الجزائر تستعجل فرنسا تطهير مواقع تفجيراتها النووية وسط توتر دبلوماسي

ملف التلوث الإشعاعي يعود إلى الواجهة بوصفه أحد أبرز المطالب في «نزاع الذاكرة»

صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)
صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)
TT

الجزائر تستعجل فرنسا تطهير مواقع تفجيراتها النووية وسط توتر دبلوماسي

صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)
صورة لأحد التفجيرات النووية في الجزائر (مؤسسة الأرشيف الجزائري)

بينما أطلق الجيش الجزائري حملةً لتطهير مواقع التجارب النووية، التي أجرتها فرنسا في صحراء البلاد من الإشعاعات الملوثة، انتقد وزير المجاهدين، عبد المالك تشريفت، ما وصفه بـ«تنكر باريس لمسؤولياتها التاريخية والأخلاقية عن جريمة قائمة بذاتها، ألحقت أضراراً جسيمة بالبيئة والإنسان، ولا تزال جرحاً غائراً في نفوسنا».

وأكد وزير المجاهدين وذوي الحقوق في تصريحات، بمناسبة مرور 66 سنة على أول تجربة ذرية فرنسية، أن التفجيرات النووية الفرنسية، التي نفذت في الجنوب الجزائري قبل عدة عقود، تمثل «جريمة مكتملة الأركان مست الطبيعة وحق الإنسان في الوجود».

وزير المجاهدين في موقع لتجارب الذرة الفرنسية (الوزارة)

وكان تشريفت يتحدث في أدرار، حيث وقع هذا التفجير في 13 من فبراير (شباط) 1960، مؤكداً أن الدراسات العلمية والبحوث الميدانية أثبتت أن «آثار هذه التفجيرات النووية وإشعاعاتها لم تستثن الإنسان، ولا الطبيعة ولا الحيوان». وأوضح أنها «تسببت في تسميم البيئة وتلوث الغلاف الجوي، وأدت إلى وفيات وتشوهات خلقية وأمراض مزمنة، مورثةً معاناة دامت لأجيال بأكملها».

وأشار الوزير إلى أن «إحياء هذه الذكرى، رغم ما تحمله من ألم، يحفز الخبراء والأكاديميين على تعميق بحوثهم العلمية والتاريخية في هذا المجال لمواصلة تحليل أبعاد هذه الجريمة، تاريخياً وطبياً وقانونياً وإنسانياً»، مؤكداً أن «الحق لا يسترد إلا بالبراهين العلمية الدامغة والبحوث الموثقة».

وتأتي هذه الانتقادات بينما تستمر الأزمة الدبلوماسية بين البلدين، التي اندلعت إثر إعلان «الإليزيه» اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء في نهاية يوليو (تموز) 2024.

التفجيرات النووية في قلب «الذاكرة»

جرت التجربة الذرية الفرنسية الأولى تحديداً في منطقة رقان (1400 كلم جنوب العاصمة)، وحينها كانت الجزائر لا تزال تحت الاحتلال. وقد نفّذت السلطات الاستعمارية خلال هذه المرحلة أربع تجارب نووية جوية في المنطقة نفسها، ضمن سلسلة حملت الاسم الرمزي «اليربوع».

وبعد استقلال الجزائر في 5 يوليو (تموز) 1962، واصلت فرنسا اختباراتها الذرية، بموجب اتفاقيات سرّية مع السلطات الجزائرية آنذاك، حيث أجرت بين عامي 1962 و1966 ما مجموعه 13 تجربة نووية تحت الأرض في منطقة إن إكر بجبال الهقار (1900 كلم جنوب). وبذلك بلغ إجمالي عدد التجارب النووية الفرنسية في الجزائر 17 تجربة، خلفت آثاراً بيئية وصحية جسيمة، لا تزال تداعياتها مستمرة حتى اليوم، بحسب تصريحات السلطات الجزائرية.

