لقاءات أميركية - أممية - إقليمية لتجاوز الأزمة الليبية

مستشار ترمب من طرابلس إلى بنغازي... و«وزاري دول الجوار» في تونس

صدام حفتر مستقبلاً مسعد بولس في مقر القيادة العامة للجيش الوطني الليبي الأحد (القيادة العامة)
صدام حفتر مستقبلاً مسعد بولس في مقر القيادة العامة للجيش الوطني الليبي الأحد (القيادة العامة)
TT

لقاءات أميركية - أممية - إقليمية لتجاوز الأزمة الليبية

صدام حفتر مستقبلاً مسعد بولس في مقر القيادة العامة للجيش الوطني الليبي الأحد (القيادة العامة)
صدام حفتر مستقبلاً مسعد بولس في مقر القيادة العامة للجيش الوطني الليبي الأحد (القيادة العامة)

هيمنت الأزمة الليبية وتعقيداتها على لقاءات مسؤولين أميركيين وأمميين وإقليميين داخل البلاد وخارجها، بهدف بحث تطورات العملية السياسية وتجاوز عثرتها.

المبعوثة الأممية خلال اجتماعها مع الوفد الأميركي في مقر البعثة السبت (البعثة الأممية)

وفي اجتماعين منفصلين، بحث مسعد بولس مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع المبعوثة الأممية هانا تيتيه، ونائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، الفريق صدام حفتر، مستجدات الأوضاع السياسية في ليبيا.

وقالت البعثة الأممية الأحد إن تيتيه التقت بولس، السبت، وناقشا التطورات الاقتصادية والسياسية في ليبيا، مشيرة إلى أن المبعوثة استعرضت جهود الأمم المتحدة في تنفيذ خريطة الطريق السياسية التي قدمت إلى مجلس الأمن العام الماضي، وعملية «الحوار المُهيكل» الجارية.

وشدد الطرفان على أهمية أن تترجم الأطراف السياسية الليبية التزاماتها إلى إجراءات عملية للدفع قدماً بـ«خريطة الطريق» التي تيسّرها بعثة الأمم المتحدة من أجل إنهاء الانقسامات وإيصال البلاد إلى انتخابات وطنية، ونقلت عن بولس «استمرار دعم بلاده لجهود البعثة».

كما تبادل الجانبان، حسب البعثة الأممية، الآراء بشأن أهمية اضطلاع ليبيا بإصلاحات حاسمة لتحقيق قدر أكبر من الاستقرار سواء الاقتصادي أو المالي، وبناء ثقة المستثمرين، مشيرين إلى أن ذلك سيسهم في دعم مزيد من الازدهار للشعب الليبي.

وحضر الاجتماع نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية، كايل ليستون؛ والقائم بالأعمال في السفارة الأميركية لدى ليبيا، جيريمي برنت؛ ونائبة الممثلة الخاصة للأمين العام للشؤون السياسية في البعثة الأممية ستيفاني خوري.

وفي بنغازي، قالت القيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، الأحد، إن الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام بحث في مكتبه بمقر القيادة العامة بالرجمة مع بولس وبرنت، مستجدات الأوضاع السياسية في ليبيا، مشيرة إلى أن المباحثات تطرقت إلى «آخر المستجدات على الساحتين الدولية والإقليمية وسبل تعزيز التعاون بين البلدين، بالإضافة إلى دعم الجهود الدولية الرامية لتحقيق الاستقرار الدائم».

الدبيبة يلتقي المبعوثة الأممية في مكتبه بطرابلس الأحد (مكتب الدبيبة)

كما التقت المبعوثة الأممية في طرابلس رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، وبحثت معه التطورات السياسية في ليبيا، بما في ذلك سبل الدفع قدماً بتنفيذ خريطة الطريق التي أعلنتها في أغسطس (آب) 2025.

وقال مكتب الدبيبة إن تيتيه أطلعته على إطلاق عملية «الحوار المهيكل»، والنقاشات الجارية في مختلف المسارات. كما ناقش الجانبان القضايا الاقتصادية، بما في ذلك قمة الطاقة التي انعقدت مؤخراً، وتوقيع عدد من الاتفاقيات في قطاع النفط، وتطوير ميناء المنطقة الحرة بمصراتة.

