تجدد الاشتباكات بين قوات «الوطني الليبي» ومسلحين على الحدود الجنوبية

كر وفر وسط الصحراء لأنصار «وردقو»

وحدات «اللواء الخامس مشاة» بـ«الجيش الوطني» الليبي تتجه إلى معبر التوم الحدودي يوم 21 فبراير 2026 (رئاسة الأركان البرية)
وحدات «اللواء الخامس مشاة» بـ«الجيش الوطني» الليبي تتجه إلى معبر التوم الحدودي يوم 21 فبراير 2026 (رئاسة الأركان البرية)
TT

تجدد الاشتباكات بين قوات «الوطني الليبي» ومسلحين على الحدود الجنوبية

وحدات «اللواء الخامس مشاة» بـ«الجيش الوطني» الليبي تتجه إلى معبر التوم الحدودي يوم 21 فبراير 2026 (رئاسة الأركان البرية)
وحدات «اللواء الخامس مشاة» بـ«الجيش الوطني» الليبي تتجه إلى معبر التوم الحدودي يوم 21 فبراير 2026 (رئاسة الأركان البرية)

تجددت المواجهات بين قوات «الجيش الوطني» الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر وعناصر مسلحة تتزعمها «غرفة تحرير الجنوب» بإمرة محمد وردقو، وسط حالة من الكر والفر قرب الحدود الصحراوية المتاخمة لدولة النيجر.

وكانت الأوضاع قد تفجرت خلال الشهرين الماضيين على نحو مفاجئ عند الحدود الجنوبية بين ليبيا والنيجر، كاشفة عن «لغم» أعاد التوتر الأمني إلى هذا الشريط الممتد على نحو 340 كيلومتراً، بداية من النقطة الثلاثية مع الجزائر غرباً بالقرب من «ممر السلفادور»، وانتهاءً عند النقطة الثلاثية مع تشاد شرقاً.

جانب من وحدات «اللواء الخامس مشاة» بـ«الجيش الوطني» الليبي بمعبر التوم الحدودي مع النيجر يوم 21 فبراير 2026 (رئاسة الأركان البرية)

وقال مصدر عسكري بجنوب ليبيا لـ«الشرق الأوسط» إن الصحراء الليبية المترامية «ستظل مسرحاً واسعاً للطامعين في عمليات التهريب عبر الحدود التي ظلت لسنوات مستباحة من العصابات الخارجية، وكيانات داخلية»، متحدثاً عن مجموعة من التحديات التي تواجه أي عملية عسكرية في الجنوب، من بينها وعورة التضاريس الجغرافية التي لا يعلمها إلا أهل الجنوب أنفسهم.

ونوه المصدر العسكري -الذي رفض ذكر اسمه لأنه غير مخول بالحديث للإعلام- إلى أن السيطرة على الحدود «تظل مرهونة بتوحيد المؤسسة العسكرية، وقوات الأمن، وإنهاء الانقسام بين شرق ليبيا وغربها»، وقال: «لن يتم تأمين الجنوب إلا بالتعاون بين الأطراف المنقسمة كافة».

ويتمثل هذا «اللغم» فيما يسمى «غرفة تحرير الجنوب» بإمرة وردقو التي قادت هجوماً متزامناً في يناير (كانون الثاني) الماضي على ثلاث نقاط حدودية خاضعة لسيطرة «الجيش الوطني».

وهذه النقاط هي: منفذ التوم الحدودي، ونقطة وادي بوغرارة، ونقطة السلفادور، وهي واقعة على الشريط الحدودي بين ليبيا والنيجر، حيث تتمركز قوات ركن حرس الحدود.

ورغم تأكيد «الجيش الوطني» السيطرة والقضاء على التوترات التي تنشأ على الحدود الجنوبية، وتتبع «العناصر الإرهابية، والمرتزقة»، تزعم «غرفة تحرير الجنوب» تمكنها من إحداث «اختراقات عبر هذه النقاط الحدودية».

