الرئيس الجزائري يُحدّد «شروطاً» لعودة معارضي الخارج للبلاد

شراكات اقتصادية ورسائل سياسية في زيارة تبون إلى برلين

الرئيسان الجزائري والألماني في برلين (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والألماني في برلين (الرئاسة الجزائرية)
TT

الرئيس الجزائري يُحدّد «شروطاً» لعودة معارضي الخارج للبلاد

الرئيسان الجزائري والألماني في برلين (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والألماني في برلين (الرئاسة الجزائرية)

شكّك معارضون جزائريون في جدية الدعوة التي وجّهها إليهم الرئيس عبد المجيد تبون للعودة إلى البلاد و«ممارسة المعارضة من الداخل»، عادّين أن هذه الدعوة مقترنة بشروط محددة قد تحدّ من جدواها.

ومنذ توليه الرئاسة أواخر عام 2019، برز ملف «معارضي الخارج» بوصفه أحد أبرز ملفات الأجندة السياسية والأمنية للسلطة، وتحول إلى محور سجال متواصل، كما أسهم في تغذية الخلافات الدبلوماسية مع فرنسا، التي تُعد الحاضن التقليدي لأبرز وجوه المعارضة الجزائرية وأكثرها إزعاجاً للسلطات في الجزائر.

من اجتماع الرئيسين الجزائري والألماني في برلين (الرئاسة الجزائرية)

ويختتم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الخميس، زيارة عمل إلى ألمانيا بدأها أمس، تلبية لدعوة من نظيره الألماني فرانك فالتر شتاينماير. وفور وصوله إلى العاصمة برلين، التقى تبون أفراداً من الجالية الجزائرية المقيمة في ألمانيا؛ حيث تناول معهم عدداً من القضايا، كما استغل المناسبة لتوجيه رسالة إلى الناشطين المعارضين المقيمين في أوروبا، وفق مقاطع فيديو نشرتها الرئاسة الجزائرية عبر حساباتها على منصات التواصل الاجتماعي.

وقال تبون في هذا السياق: «بخصوص المعارضين في الخارج؛ أهلاً ومرحباً بهم. فالذي يعارض بأسلوب متحضر، ويطرح أفكاراً وبدائل عملية، يسهم حتماً في دفع الجزائر خطوات كبرى نحو التقدم الديمقراطي». وأضاف أنه سبق أن أعلن هذا الموقف عبر التلفزيون، قبل أن يُجدد تأكيده بالقول: «لكل جزائري الحق الكامل في ممارسة النقد، شريطة أن يراعي في ذلك تقاليدنا وقيمنا وحرمتنا الوطنية؛ فالتجريح والسب والشتم لا يثمر حلولاً، بل يغذي خطاب الكراهية والعنف».

ووجّه تبون، في حديثه، رسالة إلى كل مَن يُعارض سياساته، قائلاً: «إن كنت تختلف مع التوجه القائم، فلتعبّر عن رفضك بكل وضوح، واستعرض أسبابك والحلول البديلة التي تراها مناسبة؛ فهذا الأسلوب المتحضر هو وحده ما يثري ويثمّن المسيرة الوطنية».

«العودة تحتاج لضمانات لا لوعود»

ولم يتضح السبب المباشر لتطرق الرئيس تبون إلى ملف «المعارضين»، خصوصاً أن المقطع المصور للقاء لم يُظهر أن أيّاً من الحاضرين أثار هذه القضية. وقد فُسِّر ذلك على أنه تعمّد إثارة الموضوع، مستغلاً وجوده في ألمانيا، التي احتضنت، على غرار دول أوروبية أخرى، سياسيين جزائريين عارضوا توجهات السلطة عقب إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية التي حقق فيها الإسلاميون فوزاً كاسحاً أواخر عام 1991.

سعيد صالحي رئيس «رابطة حقوق الإنسان المحظورة» (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

وردّاً على دعوة تبون، كتب سعيد صالحي، رئيس «الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان»، المقيم بصفة لاجئ في بلجيكا، وأحد أبرز معارضي الخارج، عبر حسابه على منصات التواصل الاجتماعي: «تكتسي دعوة الرئيس للمعارضين بالعودة طابع الإجراء الشكلي، لأنها تصطدم بتقاليد النظام التي تفرغ حرية التعبير من محتواها، وتحصر المعارضة داخل مؤسسات تفتقد إلى المصداقية الشعبية والتعددية الفعلية. وهذا التناقض يتجلى في حل كبرى المنظمات الحقوقية والمدنية، مثل (الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان)، والتنظيم الشبابي (راج)، وملاحقة النشطاء قضائياً بموجب قوانين مثيرة للجدل».

