

مشاورات مصرية - أميركية - أفريقية بحثاً عن حلول لأزمات إقليمية

لقاء مشترك بين وزراء خارجية مصر والصومال وإريتريا مع كبير مستشاري ترمب الأحد في القاهرة (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)
لقاء مشترك بين وزراء خارجية مصر والصومال وإريتريا مع كبير مستشاري ترمب الأحد في القاهرة (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

سلسلة مشاورات مجمعة ومنفصلة استضافتها مصر، جمعت وزراء خارجية مصر وإريتريا والصومال، ومسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترمب للشؤون العربية والأفريقية، لبحث ملفات في القارة السمراء والشرق الأوسط.

وأفادت وزارة الخارجية المصرية، في بيان الأحد، بأن الاجتماعات التي عُقدت بين وزير الخارجية بدر عبد العاطي، ونظيريه في إريتريا عثمان صالح، والصومال عبد السلام عبدي، ومسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي، جاءت «في إطار الجهود الرامية لإرساء السلم والأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي».

محادثات وزير الخارجية المصري مع بولس مسعد في القاهرة الأحد (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

وبحسب بيانات منفصلة لـ«الخارجية المصرية»، التقى عبد العاطي في لقاءات منفصلة كلاً من بولس، وعثمان صالح، وعبد السلام عبدي.

وبحث لقاء عبد العاطي وبولس الأوضاع في السودان، وأكد المسؤول المصري «أهمية التوصل إلى وقف مستدام لإطلاق النار، وتكثيف الاستجابة الإنسانية، ودعم مسار سياسي شامل بقيادة وملكية سودانية خالصة، بما يحفظ وحدة السودان، ويلبي تطلعات شعبه نحو الأمن والاستقرار والتنمية».

وتبادل الجانبان الرؤى بشأن الجهود الدولية المبذولة لدفع العملية السياسية في ليبيا. وأكد عبد العاطي «دعم مصر لجميع الجهود الأممية والإقليمية والدولية، بما في ذلك الجهود الأميركية، الرامية إلى تحقيق تسوية سياسية مستدامة تحفظ وحدة الدولة الليبية، وتحقق تطلعات شعبها».

وخلال لقاء عبد العاطي ووزير خارجية إريتريا أكد الوزيران أن «أمن وإدارة البحر الأحمر يظلان مسؤولية حصرية للدول المتشاطئة له، والرفض الكامل لأي محاولات من أطراف أخرى لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق، أو لفرض نفاذها البحري بالمخالفة لأحكام القانون الدولي»، في إشارة لرفض جديد من الدولتين مطالبات من إثيوبيا غير المتشاطئة، بالوصول لمنفذ بحري بالبحر الأحمر في السنوات الأخيرة.

لقاء مشترك بين وزراء خارجية مصر والصومال وإريتريا مع كبير مستشاري ترمب الأحد في القاهرة (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

كما أكد عبد العاطي في أثناء لقاء عبد السلام عبدي «دعم مصر الكامل لوحدة وسيادة وسلامة أراضي الصومال»، مجدداً «التزام بلاده بمواصلة دعم جهود بناء مؤسسات الدولة الصومالية، وتعزيز قدراتها في مجال إرساء الأمن والاستقرار، لا سيما في مواجهة تحديات الإرهاب والتطرف».

تلك المشاورات يراها عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق محمد حجازي، «محاولة لبحث حلول للأزمات المعقدة، فضلاً عن أنها تكشف عن تقارب أميركي مع القاهرة بوصفها مركز ثقل حقيقياً قادراً على المساعدة في التوصل لتلك الحلول.

ويرى حجازي أن «هذه اللقاءات ضمن سلسلة مشاورات دبلوماسية مكثفة تستضيفها مصر، لبحث سرعة التوصل لحلول تدعم الاستقرار في أفريقيا والشرق الأوسط».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه المشاورات تعكس رغبة في تحويل المشاورات الثنائية إلى حوار إقليمي ودولي أوسع، يهدف إلى تنسيق المواقف وبحث آليات عملية للتعامل مع التحديات المشتركة في السودان والقرن الأفريقي والبحر الأحمر وليبيا ومختلف ملفات التوتر».

