10.5 مليار دولار خسائر في قناة السويس جراء الاضطرابات الإقليمية

توقعات رسمية بتحسن تدريجي لحركة الملاحة

سفينة حاويات عملاقة تعبر قناة السويس لأول مرة الجمعة (هيئة قناة السويس)
سفينة حاويات عملاقة تعبر قناة السويس لأول مرة الجمعة (هيئة قناة السويس)
TT

10.5 مليار دولار خسائر في قناة السويس جراء الاضطرابات الإقليمية

سفينة حاويات عملاقة تعبر قناة السويس لأول مرة الجمعة (هيئة قناة السويس)
سفينة حاويات عملاقة تعبر قناة السويس لأول مرة الجمعة (هيئة قناة السويس)

قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، السبت، إنَّ بلاده تكبَّدت خسائر بنحو 10.5 مليار دولار نتيجة تأثر الملاحة في قناة السويس جراء الاضطرابات الإقليمية - في إشارة إلى حربَي غزة وإيران - وسط توقعات رسمية بـ«تحسُّن تدريجي» في حركة الملاحة بالممر الملاحي الدولي، و«مؤشرات إيجابية» حول بدء عودة خطوط الملاحة الكبرى، مع هدوء التوترات بالبحر الأحمر.

وخلال مؤتمر صحافي مشترك مع المفوضة الأوروبية للمتوسط دوبرافكا سويتشا، التي تزور القاهرة، قال عبد العاطي: «تحدَّثنا عن ضمان حرية الملاحة وفقاً لقواعد القانون الدولي، وأجرينا مباحثات بنّاءة وصريحة تناولت سبل تعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين مصر والاتحاد الأوروبي».

وزير الخارجية المصري والمفوضة الأوروبية للمتوسط (الخارجية المصرية)

ورحَّب عبد العاطي بالمفوضة الأوروبية والوفد المرافق لها في القاهرة، مؤكداً أنَّ زيارتها «تعكس متانة العلاقات الاستراتيجية بين مصر والاتحاد الأوروبي، وحرص الجانبين على مواصلة التنسيق والتشاور بشأن الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية ذات الاهتمام المشترك».

وتعول مصر على بدء العودة التدريجية للملاحة عبر قناة السويس. وقال رئيس «هيئة قناة السويس»، الفريق أسامة ربيع: «إن توالي عبور سفن الحاويات العملاقة عبر القناة، يعطي مؤشرات إيجابية حول بدء عودة خطوط الملاحة الكبرى تدريجياً». وأكد حسب إفادة مساء الجمعة، على «الجاهزية الكاملة للمجرى الملاحي للقناة لاستقبال أكبر وأحدث السفن في العالم».

وشهدت قناة السويس، الجمعة، عبور سفينة الحاويات العملاقة «CMA CGM SAINT GERMAIN»، إحدى أكبر سفن الحاويات في العالم، في أولى رحلاتها عبر القناة، ضمن رحلتها القادمة من الغرب إلى ماليزيا، حسب إفادة لقناة السويس.

وشكت مصر في أكثر من مناسبة، من خسائر في عائدات القناة؛ بسبب الاضطرابات الإقليمية، بداية من حرب غزة وصولاً للحرب الإيرانية.

ووجَّه رئيس «هيئة قناة السويس»، بضرورة «اتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة كافة لضمان العبور الآمن للسفن من القناة»، مشيراً إلى «تعيين مجموعة من كبار مرشدي الهيئة، وتوفير المساعدات الملاحية من القاطرات المصاحبة في أثناء عملية العبور».

وتتبع قناة السويس نظاماً تشغيلياً يحقِّق العبور الآمن للسفن، وفق خبير النقل البحري، أحمد الشامي، الذي قال، إن «بروتوكول عمل القناة معلن في منشورات الملاحة البحرية، بضوابط وقواعد تلبي احتياجات السفن العابرة، من بينها أولويات العبور وفق معايير تتعلق بحجم السفن وعمرها»، مشيراً إلى أنَّ «الضوابط تعطي الأولوية لعبور سفن الحاويات الكبرى، ثم سفن الركاب والوقود، وصولاً للسفن الصغيرة».