وكان «اللواء 604 مشاة» التابع لـ«الجيش الوطني» قد أعلن الأسبوع الماضي «انتهاء مهمة قواته داخل الأراضي النيجرية بكل نجاح، بعد تمكنه من تحرير أسراه، ودحر عناصر وردقو، واستعادة الأمن للحدود الجنوبية».

غير أن «غرفة عمليات تحرير الجنوب» قالت إنها «نجحت في صد هجمات الجيش».

وأضافت الغرفة في بيان مساء الأحد أنها «نظّمت دوريات استطلاع عدة، واستحدثت نقاط تأمين جديدة خلال شهر رمضان على طول الشريط الحدودي الجنوبي للوقوف على المواقع السابقة لعصابات التهريب، والجريمة بأنواعها».

وكان حفتر قد قال خلال حضوره إفطاراً رمضانياً لقوات من الجيش، الأحد، إن «مسؤولية القوات المسلحة تمتد إلى دعم مؤسسات الدولة، والحفاظ على وحدة التراب الليبي»، مشيراً إلى أن «الجيش دحر قوى الإرهاب والتطرف في معارك شهد العالم على بطولتها».

وشدد حفتر على «أهمية الحفاظ على أعلى درجات الجاهزية، وتعزيز برامج التدريب، والتأهيل، ومواكبة التطورات العسكرية الحديثة، بما يضمن قدرة القوات المسلحة على مواجهة مختلف التهديدات الأمنية، والحفاظ على أمن البلاد واستقرارها».

وأضاف: «التطورات الإقليمية المتسارعة تفرض يقظة عسكرية مستمرة لحماية سيادة ليبيا، وذلك يتطلب تعزيز جاهزية الجيش، وتطوير قدراته الدفاعية والتقنية، لمواجهة التحديات الجديدة».

ويتحدر وردقو من أصول تشادية، وكان من سكان منطقة أوزو التي شكلت محور نزاع حدودي طويل بين ليبيا وتشاد؛ وقد حصل على الجنسية الليبية في أوائل التسعينات، على أساس أن هذه المنطقة كانت تحت النفوذ الليبي آنذاك.

رئيس الأركان العامة الفريق خالد حفتر يصل ليشارك الإفطار مع القوات المتمركزة في المناطق الحدودية بالجنوب الغربي (رئاسة الأركان البرية)

من جانب آخر، قالت شعبة الإعلام بـ«الجيش الوطني» إن رئيس الأركان العامة الفريق خالد حفتر شارك رفقة عدد من القيادات العسكرية وجبة الإفطار مع ضباط وضباط الصف والجنود المتمركزين في المناطق الحدودية بالجنوب الغربي.

ونقلت الشعبة، مساء الأحد، أن خالد «أشاد بالانتصارات التي حققتها القوات المسلحة، وبنجاحها في استرداد الأسرى»، مثمّناً «ما يبذله الجنود من جهود وتضحيات في أداء واجبهم، وتأمين المناطق الحدودية».


مقالات ذات صلة

مصراتة تصعد رفضها للمبادرة الأميركية لتسوية الأزمة الليبية

شمال افريقيا لقاء سابق بين صدام حفتر ومسعد بولس في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

مصراتة تصعد رفضها للمبادرة الأميركية لتسوية الأزمة الليبية

تشهد مدينة مصراتة الليبية ذات الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية في غرب البلاد حالة من الرفض المتصاعد حيال ما يُتداول بشأن «مقترح أميركي» لإعادة ترتيب السلطة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جلسة مجلس الأمن بشأن ليبيا في نيويورك الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)

شكوك وتساؤلات حول جدوى القيود الأممية على تهريب النفط الليبي

أثار قرار مجلس الأمن الدولي القاضي بتمديد التدابير والقيود الخاصة بمكافحة تهريب النفط الليبي حتى أغسطس 2027 شكوكاً متجددة حول جدوى هذه الإجراءات

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي يلتقي «نخبة من الفاعلين» بالعاصمة طرابلس (المجلس الرئاسي الليبي)