وزير الخارجية المصري خلال لقاء مع وزير الخارجية الصومالي الأحد (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

وتكتسب تلك المشاورات بحسب محمد حجازي أهمية في ضوء إمكانية تحريك مسارات التسوية السياسية، سواء عبر تثبيت وقف إطلاق النار في السودان، أو دعم إعادة بناء مؤسسات الدولة، أو الدفع نحو توحيد المؤسسات الليبية وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات تؤسس لاستقرار دائم.

ويوضح: «من المرجح أن توفر هذه المشاورات فرصة لبحث مستقبل الاستقرار في القرن الأفريقي، وتخفيف حدة التوترات الإقليمية، واستكشاف فرص التقارب بين الولايات المتحدة وإريتريا، في ظل العلاقات الوثيقة التي تربط القاهرة بأسمرة من جهة، وشراكتها الاستراتيجية مع واشنطن من جهة أخرى».

ويلفت، إلى أن الولايات المتحدة باتت تنظر إلى ملفات السودان وليبيا والقرن الأفريقي والبحر الأحمر «بوصفها ملفات مترابطة ضمن معادلة أمن إقليمي واحدة، وأن مصر تظل الشريك الإقليمي الأكثر قدرة على المساهمة في إدارة هذه التحديات».


مقالات ذات صلة

مصر لتقديم «كافة أشكال الدعم» للدفاع عن أمن السعودية واستقرارها

شمال افريقيا  «مجلس الدفاع الوطني» برئاسة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الأحد (الرئاسة المصرية)

مصر لتقديم «كافة أشكال الدعم» للدفاع عن أمن السعودية واستقرارها

يواصل مجلس النواب المصري (البرلمان)، الاثنين، الانعقاد لليوم التالي على التوالي لبحث تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي في إرسال دعم عسكري للمملكة العربية السعودية

فتحية الدخاخني (القاهرة )
الخليج من زيارة الرئيس السيسي إلى السعودية ولقائه مع ولي العهد في نيوم أغسطس 2025 (واس) p-circle

كيف ينعكس الإعلان المصري عن دعم السعودية على أمن المنطقة ومستقبل اليمن؟

منح الرئيس السيسي التفويض المطلوب «يستكمل الإطار القانوني اللازم لأي تحرك عسكري مصري محتمل خارج الحدود».

غازي الحارثي (الرياض)
شمال افريقيا رئيس الوزراء العراقي خلال استقباله وزير الخارجية المصري الأحد (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

وزير الخارجية المصري في العراق... تنسيق إقليمي متزايد وتعزيز للشراكة

لقاءات متعددة أجراها وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال زيارته العراق من أجل تعزيز الشراكة والتنسيق الإقليمي بين القاهرة وبغداد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الرئاسة المصرية)

مصر: «الدفاع الوطني» يقر تقديم أشكال الدعم كافة للسعودية للدفاع عن أمنها

قرر «مجلس الدفاع الوطني» المصري، تقديم أشكال الدعم اللازمة والممكنة كافة للسعودية؛ للدفاع عن أمنها واستقرارها، وصون مقدراتها وسلامة أراضيها والمقدسات الإسلامية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مجلس النواب المصري في جلسة سابقة (مجلس النواب المصري)

سوابق تاريخية لـ«تصديق البرلمان المصري» على مهام للقوات المسلحة في الخارج

يعقد مجلس النواب المصري جلسة عامة، الأحد، لمناقشة طلب الرئيس عبد الفتاح السيسي الموافقة على «تفويض في أي تدخل تطلبه السعودية، والدفاع عن أمنها واستقرارها».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

