مصرع الحداد يستحضر إرث أزمات الطيران الليبي منذ سقوط القذافي

انتقادات لاستمرار الاعتماد على شركات أجنبية في تنقلات رسمية حساسة

من مراسم تشييع الحداد وقادة عسكريين في مدينة مصراتة الليبية (بلدية مصراتة)
من مراسم تشييع الحداد وقادة عسكريين في مدينة مصراتة الليبية (بلدية مصراتة)
TT

مصرع الحداد يستحضر إرث أزمات الطيران الليبي منذ سقوط القذافي

من مراسم تشييع الحداد وقادة عسكريين في مدينة مصراتة الليبية (بلدية مصراتة)
من مراسم تشييع الحداد وقادة عسكريين في مدينة مصراتة الليبية (بلدية مصراتة)

أعاد حادث سقوط طائرة «فالكون 50» الذي أودى بحياة المشير محمد الحداد رئيس أركان القوات التابعة لحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، وعدد من القيادات العسكرية الأسبوع الماضي، إلى دائرة النقاش ملف إرث الأزمات المتراكمة التي يعاني منها قطاع الطيران في ليبيا منذ سقوط نظام الرئيس السابق معمر القذافي.

علامات استفهام كثيرة

أثار هذا الحادث تساؤلات كثيرة، لا سيما في ظل سفر مسؤول عسكري رفيع المستوى على متن طائرة فرنسية مستأجرة من شركة يوجد مقرها في مالطا، ما سلط الضوء على مشكلات وتعقيدات إدارية وأمنية طالما أحاطت بإدارة الطيران المدني في البلاد منذ سنوات، خاصة في ظل تدهور متوارث في البنية المؤسسية، واستمرار الاعتماد على شركات أجنبية في تنقلات رسمية حساسة، رغم توفر موارد مالية كبيرة من عائدات النفط.

علامات الاستفهام هذه طرحها الباحث الأكاديمي في الدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد مطيريد، لكن تحديداً «بشأن أوضاع شركات الطيران الحكومية، من حيث عدد الطائرات الصالحة للخدمة، وإجراءات حماية كبار المسؤولين خلال تنقلاتهم الخارجية، باعتبارها جزءاً من صورة الدولة وسيادتها».

الحداد في اجتماع قادة عسكريين ليبيين قبل سقوط طائرته في تركيا (رئاسة الأركان في غرب ليبيا)

ويستحضر مطيريد في حديثه لـ«الشرق الأوسط» حجم الخسائر التي تكبدها قطاع الطيران المدني منذ إسقاط نظام القذافي، مؤكداً أنه «كان من أكثر القطاعات تضرراً جراء الصراعات السياسية والاضطرابات الأمنية، التي شهدتها البلاد بين عامي 2011 ومنتصف عام 2020، وهو ما ساهم في تقلص حاد للأسطول الجوي العامل بالبلاد».

وذكر مطيريد أن تدمير وحرق مطار طرابلس الدولي منتصف عام 2014 شكّل «ضربة قاسية» لهذا القطاع، بعدما أفضى إلى تدمير نحو 90 في المائة من أسطول الشركتين الحكوميتين، باستثناء الطائرات التي كانت خارج البلاد في مهام تشغيلية، أو لأغراض الصيانة.

أعاد سقوط طائرة «فالكون 50» الذي أودى بحياة الحداد إلى دائرة نقاش ملف إرث الأزمات المتراكمة التي يعاني منها قطاع الطيران في ليبيا (أ.ب)

وتوجد في ليبيا شركتان حكوميتان، هما: «الخطوط الجوية الليبية»، التي تجاوزت ستين عاماً على تأسيسها، و«الخطوط الأفريقية»، التي تأسست عام 2007، إلى جانب عدد محدود من شركات الطيران الخاصة، مثل «البراق» و«أويا» و«سكاي ليبيا»، و«الأجنحة الليبية»، و«برنيق»، و«غدامس».