المنفي وتكالة يبحثان توحيد الجهود لكسر الجمود السياسي في ليبيا

شدّد محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي ومحمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا على «أهمية توحيد الجهود الوطنية والدفع بالمسارات الدستورية والقانونية».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا صدام حفتر وعبد السلام الزوبي في سرت قبيل انطلاق تمرين «فلينتلوك» (قناة «ليبيا الحدث» المقربة من «الجيش الوطني»)

تعويل أميركي على «فلينتلوك 2026» لتحقيق التكامل العسكري بليبيا

عدّ مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي، انطلاق تدريب «فلينتلوك 2026» متعدد الجنسيات في ليبيا، خطوة مهمة للأمام في سياق العمل على توحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي يستقبل عدداً من أعيان وحكماء ومشايخ مصراتة في لقاء مع المنفي يوم الأحد (المجلس الرئاسي الليبي)

المنفي ينفتح على أطياف ليبية عديدة خشية «إقصائه» من المشهد السياسي

يسعى محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، إلى تعضيد موقفه السياسي عبر تكثيف لقاءاته بأطياف سياسية واجتماعية متباينة تحوطاً لتفعيل مقترح أميركي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

أزمة في مصر بسبب دعم الوافدين

لاجئون من جنسيات مختلفة في مصر (مفوضية اللاجئين)
لاجئون من جنسيات مختلفة في مصر (مفوضية اللاجئين)
TT

أزمة في مصر بسبب دعم الوافدين

لاجئون من جنسيات مختلفة في مصر (مفوضية اللاجئين)
لاجئون من جنسيات مختلفة في مصر (مفوضية اللاجئين)

يواجه الوافدون في مصر أزمة مزدوجة، في ظل انحسار الدعم الذي تقدمه «مفوضية اللاجئين»، وتلويحها مؤخراً بالتوقف الكامل عن تقديم المساعدات المالية للأسر المستحقة، بالتزامن مع جدل اجتماعي تصاعد أخيراً بشأن تأثيرهم على موارد الحكومة المصرية وضغوطهم عليها.

وقالت «المفوضية السامية لشؤون اللاجئين»، الأربعاء، إنها تواجه أزمة تمويل عالمية متفاقمة تُجبرها على تقليص المساعدات المالية الأساسية المقدّمة للاجئين في مصر، ما يترك عشرات الآلاف من الأسر في مواجهة مباشرة مع الفقر والعوز.

ويواجه «برنامج المساعدات المالية» خطر التوقف الكامل في وقت قريب، ما سيؤثر على نحو 20 ألف أسرة لاجئة، معظمها تعيلها نساء، وتعتمد على هذا الدعم لتأمين احتياجاتها الأساسية، وفقاً لـ«المفوضية»، التي كشفت عن أن أكثر من نصف هذه الأسر فقدت الدعم بين يناير (كانون الثاني) ومارس (آذار) 2026، فيما ستواجه الأسر المتبقية المصير نفسه إذا لم تُسَد فجوة التمويل.

وللحفاظ على الحد الأدنى من الدعم المادي تحتاج «المفوضية» إلى نحو 10 ملايين دولار حتى نهاية العام، علماً بأن أكثر من 200 ألف لاجئ لا يستطيعون تلبية احتياجاتهم الأساسية دون دعم خارجي، حسب تقرير أعدته على موقعها الرسمي.

وتتزامن هذه الأزمة مع جدل اجتماعي حول توجيه أموال المتبرعين إلى مؤسسة «حياة كريمة» لتقديم مساعدات للاجئين، وهو ما سارعت المبادرة الرئاسية إلى نفيه في بيان صدر في ساعة مبكرة من صباح الأربعاء، مشيرة إلى أن أموال التبرعات تُوجَّه بالكامل لدعم الأسر المصرية الأولى بالرعاية، بهدف توسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وتعزيز العدالة الاجتماعية في جميع المحافظات المصرية، دون أي استخدام خارج هذا الإطار.