مصر لتقديم «كافة أشكال الدعم» للدفاع عن أمن السعودية واستقرارها

 «مجلس الدفاع الوطني» برئاسة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الأحد (الرئاسة المصرية)
«مجلس الدفاع الوطني» برئاسة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الأحد (الرئاسة المصرية)
TT

مصر لتقديم «كافة أشكال الدعم» للدفاع عن أمن السعودية واستقرارها

 «مجلس الدفاع الوطني» برئاسة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الأحد (الرئاسة المصرية)
«مجلس الدفاع الوطني» برئاسة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الأحد (الرئاسة المصرية)

يواصل مجلس النواب المصري (البرلمان)، الاثنين، الانعقاد لليوم التالي على التوالي لبحث تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي في إرسال دعم عسكري للمملكة العربية السعودية عقب موافقة «مجلس الدفاع الوطني» بـ«تقديم جميع أشكال الدعم اللازمة والممكنة للدفاع عن أمن المملكة واستقرارها».

وكان الرئيس المصري قد طلب من البرلمان قد عقد جلسة طارئة للتفويض في الدفاع عن دول الخليج «إذا طُلب من القاهرة ذلك»، مؤكداً على هامش حفل تخرُّج دفعة جديدة من الأكاديمية العسكرية بالعاصمة الجديدة (شرق القاهرة)، الأحد، أن «بلاده مستعدة لتنفيذ أي إجراء تطلبه السعودية لحماية أمنها»، ليعلن مجلس النواب عقد جلسة طارئة لمناقشة الأمر، ظهر الأحد.

وبحسب إفادة رسمية للمتحدث باسم الرئاسة المصرية محمد الشناوي، ترأس الرئيس السيسي، الأحد، بقصر الاتحادية الرئاسي اجتماع «مجلس الدفاع الوطني»، والذي «استعرض مجمل التطورات الإقليمية الراهنة، وما تشهده المنطقة من تطورات خطيرة، ولا سيما في ظل تصاعد الاعتداءات المرفوضة التي تتعرض لها المملكة العربية السعودية الشقيقة».

وأوضح المتحدث الرئاسي أن «مجلس الدفاع الوطني قرر الوقوف التام والتضامن الكامل مع السعودية، انطلاقاً من العلاقات التاريخية والوشائج المتينة التي تربط بين شعبي البلدين الشقيقين باعتبارهما قلب الأمة العربية، وإيماناً بارتباط الأمن القومي السعودي بالأمن القومي المصري والعربي».

كما قرر «مجلس الدفاع» أيضاً «تقديم جميع أشكال الدعم اللازمة والممكنة للمملكة للدفاع عن أمنها واستقرارها، وصون مقدراتها وسلامة أراضيها والمقدسات الإسلامية». وأكد بحسب الإفادة «مواصلة وتكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية المبذولة، بالتنسيق مع الأطراف الإقليمية والدولية المعنية، بما يسهم في خفض التصعيد في الإقليم برمته وتسوية الأزمات التي تشهدها المنطقة سلمياً».

وضم اجتماع مجلس الدفاع الوطني كلاً من «رئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس الوزراء، والقائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي، ورئيس أركان حرب القوات المسلحة، ووزراء الداخلية والمالية والخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، ورئيس المخابرات العامة، وقادة الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة، ورئيس هيئة عمليات القوات المسلحة، ورئيس هيئة الاستخبارات العسكرية، إلى جانب أمين عام مجلس الدفاع الوطني».

جلسة سابقة لمجلس النواب في مارس الماضي (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

وعقب موافقة «مجلس الدفاع الوطني» عقد مجلس النواب المصري جلسة طارئة، ظهر الأحد، لبحث تفويض الرئيس السيسي بشأن السعودية.

وقالت مصادر برلمانية لـ«الشرق الأوسط» إن الجلسة شهدت «إلقاء كلمات من عدد من النواب واستفسارات بشأن طبيعة الدعم الذي سيقدم للمملكة»، وأشارت إلى أن «رئيس مجلس النواب قرر استكمال المناقشات في جلسات لاحقة، لإتاحة الفرصة لمزيد من المناقشات لطبيعة التحرك المصري المتحمل وفقا للدستور».