وأكد صالحي أن «تحويل دعوات العودة من مجرد وعود لفظية إلى واقع يضمن بيئة آمنة تحفظ كرامة الجميع وتصون حرياتهم، يتطلب الشروع في 3 خطوات عملية أساسية، أولاها، إنهاء الملاحقات القضائية وإلغاء القوانين المقيدة للحريات، وفي مقدمتها المادة (87 مكرر) من قانون العقوبات، التي تُستخدم، حسب منتقديها، لتجريم التعبير السلمي عن الرأي، إلى جانب وقف تدابير المنع من السفر والمضايقات الإدارية. وثانيها، تصفية ملف الاعتقال السياسي، عبر الإفراج الفوري والشامل عن جميع سجناء الرأي والصحافيين، وإسقاط الأحكام الغيابية الصادرة بحق الناشطين في الخارج، بما يضمن عودتهم من دون تهديد قانوني. أما الخطوة الثالثة، فتتمثل في إعادة فتح الفضاء العام والمدني، من خلال رفع الحظر عن الجمعيات والأحزاب المنحلة، وضمان استقلالية الصحافة لتكون منبراً حقيقياً للنقاش والوساطة المجتمعية، بعيداً عن الإقصاء والوصاية الأمنية».

فرحات مهني زعيم التنظيم الانفصالي ماك (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وفي الداخل، كتب الصحافي والناشط المعارض عبد الكريم زغيليش، الذي أغلقت السلطات مؤسسته الإذاعية «سربكان»، عبر حسابه على منصات التواصل الاجتماعي: «تمنعني معرفتي الدقيقة بواقع هذا البلد من التعليق على تصريحات الرئيس؛ إذ أدرك تماماً أن أي تعقيب قد يكلفني ملاحقة قضائية جديدة، تُضاف إلى سلسلة الملاحقات التي تعرضت لها».

وتساءل زغيليش: «كيف نتحدث عن معارضة متحضرة (قياساً إلى كلام الرئيس) وخصوم السلطة يواجهون 20 قضية أمام المحاكم؟»، في إشارة إلى القضايا المتابع فيه هو شخصياً. كما تساءل: «أي معنى يتبقى للمطالبة بطرح البدائل الديمقراطية حين يكون ثمن هذا الطرح 5 عقوبات بالسجن؟ إن واقع الحال يغنينا عن السب أو الشتم أو حتى التزييف؛ فالحقائق الموثقة والأدلة الدامغة تكفي وحدها لتعرية المشهد، دون حاجة لأي تجريح».

ملف معارضي الخارج ظل لسنوات يتصدر الخلافات مع فرنسا (الرئاسة الجزائرية)

الجزائر وألمانيا: شراكة فوق الأزمات

وتصدّر «ملف المعارضين» الأزمة الخطيرة التي عصفت بالعلاقات الجزائرية - الفرنسية في العامين الماضين. ففي أبريل (نيسان) 2025 سجن القضاء الفرنسي موظفاً قنصلياً جزائرياً إثر اتهامه رسمياً بخطف واحتجاز المعارض المقيم بفرنسا، أمير بوخرص، وهي حادثة وقعت في 2024، ولم تُكشف إلى اليوم ملابساتها. وطردت الجزائر عدة دبلوماسيين فرنسيين احتجاجاً على سجن الموظف الذي ينتمي لجهاز الأمن الخارجي، حسب الادعاء الفرنسي.

من لقاء الرئيس تبون مع أفراد الجالية الجزائرية في ألمانيا (الرئاسة الجزائرية)

ويقيم بفرنسا معارضون آخرون، تُطالب الجزائر بتسلمهم، إضافة إلى بوخرص، ومن بينهم ضابط المخابرات السابق هشام عبود والصحافي عبد الرحمن سمار، وفرحات مهني زعيم التنظيم الانفصالي «حركة الحكم الذاتي في القبائلّ»، وعدد كبير من أعضاء التنظيم. كما تحتضن بريطانيا معارضين أيضاً، وغالبية هؤلاء يقعون تحت طائلة أحكام ثقيلة بالسجن صدرت غيابياً ضدهم.