وقالت «حياة كريمة»، التي تعمل في مشروعات مجتمعية وتنموية عديدة، وتعتمد في جزء من مواردها على تبرعات منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص، إنها تابعت خلال الفترة الماضية ردود الأفعال المصاحبة للاجتماع التنسيقي الذي جرى عقده مع «مفوضية اللاجئين».

وأوضحت المؤسسة أن «البرامج المخصصة لدعم الفئات الوافدة داخل مصر يتم تمويلها بالكامل من منح دولية مخصصة، دون أي مساس بموارد أو تبرعات المصريين، مع الالتزام بالفصل التام بين الحسابات وفق أعلى معايير الحوكمة، بما يُسهم في دعم جهود الدولة المصرية وتخفيف الأعباء عنها».

وتأتي الأزمات المركبة التي يتعرّض لها الوافدون داخل مصر في ظل أوضاع اقتصادية صعبة، مع تداعيات «الحرب الإيرانية» وتراجع قيمة الجنيه، وتوقعات بتباطؤ معدلات النمو، وهو ما ينعكس سلباً على الأوضاع المعيشية للوافدين، خصوصاً مع قرارات حكومية برفع أسعار المحروقات ووسائل النقل والمواصلات.

تراجع تمويل «مفوضية اللاجئين» ضاعف الأعباء على الحكومة المصرية (المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في مصر)

وتُقدَّر أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء في مصر لدى مفوضية اللاجئين بمليون و98 ألف شخص من 60 جنسية مختلفة بنهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تَصدَّرهم السودانيون بواقع 834 ألفاً و201 طلب، ثم السوريون بواقع 123 ألفاً و383 طلباً.

عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر، الدكتور أيمن زهري، قال إن الوافدين يعتمدون بشكل رئيسي على الخدمات التي تقدمها الحكومة المصرية، وأن «مفوضية اللاجئين» تقدم مساعداتها لعدد محدود من اللاجئين، فيما يبقى الاعتماد الأكبر على منظمات المجتمع المدني المصري، وكذلك الجهات الحكومية. وأضاف أن توقف «برنامج المساعدات المالية» لن يكون له تأثير كبير، نظراً لكونه يقتصر على أعداد محدودة للغاية.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن منظمات العمل المدني في مصر تلعب دوراً كبيراً في تقديم المساعدات للمستحقين من الوافدين، غير أنه ليست هناك معلومات دقيقة بشأن هذا الدور الذي يدخل في إطار العمل الخيري. وأوضح أن الجدل الذي صاحب مسألة التنسيق بين «حياة كريمة» و«مفوضية اللاجئين» سببه الرئيسي نقص المعلومات، ما يتيح انتشار أنباء غير دقيقة حول تأثير هؤلاء سلباً على الخدمات المقدمة للمواطنين المصريين.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين من المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، وهو ما يكلّف الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، وفق تقديرات حكومية مصرية. فيما تواجه جهود الحكومة المصرية «تقاسم الأعباء» مع منظمات ودول أخرى أزمات عديدة، وتشكو بين الحين والآخر من حجم الأعباء الملقاة عليها.

فعاليات ترفيهية تقيمها «مؤسسة سوريا الغد» لإغاثة اللاجئين في مصر (مؤسسة سوريا الغد للإغاثة)

زهري أشار إلى «أن الميثاق العالمي للهجرة واللاجئين، لا يلزم المجتمع الدولي بتقاسم الأعباء مع الدول المضيفة، وتبقى النداءات الحكومية في طور المناشدات»، متهماً «اليمين الأوروبي، بالتقاعس عن القيام بمهامه، مع التشدد في استقبال المهاجرين وكذلك عدم التجاوب مع نداءات تقاسم الأعباء».

وتشير «مفوضية اللاجئين» إلى أن بلوغ التمويل «مستويات حرجة»؛ حيث لم يتم تأمين سوى 2 في المائة من الميزانية المطلوبة لعام 2026 لبرنامج المساعدات النقدية، قد يضطر المفوضية إلى تعليق هذه المساعدات بالكامل.