أحد مواقع التجارب النووية الفرنسية بالصحراء الجزائرية (أرشيفية)

وتشكل «قضية التفجيرات النووية» إحدى أبرز المشكلات بين الجزائر وفرنسا، ضمن ما يعرف بـ«ملف الذاكرة»، حيث تتمحور المطالب الجزائرية الحالية في تطهير المواقع الثلاثة، التي شهدت التفجيرات، وهي رقان، إن إكر، وواد الناموس، من بقايا النفايات الإشعاعية والكيميائية، بالإضافة إلى تسليم الخرائط والوثائق الطوبوغرافية، التي تُحدد بدقة أماكن الدفن ومستويات التلوث. كما تدعو الجزائر إلى مراجعة قانون «موران» الفرنسي الصادر عام 2010، المخصص لتعويض ضحايا التجارب النووية الفرنسية خارج التراب الفرنسي، إما عبر تعديله ليشمل جميع المتضررين بشكل عادل، أو من خلال إبرام اتفاقية جديدة أكثر إنصافاً وشمولاً.

التخلص من الإشعاعات

في سياق هذه المناسبة، أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية عبر موقعها الإلكتروني، عن إطلاق أول خطوة ميدانية لإزالة جزء من التلوث الإشعاعي، الناجم عن التجارب النووية الفرنسية، وذلك انطلاقاً من موقع إن إكر بولاية تمنراست، اعتماداً على كفاءات وطنية ومعدات محلية الصنع.

وجاء هذا الإعلان بعد سنوات طويلة من الدراسات والتحضيرات، والتنسيق بين عدة قطاعات وزارية، حيث تم إطلاق عملية تطهير جزئي لموقع تجربة «بيريل» في منطقة تاوريرت تان أفلا بإن إكر. وقد وثّق فيلم بعنوان «جزائريون في قلب التحديات»، أعدته القوات المسلحة، تفاصيل هذه المبادرة، التي تُعد سابقة في مسار معالجة مخلفات التجارب النووية.

الرئيسان الجزائري ناشد نظيره الفرنسي تنظيف المواقع التي شهدت التفجيرات النووية (الرئاسة الجزائرية)

ويستحضر الوثائقي حادثة التفجير الباطني، الذي عدّ من أخطر الإخفاقات النووية، إذ بلغت قوته ما يعادل 150 ألف طن من مادة «تي. إن. تي»، ما أدى إلى تشققات داخل نفق الاختبار وتسرب غازات مشعة، وتكوّن سحابة ملوثة، وانتشار حمم تسببت في تدمير واسع للبيئة المحلية. ولا تزال المنطقة إلى اليوم تعاني آثار تلوث بعناصر مشعة، مثل «السيزيوم-137» و«البلوتونيوم».

وبعد تقييم شامل لمستويات التلوث والمخاطر الصحية، من قبل خبراء وفنيين جزائريين من مختلف القطاعات، أُنشئ «مخيم» مخصص لعمليات التطهير الجزئي، يعد نموذجاً أولياً لمشروعات إعادة تأهيل شاملة، ويرتقب تعميم ذلك على بقية المواقع المتضررة، بحسب وزارة الدفاع.

وكان الرئيس عبد المجيد تبون قد دعا فرنسا، في عدة مناسبات، إلى «تحمل مسؤولياتها الكاملة» إزاء مواقع التجارب النووية التي أجرتها، مؤكداً أن «تطهير هذه المواقع يمثل خطوة جوهرية في مسار تصحيح العلاقات بين البلدين، ومعالجة إرث خطير ما تزال آثاره الصحية والبيئية قائمة». وفي نهاية 2022، شدد خلال مقابلة مع صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، على «ضرورة» تنظيف مواقع التجارب في رقان وتمنراست، داعياً إلى التكفل بعلاج السكان المتضررين من تداعيات الإشعاعات النووية.

كما جدد تبون في أواخر عام 2024 وأوائل 2025، مطالبه عبر تصريحات صحافية ومناسبات رسمية، حاثّاً على التوصل إلى اتفاق شامل، يضمن تطهير المواقع المتضررة، وكشف جميع تفاصيلها الدقيقة، وعدّ تحقيق ذلك «شرطاً أساسياً» لأي تعاون جاد ومستدام بين الجزائر وفرنسا.