أزمات متفاقمة

تفاقمت أزمات الطيران الليبي، بحسب مطيريد، مع فرض دول الاتحاد الأوروبي حظراً على الطيران الليبي، ما فاقم من عزلة القطاع، محدداً الوجهات المتاحة في الأردن وتونس وتركيا ومصر والسعودية وإيطاليا، وهو ما أسفر عن أضرار جسيمة للطيران والاقتصاد الوطني.

وأرجع الباحث الليبي هذه الأزمة جزئياً إلى «الانقسام السياسي بين شرق البلاد وغربها، حيث أدى غياب مركزية القرار إلى عدم طرح خطط لإعادة تأهيل الناقل الوطني، سواء بشراء طائرات جديدة، أو صيانة المتبقي من الأسطول، فضلاً عن ضعف الرقابة وتراكم الديون، واتساع الفجوة بين المصروفات والإيرادات، خاصة في ظل التوسع بالتعيينات».

طائرة تابعة للخطوط الجوية الليبية (الصفحة الرسمية للشركة)

وتعيش ليبيا ازدواجية في السلطة بين حكومة «الوحدة» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في غرب البلاد، وحكومة «الاستقرار» المكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد التي تدير المنطقة الشرقية وبعض مدن الجنوب، والمدعومة من قائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر.

ويرى مراقبون أن ضعف تعويض التراجع في قطاع الطيران المدني الليبي يعود إلى التجاذبات الأمنية في الغرب، وسيطرة ميليشيا ما تعرف بـ«جهاز الردع» على مطار معيتيقة، بينما اكتفى المسؤولون في شرق البلاد بالاعتماد على شركات طيران خاصة، وطائرات مستأجرة في رحلاتهم الخارجية، نتيجة الاعتراف الدولي المحدود، وتركيزهم على مشاريع إعادة الإعمار.

نموذج من إحدى الطائرات التابعة للخطوط الجوية الليبية (الشرق الأوسط)

لكن رغم تراكم الأزمات، التي تثقل كاهل قطاع الطيران الليبي، فقد عبّر مدير «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية»، الشريف عبد الله، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عن الاستغراب من «عدم تخصيص طائرة تابعة لرئاسة الأركان لنقل قياداتها، والاكتفاء بالاعتماد على طائرات مستأجرة من شركات أجنبية، رغم توفر طائرات تُستخدم من قبل المجلس الرئاسي، أو حكومة الوحدة لنقل الوفود العسكرية الرفيعة». ولفت إلى أنه «كان من الممكن، على أقل تقدير، اللجوء إلى شركات ليبية خاصة معروفة بنقل كبار الشخصيات، بما يوفّر قدراً أكبر من الانضباط والرقابة».

بدوره، تساءل الخبير في النقل الجوي، محمد عيسى، عن أسباب عدم إعادة تفعيل الطائرات المسجّلة باسم الدولة، والمركونة منذ سنوات في مطارات أوروبية، معتبراً أن «وضع مصير كبار المسؤولين «في عهدة طائرات مستأجرة من شركات أجنبية يثير تساؤلات جدية، في ظل غياب معلومات واضحة حول خلفيات تلك الشركات، أو سجلها الفني والتشغيلي».

في السياق ذاته، وصف الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، جلال حرشاوي، ترتيبات تنقّل كبار السياسيين والضباط العسكريين خلال السنوات الأخيرة بأنها «غير منتظمة وغير كافية»، مذكّراً بأن «فريق خبراء الأمم المتحدة انتقد عام 2023 نقل المشير خليفة حفتر بطائرة خاصة، باعتبار ذلك خرقاً لحظر السلاح». وأوضح حرشاوي أن «التعقيد القانوني، وسوء إدارة المال العام انعكسا سلباً على ترتيبات سفر كبار المسؤولين».