الخبير في شؤون اللاجئين، وعضو «المجلس القومي لحقوق الإنسان» في مصر، أحمد بدوي، أشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن أزمة تمويل «مفوضية اللاجئين» ليست بالجديدة، لكنها تفاقمت منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي مع توقف الدعم الأميركي، وانعكس ذلك على كل القطاعات الصحية والتعليمية، ووصل أخيراً إلى الدعم المادي، مشيراً إلى أن مصر تسعى للبحث عن بدائل عن طريق تعزيز التعاون مع الاتحاد الأوروبي والتوسع في التنسيق مع المنظمات الدولية لتدعيم القطاعات الخدماتية.


مصراتة تصعد رفضها للمبادرة الأميركية لتسوية الأزمة الليبية

لقاء سابق بين صدام حفتر ومسعد بولس في بنغازي (إعلام القيادة العامة)
لقاء سابق بين صدام حفتر ومسعد بولس في بنغازي (إعلام القيادة العامة)
TT

مصراتة تصعد رفضها للمبادرة الأميركية لتسوية الأزمة الليبية

لقاء سابق بين صدام حفتر ومسعد بولس في بنغازي (إعلام القيادة العامة)
لقاء سابق بين صدام حفتر ومسعد بولس في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

تشهد مدينة مصراتة الليبية، ذات الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية في غرب البلاد، حالة من الرفض المتصاعد حيال ما يُتداول بشأن «مقترح أميركي» لإعادة ترتيب السلطة التنفيذية في ليبيا، في خطوة أعادت إلى الواجهة حساسية التوازنات داخل معسكر الغرب الليبي، وأثارت مخاوف من تسويات خارجية لا تحظى بإجماع محلي.

قوات أمنية عند مدخل مدينة مصراتة الاستراتيجية (أ.ف.ب)

ويتضمن المقترح المنسوب إلى مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إسناد رئاسة «المجلس الرئاسي» إلى صدام حفتر، نجل قائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، مع الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة.

ورغم عدم صدور إعلان رسمي بشأن هذه المبادرة، في بلد يعيش انقساماً بين شرقه وغربه، فإن تداولها عبر وسائل إعلام وتقارير محلية كان كافياً لإثارة ردود فعل واسعة، خصوصاً في مصراتة، التي تُعد أحد أبرز مراكز الثقل العسكري في البلاد، التي خاضت تشكيلات مسلحة فيها مواجهات ضد «الجيش الوطني» خلال حرب العاصمة طرابلس (2019 - 2020).

في هذا السياق، عبّر وفد من القيادات السياسية في المدينة، خلال لقائه نائبة مبعوث الأمم المتحدة ستيفاني خوري، الثلاثاء، عن رفضه القاطع لأي ترتيبات سياسية تُصاغ خارج الإرادة الليبية، في إشارة إلى مبادرة بولس. وشدّد الوفد على ضرورة إطلاق تسوية شاملة تستند إلى توافق وطني، محذراً من أن أي صفقات من شأنها تكريس هيمنة أطراف بعينها على مقدرات الدولة، وإقصاء الليبيين عن إدارة شؤونهم، وفق أبو القاسم قزيط، عضو المجلس الأعلى للدولة، وأحد المشاركين في اللقاء.

ستيفاني خوري (أ.ف.ب)

وتطرق اللقاء إلى دعم العملية السياسية، بما يفضي إلى تشكيل سلطة تنفيذية جديدة تمهيداً لإجراء انتخابات عامة، وسط تأكيدات على أن أي مسار لا يقود إلى صناديق الاقتراع سيُبقي البلاد رهينة المراحل الانتقالية الممتدة منذ سنوات.

وكان عدد من أعيان وحكماء ومشايخ مصراتة قد أكدوا خلال لقاء مع رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي قبل أيام، رفضهم القاطع لأي ترتيبات، أو تفاهمات تُبرم خارج الأطر القانونية والدستورية، عادّين أن مثل هذه الخطوات تمثل تهديداً مباشراً لمسار الاستقرار، وتقويضاً لجهود بناء الدولة، ودعوا إلى الالتزام بالمسارات الشرعية والدستورية.