وبحسب عضو مجلس النواب المصري، الإعلامي مصطفى بكري، فإن ‏«سبب استمرار جلسات مجلس النواب ليومين آخرين، هو وجود عدد كبير من طالبي الكلمة»، وتوقع في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، الأحد، أن «يتم التصويت على تفويض رئيس الجمهورية بإرسال قوات عسكريه إلى السعودية، الثلاثاء المقبل».

وتنص المادة 152 من الدستور المصري على أن «رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولا يعلن الحرب، ولا يرسل القوات المسلحة في مهمة قتالية إلى خارج حدود الدولة، إلا بعد أخذ رأى مجلس الدفاع الوطني، وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء». وتضيف أنه «إذا كان مجلس النواب غير قائم، يجب أخذ رأى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وموافقة كل من مجلس الوزراء ومجلس الدفاع الوطني».

مقر مجلس النواب في العاصمة الجديدة شرق القاهرة (صفحة مجلس النواب على «فيسبوك»)

عضو مجلس الشيوخ المصري السابق الدكتور عبد المنعم سعيد أكد أن «استمرار المناقشات البرلمانية أمر طبيعي لا سيما في ظل تعقد الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «مد المناقشات يستهدف الحصول على مزيد من الإيضاحات بشأن طبيعة الدعم».

وشدد على أن «قرار القاهرة دعم المملكة يأتي في مرحلة حرجة تشهد فيها المنطقة تصعيداً غير مسبوق يلقي بظلاله على دول المنطقة كلها بما فيها مصر». وقال إن «مصر بموقعها الاستراتيجي لا بد أن تشارك في دعم المملكة، وفي هذا السياق من المهم وضع استراتيجيات للتعامل مع الأوضاع في اليمن».

وعدّ التحرك المصري الآن «خطوة جيدة تجمع بين الدبلوماسية والتأييد الشعبي والسلوك العسكري، ولا بد أن تترافق مع خطط استراتيجية واضحة، فما يحدث في المملكة يؤثر في المنطقة كلها».

ومنذ بداية التصعيد في المنطقة، أكدت مصر مراراً دعمها لأمن الخليج، وسبق أن أكد الرئيس المصري مراراً التأكيد على أن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري»، وأنه «لن يسمح بالمساس بأمن السعودية».


المفقودون والمختفون قسراً في ليبيا... جرح يرهق السلم الاجتماعي

إحدى «المقابر الجماعية» المكتشفة في مدينة ترهونة (الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين)
إحدى «المقابر الجماعية» المكتشفة في مدينة ترهونة (الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين)
TT

المفقودون والمختفون قسراً في ليبيا... جرح يرهق السلم الاجتماعي

إحدى «المقابر الجماعية» المكتشفة في مدينة ترهونة (الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين)
إحدى «المقابر الجماعية» المكتشفة في مدينة ترهونة (الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين)

«كيف يمكن للدعم النفسي والاجتماعي أن يوقف بكائي كل ليلة، وابني لم يعد إلى المنزل منذ سبع سنوات؟!»... بهذا التساؤل رد أحد آباء الضحايا من مدينة ترهونة على جهود الدعم القانوني والنفسي الذي تقدمه الأمم المتحدة لعائلات المفقودين في ليبيا.

ونظمت البعثة الأممية لدى ليبيا و«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» جلسات توعوية لعائلات في مدينتَي ترهونة وتاجوراء، كشفت فحواها مساء السبت، ممن أمضت سنوات في البحث عن إجابات حول مصير أبنائها المفقودين.

ويُشكل ملف المفقودين والمختفين قسراً في ليبيا جرحاً غائراً وقضية معقدة منذ تفاقم الانفلات الأمني في البلاد، وهو الملف الذي تصاعدت حدته بفعل الانقسام السياسي والعسكري المستمر.