وأوضح الشامي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أنَّ «من بين ضمانات عبور السفن، توافر إجراءات السلامة والأمان، و الخدمات البحرية، بما في ذلك تدابير التعامل مع حالة الطوارئ»، مشيراً إلى أنَّ «هيئة قناة السويس تمتلك كل الضمانات التي توفِّر العبور الآمن للسفن، بما في ذلك تأمين المجرى الملاحي على الضفتين»، وقال: «إن القناة تمتلك خبرات واسعة في إدارة الحركة الملاحية والتعامل مع أي طوارئ».

سفينة حاويات عملاقة تعبر قناة السويس (هيئة قناة السويس)

وتنفِّذ قناة السويس خطةً للارتقاء بمستوى الخدمات الملاحية، بما يلبي متطلبات العملاء، من بينها «تقديم حزمة من الخدمات النوعية الجديدة، التي لم تكن تُقدَّم من قبل، أبرزها خدمات الإنقاذ البحري، وصيانة وإصلاح السفن والإسعاف البحري»، إلى جانب «خدمات التزود بالوقود وتبديل الأطقم البحرية».

ووفق ربيع، فإن هذه الخدمات «تعزز تنافسية القناة، وترسخ مكانتها وصفها أحد أهم الممرات التجارية العالمية».

وتتعامل قناة السويس مع تحديات الملاحة الإقليمية بشكل احترافي، وفق الشامي، الذي أضاف، أن «المؤشرات الإيجابية الخاصة بتأمين الملاحة عبر المعابر الإقليمية، تؤكد سرعة التعافي بالقناة»، مشيراً إلى أنَّه «من المرجح تعافي القناة في الأشهر المقبلة لتعويض خسائر الفترة السابقة، من خلال كثافة عبور السفن اعتباراً من شهر أغسطس (آب) المقبل».

ومن بين الضمانات التي تتيح عودة حركة الملاحة لطبيعتها، استقرار الأوضاع الإقليمية، وإنهاء التوترات بالمعابر في المنطقة، وفق عضو «جمعية الاقتصاد والتشريع المصرية»، وليد جاب الله، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»: «إن قناة السويس هي جوهر سلاسل الإمداد في المنطقة، بوصفها مجرى ملاحياً رئيسياً لحركة التجارة الدولية والتي تصل نسبتها إلى 12 في المائة سنوياً»، مشيراً إلى أنَّ «قناة السويس تتواصل مع شركات الملاحة والشحن الدولية، باستمرار للتأكيد على الضمانات الخاصة بالملاحة والتسهيلات التي تقدِّمها لعمليات العبور اليومية».


مقالات ذات صلة

قناة السويس تتلقى دفعة جديدة من «ميرسك» رغم «استهدافات» البحر الأحمر

الاقتصاد سفينة شحن تمر عبر قناة السويس (رويترز)

قناة السويس تتلقى دفعة جديدة من «ميرسك» رغم «استهدافات» البحر الأحمر

تلقت قناة السويس التي تعد إيراداتها أحد أهم مصادر العملة الصعبة بمصر دفعة جديدة من شركة «ميرسك» عملاق النقل البحري بالتأكيد على اقتراب العودة للعبور

محمد محمود (القاهرة)
الاقتصاد سفينة حاويات تابعة لشركة ميرسك تَعبر قناة السويس بالقرب من ميناء بورسعيد (رويترز)

«ميرسك» و«هاباغ-لويد» تعيدان مزيداً من خدماتهما إلى قناة السويس

قالت مجموعة الشحن الدنماركية «ميرسك» إن خدمة أخرى لنقل الحاويات التي تديرها بالشراكة مع شركة هاباغ-لويد الألمانية ستستأنف الإبحار عبر قناة السويس.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا قناة السويس تستبشر بـ«مؤشرات إيجابية» للملاحة في ذكرى «التأميم» (صفحة هيئة القناة على فيسبوك)

قناة السويس تستبشر بـ«مؤشرات إيجابية» للملاحة في «ذكرى التأميم»

تستبشر قناة السويس بـ«مؤشرات إيجابية» تنبئ باستعادة حركة الملاحة الطبيعية في ذكرى مرور 70 عاماً على تأميمها حيث زاد عدد السفن العابرة بنسبة 25 % 

عصام فضل
العالم العربي وزير الخارجية المصري يلتقي نظيره القطري في الدوحة السبت (الخارجية المصرية)

قلق مصري من تصاعد وتيرة التهديدات الملاحية بالبحر الأحمر

تخشى الحكومة المصرية من تصاعد التهديدات في جنوب البحر الأحمر، وما قد يترتب عليها من اضطرابات في حركة الملاحة عبر قناة السويس.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من لقاء عبد العاطي وسوغيونو الجمعة (صفحة وزارة الخارجية المصرية على «فيسبوك»)