وزير خارجية تونس مستقبلاً نظيره المصري في تونس الأحد (الخارجية المصرية)

وجاءت لقاءات تيتيه قبيل اجتماعها في تونس مع وزراء «خارجية دول الجوار»، الذي أعلنت عنه وزارة الخارجية المصرية الأحد، ويضم وزراء خارجية تونس ومصر والجزائر.

ويعمل وزراء خارجية مصر بدر عبد العاطي، والجزائر أحمد عطاف، وتونس محمد علي النفطي، ضمن «آلية التشاور الثلاثي» لحلحلة الأزمة الليبية، وذلك من خلال دعم بعثة الأمم المتحدة على المضي قدماً في تمهيد الطريق لإجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية المؤجلة في أقرب الآجال؛ بما يضمن إنهاء الانقسام الحكومي، وتوحيد المؤسسات السياسية والعسكرية.

وقالت وزارة الخارجية المصرية، الأحد، إن الاجتماع الذي يضم وزراء الخارجية الثلاثة والمبعوثة الأممية «يأتي في إطار التنسيق والتشاور بشأن مستجدات الأوضاع في ليبيا، ودعم الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار، والحفاظ على وحدة ليبيا وسيادتها وسلامة أراضيها، بما يسهم في تلبية تطلعات الشعب الليبي نحو الأمن والاستقرار والتنمية».

وكان وزراء الخارجية الثلاثة اتفقوا في اجتماعهم الأخير بالقاهرة في 21 ديسمبر (كانون الأول) 2025 «على مواصلة التنسيق والتشاور الوثيق في إطار (الآلية الثلاثية)؛ انطلاقاً من مسؤولية دول الجوار المباشر، وبما يسهم في دعم الشعب الليبي لتحقيق تطلعاته، ويعزز أمن المنطقة كلها».

وسبق أن احتضنت الجزائر اجتماعاً ثلاثياً، في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 بحضور عطاف، بالإضافة إلى عبد العاطي والنفطي، وحضّ الأطراف الليبية كافة على «تغليب المصلحة الوطنية العليا؛ بما يضمن إنهاء حالة الانقسام، تمهيداً لعقد الانتخابات الرئاسية والتشريعية».

ويعوّل ليبيون كثيرون على جلسات «الحوار المهيكل» الذي ترعاه البعثة الأممية بمساراته الثلاثة؛ بغية الاتفاق على خطوات ملموسة تتيح إجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية المؤجلة.

وأوضحت البعثة الأممية، مساء السبت، أن أعضاء «المسار الأمني»، من ممثلين لمؤسسات ليبية وفاعلين أمنيين ومنظمات مجتمع مدني من مختلف أنحاء البلاد «توصلوا إلى توافق على التوصيات بعد خمسة أيام من الحوار بتيسير أممي»، ونوهت بأن هذه التوصيات، «ستُعد فور استكمال تطويرها، مخرجاً رئيسياً لـ(الحوار المهيكل) الذي يجمع أصواتاً ليبية متنوّعة لتحديد حلول تعزّز مؤسسات الدولة، وتعالج محرّكات النزاع على المديين القصير والطويل، وتبني توافقاً حول رؤية وطنية لسلام دائم».

وقالت تيتيه إن «التحديات التي لوحظت مؤخراً خلال العمليات الانتخابية تبرز الحاجة إلى نهج أكثر تماسكاً وتوحيداً لأمن الانتخابات. ويعمل المسار الأمني بجدية على استخلاص هذه الدروس للمساعدة في منع تكرارها، وتعزيز ثقة المواطنين في الانتخابات المقبلة».

المنفي مجتمعاً مع السفير القطري لدى ليبيا الأحد (المجلس الرئاسي)

وكان رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، بحث صباح الأحد في طرابلس مع سفير قطر لدى ليبيا، خالد الدوسري «أوجه التعاون المشترك بين البلدين الشقيقين»، ونقل مكتب المنفي أنه جرى خلال اللقاء التأكيد على متانة العلاقات الثنائية وحرص القيادتين على الدفع بها نحو آفاق أرحب من الشراكة والتنسيق، بما يحقق المصالح المتبادلة، ويُعزز الاستقرار والتنمية في المنطقة.