وتكتسب هذه التطورات أهميتها من المكانة التي تحتلها مصراتة في المشهد الليبي، إذ تمتلك المدينة قوة مسلحة من تشكيلات، لعبت أدواراً محورية في الثورة التي أطاحت بنظام العقيد معمر القذافي عام 2011، وبرزت بشكل خاص في معارك سرت ضد «داعش» قبل 10 أعوام.

المنفي في لقاء مع عدد من أعيان وحكماء ومشايخ مدينة مصراتة الليبية الأحد الماضي (المجلس الرئاسي)

وعلى امتداد السنوات الماضية، لعبت مصراتة، البالغ عدد سكانها 676 ألف نسمة حسب آخر إحصاء صادر قبل 5 سنوات، دوراً محورياً داخل معسكر غرب ليبيا، وانخرطت بقوة في القتال ضد هجوم قوات «الجيش الوطني»، بقيادة المشير خليفة حفتر على طرابلس (2019 - 2020)، ما رسّخ حضورها بوصفها فاعلاً رئيسياً في موازين القوى.

كما يمنحها موقعها الاستراتيجي بين طرابلس وسرت، إلى جانب امتلاكها ميناءً حيوياً وقاعدة اقتصادية متينة، نفوذاً لوجيستياً وسياسياً يصعب تجاوزه.

من جانبه، قال سالم كرواد، أحد أعيان مصراتة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحل السياسي يجب أن يكون عبر حوار ليبي خالص، ودون إملاءات خارجية»، معرباً عن دهشته من حماس بعض الأطراف للمقترح الأميركي، رغم معارضتها سابقاً لتقارب مماثل مع شرق البلاد، قاده فتحي باشاغا حين تم اختياره رئيساً للحكومة المكلفة من البرلمان في شرق البلاد.

وسبق أن دعا قادة قبليون، ضمن ما يُعرف بـ«مجلس حكماء وأعيان مصراتة»، إلى رفض أي تسوية سياسية مفروضة، أو تعيد إنتاج ما وصفوه بـ«الاستبداد»، مؤكدين في بيان قبل أسبوع التمسك بالمسار الدستوري والعدالة الانتقالية، والدعوة إلى استفتاء على الدستور وإجراء انتخابات نزيهة، مع التشديد على عدم التفريط في مبادئ ثورة فبراير (شباط)، أو تضحيات الليبيين.

على الصعيد الميداني، أصدر ما يُعرف بـ«المجلس العسكري مصراتة» بياناً الثلاثاء، أعرب فيه عن قلقه من «تسارع المستجدات السياسية»، رافضاً أي ترتيبات لا تقوم على أساس دستوري واضح. وأكد أن تجاوز المسار الدستوري قد يطيل أمد المرحلة الانتقالية، داعياً إلى استفتاء على الدستور، يعقبه تنظيم انتخابات برلمانية.

يشار إلى أن المواقف الليبية في مصراتة الرافضة لمبادرة بولس ازدادت على وقع مناورات «فلينتلوك 2026»، التي شاركت فيها قوات من شرق وغرب ليبيا، برعاية القيادة الأميركية في أفريقيا «أفريكوم»، وقوبلت هي الأخرى ببعض التحفظات داخل المدينة.

في سياق تقييم المشهد السياسي، لم يستبعد المحلل السياسي الليبي أيوب الأوجلي «وجود صلة بين رفض قاطع لأي تفاهمات مع القيادة العامة للجيش الوطني، ورؤية تيار داخل غرب ليبيا يقوده مفتي الديار الليبية الشيخ الصادق الغرياني، الذي لا يرى في مثل هذه المبادرات سوى مسار لا جدوى منه، ولا يقبل التفاهم مع الطرف الآخر»، حسب تعبيره.