نموذج من سجون ميليشيا «الكانيات» في ترهونة (المجلس الرئاسي الليبي)

وفي ترهونة، الواقعة جنوب شرقي العاصمة طرابلس، تكشفت مأساة «المقابر الجماعية» وما رافقها من عمليات قتل وتصفية واسعة النطاق نُسبت إلى ميليشيا «الكانيات»، وذلك في أعقاب تعثر الهجوم العسكري الذي قاده «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر على طرابلس عام 2019.

بطء العدالة...

ومنذ ذلك التاريخ تشتكي أسر الضحايا من «بطء العدالة في محاسبة الجناة»، معبرة عن استيائها من «استمرار حالة الإفلات من العقاب»، وتطالب بـ«الثأر من قتلة أبنائها»، ومحذرة من أن هذه الجرائم «تعوق أي اتجاه للمصالحة الوطنية وتقوّض السلم الاجتماعي».

ونقلت البعثة الأممية عن عائلات في ترهونة أنها «لا تزال تبحث عن إجابات حول أقارب اختفوا خلال سنوات العنف التي وُثقت في تقرير مشترك صدر عام 2024 عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، ومكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان»، وقالت: «على الرغم من الجهود المستمرة منذ عام 2020 للكشف عن (المقابر الجماعية)، لا يزال أكثر من 60 شخصاً في عداد المفقودين».

ويُشار إلى أنه في الفترة ما بين عامَي 2013 و2020، اختفى أو اختُطف مئات الأشخاص في ترهونة عندما كانت المدينة تحت سيطرة ميليشيا «الكانيات»، وفقاً لتحقيقات البعثة الأممية و«مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان».

وأفاد التقرير المشترك بأن «المزيد قُتل دون محاكمة، أو احتُجز ظلماً وتعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، كما تم اكتشاف أكثر من 20 مقبرة جماعية».

وكان سكان ترهونة قد عثروا على «مقابر جماعية» عقب انتهاء الحرب على طرابلس مطلع يونيو (حزيران) 2020، ضمّت مئات الجثث من مختلف الأعمار. كما تم انتشال عشرات الجثث لأشخاص بعضهم مكبّل اليدين، من مواقع بصحراء ترهونة وبحاوية حديدية وبئر معطلة بالقرب منها، بينهم أطفال.

إحدى «المقابر الجماعية» المكتشفة في مدينة ترهونة (الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين)

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية 6 مذكرات توقيف تتعلق بالجرائم التي حدثت في ترهونة، ومنذ ذلك الحين أُلقي القبض على اثنين من المشتبه بهم، لكن لم تتم إحالة أي منهما بعد للمحكمة في لاهاي.

وخلال الجلسات التي رعتها البعثة الأممية، وحضرها 50 فرداً من عائلات المفقودين، قالت البعثة إن «المحامين قدموا شروحات حول كيفية الإبلاغ عن حالات الاختفاء ومتابعة الإجراءات مع السلطات القضائية».

كما أوضحوا كيفية التواصل مع «الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين»، بشأن أخذ عينات الحمض النووي والتعرف على الضحايا، بالإضافة إلى كيفية استخراج الوثائق المدنية الرسمية مثل: شهادات الوفاة، والمطالبة بالتعويضات، وطلب استعادة رفات المفقودين.

«الفقدان الغامض»

واستعرض اختصاصيون في الدعم النفسي والاجتماعي أشكال الدعم المتاحة - سواء على المستوى الفردي أو الجماعي - ودعوا العائلات لمناقشة احتياجاتها... ونقلت البعثة عن الاختصاصيين أن «عائلات المفقودين تعاني من نوع خاص من الألم، يُعرف بـ(الفقدان الغامض) الذي يعوق عملية الحزن الطبيعية».

ووثّقت «الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين» 7169 مفقوداً في ليبيا، في حين رصدت «اللجنة الدولية للمفقودين» أكثر من 2500 حالة بين عامَي 2012 و2014 في عدة مدن ليبية. وتواصلت الأزمة مع اكتشاف «المقابر الجماعية» في ترهونة، فضلاً عن الحالات المرتبطة بالهجرة غير النظامية وتداعيات «إعصار درنة».