كما أكد تبون أن قضية تطهير مواقع التجارب النووية «ليست مسألة سياسية فحسب، بل واجب إنساني وأخلاقي»، داعياً فرنسا إلى تحديد الحدود الدقيقة لمواقع التجارب والأماكن، التي دفنت فيها المواد المشعة، وتحمل مسؤولياتها تجاه الصحة العامة والبيئة، وضمان علاج المتضررين من الإشعاعات. كما طالبها بـ«الكفّ عن تجاهل تداعيات هذه التجارب»، التي ما تزال تلقي بظلالها على مناطق الجنوب الجزائري.

ولفت الرئيس تبون أيضاً إلى أن فرنسا «خلّفت تلوثاً وأمراضاً مست الشعب الجزائري في سبيل تحولها لقوة نووية»، مؤكداً أن الغاية من مطلب التطهير «هي إحقاق العدالة، وصون كرامة الضحايا، بعيداً عن أي حسابات تتعلق بالتعويضات المادية».

الاستعانة بالخبرة الروسية

خلال زيارة رسمية إلى موسكو في يونيو (حزيران) 2023، أعرب تبون عن رغبة بلاده في التعاون مع روسيا بشأن هذا الملف الحساس، مقترحاً توقيع اتفاقيات ثنائية لمعالجة آثار التجارب النووية، ومؤكداً أن الجزائر تطمح للاستفادة من خبرة موسكو في هذا المجال.

الرئيسان الجزائري والروسي في موسكو في يونيو 2023 (الرئاسة الجزائرية)

أُدرجت قضية التجارب النووية تاريخياً ضمن اتفاقيات الاستقلال، الموقعة بين الحكومة الجزائرية المؤقتة والسلطات الفرنسية في مارس (آذار) 1962، حيث نص الفصل الثالث على بند سري منح فرنسا الحق في الاستمرار باستخدام القواعد الجوية والمنشآت العسكرية، بما في ذلك مواقع التجارب النووية، لمدة خمس سنوات بعد الاستقلال.

غير أن تسليم هذه المنشآت للسلطات الجزائرية في عام 1967 لم يرافقه أي التزام فرنسي رسمي بتطهير المواقع، أو مراقبتها إشعاعياً، كما لم تحدد بدقة مواقع دفن النفايات النووية، ولا تزال فرنسا ترفض رفع السرية عن الوثائق المرتبطة بهذا الملف.


مقالات ذات صلة

الرئيس الجزائري يُحدّد «شروطاً» لعودة معارضي الخارج للبلاد

شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والألماني في برلين (الرئاسة الجزائرية)

الرئيس الجزائري يُحدّد «شروطاً» لعودة معارضي الخارج للبلاد

شكّك معارضون جزائريون في جدية الدعوة التي وجهها إليهم الرئيس عبد المجيد تبون للعودة إلى البلاد و«ممارسة المعارضة من الداخل»، واضعاً شروطاً محددة لذلك.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا واجهة مؤسسة «الطفولة المسعفة» التي نشب بها الحريق (إ.ب.أ)

11 قتيلاً على الأقل في حريق بدار للأيتام في الجزائر

توفي 11 شخصاً على الأقل بينهم أطفال، وأصيب 19 آخرون في حريق اندلع ليل الأربعاء/ الخميس في دار للأيتام بضواحي العاصمة الجزائرية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا قيادة نقابة التعليم مع مناضلين سياسيين في محيط المحكمة (ناشطون)

صدام قضائي متصاعد بين الحكومة الجزائرية وأقوى نقابة مستقلة

تترقب الأوساط السياسية والنقابية بالجزائر تطورات خلاف حاد بين الحكومة وأبرز تنظيم نقابي بقطاع التعليم حيث يرتقب أن يفصل القضاء في 28 من الشهر الحالي

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا صورة توضح حجم انتشار النيران المستعرة بشرق الجزائر (الحماية المدنية)

حرائق الغابات المستعرة تستنفر السلطات الجزائرية

أعلنت «الحماية المدنية» الجزائرية، الثلاثاء، أنها تصارع عشرات الحرائق في الغابات منذ 48 ساعة...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا صورة توضيحية مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي تُعبّر عن التقارب في العلاقات بين إسبانيا والجزائر عقب سنوات من التوتّر الدبلوماسي (الشرق الأوسط)

بعد سنوات من توتّر العلاقات... رئيس وزراء إسبانيا يزور الجزائر الأسبوع المقبل

يُجري رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز زيارة رسمية للجزائر الاثنين المقبل، يُتوقع أن تُسهم في استكمال مسار تطبيع العلاقات بين البلدين بعد سنوات من التوتّر.