وخلال زيارته إلى ألمانيا، أجرى تبون محادثات سياسية رفيعة مع نظيره الألماني فرانك فالتر شتاينماير، وصرَّح خلال لقائه بالجالية الجزائرية أن ألمانيا «بلد صديق كبير، وقد أبرمنا معها اتفاقيات لنصبح بمعيتها من الدول الرائدة في إنتاج الهيدروجين الأخضر والهيليوم، وغيرهما من الغازات النادرة، فضلاً عن صناعة السيارات».

ضابط المخابرات السابق هشام عبود (حسابه الخاص)

وشهدت الزيارة تنظيم اجتماع اقتصادي لرجال الأعمال والمستثمرين من البلدين، تخلله إعلان عن «شراكة استراتيجية»، وتوقيع أكثر من 30 اتفاقية تعاون، تشمل قطاعات المحروقات، والصناعات الصيدلانية والميكانيكية، والتكنولوجيات الدقيقة، بالإضافة إلى الطاقات المتجددة والانتقال الطاقوي، وتحديداً مشروع ممر الهيدروجين الجنوبي «SoutH2 Corridor» لتصدير الهيدروجين الأخضر.


مقالات ذات صلة

«الدوري الفرنسي»: الجزائري عمورة يمنح نيس انتصاره الأول

رياضة عالمية الجزائري محمد الأمين عمورة يحتفل بهدف نيس الثاني في مرمى ليل (أ.ف.ب)

«الدوري الفرنسي»: الجزائري عمورة يمنح نيس انتصاره الأول

سجّل المهاجم الجزائري محمد الأمين عمورة هدفاً ليمنح فريقه نيس أول انتصار له في الدوري الفرنسي لكرة القدم هذا الموسم بفوز ثمين على ليل.

«الشرق الأوسط» (نيس (فرنسا))
شمال افريقيا صورة لأستاذة اللغة الأمازيغية نادية موساوي نشرتها على حسابها على «فيسبوك» يوم 7 سبتمبر 2026

جدل واسع بالجزائر بعد حبس ناشطة انتقدت الانتخابات

أثار حبس ناشطة وأستاذة للُّغة الأمازيغية في الجزائر موجة جدل حقوقي وسياسي واسع، بعد احتجازها بسبب منشور متصل بالانتخابات.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة السبعة الكبار بإيطاليا في يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)

تقرير يكشف حجم تداعيات الأزمة الجزائرية - الفرنسية على العلاقات الاقتصادية

تتواصل الأزمة الجزائرية الفرنسية منذ أكثر من عامين، مخلّفة تداعيات مباشرة على العلاقات الاقتصادية، أبرزها تراجع حضور المؤسسات الفرنسية في السوق الجزائرية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الكاتب الفرنسي - الجزائري بوعلام صنصال (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

الكاتب صنصال يفجّر الجدل بإعلان مواقف تصعيدية ضد الجزائر

عاد الكاتب الفرنسي - الجزائري بوعلام صنصال إلى واجهة الجدل الإعلامي بتصريحات صحافية في فرنسا أعرب فيها عن رفضه القاطع للعفو الرئاسي الذي استفاد منه.

شمال افريقيا من أشغال بداية الدورة الأولى للبرلمان المنبثق عن تشريعية 2 يوليو الماضي (البرلمان)

«ملف حارق» يختبر التشريع الجديد أمام البرلمان الجزائري

يشرع البرلمان الجزائري الجديد، المنبثق عن الانتخابات التشريعية التي جرت في الثاني من يوليو (تموز) الماضي، في أعماله اليوم الأربعاء ضمن دورته التشريعية الأولى

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

الرئيس الموريتاني يدعو إلى مراجعة النظام والمؤسسات السياسية في البلاد 

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

الرئيس الموريتاني يدعو إلى مراجعة النظام والمؤسسات السياسية في البلاد 

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

دعا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الأحد، إلى إعادة النظر في النظام والمؤسسات السياسية في بلاده لمواءمتها مع متطلبات الحقبة الراهنة.

