أبعاد أمنية واقتصادية تعزز التعاون في الصناعات الدفاعية بين مصر وتركيا

خبراء عدّوه «تتويجاً لتقارب البلدين»

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال نظيره التركي رجب طيب إردوغان بالقاهرة في فبراير 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال نظيره التركي رجب طيب إردوغان بالقاهرة في فبراير 2024 (الرئاسة المصرية)
TT

أبعاد أمنية واقتصادية تعزز التعاون في الصناعات الدفاعية بين مصر وتركيا

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال نظيره التركي رجب طيب إردوغان بالقاهرة في فبراير 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقبال نظيره التركي رجب طيب إردوغان بالقاهرة في فبراير 2024 (الرئاسة المصرية)

في وقت تتسارع فيه وتيرة التعاون بين مصر وتركيا في مجال الصناعات الدفاعية والعسكرية، أكد خبراء أن «هناك أبعاداً لهذا التعاون تتعلق بتحقيق توازن في القوى بالمنطقة، ووقف التهديدات التي باتت وجودية على دول الشرق الأوسط خلال العامين الماضيين». وأضافوا: «كما له أبعاد اقتصادية تتعلق بخفض تكلفة التسليح لقوات الدولتين، فضلاً عن السعي لتحقيق تقدم في تلك الصناعة ومنافسة الدول المتقدمة فيها».

وكانت شركة «أسيلسان التركية»، إحدى أبرز شركات الصناعات الدفاعية في العالم، أعلنت أخيراً افتتاح مكتب تمثيلي إقليمي لها في مصر تحت اسم «Aselsan Egypt» لـ«تعزيز التعاون المشترك مع مصر والشركاء»، بحسب ما قال المدير العام للشركة، أحمد أكيول، بعد مشاركة شركة الصناعات الدفاعية في معرض الدفاع المصري «إيديكس 2025» في القاهرة، الذي شارك فيه نحو 80 شركة تركية؛ إذ وصف الخطوة بأنها «فصل جديد» في خدمة الشركاء المصريين مباشرة، مع وجود فيزيائي دائم في البلاد.

ووفق أكيول، يهدف «المكتب» إلى «تسهيل تقديم الخدمات والدعم الفني للقوات المسلحة المصرية والعملاء المحليين، مع التركيز على تطوير وإنتاج أنظمة دفاعية مشتركة تستفيد من خبرات (أسيلسان) في الإلكترونيات العسكرية والقدرات التصنيعية المصرية المتقدمة». وأكد أكيول أن «التعاون يشمل توقيع اتفاقيات أولية مع ثلاث شركات مصرية، بهدف تحولها إلى إنتاج مشترك وأنشطة تعاونية طويلة الأمد، مع الإعلان الرسمي عن المنتجات الدفاعية المشتركة خلال النسخة المقبلة من معرض (إيديكس 2027)».

عضو «معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع»، اللواء السابق في الجيش المصري، ياسر هاشم، قال إن «مسألة تغيير موازين القوى لها معايير واعتبارات معقدة، وتحتاج لوقت، وترتبط أساساً بالتوجه والهدف الاستراتيجي للدولة، وكذا الجبهات والعدائيات المتوقعة والمفترضة. والسياسة المصرية بصفة عامة استقرت على تنويع الشراكات مع دول متعددة، سواء كانت في مجالات تصنيع السلاح أو الصفقات، مثل كوريا الجنوبية وفرنسا وألمانيا والصين وصربيا، وأخيراً تركيا. والهدف ليس سعياً للتأثير في موازين القوى فقط، بل هناك أيضاً بعد اقتصادي مهم سواء لخفض تكاليف التسليح أو لفتح أسواق، فضلاً عن تلبية احتياجات القوات المسلحة المصرية».