«الشرق الأوسط» (مدريد)

«الجنائية الدولية» تقضي بإمكان توجيه اتهامات لمشتبه به ليبي

خالد محمد علي الهيشري (متداولة)
خالد محمد علي الهيشري (متداولة)
TT

«الجنائية الدولية» تقضي بإمكان توجيه اتهامات لمشتبه به ليبي

خالد محمد علي الهيشري (متداولة)
خالد محمد علي الهيشري (متداولة)

حكم قضاة المحكمة الجنائية الدولية، اليوم الخميس، بإمكان ​توجيه تُهم متعددة إلى المشتبَه به الليبي خالد محمد علي الهيشري، المتهم بإدارة أحد أسوأ السجون سُمعة في ليبيا، مما يمهّد الطريق لمحاكمته.

ويواجه الهيشري (48 عاماً) 17 اتهاماً بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، منها الاضطهاد والاستعباد والتعذيب والاغتصاب والقتل، في ‌الفترة الممتدة من 2014 ‌إلى 2020.

ويقول ​الادعاء ‌إن ⁠الهيشري ​أشرف على ⁠عنبر النساء في سجن معيتيقة، وهو مركز احتجاز يديره جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة في ليبيا.

كما يشير الادعاء إلى أن آلاف الأشخاص تعرضوا للاعتقال غير القانوني، وأُودعوا في ظروف غير إنسانية، وتعرضوا لسوء المعاملة والتعذيب ⁠داخل سجن معيتيقة بصورة ممنهجة.

غير أن محامي الهيشري قالوا، في جلسات استماع ‌سابقة، ​إن موكّلهم ينفي التهم ‌الموجهة إليه.

وأكد قضاة المحكمة الجنائية ‌الدولية، هذا الأسبوع، اختصاصهم بالنظر في القضية، رافضين طعناً من جانب الدفاع حاول فيه الدفع بأن القضية غير مشمولة بقرار مجلس الأمن الدولي، الذي ‌منح المحكمة الصلاحية القانونية لمحاكمة مرتكبي الفظائع في ليبيا.

وستكون قضية الهيشري ⁠أول ⁠محاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية تركز على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في ليبيا.

وتحقق المحكمة الجنائية الدولية في مزاعم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في ليبيا، منذ أن أحال مجلس الأمن، التابع للأمم المتحدة، هذه القضايا إلى المحكمة في عام 2011، في أعقاب انتفاضة مدعومة من حلف شمال الأطلسي.

ولم يتحدد ​بعدُ موعد لبدء ​المحاكمة، لكن من المتوقع أن تنطلق مطلع عام 2027.


تعرض آلاف المهاجرين لـ«انتهاكات جسيمة» على الحدود التونسية الليبية

مهاجرة صومالية تحمل ابنها داخل أحد مراكز الاحتجاز والترحيل في بنغازي (رويترز)
مهاجرة صومالية تحمل ابنها داخل أحد مراكز الاحتجاز والترحيل في بنغازي (رويترز)
TT

تعرض آلاف المهاجرين لـ«انتهاكات جسيمة» على الحدود التونسية الليبية

مهاجرة صومالية تحمل ابنها داخل أحد مراكز الاحتجاز والترحيل في بنغازي (رويترز)
مهاجرة صومالية تحمل ابنها داخل أحد مراكز الاحتجاز والترحيل في بنغازي (رويترز)

أعرب خبراء أمميون، اليوم الخميس، عن «قلقهم البالغ» إزاء تقارير عن تعرض آلاف المهاجرين من دول جنوب الصحراء للاحتجاز التعسفي، وعمليات طرد جماعي، واتجار بالبشر على الحدود بين تونس وليبيا وداخل الأراضي الليبية.

وتحدّث الخبراء، في بيان، عن معلومات مفادها أن «أكثر من 7400 شخص، معظمهم من أفريقيا جنوب الصحراء، وقعوا ضحايا لنظام احتجاز تعسفي وطرد جماعي، واتجار منهجي بالبشر على الحدود التونسية الليبية، وفي ليبيا منذ يونيو (حزيران) 2023 على الأقل».