أما الزاوية الثانية لقراءة هذا الرفض، حسب حديث الأوجلي لـ«الشرق الأوسط»، فتتعلق بإدارة التوازنات السياسية، ورفع سقف المطالب، معتقداً أن «الدبيبة لا يفضل أن يظهر في واجهة الرافضين للمبادرة بشكل مباشر، حتى وإن كان متحفظاً عليها، بل يترك مساحة لفاعلين آخرين لتصدر مشهد الرفض أمام المجتمع الدولي، بما يمنحه هامشاً أوسع للمناورة السياسية، سواء عبر تشديد شروطه، أو إعادة صياغة موقفه من مبادرة بولس وفق مصالحه السياسية».


شكوك وتساؤلات حول جدوى القيود الأممية على تهريب النفط الليبي

جلسة مجلس الأمن بشأن ليبيا في نيويورك الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)
جلسة مجلس الأمن بشأن ليبيا في نيويورك الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)
TT

شكوك وتساؤلات حول جدوى القيود الأممية على تهريب النفط الليبي

جلسة مجلس الأمن بشأن ليبيا في نيويورك الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)
جلسة مجلس الأمن بشأن ليبيا في نيويورك الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)

أثار قرار مجلس الأمن الدولي، القاضي بتمديد التدابير والقيود الخاصة بمكافحة تهريب النفط الليبي حتى أغسطس (آب) 2027 شكوكاً متجددة حول جدوى هذه الإجراءات، بالنظر إلى سجل ممتد لأكثر من عقد من التمديد دون تحقيق نتائج حاسمة على الأرض.

ويعيد القرار، الذي جاء بناء على مقترح بريطاني، صدر الثلاثاء بإجماع الأعضاء، تمديد تدابير قائمة منذ عام 2014، مانحاً الدول الأعضاء صلاحيات تفتيش السفن المشتبه في تورطها بتصدير النفط بشكل غير مشروع، كما يخول للجنة العقوبات فرض إجراءات، تشمل منع هذه السفن من دخول الموانئ، أو حظر التعاملات المالية المرتبطة بها، مع إعادة الشحنات المصادرة إلى ليبيا.

وزير النفط الليبي السابق محمد عون (المؤسسة الوطنية للنفط)

ورغم وضوح هذه الآليات، يرى سياسيون وخبراء أن استمرار أنشطة التهريب، كما توثقه تقارير أممية متعاقبة، يعكس فجوة بين النصوص القانونية وواقع التنفيذ.

تدابير «صورية»

في هذا السياق، عدّ وزير النفط الليبي السابق، محمد عون، أن التدابير الدولية تبدو في كثير من الأحيان «صورية»، مستشهداً بتجربة حظر تصدير السلاح إلى ليبيا المفروض منذ عام 2011، الذي جرى تمديده مراراً، لكن دون أن ينجح في وقف تدفق الأسلحة إلى أطراف النزاع.

وربط عون محدودية الفاعلية بتضارب مصالح القوى الدولية والإقليمية المتدخلة في الشأن الليبي، ما يؤدي، حسبه، إلى إضعاف تنفيذ القرارات الأممية، وإبقائها في إطارها النظري، وفق ما قال لـ«الشرق الأوسط».

ميناء مرسى البريقة النفطي الليبي (المؤسسة الوطنية للنفط)

ويأتي هذا القرار على وقع جدل لا ينقطع بشأن «تهريب النفط» في بلد يعاني انقساماً عسكرياً أمنياً مزمناً لأكثر من عقد، فاقمه تقرير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة مؤخراً، الذي كشف عن أنماط متشابكة لعمليات التهريب، تتداخل فيها شبكات اقتصادية مع مجموعات مسلحة.

وخصّ التقرير الأممي بالاسم شركة «أركنو» الخاصة، التي تأسست عام 2023، إذ يُعتقد أنها خضعت لسيطرة غير مباشرة من نائب قائد «الجيش الوطني» في شرق البلاد، الفريق صدام حفتر، مع اتهامات بتحويل ما لا يقل عن ثلاثة مليارات دولار من عائدات النفط إلى حسابات خارج ليبيا خلال أقل من عامين.