مصر تتطلع لتعاون استثماري مع إندونيسيا بـ«اقتصادية قناة السويس»

أشار وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، إلى أهمية العمل على الارتقاء بمعدلات التجارة والاستثمارات المتبادلة مع إندونيسيا، بما يعكس مستوى الشراكة الاستراتيجية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

السلطات المغربية توقف عشرات المهاجرين قرب سبتة

أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
TT

السلطات المغربية توقف عشرات المهاجرين قرب سبتة

أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)

أوقفت السلطات المغربية السبت عشرات المهاجرين غير النظاميين معظمهم من أفريقيا جنوب الصحراء، في غابة قريبة من المعبر الحدودي مع جيب سبتة المحتلة من قبل إسبانيا والواقعة شمال المغرب، وسط طوق أمني في المنطقة.

وتجمع هؤلاء المهاجرون، وغالبيتهم رجال وشباب من بلدان من أفريقيا جنوب الصحراء وبينهم أيضاً بعض المغاربة، في منطقة مطلة على مدينة الفنيدق الحدودية، على بعد بضعة كيلومترات من الطريق المؤدي للمعبر الحدودي، قبل أن تعترضهم قوات الأمن.

وأوقفت مجموعة منهم فيما لاذ آخرون بالفرار.

إسبانيا عززت وجود الشرطة والجيش في ‌جيب سبتة تحسباً لمحاولة اختراق جماعي آخر للحدود (إ.ب.أ)

وبحسب وسائل إعلام محلية، أسفرت هذه العملية عن «توقيف 294 مرشحاً للهجرة غير النظامية».

وقال مصدر رسمي إن العملية «روتينية تهدف للتصدي لمحاولات الهجرة غير النظامية في اتجاه سبتة».

لكن منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي روّجت خلال الأيام الماضية إشاعة أن الحدود ستكون مفتوحة السبت، باعتباره «يوم عطلة في إسبانيا».

والأربعاء أعلنت وزارة الداخلية المغربية أنها اتخذت جميع التدابير الضرورية للتصدي لمحاولات عبور جديدة تبعاً لتلك المنشورات، وتوقيف مشتبه بهم.

السبت أفادت وسائل إعلام مغربية، بينها موقعا «لو360» و«هسبريس»، بأن السلطات «أوقفت 61 شخصاً يشتبه في تورطهم في التحريض والترويج لدعوات للهجرة غير النظامية عبر مواقع التواصل الاجتماعي».

يأتي ذلك أسبوعين بعد تدفق كثيف لمهاجرين من عدة مدن مغربية إلى جيب سبتة، نجح نحو 72 ألفاً منهم في دخول المدينة، قبل أن يعود معظمهم أدراجه، وفق السلطات الإسبانية. وساهم في ذاك التدفق الكبير للمهاجرين يومها أيضاً إشاعات على مواقع التواصل.

ولم تحل السلطات المغربية حينها دون وصول هؤلاء المهاجرين إلى المنطقة الحدودية، ثم أرسلت تعزيزات إلى هناك مساء الخميس 30 يوليو (تموز)، وفق تقارير منظمات حقوقية.

وخلفت هذه الأزمة، الأخطر من نوعها، مقتل 80 شخصاً على الأقل وفق الجانب الإسباني، و11 وفق السلطات المغربية، فيما قدّرت منظمات حقوقية مغربية الجمعة أن عدد الضحايا لا يقل عن 141.


الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيَّرة في كردفان

مسيّرة من طراز "FH – 95" صينية الصنع، اسقطها الجيش في شمال كردفان (متداولة)
مسيّرة من طراز "FH – 95" صينية الصنع، اسقطها الجيش في شمال كردفان (متداولة)
TT

الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيَّرة في كردفان

مسيّرة من طراز "FH – 95" صينية الصنع، اسقطها الجيش في شمال كردفان (متداولة)
مسيّرة من طراز "FH – 95" صينية الصنع، اسقطها الجيش في شمال كردفان (متداولة)

أعلن الجيش السوداني، السبت، إسقاط طائرة مسيّرة معادية من طراز «FH – 95» صينية الصنع، في مدينة جبرة الشيخ بولاية شمال كردفان، التي تشهد تصاعداً في وتيرة الهجمات التي تشنها «قوات الدعم السريع».