وأشار الخبراء الأربعة عشر، الذين يعملون بموجب تفويض من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لكنهم لا يتحدثون باسم المنظمة، إلى أن التقارير الواردة تفيد بأن الممارسات تشمل «قوات الأمن التونسية، فضلاً عن جهات فاعلة ليبية، سواء أكانت تابعة للدولة أم غير تابعة لها».

وأوضحوا أنه «وفقاً للشهادات الواردة، يتعرض المحتجَزون للضرب وسوء المعاملة على أيدي أفراد يرتدون الزي الرسمي، يستخدمون أجهزة الصعق الكهربائي وقضباناً حديدية وكلاباً بوليسية، فضلاً عن تهديدهم بالأسلحة النارية بهدف ترهيبهم ومعاقبتهم».

وأضاف هؤلاء الخبراء، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية»، أن هؤلاء المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء «يتعرضون لعمليات تفتيش متكررة وإذلال، ومصادرة لمقتنياتهم الشخصية، بما في ذلك الهواتف ووثائق الهوية، فضلاً عن حرمانهم من الحصول على الغذاء والرعاية الطبية الملائمين».

كما لفتوا إلى وقوع حالات «اغتصاب» و«عنف جسدي شديد»، مُبرزين أن كثيراً من هؤلاء المهاجرين عُوملوا «كسلع وجرى الاتجار بهم عبر الحدود التونسية الليبية مقابل المال، أو الوقود أو الحشيشة، أو مقابل أشياء أخرى بهدف استغلالهم، بما في ذلك في السخرة، والاستغلال الجنسي، والاستعباد الجنسي، والاختطاف طلباً للفدية».

ومع التحذير من أن هذه الاتهامات «قد تُشكل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان»، دعا هؤلاء الخبراء تونس وليبيا إلى «إجراء تحقيقات مستقلة ومحايدة وفعالة دون تأخير»، وإلى «ضمان حصول الضحايا فعلياً على سُبل الانتصاف القانوني»، مشيرين إلى أنهم تواصلوا مع حكومتي البلدين بشأن هذه الاتهامات.


موانئ مصر البحرية... رهان لمواجهة تداعيات اضطرابات «هرمز»

زيادة حركة التجارة عبر الموانئ المصرية في ظل تداعيات الحرب الإيرانية (وزارة النقل المصرية)
زيادة حركة التجارة عبر الموانئ المصرية في ظل تداعيات الحرب الإيرانية (وزارة النقل المصرية)
TT

موانئ مصر البحرية... رهان لمواجهة تداعيات اضطرابات «هرمز»

زيادة حركة التجارة عبر الموانئ المصرية في ظل تداعيات الحرب الإيرانية (وزارة النقل المصرية)
زيادة حركة التجارة عبر الموانئ المصرية في ظل تداعيات الحرب الإيرانية (وزارة النقل المصرية)

تراهن الحكومة المصرية على حركة التجارة عبر موانئها البحرية، لمواجهات آثار الاضطرابات في مضيق هرمز خلال الأشهر الأخيرة.

وأكد وزير النقل كامل الوزير، أهمية التوسع في تنفيذ مشروعات جديدة في الموانئ المصرية وخارجها لتعزيز دورها في النقل البحري، وشدد خلال اجتماع الجمعية العامة غير العادية لشركة «موانئ مصر البحرية»، الخميس، على «بذل جميع الجهود لاستمرار تقديم أعلى وأفضل المعدلات العالمية في أداء النقل البحري».

وأشار خبراء اقتصاديون إلى أن «الحكومة المصرية تعول على الاستثمار في الموانئ البحرية من أجل زيادة معدلات النقل التجاري البحري مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن قناة السويس»، وأشاروا إلى أن «حركة النقل البحري أحد موارد النقد الأجنبي للبلاد».

وفي أكثر من مناسبة، تحدث مسؤولون مصريون عن تأثر بلادهم في الاضطرابات الإقليمية، وتأثر حركة الملاحة في ممرات المنطقة، ولا سيما في مضيق هرمز.

ووفقاً لتقديرات رسمية، خسرت مصر أكثر من 10 مليارات دولار من عوائد قناة السويس.