وقال في خطاب ألقاه في مدينة إطار، في مستهل زيارة لولاية آدرار، إن الحوار الوطني الشامل المرتقب يجب أن يفضي إلى «إجماع واسع» حول القضايا الوطنية الكبرى، وأن يسهم في تعزيز المواطنة والعدل والإنصاف وتقوية مؤسسات الدولة.

وأوضح أنه يأمل في أن «يوفق الحوار الوطني الشامل، الذي ينعقد قريبًا، في الخروج بإجماع واسع حول كبريات قضايانا الوطنية».

وجاءت دعوة الغزواني قبيل إنطلاق الحوار الذي يجري الإعداد له منذ أشهر، بعد اعتماد «الدليل العملي للحوار» الذي حدد أربعة محاور رئيسية للنقاش، تتعلق بالوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي، والنموذج الديمقراطي، والحوكمة، وإدماج الفئات الهشة والوقاية من المخاطر والتهديدات.

وقال ولد الغزواني إن الهدف من الحوار هو تعزيز «العقد الوطني» بما يجعله أكثر قدرة على استيعاب التحولات التي يشهدها المجتمع وأكثر تعبيرًا عن تطلعات الأجيال الجديدة، مؤكدًا أن ذلك «لا يعني إعادة تعريف الوطن» أو المساس بأسسه ومبادئه الجمهورية وهويته الثقافية والحضارية.

وأضاف أن المطلوب هو أن تخرج المشاركات والنقاشات بما «يقوي لمة المجتمع، ويعزز رباط المواطنة، ويرسخ العدل والإنصاف، ويجعل مؤسساتنا أكثر قوة وانسجامًا وفعالية».

وشدد الرئيس على أن الحوار يجب أن يكون «شاملًا وجادًا»، وألا يخضع لمحظورات أو «توجيهات إملائية» من أي جهة، وأن تأتي مخرجاته حصراً من مداولاته.

وكانت المعارضة قد هددت بمقاطعة التحضيرات الجارية للحوار إذا تضمن النقاش المساس بمواد الدستور المحصنة التي تحظر على رئيس الجمهورية ممارسة أو البقاء في السلطة لأكثر من فترتين رئاسيتين متتاليتين مدة كل واحدة منهما خمس سنوات وهو ما تسعى أحزاب الموالاة إلى تعديله للسماح للغزواني بالترشح لولاية ثالثة.


تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
TT

تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)

تترقب الأوساط السياسية في ليبيا الخطوات المقبلة لتطبيق اتفاق «4+4» الذي وافق عليه مجلس النواب الأسبوع الماضي، وسط تساؤلات عن موعد وآلية تدشين السلطة التنفيذية الموحدة التي تقود البلاد نحو الانتخابات العامة، وإنهاء الانقسام السياسي والحكومي.

ووفق مسودة اتفاق «4+4»، الموقعة نهاية أغسطس (آب) الماضي، برعاية البعثة الأممية وممثلين عن شرق ليبيا وغربها، فإنه يتعين إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية خلال فترة لا تتجاوز 24 شهراً في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة، لكن الاتفاق لم يكشف تفاصيل آلية بناء هذه السلطة، وهل ستكون حكومة تكنوقراط، أم توافقية تضم شخصيات مقربة من القوى الفاعلة.

آلية لحسم الملف

يرى رئيس حزب «صوت الشعب»، فتحي الشبلي، أن البعثة لا تزال تحتاج إلى وقت للكشف عن تفاصيل خطتها لنقل الاتفاق من مرحلة التوقيع إلى التطبيق على الأرض، وإنهاء الانقسام الراهن، منوهاً بأن كيفية تشكيل السلطة التنفيذية وموعد انطلاقها أمر يحظى باهتمام من النخب السياسية التي سألت البعثة بدورها عن الأمر دون تلقِّي إجابة واضحة حتى الآن.

ويعتقد الشبلي بوجود «تضارب» بين حديث نائبة المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري، عن تشكيل حكومة جديدة، وما يتحدث عنه المقربون من حكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني» بشأن سلطة تنفيذية تضم مجلساً رئاسياً وحكومة، وتقاسم مقاعد الأخيرة بشكل توافقي بين الطرفين، معبراً عن قناعته «بوجود مؤشرات قوية تدعم الطرح الأخير».