وقال مكتب الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، في بيان صحافي، على موقع «فيسبوك»، إن الدفاعات الجوية تمكنت من إسقاط طائرة مسيّرة استراتيجية معادية من طراز «FH-95» في سماء مدينة جبرة الشيخ. ونشر جنود من الجيش مقطع فيديو يُظهر حطام طائرة مُسيَّرة، بينما لم يصدر بعد تعليق رسمي من «الدعم السريع» على إعلان الجيش.

وصد الجيش السوداني، الخميس الماضي، هجوماً برياً لــ«الدعم السريع» بأكثر من 250 عربة قتالية على مدينة جبرة الشيخ، التي استعادها خلال المعارك الأخيرة. وكانت «قوات الدعم السريع» قد أعلنت في بيان، أمس الجمعة، على قناة «تلغرام»، السيطرة الكاملة على بلدة «أم عرد»، الواقعة شمال مدينة الأُبيّض عاصمة ولاية شمال كردفان، لكن منصات إعلامية موالية للجيش، نقلت عن مصادر عسكرية بأن المنطقة لاتزال تحت السيطرة.

وفقاً لمفوضية العون الإنساني بشمال كردفان، قُتل وجرح العشرات من المدنيين في البلدة جراء الهجوم الأخير، وسط موجة نزوح واسعة نحو المناطق الآمنة.

وشهدت خريطة السيطرة في الميدان تبدلاً كبيراً، بعدما أحرزت «قوات الدعم السريع» تقدماً لافتاً نهاية الأسبوع الماضي، بعدما سيطرة على مدينتي الكرمك وقيسان، في إقليم النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد، على الحدود مع أثيوبيا. وفي بيان ثانٍ، قالت «الدعم السريع»، «إن قواتها نفذت اليوم السبت، عملية عسكرية دقيقة، تمكنت من خلالها السيطرة على منطقة (أغرو) بالنيل الأزرق»، وتواصل التقدم نحو العاصمة الدمازين.

ومنذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023، اتسع نطاق استخدام الطائرات المسيّرة من قبل طرفَي النزاع، لتطول مدناً بعيدة عن خطوط القتال، الأمر الذي أدى إلى زيادة الخسائر في صفوف المدنيين، وتفاقم الأوضاع الإنسانية في المناطق المستهدفة.


الهجرة إلى سبتة... هل تعكس تراجعاً للثقة بالمستقبل أم انتصاراً لصورة جذابة عن أوروبا؟

مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
TT

الهجرة إلى سبتة... هل تعكس تراجعاً للثقة بالمستقبل أم انتصاراً لصورة جذابة عن أوروبا؟

مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)
مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)

يرى باحثون أن موجة الهجرة إلى جيب سبتة، الذي تحتله إسبانيا شمال المغرب، قبل نحو أسبوعين، لا تنبع فقط من عوز وبطالة كدافعين تقليديين لدى الطبقات الأكثر فقراً، ولا سيما في ظل التنمية الاقتصادية في المغرب، بل تنطلق من تراجع للثقة بالمستقبل لدى طبقات أخرى، في ظل صورة جذابة عن أوروبا تلازم الأذهان.

وخلال يومين من أواخر يوليو (تموز) الماضي، توافد عشرات الآلاف من المغاربة، بينهم الكثير من القاصرين، بعد شائعات عن فتح الحدود مع جيب سبتة، ونجح نحو 72 ألفاً منهم في الدخول قبل أن يعود معظمهم أدراجه، وأودى ذلك بحياة العشرات وفق السلطات ومنظمات. لكن هذه الموجة من الهجرة جاءت فيما سجّل المغرب نمواً اقتصادياً لافتاً، بلغ 5 في المائة عام 2025، وسط تفاؤل باستمرار النمو ارتباطاً على الخصوص بإطلاق عدة استثمارات في البنى التحتية وقطاع الخدمات، في أفق التحضير للتنظيم المشترك لكأس العالم 2030 مع إسبانيا والبرتغال.

أمهات وآباء ينتظرون على الحدود عودة أبنائهم بعد تمكنهم من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)

وإذا كانت البطالة دافعاً تقليدياً للهجرة فإن الفئات، التي شاركت في هذه الموجة الأخيرة «تبدو أكثر تنوعاً وبينها أشخاص يُفترض (...) أنهم في أوضاع اجتماعية واقتصادية مقبولة نسبياً»، وفق رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان محمد بنعيسى، وهو إحدى الجمعيات التي تابعت الأحداث.