وفي تاجوراء حيث لا تزال العائلات تبحث عن أقارب لها فُقدوا منذ عام 2011، نقلت البعثة الأممية عن إحدى الأمهات تعبيرها عن فقدانها الأمل في منظومة العدالة، وأنها منذ اختفاء ابنها لم تعد تنتظر سوى شيء واحد فقط؛ إذ تقول الأم: «كل ما أريده هو جزءٌ من رفات ابني؛ لأتمكن من دفنه، وأجد أخيراً بعض السكينة».

خلال الكشف عن المقابر الجماعية جنوب شرقي ليبيا في فبراير 2025 (مديرية أمن الواحات)

فضلاً عن ذلك، تعاني ليبيا من عمليات الخطف القسري لمواطنين ونشطاء، وقد أحصت جمعيات ومراكز حقوقية محلية ودولية عشرات الحالات من الخطف القسري، في حين تقول النيابة العامة إنها تعمل على التحقيق في بعض هذه الجرائم.

وقالت «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان» إنها أحصت 13 شكوى و9 بلاغات خلال الفترة الماضية من عام 2026 من أسر وذوي معتقلين تعسفياً ومختفين قسراً.

وأوضحت المؤسسة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الشكاوى تتضمن «تعرض أبنائهم لوقائع اعتقالات تعسفية وإخفاء قسري من قبل عناصر (اللواء 111) التابع لحرس الحدود برئاسة الأركان العامة للجيش بغرب ليبيا».

وتعتبر المؤسسة «هذه الواقعة وغيرها انتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان، وتقويضاً لسيادة القانون والعدالة، يُعاقب عليها قانون العقوبات الليبي».


إضراب المعلمين يهدد بتمديد تعطّل الدراسة في ليبيا

جانب من وقفة احتجاجية لمعلمي زليتن شمال غربي ليبيا (مراقبة التعليم في زليتن)
جانب من وقفة احتجاجية لمعلمي زليتن شمال غربي ليبيا (مراقبة التعليم في زليتن)
TT

إضراب المعلمين يهدد بتمديد تعطّل الدراسة في ليبيا

جانب من وقفة احتجاجية لمعلمي زليتن شمال غربي ليبيا (مراقبة التعليم في زليتن)
جانب من وقفة احتجاجية لمعلمي زليتن شمال غربي ليبيا (مراقبة التعليم في زليتن)

تصاعدت حدة التضارب في المواقف بشأن أزمة إضراب المعلمين في ليبيا، بين دعوات حكومية ومحلية لاستئناف الدراسة، وتحركات احتجاجية تتمسك بمواصلة الإضراب حتى تنفيذ المطالب المالية والمهنية، في وقت لم تنجح الاتفاقات فيه المعلنة في إنهاء الأزمة، التي دخلت شهرها الثاني، وتهدد بمزيد من التعطيل للعملية التعليمية.

ويأتي أحدث مظاهر هذا التضارب، مع مطالبة «اتحاد بلديات الجبل الغربي»، حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، باتخاذ إجراءات عاجلة لإعادة الدراسة، بالتزامن مع إعلان «حراك معلمي ومعلمات تاجوراء» تنظيم وقفة احتجاجية جديدة الاثنين، تأكيداً لاستمرار التحركات المطالبة بالحقوق.

اجتماع «اتحاد بلديات الجبل الغربي» 17 أكتوبر (مجلس غدامس البلدي)

وطالب بيان للاتحاد، عقب اجتماع، مساء السبت، في بلدية نسمة (جنوب غربي طرابلس)، النائب العام، «بالتحقيق في الوقائع التي تستوجب المساءلة، حفاظاً على حقوق الطلاب، وضمان استمرار العملية التعليمية»، محذراً من «استمرار تعطيل المدارس وما يترتب عليه من تراكم الدروس وزيادة الأعباء على الأسر».