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «مسار التحديث الجاري في معظم اتجاهات الدفاع المصري، هو مسار ضروري لمواكبة التطور السريع الحادث في التسليح والصناعات الدفاعية بالمنطقة والعالم، كذلك تعميق صناعات الدفاع في مصر وتنويعها والاستفادة من وجود صناعات أساسية وصناعات تكميلية، سواء في القطاع الحكومي أو الخاص أو المشترك، يمكن أن تدعم هذا الاتجاه».

وشهد التعاون العسكري بين مصر وتركيا تطوراً ملحوظاً منذ 2023 مع عودة العلاقات الدبلوماسية الكاملة وتبادل الزيارات الرئاسية، مما انعكس على مجال الصناعات الدفاعية. ويأتي افتتاح «مكتب أسيلسان» في مصر ضمن مشاركة تركية قوية في معرض الدفاع المصري «إيديكس 2025». وبحسب بيان للشركة أخيراً، فإن «(أسيلسان) تسعى للانتقال من التصدير إلى الإنتاج المشترك، مستفيدة من القدرات التصنيعية المصرية المتقدمة في (الهيئة العربية للتصنيع) وغيرها».

الأكاديمي والباحث المصري في العلاقات الدولية، بشير عبد الفتاح، يرى أن «هذا التعاون في مجال الصناعات الدفاعية، هو تتويج لعملية التقارب الكبيرة والملحوظة التي حدثت بين مصر وتركيا خلال العامين الماضيين، وهناك مشروعات مشتركة لإنتاج منظومات دفاعية متنوعة وصلت لمستوى التعاون من أجل إنتاج طائرة مقاتلة، إلى جانب منظومات دفاع جوي مسيّرات مما يعزز التقارب على المستوى الاستراتيجي».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «من شأن ذلك أن يحدث تأثيراً مهماً في موازين القوى الإقليمية؛ إذ يمكن للبلدين التحول إلى مركز للتصنيع العسكري المشترك والتسليح والتسويق لذلك عربياً وأفريقياً، كما أنه سيزيد الاستقلال الاستراتيجي في مجال إنتاج الأسلحة المتطورة، مما يزيد من قوة واستقلال القرار الاستراتيجي للبلدين بشأن القضايا المثارة على الساحة، ويقلص الفجوة العسكرية والتسليحية بينهما وبين إسرائيل».

وشدد عبد الفتاح على أن «هذا التعاون الدفاعي والعسكري بين القاهرة وأنقرة لا أعتقد أنه يقلق الولايات المتحدة ولا الدول الأوروبية؛ لأنه لا يزال في بداياته، ولا يشكل تهديداً أو خللاً عميقاً في موازين القوى في الوقت الراهن، فهذا التعاون ما زال في مهده، ويتطور بشكل تدريجي وبطيء ومحسوب أيضاً، وبالتالي لا غضاضة فيه بالنسبة للدول الغربية؛ لأن تركيا أيضاً عضو في حلف (الناتو)، كما أن الأمر لا يشكل تهديداً مباشراً لإسرائيل حتى الآن».

العلاقات المصرية - التركية شهدت تطوراً كبيراً خلال العامين الماضيين (الرئاسة المصرية)

وقبل أيام حذر إعلام عبري من «التعاون العسكري بين مصر وتركيا في مجال تصنيع الطائرة الشبحية (KAAN)»، ما يهدد «التفوق الجوي الإسرائيلي مستقبلاً»، بحسب وصف صحيفة «معاريف» الإسرائيلية.

المستشار السابق في رئاسة الوزراء التركية، جاهد توز، قال إنه «لا شك أن مصر وتركيا قوتان مهمتان في المنطقة بالنظر لحجمهما ومقوماتهما وتأثيرهما في محيطهما، وبالنظر أيضاً لموقعيهما وقوتيهما العسكريتين، وغيرها من المقومات الاقتصادية والسياسية، كما أن بين الدولتين تاريخاً مشتركاً لفترة طويلة، وأي قضية أو ملف متعلق بمصر أو تركيا يؤثر سلباً أو إيجاباً على المنطقة». وأوضح: «لا شك أن هناك تغييرات جذرية حدثت الفترة الماضية على مستوى العالم وعلى مستوى الإقليم، وتحديداً بعد 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023»، فالتأثير ليس محدوداً ولا يتعلق فقط بقضية فلسطين أو غزة. لكن حسب تصريحات صُناع القرار في إسرائيل، فقد تحدثوا كثيراً بعد هذا التاريخ عن «تغيير الجغرافيا وتغيير حدود الدول في منطقة الشرق الأوسط، وهذا يشكل تهديداً للأمن القومي في المنطقة ككل».