مقالات ذات صلة

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

شمال افريقيا وحدات النخبة الليبية التابعة للجيش الوطني خلال مشاركتها في تمرين «فلينتلوك 2026» المقام بمدينة سرت (شعبة الإعلام الحربي)

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

وصف مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، الأربعاء، تمرين «فلينتلوك 2026»، الذي تستضيفه مدينة سرت الليبية، بأنه «إشارة تبعث على الأمل».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء سابق بين صدام حفتر ومسعد بولس في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

مصراتة تصعد رفضها للمبادرة الأميركية لتسوية الأزمة الليبية

تشهد مدينة مصراتة الليبية ذات الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية في غرب البلاد حالة من الرفض المتصاعد حيال ما يُتداول بشأن «مقترح أميركي» لإعادة ترتيب السلطة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جلسة مجلس الأمن بشأن ليبيا في نيويورك الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)

شكوك وتساؤلات حول جدوى القيود الأممية على تهريب النفط الليبي

أثار قرار مجلس الأمن الدولي القاضي بتمديد التدابير والقيود الخاصة بمكافحة تهريب النفط الليبي حتى أغسطس 2027 شكوكاً متجددة حول جدوى هذه الإجراءات

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي يلتقي «نخبة من الفاعلين» بالعاصمة طرابلس (المجلس الرئاسي الليبي)

المنفي وتكالة يبحثان توحيد الجهود لكسر الجمود السياسي في ليبيا

شدّد محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي ومحمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا على «أهمية توحيد الجهود الوطنية والدفع بالمسارات الدستورية والقانونية».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا صدام حفتر وعبد السلام الزوبي في سرت قبيل انطلاق تمرين «فلينتلوك» (قناة «ليبيا الحدث» المقربة من «الجيش الوطني»)

تعويل أميركي على «فلينتلوك 2026» لتحقيق التكامل العسكري بليبيا

عدّ مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي، انطلاق تدريب «فلينتلوك 2026» متعدد الجنسيات في ليبيا، خطوة مهمة للأمام في سياق العمل على توحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
TT

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)

قال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، الأربعاء، إن حكومته غير معنية بمخرجات «مؤتمر برلين» الدولي بشأن الوضع الإنساني في السودان، مؤكداً أنها لم تتلقَّ دعوة للمشاركة في المؤتمر.

وأضاف في مؤتمر صحافي بالعاصمة الخرطوم أن تغييب الحكومة السودانية «خطأ فادح» من قبل الجهات المنظمة للمؤتمر، مشيراً إلى الاحتجاجات التي نظمتها مجموعات من السودانيين في العواصم الأوروبية تعبيراً عن رفضها لتوصيات المؤتمر واستبعاد الحكومة.

وقال: «كنا نأمل أن تُقدَّم لنا الدعوة للمشاركة في مؤتمر برلين لتوضيح الحقائق كافة عن الأوضاع في السودان».

وأكد أن حكومته منفتحة على كل المبادرات وعلى الحوار مع الأطراف الإقليمية والدولية الساعية لتحقيق السلام العادل والشامل في السودان.


تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
TT

تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)

أثارت تصريحات نائب تونسي حول الاغتصاب والمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً وانتقادات واسعة، وجّهتها منظمات المجتمع المدني، وصولاً إلى اتهامه بـ«العنصرية» حيال المهاجرين.

وفي جلسة استماع وتوجيه أسئلة لوزير الداخلية، عُقدت بالبرلمان، قال النائب طارق المهدي في مداخلته عن قضية المهاجرات: «أن تُغتصب أفريقية (مهاجرة) فهذا أمر لا يحدث. التونسيات جميلات... لا ينقصنا شيء في تونس». وأضاف المهدي في تصريحات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»: «يجب أن يخرجن بأي ثمن. لقد تم تجاوز كل الخطوط الحمراء».

وتثير الهجرة من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً في تونس بشكل منتظم.