وتعيش ليبيا انقساماً بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وأخرى برئاسة أسامة حماد تدير شرق البلاد وبعض مناطق الجنوب بتكليف من البرلمان ودعم من «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع مجموعة من فريق «الحوار السياسي والمصالحة» في ليبيا الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

بدوره، توقع المحلل السياسي الليبي حسام الدين العبدلي، أن تسعى البعثة الأممية إلى تشكيل لجنة حوار سياسي جديدة تضم نحو 47 عضواً، بوصف ذلك آلية لحسم ملف السلطة التنفيذية، في تكرار لسيناريو اتفاقَي «الصخيرات» و«جنيف» اللذين رعتهما البعثة.

وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن لقاءات البعثة الأخيرة مع قوى سياسية واجتماعية وممثلي مكونات ثقافية عززت توجهها نحو تشكيل تلك اللجنة، لكنه يعتقد أن الصياغة النهائية لشكل هذه اللجنة ومعايير اختيارها لم تحدد بعد.

وقال: «إدراك البعثة تخوفات مجلسي (النواب) و(الأعلى للدولة) من تجاوز دورهما في المرحلة المقبلة قد يجعلهما، كعادتهما، يعرقلان أي توافق؛ وبالتالي خططت من البداية لعدم رهن تطبيق الاتفاق بمواقفهما».

واستبعد العبدلي وجود خلاف بين القوى الفاعلة في شرق ليبيا وغربها على مقاعد الحكومة المقبلة، معرباً عن قناعته بـ«تدخل دولي، تحديداً من أميركا، لحسم الحقائب السيادية، كالدفاع والداخلية والخارجية والمالية، في ظل تراجع الوضع الاقتصادي للبلاد».

واعتبر أن أي خلافات أخرى «لن تكون ذات جدوى، خصوصاً مع وجود تفاهمات ترضي الطرفين»، وسط توقعات بمنح القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» رئاسة المجلس الرئاسي، ووجود الدبيبة على رأس الحكومة الموحدة.

إلا أنه لفت إلى أن الخلاف قد ينشب إذا اقتصر الاتفاق على حكومة موحدة دون مجلس رئاسي جديد، ويرى أن ممثلي «الجيش الوطني» لن يرضوا بذلك.

لجنة للحوار السياسي

كانت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، قد بحثت مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة مستجدات الوضع السياسي والاقتصادي وسبل تنفيذ «خريطة الطريق» الأممية عقب اتفاق «4+4»، مؤكدة التزام البعثة بالعمل مع جميع الأطراف الليبية، وفق توصيات «الحوار المهيكل» لتهيئة الظروف الملائمة لإجراء الانتخابات الوطنية.

ورغم توافقه مع الآراء السابقة بشأن احتمالية توجه البعثة إلى تشكيل «لجنة حوار سياسي لإخراج السلطة التنفيذية الجديدة ومنحها غطاءً سياسياً»، توقع المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ أن يواجه ذلك عقبات.

ولفت محفوظ في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن البعثة قد تجري قريباً اجتماعات منفصلة مع الوفدين الممثلين لحكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني» بشأن السلطة التنفيذية.

ولفت مراقبون إلى أن اجتماعات البعثة المقبلة قد تمتد إلى قوى إقليمية ودولية مؤثرة، كالقاهرة وأنقرة وموسكو، في ضوء مراقبتها الدقيقة لأي تحرك يمس مصالحها السياسية والاقتصادية.

وكان كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، قد قال إن المبادرة التي طرحها بشأن ليبيا والمبادرة الأممية «مكملتان بعضهما لبعض»، ولفت إلى أن المبادرة الأميركية «ستركز على كيفية إدارة مرحلة العامين التحضيرية للانتخابات، تحديداً توحيد المؤسسات».


معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
TT

معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)

تواجه حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة اعتصاماً جديداً يُضاف إلى سلسلة من الأزمات والاحتجاجات المتصاعدة في البلاد، مع تمسك المعلمين بمطالبهم ورفضهم ما وصفوه بـ«تحويل حقوقهم إلى وعود مؤجلة». ويأتي التحرك في وقت تواجه فيه السلطات ضغوطاً متزايدة على ملفات خدمية وأمنية ومعيشية عديدة.