رحلة لآفاق أرحب

في مشهد غير معتاد مقارنة مع حوادث هجرة غير نظامية سابقة، جاء سعيد طريبق (38 عاماً) إلى المعبر الحدودي في سيارته برفقة طفليه، بعدما سمع أن الحدود ستكون مفتوحة. سعيد يعمل حرفياً في طنجة، ثاني قطب اقتصادي بالمغرب، في وضع «لا بأس به» كما يصفه. وقال لوكالة الصحافة الفرنسية لدى عودته من سبتة: «ظننت أنني سأربح أكثر إن بذلت هناك الجهد نفسه الذي أبذله هنا... وفكرت أيضاً في أن العمل في إسبانيا سيؤمن مستقبلاً أفضل لأطفالي».

وحسب شهادات عدّة جمعها مراسلو وكالة الصحافة الفرنسية، فقد ترك كثيرون، مثل سعيد، وظائفهم لركوب المغامرة المحفوفة بالمخاطر، على أمل تحسين أوضاعهم في أوروبا. ومن بين هؤلاء المهاجرين العائدين قاصرون على غرار أيوب الأبيض (16 عاماً)، الذي شعر بأن مستقبله كان سيكون أفضل في أوروبا، كما قال لوكالة الصحافة الفرنسية بعد عودته من سبتة. وأضاف: «أدرس في الثانية ثانوي ونتائجي جيدة، لكنني لست واثقاً بالحصول على عمل في مستوى طموحي».

محاولة العبور إلى سبتة سباحة تسببت في وفاة العشرات من المهاجرين (أ.ف.ب)

ويعتقد بنعيسى أن ما حصل «مؤشر أعمق يرتبط بأزمة الثقة بالمستقبل، وبقدرة المؤسسات على توفير الأمان الاجتماعي وتكافؤ الفرص والشعور بالاستقرار».

تأثير مواقع التواصل الاجتماعي

تنبه الباحثة في علم الاجتماع، سمية نعمان جسوس، إلى أن صورة «الفردوس الأوروبي لا تزال قوية جداً»؛ إذ «ترتبط أوروبا في أذهان الشباب بالنجاح والترقي الاجتماعي والحياة الأفضل». مشيرة أيضاً إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي «في تضخيم هذه الظاهرة».

في المقابل، تعتقد جسوس أن الشعور بعدم القدرة على التعبير «يمكن أن يكون طريقاً مهماً» لفهم هذه الظاهرة. وتوضح أنه عندما لا يجد شاب «فضاءات للتعبير عن تذمره، والدفاع عن حقوقه، والمشاركة في القرارات (...) يمكن أن يشعر بأنه غير فاعل في المجتمع، بل مجرد متفرج في بلد يبنى دونه».

شبان مغاربة يلتقطون صورة جماعية بعد تمكنهم من دخول سبتة (أ.ف.ب)

منذ نحو عقد أصبحت الحركات الاجتماعية في المغرب عفوية، بينما تعجز الأحزاب السياسية والنقابات عن تعبئة الشارع. وبالموازاة مع ذلك، يتزايد تأثير مواقع التواصل الاجتماعي، ومنها خرجت آخر حركة اجتماعية واسعة في خريف العام الماضي، تحت اسم «جيل زد 212»، التي عبرت عن مطالب متظاهرين شباب بتحسين مستوى الصحة والتعليم، وتخللتها أعمال عنف في بعض المدن.

ويشير بنعيسى إلى أن دراسة ميدانية لمرصد الشمال لحقوق الإنسان، شملت 500 شاب وشابة في مدن قريبة من سبتة، أظهرت أن «74.2 في المائة يتابعون صفحات ومحتويات مرتبطة بالتخطيط للهجرة»، وأن «81 في المائة يرون أن هذه المحتويات تجعلهم يعتقدون أن الهجرة حل».

بعد الأزمة، ألقت السلطات باللوم على «الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي، وترويج معلومات مضللة، ودور عصابات الاتجار بالبشر». لكن منظمات حقوقية وسياسيين ومعلقين تساءلوا عن سبب عدم منع المهاجرين من الوصول إلى مدينة الفنيدق المجاورة لسبتة، وطالبوا بالتحقيق في الموضوع.

والأربعاء، أعلنت وزارة الداخلية اتخاذ جميع التدابير الأمنية، بعد صدور دعوات جديدة للعبور إلى سبتة، السبت الفائت، وتوقيف مشتبه بهم.