وتوز، وهو مستشار سابق أيضاً في «الخارجية التركية»، أضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «مصر تحديداً دولة جارة للأراضي المحتلة من طرف الكيان الإسرائيلي، وهذا الكيان من المعروف والمعلن أن له أجندات خاصة تجاه مصر، ويبذل قصارى جهده لتنفيذ هذه الأجندات، ويحاول جاهداً إثارة القلاقل ودفع الأزمات نحو الأراضي المصرية، فضلاً عن قصفه لدول المنطقة من لبنان وسوريا... ومن ثم تبحث دول المنطقة، ومن بينها مصر وتركيا، عن عمل شراكات وكيانات مشتركة لمواجهة هذه التهديدات، وفي مقابل ذلك تغاضت الدولتان عما كان بينهما من توترات سابقة؛ لأن التهديد أصبح وجودياً، وانتقل الأمر من (تطبيع العلاقات) بين القاهرة وأنقرة إلى (تطوير العلاقات)، وأصبحت هناك مشروعات مشتركة بين الجانبين، خاصة في الجانب الدفاعي والعسكري الذي قطعت فيه تركيا شوطاً كبيراً، كما أن مصر لها ثقلها العسكري، وبإمكان الطرفين إحداث طفرة في هذا الملف، فضلاً عن التعاون التجاري والاستثماري، مما يؤثر إيجاباً على المنطقة، ويضع حداً للتهديدات».


مقالات ذات صلة

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

شمال افريقيا «سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

بدأت أصوات في مصر تحذر من اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، الذي سيزيد من حجم المياه في «سد النهضة» بصورة كبيرة مع احتمال تكرار سيناريو التدفق العشوائي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)

تقلبات الدولار تُربك الأسواق المصرية

أربكت تقلبات الدولار أمام الجنيه الأسواق المصرية بعدما كسرت العملة الأميركية حاجز 53 جنيهاً مجدداً خلال تعاملات الأربعاء.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
العالم العربي وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، أثارت حالة من الغضب في إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
خاص أطفال يجلبون مياه الشرب في مخيم بريج للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

خاص مصدر مصري لـ«الشرق الأوسط»: قائد قوات الاستقرار الدولية سيشارك بمحادثات غزة

تستضيف مصر جولة جديدة من المفاوضات بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، من المزمع أن تنطلق الخميس، وسط عقبات وتحديات عديدة.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا تراجع في مؤشرات البطالة بمصر لا يُمحي قلقاً من تداعيات الحرب الإيرانية على الاقتصاد (الشرق الأوسط)

تراجع مؤشرات البطالة في مصر يُظهر تنوع سوق العمل

انخفضت معدلات البطالة في مصر خلال عام 2025 لتصل إلى 6.3 في المائة، مقارنة مع 6.6 في العام الذي سبقه، ما يظهر تنوعاً في سوق العمل، بحسب نقابي عُمالي.

أحمد جمال (القاهرة)

الطوارق يتوعدون بإسقاط الحكم في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
TT

الطوارق يتوعدون بإسقاط الحكم في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)

توعد المتمردون الطوارق، أمس، المجلس العسكري الحاكم في مالي بـ«السقوط»، في مواجهة الهجوم الذي ينفذونه مع جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين».