جانب من اعتصام معلمي مدرسة شهداء الانتصار للتعليم الأساسي في «أبو سليم» بطرابلس يوم الأحد (من مقطع فيديو بثته النقابة العامة للمعلمين)

وأعلن رئيس «حراك المعلمين» في ليبيا، أشرف الهادي، استمرار الاعتصام السلمي المنظم الذي ينفذه المعلمون حتى انتهاء المهلة المحددة للحوار مع الجهات الرسمية، مؤكداً أن الهدف هو الوصول إلى حلول حقيقية وتنفيذ مطالب المعلمين، وليس تعطيل العملية التعليمية.

وقال الهادي في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية إن الإضراب العام «يظل أحد الخيارات المطروحة إذا انتهت المهلة دون استجابة جدية ونتائج ملموسة». وأضاف: «الحراك يُفضّل الحوار، لكنه يشترط أن يتحول إلى قرارات واضحة وجدول زمني وآليات محددة للتنفيذ».

وتشمل مطالب المعلمين معالجة المرتبات، وتسوية الفروقات والمستحقات المالية، وتوفير التأمين الصحي، وتحسين الوضع الوظيفي والمعيشي، وإصدار قانون لحماية المعلم.وفي السابع من سبتمبر (أيلول) الجاري، أعلن الحراك عن مهلة 15 يوماً لتنفيذ مطالب المعلمين.

وأوضح الهادي أن باب التفاوض مفتوح بشأن آليات التنفيذ، وليس حول أصل الحقوق، وأكد أن الحراك لم يتلقّ تواصلاً رسمياً مباشراً بالقدر المطلوب حتى الآن، داعياً الجهات صاحبة القرار إلى «فتح حوار جاد ومسؤول»، كما ناشد المعلمين الحفاظ على وحدتهم والالتزام بالسلمية والتنظيم خلال المرحلة المقبلة.

يأتي هذا في خضم موجة احتجاجات واعتصامات واسعة النطاق بدأت مع انطلاق العام الدراسي الجديد في منتصف الشهر الجاري، وامتدت من العاصمة طرابلس ومدن المنطقة الغربية مثل مصراتة وبني وليد وأبو سليم إلى بنغازي ومناطق أخرى في الشرق والجنوب.

وأعلنت نقابات معلمين في بلديات الغرب اعتصاماً مفتوحاً وإضراباً عن العودة إلى الدراسة، قائلة إنه جاء نتيجة «استمرار تجاهل حقوق المعلمين، وليس بهدف عرقلة التعليم».

وأدت هذه التحركات إلى إرباك انطلاق الدراسة في كثير من المدارس، حيث ظلت أبوابها مغلقة أو شبه فارغة في الأيام الأولى من العام الدراسي، فيما يشكو المعلمون من أن مرتباتهم، التي لا تتجاوز في كثير من الحالات 2000 دينار شهرياً، لم تعد تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى تأخر صرف المستحقات وغياب التأمين الصحي الفعال. والدولار يساوي 6.33 دينار في السوق الرسمية، و9.56 دينار في السوق الموازية.

في مقابل ذلك عقد وزير التربية والتعليم بحكومة «الوحدة»، محمد عبد السلام القريو، اجتماعاً موسعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقتين الغربية والوسطى، الأحد، لمتابعة انطلاقة العام الدراسي الجديد الذي بدأ في 13 من الشهر الجاري، والوقوف على جاهزية المؤسسات التعليمية.

وقالت الوزارة في بيان، الأحد، إن القريو أكد أن المعلم «يمثل الركيزة الأساسية للعملية التعليمية»، مشدداً على «التزام الوزارة الكامل بحماية حقوقه، وتحسين أوضاعه المهنية والمعيشية، وتمكينه من أداء رسالته بكفاءة».

كما أشار إلى أن «ضمان حق الطلاب في تعليم جيد وعادل وشامل، داخل بيئة آمنة ومحفزة، يُعد أولوية وطنية لا تنازل عنها»، منوهاً إلى أن استقرار المؤسسات التعليمية وانتظام الدراسة مسؤولية مشتركة تستوجب تكثيف المتابعة الميدانية، وترسيخ الانضباط والمساءلة، إلى جانب تفعيل منظومة الحوافز للقيادات والمدارس المتميزة.

ويحذر مراقبون من أن استمرار الاحتقان داخل صفوف المعلمين دون حلول ملموسة قد يؤدي إلى تصعيد أوسع يشمل إضراباً عاماً، مما يفاقم الضغط على العملية التعليمية في البلاد.