وقدّر تقرير لهيئة الرقابة الإدارية قبل عام إجمالي ديون «الخطوط الليبية» بنحو 1.12 مليار دينار، مع تراجع عدد الطائرات قيد الخدمة من 24 طائرة عام 2011 إلى ثلاث طائرات فقط، نتيجة تداعيات حربي عامي 2014 و2019.

دعوات لإنقاذ الطيران الحكومي

على وقع حادث سقوط طائرة الحداد ورفاقه من القادة العسكريين الليبيين، تجددت الدعوات إلى حلول عاجلة لإنقاذ الطيران الحكومي باعتباره رمزاً سيادياً، علماً بأن حكومة «الوحدة» سبق أن أعلنت قبل عام عن إطلاق شركة طيران جديدة، تهدف إلى معالجة أوضاع شركات الطيران الحالية.

عانى قطاع الطيران في ليبيا مشكلات كثيرة منذ سقوط نظام الرئيس السابق معمر القذافي (متداولة)

وفي هذا السياق، دعا الوكيل السابق لوزارة الخارجية بالحكومة الليبية المؤقتة، حسن الصغير، إلى «وضع خطة عاجلة لإنقاذ الخطوط الجوية الليبية، وعدم التعامل معها بمنطق الربح التجاري فقط»، بينما ذهب مدير «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية»، إلى الحديث عن ضرورة وجود أسطول جوي كبير للدولة الليبية، يراعي البعد الاقتصادي، وقلة عدد السكان مقارنة بدول الجوار».


مقالات ذات صلة

ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

شمال افريقيا مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)

ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

أفادت جمعية الهلال الأحمر الليبي ومصادر أمنية، الأربعاء، بانتشال ما لا يقل عن 17 جثة ​لمهاجرين وفقدان تسعة آخرين فيما تم إنقاذ سبعة بعد تعطل قاربهم وسط البحر.

«الشرق الأوسط» (بنغازي)
شمال افريقيا الفريق الليبي المصغر أكد ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم عبر صناديق الاقتراع (المفوضية)

الفريق الليبي المصغر يتفق على إعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات

عقد الفريق الليبي المصغر، المعني بمناقشة الخطوتين الأوليين من خريطة الطريق الأممية، اليوم الأربعاء في روما، أول اجتماعاته تحت رعاية بعثة الأممية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا تيتيه في اجتماع مع نساء ليبيات خلال إحياء اليوم الوطني للمرأة الليبية الأحد الماضي (البعثة الأممية)

«حوار مهيكل» و«مجموعة مصغرة»... هل تكسر المساعي الأممية جمود الأزمة الليبية؟

تسارع بعثة الأمم المتحدة إيقاع تحركاتها على مسارين متوازيين في محاولة لكسر حالة الجمود السياسي التي تخيم على ليبيا منذ سنوات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)

ساركوزي ينفي تجاوبه مع القذافي لتسوية ملف السنوسي القضائي

نفى الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، خلال محاكمته، أن يكون قد تجاوب مع طلب الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي بتسوية الملف القضائي لعبد الله السنوسي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)

ليبيون يترقبون بتوجس ارتدادات العنف في مالي

يترقب ليبيون، باهتمام متزايد، تطورات تصاعد أعمال العنف في مالي، لا سيما عقب سيطرة جماعات مرتبطة بتنظيم «القاعدة» على مناطق استراتيجية.

علاء حموده (القاهرة)

الطوارق يتوعدون بإسقاط الحكم في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
TT

الطوارق يتوعدون بإسقاط الحكم في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)

توعد المتمردون الطوارق، أمس، المجلس العسكري الحاكم في مالي بـ«السقوط»، في مواجهة الهجوم الذي ينفذونه مع جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين».

وقال المتحدث باسم المتمردين الطوارق محمد المولود رمضان، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، في أثناء زيارة لباريس، إن النظام «سيسقط عاجلاً أم آجلاً. ليس لديهم حل للبقاء في السلطة... في مواجهة هجوم جبهة تحرير أزواد (شمال مالي) من جهة، وهجوم المسلحين على باماكو ومدن أخرى».