وقال المتحدث باسم المتمردين الطوارق محمد المولود رمضان، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، في أثناء زيارة لباريس، إن النظام «سيسقط عاجلاً أم آجلاً. ليس لديهم حل للبقاء في السلطة... في مواجهة هجوم جبهة تحرير أزواد (شمال مالي) من جهة، وهجوم المسلحين على باماكو ومدن أخرى».

وأعلن الطوارق التوصل إلى «اتفاق» يقضي بانسحاب الجنود الروس التابعين لـ«فيلق أفريقيا» من كيدال في الشمال. وشدد رمضان على أن «هدفنا هو انسحاب الروس بشكل دائم من أزواد ومن مالي بأكملها».

إلى ذلك، تبدو باريس عاجزة عن التأثير في تطورات مالي، إذ طلبت من مواطنيها مغادرة البلد الأفريقي المضطرب من دون إبطاء. وتراقب فرنسا عن بعد ما يجري في مستعمرتها السابقة، ومع ذلك فالحكومة الفرنسية ليست مستعدة لإنقاذ النظام الذي أخرجها من مالي رغم الخوف من تمدد التمرد إلى دول في غرب أفريقيا قريبة جداً من فرنسا، مثل السنغال وساحل العاج.


ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
TT

ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)

أفادت جمعية الهلال الأحمر الليبي ومصادر أمنية، الأربعاء، بانتشال ما لا يقل عن 17 جثة ​لمهاجرين وفقدان تسعة آخرين فيما تم إنقاذ سبعة بعد تعطل قاربهم وتقطع السبل بهم وسط البحر لمدة ثمانية أيام.

وذكر الهلال الأحمر في بيان أن المتطوعين، بالتعاون مع القوات البحرية وحرس السواحل التابع للجيش الوطني ‌الليبي، نفذوا عمليات الإنقاذ ‌وانتشال الجثث قبالة ​مدينة ‌طبرق ⁠الساحلية ​الواقعة شرقي البلاد ⁠بالقرب من الحدود المصرية.

وتعد ليبيا نقطة عبور رئيسية للمهاجرين الذين ينحدر الكثير منهم من دول أفريقيا جنوب الصحراء والذين يخاطرون بحياتهم للوصول إلى أوروبا عبر الصحراء والبحر هربا من النزاعات ⁠والفقر.

وقالت المصادر الأمنية إنه من ‌المتوقع أن ‌تقذف الأمواج جثث المفقودين التسعة ​إلى الشاطئ خلال ‌الأيام القليلة القادمة.

ونشر الهلال الأحمر صورا ‌عبر الإنترنت تظهر المتطوعين وهم يضعون الجثث في أكياس بلاستيكية سوداء وينقلونها على متن سيارات «بيك آب».

وفي سياق متصل، أعلن النائب ‌العام، الثلاثاء، أن محكمة جنايات طرابلس أدانت أربعة أفراد من «عصابة ⁠إجرامية» ⁠في مدينة زوارة غربي البلاد تورطوا في تهريب البشر والاختطاف لطلب الفدية والتعذيب، وصدرت بحقهم أحكام بالسجن تصل إلى 22 عاما.

كما أمر مكتب النائب العام يوم الاثنين بالقبض على «تشكيل عصابي» قام بتفويج مهاجرين من مدينة طبرق باتجاه شمال المتوسط على متن قارب متهالك وغير آمن، مما أدى إلى ​غرق القارب ​ووفاة 38 شخصا من الجنسيات السودانية والمصرية والإثيوبية.


حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
TT

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، تتواتر تحذيرات في مصر من زيادة حجم المياه في «سد النهضة» بصورة كبيرة مما قد يتسبب في تكرار سيناريو التدفق العشوائي على دولتي المصب مصر والسودان، كما حدث العام الماضي عند فتح بوابات «السد» دون تنسيق مسبق، ما أدى لفيضانات أحدثت أضراراً بالغة.