وسجلت حركة تشغيل الموانئ البحرية المصرية استقبال 221 سفينة، في النصف الأول من العام الحالي، بإجمالي حجم تداول تعدى 500 ألف حاوية، وفق رئيس «شركة موانئ مصر البحرية»، اللواء عبد القادر درويش، وقال خلال اجتماع الجمعية العامة للشركة، إن «نسبة نمو بلغت 22 في المائة مقارنة بالفترة المماثلة من العام الماضي»، حسب إفادة لوزارة النقل المصرية.

مصر تركز على تطوير الموانئ وسط اضطرابات إقليمية متصاعدة (وزارة النقل المصرية)

وعدّ وزير النقل المصري، «محطة (تحيا مصر) متعددة الأغراض، أحد أهم مشروعات النقل البحري التي جرى تشغيلها في الفترة الماضية»، وشدد على «استمرار تقديم المحطة أعلى أداء عالمي».

وافتتحت الحكومة محطة «تحيا مصر»، بميناء الإسكندرية البحري على ساحل البحر المتوسط، في يونيو (حزيران) 2023، وتتضمن ساحات تداول تبلغ نصف مليون متر مربع.

ودفعت الحكومة باستثمارات عديدة في قطاعي الموانئ والنقل البحري خلال السنوات الأخيرة لتعزيز دورها الاقتصادي بالشراكة مع القطاع الخاص الأجنبي والمحلي، وفق عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع»، وليد جاب الله، وقال إن «الحكومة المصرية تعول على استثمار موقعها الجغرافي على البحرين المتوسط والأحمر، وشريان قناة السويس، لتكون مركزاً إقليمياً لوجستياً لتداول الحاويات».

ويرى جاب الله، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الموانئ المصرية «حققت طفرة في حركة النقل البحري خلال السنوات الأخيرة، وساهمت في التحول إلى ممرات عبور للسفن، وليست فقط مناطق تخزين للحاويات»، مشيراً إلى أن «الحكومة المصرية عززت دور الموانئ عبر ربطها بطرق برية داخلية ما دعم الربط بين موانئ البحرين الأحمر والمتوسط».

ويشكل قطاع النقل البحري، أحد موارد النقد الأجنبي للحكومة المصرية، وفق الخبير الاقتصادي مصطفى بدره، وقال إن «خريطة الموانئ البحرية من أساسيات حركة الاستثمار والتوسع في قطاع الصناعة خلال الفترة الأخيرة»، مشيراً إلى أن «حركة التجارة عبر الموانئ المصرية ساهمت في زيادة حركة التصدير للخارج».

وباعتقاد بدره في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، فإن «استثمارات البنية التحتية في الموانئ المصرية جعلتها أحد الحلول والبدائل لتعويض أزمة الملاحة عبر مضيق هرمز خلال الحرب الإيرانية»، وقال إن «دول الخليج فتحت ممرات مع موانئ البحر الأحمر بمصر ومنها إلى أوروبا كأحد الرهانات التي جرى تفعيلها في المنطقة، للحد من أزمة سلاسل الإمداد خلال الأشهر الأخيرة».

وزير النقل كامل الوزير في زيارة لإحد الموانئ المصرية (وزارة النقل المصرية)

وشهدت الموانئ المصرية حراكاً الفترة الأخيرة، على وقع أزمة سلاسل الأمداد التي سببتها الحرب على إيران، بعد زيادة خطوط الربط الملاحي مع دول المنطقة، ومن بينها تدشين ممر لوجستي «نيوم-سفاجا»، المتعدد الوسائط بين دول التعاون الخليجي وأوروبا، كما عززت الحكومة من الربط بين دول التعاون الخليجي وأوروبا، عبر الخط الملاحي «الرورو» الذي يربط بين ميناء دمياط ومينا تريستا الإيطالي.

وتمتلك مصر خريطة من الموانئ البحرية، في البحرين الأحمر والمتوسط، وتستهدف تطويرها لتحسين دورها في التجارة البينية والدولية، وقالت وزارة النقل المصرية، إن «عملية تطوير جميع الموانئ المصرية تستهدف تحويل مصر إلى مركز إقليمي للنقل واللوجستيات وتجارة الترانزيت وزيادة قدرة تلك الموانئ على جذب الاستثمارات واستيعاب النمو المتزايد في حركة التجارة».