ومطلع عام 2023، ندّد الرئيس قيس سعيّد بوصول «جحافل من المهاجرين غير النظاميين»، متحدثاً عن مؤامرة «لتغيير التركيبة الديموغرافية» للبلاد.

وندد «المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية»، في بيان، الثلاثاء، بتصريحات المهدي، معتبراً أنها «عنصرية... وتمثل اعتداء صارخاً على الكرامة الإنسانية، وتبريراً خطيراً للعنف الجنسي والاغتصاب ضد النساء»، وطالب بمحاسبته.

ولاحقاً، كتب النائب على صفحته على «فيسبوك»: «إنهم يخرجون كلامي كلياً عن سياقه، والذي لا أقصد منه أي تشجيع على أي شكل من أشكال العنف، ولا على الاغتصاب. قصدت من قولي حتى ولو خانني التعبير... أن أقول إن نساءنا من أكثر النساء جمالاً وثقافة، ولا غاية لنا أن تعتدي على أي كان».

كما استنكرت «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» التصريحات، في بيان، وعدّتها «انتهاكاً خطيراً لكرامة النساء، ومساساً جوهرياً بمبادئ حقوق الإنسان».

وأكدت أن خطاب المهدي «ينطوي على عنصرية فجة، ويغذي بشكل مباشر خطاب الكراهية، والتمييز ضد المهاجرين والمهاجرات من أفريقيا جنوب الصحراء».

وتُعد تونس نقطة عبور مهمة في شمال أفريقيا لآلاف المهاجرين الوافدين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، والذين يسعون للوصول بشكل غير قانوني إلى أوروبا من طريق البحر.


حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
TT

حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)

في وقت تتواصل فيه الجهود الإقليمية والدولية من أجل إنهاء الحرب في السودان التي دخلت، الأربعاء، عامها الرابع، فإنه لا تلوح في الأفق أي مؤشرات على وجود رغبة لدى أطرافها للتوصل إلى حل سلمي متفاوض عليه لإيقاف القتال، وسط أزمة إنسانية تزداد تفاقماً يوماً بعد يوم.

ومنذ تفجرت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في صبيحة 15 أبريل (نيسان) 2023، راهن كل طرف على توجيه ضربات سريعة خاطفة للخصم، لا تتجاوز مدتها أياماً، أو بضعة أسابيع على الأكثر، لحسم المعركة، والقضاء على الطرف الآخر. لكن البلاد تقترب الآن أكثر فأكثر من سيناريو الانقسام إلى دولتين بعد عام من إعلان حكومة موازية في مناطق سيطرة «الدعم السريع» في غرب البلاد.

وُصفت الحرب المتصاعدة في السودان على مدى ثلاث سنوات دونما انقطاع بأنها الأكثر «عنفاً ودموية» في تاريخ حروب المدن؛ وحسب تقارير أممية موثقة، فإن المدنيين الأبرياء كانوا ولا يزالون أكبر ضحية لهذا النزاع، إذ دفعوا أثماناً باهظة جرَّاءه.

مساعي الوساطة

وبعد أسابيع قليلة على اندلاع الحرب، استضافت مدينة جدة، بمبادرة سعودية-أميركية، محادثات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في مايو (أيار) أفضت إلى توقيع ما عُرف بـ«إعلان جدة الإنساني»، ونص على حماية المدنيين، والمرافق الخاصة، والعامة، والامتناع عن استخدامها لأغراض عسكرية، لكن الطرفين لم يلتزما بما اتُفق عليه.

نازحون سودانيون في تشاد ينتظرون مساعدات غذائية من برنامج الأغذية العالمية (أرشيفية - رويترز)

كما فشلت لاحقاً جولة ثانية عقدت في جدة في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، بيد أنها واجهت تعنتاً من طرفي الصراع، وانسحب على أثرها «الجيش السوداني» من المفاوضات، ما دفع الوساطة السعودية-الأميركية إلى تعليقها، ولاحقته الاتهامات بعدم الجدية في وقف الحرب.