وأثارت هذه المعطيات جدلاً داخلياً، خصوصاً عقب إعلان حكومة «الوحدة» في غرب البلاد إنهاء التعاقد مع الشركة، وهي خطوة عدّها خصومها غير كافية لمعالجة جذور الأزمة، في ظل غياب مسار واضح للمساءلة، أو تفكيك الشبكات المتورطة.

حقل بترول في مدينة رأس لانوف شمال ليبيا (أرشيفية - أ.ف.ب)

في المقابل، جدّد قرار مجلس الأمن، الصادر الثلاثاء، التأكيد على أن المؤسسة الوطنية للنفط هي الجهة الشرعية الوحيدة المخولة إدارة الموارد النفطية في البلاد، في محاولة لضبط قنوات التصدير الرسمية، ومنع الالتفاف عليها.

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي، محمد الشحاتي، أن تجديد القرار، ورغم أهميته النظرية، لم يحقق النتائج المرجوة منذ عام 2014، مشيراً إلى أن السنوات التي أعقبت صدوره شهدت «أسوأ موجات التهريب»، التي لم تقتصر على الوقود، بل امتدت لتشمل تهريب البشر أيضاً.

ويعزو الشحاتي ذلك إلى غياب الانضباط المحلي، وضعف إنفاذ القانون، مؤكداً أن أي قرارات دولية، مهما بلغت قوتها، تظل محدودة الجدوى إذا لم تقترن بإرادة داخلية حقيقية لتطبيقها، حسب تصريحه لـ«الشرق الأوسط».

ويضيف الشحاتي موضحاً أن «انشغال المجتمع الدولي بأزمات أكثر إلحاحاً قد يحد من توفير الإمكانات اللازمة لمتابعة تنفيذ هذه التدابير، ما يجعلها في كثير من الأحيان أقرب إلى إطار تنظيمي نظري منه إلى آلية ردع فعالة على الأرض».

جدوى القرارات الأممية

سبق أن أثيرت تساؤلات مشابهة بشأن جدوى القرارات الأممية الخاصة بتهريب النفط في خريف العام الماضي، إثر تقرير «ذا سنتري»، وهي منظمة تحقيقات إعلامية أميركية غير ربحية تُعنى بكشف شبكات الفساد والجريمة، كشف أن خسائر ليبيا جراء تهريب الوقود بين عامي 2022 و2024 بلغت نحو 20 مليار دولار.

ستيفاني خوري وأولريكا ريتشاردسون نائبتا المبعوثة الأممية في ليبيا خلال لقاء مع رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان بطرابلس (البعثة الأممية)

وترى نجوى البشتي، الرئيسة السابقة للتعاقدات في المؤسسة الوطنية للنفط أن فاعلية القرارات الدولية تظل رهناً بوجود آليات تنفيذ حاسمة، وعقوبات أكثر صرامة، إلى جانب تعاون فعلي بين مختلف الأطراف المعنية.

وتعيد نجوى في تصريح لـ«الشرق الأوسط» التذكير بـ«تقارير دولية تحدثت عن تورط شبكات متعددة في عمليات التهريب، من بينها مجموعات مسلحة محلية، توفر غطاءً لوجيستياً لهذه الأنشطة، ما يعقّد جهود مكافحتها».

يشار إلى أنه بعد ساعات من صدور قرار مجلس الأمن، سارعت بعثة الأمم المتحدة، الثلاثاء، إلى التأكيد على أن الشفافية والمساءلة، وغياب التدخلات السياسية غير المبررة، والحد من تأثير التشكيلات المسلحة، تُعد عناصر أساسية لبناء الثقة العامة، وجذب الاستثمارات الأجنبية إلى ليبيا.

جاء ذلك خلال لقاء نائبتَي الممثلة الخاصة للأمين العام، ستيفاني خوري وأولريكا ريتشاردسون، مع رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مسعد سليمان، حيث أشادتا بخطوات اتخذتها المؤسسة لتعزيز الحوكمة، داعيتين إلى مواصلة الإصلاحات.