وأعلن الطوارق التوصل إلى «اتفاق» يقضي بانسحاب الجنود الروس التابعين لـ«فيلق أفريقيا» من كيدال في الشمال. وشدد رمضان على أن «هدفنا هو انسحاب الروس بشكل دائم من أزواد ومن مالي بأكملها».

إلى ذلك، تبدو باريس عاجزة عن التأثير في تطورات مالي، إذ طلبت من مواطنيها مغادرة البلد الأفريقي المضطرب من دون إبطاء. وتراقب فرنسا عن بعد ما يجري في مستعمرتها السابقة، ومع ذلك فالحكومة الفرنسية ليست مستعدة لإنقاذ النظام الذي أخرجها من مالي رغم الخوف من تمدد التمرد إلى دول في غرب أفريقيا قريبة جداً من فرنسا، مثل السنغال وساحل العاج.


ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
TT

ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)

أفادت جمعية الهلال الأحمر الليبي ومصادر أمنية، الأربعاء، بانتشال ما لا يقل عن 17 جثة ​لمهاجرين وفقدان تسعة آخرين فيما تم إنقاذ سبعة بعد تعطل قاربهم وتقطع السبل بهم وسط البحر لمدة ثمانية أيام.

وذكر الهلال الأحمر في بيان أن المتطوعين، بالتعاون مع القوات البحرية وحرس السواحل التابع للجيش الوطني ‌الليبي، نفذوا عمليات الإنقاذ ‌وانتشال الجثث قبالة ​مدينة ‌طبرق ⁠الساحلية ​الواقعة شرقي البلاد ⁠بالقرب من الحدود المصرية.

وتعد ليبيا نقطة عبور رئيسية للمهاجرين الذين ينحدر الكثير منهم من دول أفريقيا جنوب الصحراء والذين يخاطرون بحياتهم للوصول إلى أوروبا عبر الصحراء والبحر هربا من النزاعات ⁠والفقر.

وقالت المصادر الأمنية إنه من ‌المتوقع أن ‌تقذف الأمواج جثث المفقودين التسعة ​إلى الشاطئ خلال ‌الأيام القليلة القادمة.

ونشر الهلال الأحمر صورا ‌عبر الإنترنت تظهر المتطوعين وهم يضعون الجثث في أكياس بلاستيكية سوداء وينقلونها على متن سيارات «بيك آب».

وفي سياق متصل، أعلن النائب ‌العام، الثلاثاء، أن محكمة جنايات طرابلس أدانت أربعة أفراد من «عصابة ⁠إجرامية» ⁠في مدينة زوارة غربي البلاد تورطوا في تهريب البشر والاختطاف لطلب الفدية والتعذيب، وصدرت بحقهم أحكام بالسجن تصل إلى 22 عاما.

كما أمر مكتب النائب العام يوم الاثنين بالقبض على «تشكيل عصابي» قام بتفويج مهاجرين من مدينة طبرق باتجاه شمال المتوسط على متن قارب متهالك وغير آمن، مما أدى إلى ​غرق القارب ​ووفاة 38 شخصا من الجنسيات السودانية والمصرية والإثيوبية.


حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
TT

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، تتواتر تحذيرات في مصر من زيادة حجم المياه في «سد النهضة» بصورة كبيرة مما قد يتسبب في تكرار سيناريو التدفق العشوائي على دولتي المصب مصر والسودان، كما حدث العام الماضي عند فتح بوابات «السد» دون تنسيق مسبق، ما أدى لفيضانات أحدثت أضراراً بالغة.

وتحدث خبير مائي مصري لـ«الشرق الأوسط» عن أهمية أن تفتح إثيوبيا بوابات السد من الآن قبل بدء موسم الأمطار مطلع مايو (أيار)، وقبل أن تصبح الأمطار غزيرة في يوليو (تموز) ويتجدد معها خطر الفيضانات على دولتي المصب.

