تتَّجه أنظار كثير من الليبيين إلى مدينة سرت الساحلية، بعد ازدياد الأحاديث عن احتمال احتضانها اجتماعات عسكرية وأمنية رفيعة بين قيادات من شرق ليبيا وغربها خلال الأيام المقبلة؛ بهدف وضع آليات لتوحيد الجيش المنقسم.
وتأتي هذه الأحاديث مدعومةً بالمساعي الأميركية التي يبذلها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، لتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية في ليبيا، عبر «مبادرة» تستهدف «إنهاء الانقسام»، لكن البعض يرى أنَّها فقط «ستعيد الأزمة السياسية إلى المربع الأول».

وتعمل واشنطن على الترويج لمبادرة لحلحلة الأزمة بين أفرقاء ليبيا، تقوم على تولي صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، رئاسة المجلس الرئاسي، بينما يتم الإبقاء على رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، رئيساً لحكومة موحدة.
وتُعدُّ سرت، الواقعة على بعد 450 كيلومتراً من طرابلس، وفي منتصف المسافة بينها وبين بنغازي، مسقط رأس الرئيس الراحل معمر القذافي. وقد سبق أن سيطر عليها تنظيم «داعش» عام 2015، وجعلها أبرز معاقله في شمال أفريقيا.
وقال مصدر عسكري مقرب من الجيش في غرب ليبيا إن اللقاءات، التي جمعت قيادات المؤسَّستين العسكرية والأمنية خلال الأيام والأسابيع الماضية «فتحت الطريق أمام لقاءات أخرى ستُعقد قريباً في سرت وغيرها من المدن الليبية»، مُعبِّراً عن أمله في «تجاوز أي خلافات تتعلق بالتراتبية العسكرية، وتسمية القائد العام، وكثير من النقاط العالقة والمُرحَّلة من اجتماعات سابقة».

وأضاف المصدر العسكري في حديث إلى «الشرق الأوسط»، أنه «لا تزال هناك مخاوف متراكمة لدى أطراف من جيش غرب ليبيا، سواء تعلقت برفض التعامل مع حفتر أو أبنائه، أو التنازل عن كون طرابلس العاصمة التاريخية لليبيا». وقال بهذا الخصوص: «هناك توجه لجعل سرت عاصمة بديلة لطرابلس؛ كي يتم التغلب على رفض قبول صدام حفتر رئيساً للمجلس الرئاسي، وفق خطة بولس، ولا يحتاج إلى الذهاب إلى طرابلس».
ولم يستبعد المصدر العسكري عقد لقاءات خلال الأسبوع، قد تضم صدام، وخالد حفتر رئيس الأركان العامة لـ«الجيش الوطني»، وصلاح النمروش رئيس الأركان العامة لجيش غرب ليبيا، وعبد السلام الزوبي وكيل وزارة الدفاع بـ«حكومة الوحدة». وقال إنهم «سبق أن اجتمعوا في ليبيا وخارجها».

والتقى صدام والزوبي مرتين: الأولى على هامش تمرين «فلينتلوك 2026»، الذي استضافته سرت في 14 أبريل (نيسان) الماضي، في خطوة غير مسبوقة لاقت تفاعلاً واسعاً من ليبيين، عدوها «بداية محتملة» لتوحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة. كما التقى صدام الزوبي مرة ثانية في مايو (أيار)، خلال مشاركتهما في فعالية بمدينة إسطنبول التركية.
وتضم سرت مقر اللجنة العسكرية المشتركة (5 + 5)، ما يبرر عقد لقاءات عسكرية بين طرفَي شرق ليبيا وغربها في المدينة، التي تعسكر قوات لـ«الجيش الوطني» في محيطها منذ تراجعها عن دخول العاصمة طرابلس في يونيو (حزيران) 2020. ولذا يرجح المصدر أن يحتضن هذا المقر «لقاءً قريباً» بين خالد حفتر والنمروش.
وأثار ظهور النمروش وخالد حفتر معاً في مؤتمر رؤساء أركان الدفاع الأفارقة الذي عُقد في الثاني من الشهر الحالي بالعاصمة الأنغولية لواندا، ولقاؤهما قائد «أفريكوم»، داغفين أندرسون، تكهنات بشأن دفع الجهود الأميركية نحو توحيد المؤسسة العسكرية الليبية.
وجاء الاجتماع الذي حضره النمروش وخالد حفتر بعد أيام من زيارة منفصلة أجراها الزوبي وصدام إلى واشنطن، بحث خلالها كل منهما مع مسؤولين أميركيين سبل توحيد المؤسسات العسكرية والسياسية والاقتصادية الليبية.
وفي إطار الجهود الأميركية لتوحيد المؤسسات الليبية، قال بولس، عبر حسابه على منصة «إكس» مساء الخميس، إنه أجرى نقاشاً وصفه بـ«المثمر» في طرابلس مع وزير الداخلية بحكومة «الوحدة»، عماد الطرابلسي. وأضاف موضحاً: «تناولنا الجهود الليبية المهمة لدمج القوات الأمنية في إطار مساعٍ أوسع للتوحيد بقيادة ليبية»، مبرزاً أن «الأجهزة الأمنية الموحدة عنصر جوهري لتعزيز استقرار ليبيا وازدهارها».

وإبان «ثورة 17 فبراير (شباط)» 2011، كانت سرت آخر مدينة شهدت معركةً حاسمةً بين «كتائب القذافي» وقوات المعارضة، وفيها كُتبت النهاية الدامية للقذافي في أكتوبر (تشرين الأول) 2011، حيث قُتل في ضواحيها؛ ما تسبَّب في تعرُّض أجزاء كبيرة منها لدمار واسع خلال المعارك. لكنها بدأت راهناً «تنهض عمرانياً»، وفق ما تعكسه الحكومة وأطياف مختلفة من سكانها.
وأنهى بولس زيارةً إلى ليبيا، الأربعاء الماضي، استهدفت دعم «مبادرته» لحلحلة الأزمة السياسية والعسكرية، استهلها من مدينة مصراتة، ثم طرابلس، قبيل أن ينتقل إلى بنغازي للقاء المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني».