ولم يقف القتال عند العاصمة الخرطوم، بل تمدد لولايات جديدة لم تكن جزءاً من الحرب. وخلال الأشهر الستة الأولى، دخلت «قوات الدعم السريع» ولايتي الجزيرة، والنيل الأبيض في وسط البلاد، في وقت كان الجيش يتراجع عسكرياً قبل أن يستعيد زمام المبادرة على الأرض بعد أكثر من عام، ويسترد تلك الولايات في يناير (كانون الثاني) 2024.

مآسٍ وأوضاع إنسانية قاسية

أسفرت الحرب عن عشرات آلاف القتلى. وفي حين لم تتّضح الحصيلة الفعلية للصراع، تفيد تقديرات بأنها قد تصل إلى «150 ألفاً»، كما أدت إلى نزوح أكثر من 10 ملايين شخص داخل السودان، أو لجوئهم إلى البلدان المجاورة، بحسب أرقام الأمم المتحدة.

وعاش السودانيون طوال السنوات الثلاث الماضية أوضاعاً إنسانية قاسية جراء انتقال الحرب إلى أنحاء واسعة من البلاد، واستمروا في النزوح دون توقف مع وصول الحرب إلى إقليمي دارفور، وكردفان بغرب البلاد، وتشير التقارير الأممية إلى أن نحو 33 مليون سوداني يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وفي العام الماضي، تمكنت «قوات الدعم السريع» من السيطرة الكاملة على إقليم دارفور بعد سقوط مدينة الفاشر عاصمة شمال الإقليم، وتمددت في أجزاء واسعة من ولايات غرب وجنوب كردفان وسط غرب، بينما تواصل قواتها التقدم في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد.

وأدت الحرب إلى أزمة إنسانية وصفتها الأمم المتحدة بـ«أسوأ كارثة نزوح في العالم»، كما أفرزت حالة من الاستقطاب القبلي والإثني الحاد، أثارت مخاوف من تحولها إلى حرب أهلية.

سودانية تنتظر هي وأطفال للحصول على الماء في مخيم للنازحين بشرق تشاد يوم الثامن من أبريل 2026 (د.ب.أ)

وتشدد كل المبادرات الإقليمية والدولية، وأحدثها خريطة طريق رسمتها الرباعية الدولية التي تضم الولايات المتحدة، والسعودية، والإمارات، ومصر، على أنه لا يوجد حل عسكري للصراع في السودان، داعية أطراف القتال إلى هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تتطور إلى وقف دائم لإطلاق النار، تمهيداً لعملية انتقال شاملة وشفافة تستغرق تسعة أشهر، وتنتهي بتشكيل حكومة مدنية لا تخضع لسيطرة أي طرف مسلح.

ورغم الضغوط التي مارستها الإدارة الأميركية بفرض عقوبات مشددة على قادة عسكريين، ومؤسسات تابعة للجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فإنها لم تجد استجابة من الطرفين للدخول في مفاوضات.

«حرب متوحشة»

ومنذ وقت باكر، سعت القوى المدنية والسياسية في تحالف «قوى الحرية والتغيير» سابقاً، (تحالف «صمود» حالياً)، للتواصل مع قيادات الجيش و«الدعم السريع» من أجل الوصول إلى وقف الحرب، وتجنب تمددها في كل البلاد.

وفي ذكرى اندلاع الحرب، قال «التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة»، المعروف اختصاراً بـ«صمود»، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك: «إن إصرار قيادات الجيش السوداني و(قوات الدعم السريع) على مواصلة هذه الحرب المتوحشة، والعبث بأرواح وممتلكات السودانيين خلَّف أسوأ وأكبر كارثة إنسانية على مستوى العالم».

وأكد التحالف، في بيان على «فيسبوك»، الحاجة الملحة لوقف فوري للحرب، والأعمال العدائية دون قيد، أو شرط، لتيسير وصول المساعدات الإنسانية إلى نحو 33 مليون شخص، أي نحو ثلث سكان البلاد، يعانون نقصاً حاداً في الغذاء.

وحذر التحالف من استمرار عسكرة الفضاء المدني الذي قال إنه تسبب في انقسام مجتمعي حاد في كل أنحاء البلاد، مشدداً على أنه لا وجود لحل عسكري للنزاع الذي طال أمده.