وتظهر صور الأقمار الاصطناعية توقف توربينات «سد النهضة» العلوية خلال الأسبوعين الأخيرين بعد تشغيل محدود من قبل، واستمرار توقف التوربينين المنخفضين منذ يونيو (حزيران) الماضي، لتظهر بحيرة «السد» بالحجم نفسه دون تغيير يذكر منذ 10 أبريل (نيسان) الحالي، بنحو 47 مليار متر مكعب عند منسوب 629 متراً فوق سطح البحر، وانخفاض 11 متراً عن أعلى منسوب 640 متراً عند افتتاح السد في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي.

ويبدأ موسم الأمطار جغرافياً في حوض النيل الأزرق في الأول من مايو؛ والبحيرة حالياً شبه ممتلئة، في حين أنه من المفترض في حالة التشغيل الجيد أن يكون بها نحو 20 مليار متر مكعب وليس 47 ملياراً، وفق تقديرات أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، عباس شراقي.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن إثيوبيا تسببت خلال أيام في أضرار بدولتي المصب نتيجة «إدارتها غير المنضبطة لسد النهضة» وتدفقات المياه غير المنتظمة التي تم تصريفها دون إخطار أو تنسيق، مؤكداً أن التوصل لاتفاق بشأن الملء والتشغيل هو السبيل الوحيد لتحقيق التوازن بين التنمية الحقيقية لدول المنبع وعدم الإضرار بدولتي المصب.

وأكدت وزارة الري وقتها أنه ثبت بالفعل قيام إثيوبيا بإدارة السد «بطريقة غير منضبطة»، ما تسبب في تصريف كميات كبيرة من المياه بشكل مفاجئ نحو دولتي المصب، وأدى إلى تضرر واضح لهما.

جانب من «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وقال شراقي: «هناك مخاوف مشروعة ومتزايدة مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، وتأثير التدفق غير المنتظم لمياه النيل على دولتي المصب، خاصة وقد رأينا حدوث فيضان كبير غير معتاد في نهاية سبتمبر أو أول أكتوبر الماضيين».

وأفاد بأن احتواء بحيرة «سد النهضة» على نحو 47 مليار متر مكعب حالياً يجعل من الضروري إحداث تفريغ لها من الآن لأن هذه كمية كبيرة جداً بالنسبة لهذا الوقت من العام، بحسب قوله.

وأوضح أن موسم الأمطار سيبدأ في الأول من مايو بأمطار خفيفة، وفي ظل امتلاء ثلثي السد تقريباً وتوقف التوربينات، فإن هناك خطورة حقيقية من حدوث تدفقات عشوائية كالعام الماضي.

وأشار إلى حدوث أضرار غير مباشرة في العام الماضي تمثلت في اضطرار مصر لفتح مفيض توشكي لتصريف كميات المياه الزائدة التي وصلت فجأة، ما أدى لضياع تلك المياه في الصحراء دون استفادة حقيقية من أي جانب.

وأضاف: «رغم الأضرار التي وقعت، فإن السد العالي حمى البلاد من الفيضان الذي أغرق مساحات كبيرة من السودان».

وأكد أهمية تحرك الحكومة الإثيوبية بالفتح الفوري لإحدى بوابات المفيض لتفريغ المياه بشكل تدريجي ومنتظم لخفض منسوب البحيرة.

واستطرد: «لو كان هناك اتفاق مع مصر والسودان لحدث تبادل للمعلومات وتفريغ تدريجي يحقق استفادة لجميع الأطراف. هذا لم يحدث حتى الآن، ولا يبدو أن النزاع له حل قريب».

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد في 2024، بعد جولات استمرت لسنوات، وذلك نتيجة لـ«غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات وزارة الري، فيما تؤكد أديس أبابا أن «السد بهدف التنمية وليس الضرر لدول المصب».

ويرى مراقبون أنه لا جديد بشأن نزاع السد بين الدول الثلاث.