وأكد البيان «أن المطالبة بالحقوق الوظيفية، لا تبرر حرمان الطلاب من التعليم أو تعطيل مؤسسات الدولة خارج الأطر القانونية»، محذراً من «استغلال التحركات المهنية لتحقيق أهداف لا تخدم العملية التعليمية والمصلحة العامة».

وفي تطور يعكس استمرار الخلاف، أعلنت «نقابة معلمي طرابلس المركز»، في بيان عقب اجتماع عقدته، مساء السبت، وضم مديري ومندوبي المدارس، مواصلة الإضراب والاعتصام السلمي «حتى تحقيق كامل مطالب المعلمين وحقوقهم المشروعة»، داعية الجميع إلى «الالتزام بالقرارات النقابية ووحدة الصف».

كما أعلن «حراك معلمي ومعلمات تاجوراء»، تنظيم وقفة احتجاجية، يوم الاثنين، أمام مراقبة التربية والتعليم بالبلدية، تأكيداً لمواصلة التحركات المطالبة بحقوق المعلمين، وتحسين أوضاعهم الوظيفية.

وكانت مراقبة التربية والتعليم في تاجوراء قد أعلنت استئناف الدراسة بداية من الأحد، استناداً إلى توجيهات الوزارة وما أُعلن عن التوصل إليه من اتفاق مع النقابة العامة للمعلمين، لكن حراكات المعلمين أكدت استمرار الإضراب والاعتصام إلى حين تنفيذ المطالب، رافضة اعتبار الاتفاقات المعلنة، تسوية نهائية ما لم تتضمن معالجة شاملة وملزمة للمستحقات المالية والمهنية.

وكان الدبيبة قد أعلن «التوصل إلى اتفاق مع النقابة العامة للمعلمين»، بحضور وزير المالية راشد أبو غفة، تضمن اعتماد جدول موحد للمرتبات في القطاعات الحكومية، على أن يبدأ العمل به خلال الشهر الحالي، وصرف علاوة الحصة للمعلمين عن العام الحالي بعد إحالتها من وزارة التربية والتعليم.

وشملت التفاهمات الحكومية المعلنة، صرف علاوات مديري المدارس ومساعديهم مع مرتبات هذا الشهر، والعمل على توفير التأمين الصحي للمعلمين، وإصدار لوائح لحماية حقوقهم، وتسوية الفروقات المالية المستحقة، وفق التشريعات ذات الصلة.

اجتماع نقابة معلمي طرابلس (وكالة الأنباء الليبية)

وأعلنت «النقابة العامة للمعلمين» رفع الاعتصام، بينما دعت الحكومة إلى استئناف الدراسة، غير أن حراكات أخرى واصلت الاحتجاج، مؤكدة أن «إنهاء الإضراب يتطلب ضمان تنفيذ الالتزامات المعلنة بصورة واضحة وملزمة».

ورفض حراك المعلمين دعوات إلى إعادة فتح المدارس قبل تسوية المطالب، بينما أصدرت جهات تعليمية تعليمات باستئناف الدراسة، وطلبت من مراقبات التعليم تقديم تقارير عن الحضور وانتظام العملية التعليمية.

وبدأت احتجاجات المعلمين في 13 سبتمبر (أيلول) الماضي، بالتزامن مع الموعد المقرر لانطلاق العام الدراسي، عبر اعتصامات أمام المدارس والمباني الحكومية في طرابلس ومناطق أخرى، قبل أن تتحول إلى إضراب مفتوح شمل مدارس حكومية في عدد من المدن والبلديات، بينها تاجوراء ومناطق من الجبل الغربي.

وتضع التطورات حكومة «الوحدة» أمام اختبار مزدوج: ضمان انتظام الدراسة من جهة، وتنفيذ الالتزامات المالية والمهنية التي أعلنتها من جهة أخرى، بينما يظل احتواء الأزمة مرهوناً بمدى تنفيذ الاتفاقات المعلنة.