وتحدث خبير مائي مصري لـ«الشرق الأوسط» عن أهمية أن تفتح إثيوبيا بوابات السد من الآن قبل بدء موسم الأمطار مطلع مايو (أيار)، وقبل أن تصبح الأمطار غزيرة في يوليو (تموز) ويتجدد معها خطر الفيضانات على دولتي المصب.

وتظهر صور الأقمار الاصطناعية توقف توربينات «سد النهضة» العلوية خلال الأسبوعين الأخيرين بعد تشغيل محدود من قبل، واستمرار توقف التوربينين المنخفضين منذ يونيو (حزيران) الماضي، لتظهر بحيرة «السد» بالحجم نفسه دون تغيير يذكر منذ 10 أبريل (نيسان) الحالي، بنحو 47 مليار متر مكعب عند منسوب 629 متراً فوق سطح البحر، وانخفاض 11 متراً عن أعلى منسوب 640 متراً عند افتتاح السد في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي.

ويبدأ موسم الأمطار جغرافياً في حوض النيل الأزرق في الأول من مايو؛ والبحيرة حالياً شبه ممتلئة، في حين أنه من المفترض في حالة التشغيل الجيد أن يكون بها نحو 20 مليار متر مكعب وليس 47 ملياراً، وفق تقديرات أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، عباس شراقي.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن إثيوبيا تسببت خلال أيام في أضرار بدولتي المصب نتيجة «إدارتها غير المنضبطة لسد النهضة» وتدفقات المياه غير المنتظمة التي تم تصريفها دون إخطار أو تنسيق، مؤكداً أن التوصل لاتفاق بشأن الملء والتشغيل هو السبيل الوحيد لتحقيق التوازن بين التنمية الحقيقية لدول المنبع وعدم الإضرار بدولتي المصب.

وأكدت وزارة الري وقتها أنه ثبت بالفعل قيام إثيوبيا بإدارة السد «بطريقة غير منضبطة»، ما تسبب في تصريف كميات كبيرة من المياه بشكل مفاجئ نحو دولتي المصب، وأدى إلى تضرر واضح لهما.

جانب من «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وقال شراقي: «هناك مخاوف مشروعة ومتزايدة مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، وتأثير التدفق غير المنتظم لمياه النيل على دولتي المصب، خاصة وقد رأينا حدوث فيضان كبير غير معتاد في نهاية سبتمبر أو أول أكتوبر الماضيين».

وأفاد بأن احتواء بحيرة «سد النهضة» على نحو 47 مليار متر مكعب حالياً يجعل من الضروري إحداث تفريغ لها من الآن لأن هذه كمية كبيرة جداً بالنسبة لهذا الوقت من العام، بحسب قوله.

وأوضح أن موسم الأمطار سيبدأ في الأول من مايو بأمطار خفيفة، وفي ظل امتلاء ثلثي السد تقريباً وتوقف التوربينات، فإن هناك خطورة حقيقية من حدوث تدفقات عشوائية كالعام الماضي.

وأشار إلى حدوث أضرار غير مباشرة في العام الماضي تمثلت في اضطرار مصر لفتح مفيض توشكي لتصريف كميات المياه الزائدة التي وصلت فجأة، ما أدى لضياع تلك المياه في الصحراء دون استفادة حقيقية من أي جانب.

وأضاف: «رغم الأضرار التي وقعت، فإن السد العالي حمى البلاد من الفيضان الذي أغرق مساحات كبيرة من السودان».

وأكد أهمية تحرك الحكومة الإثيوبية بالفتح الفوري لإحدى بوابات المفيض لتفريغ المياه بشكل تدريجي ومنتظم لخفض منسوب البحيرة.

واستطرد: «لو كان هناك اتفاق مع مصر والسودان لحدث تبادل للمعلومات وتفريغ تدريجي يحقق استفادة لجميع الأطراف. هذا لم يحدث حتى الآن، ولا يبدو أن النزاع له حل قريب».

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد في 2024، بعد جولات استمرت لسنوات، وذلك نتيجة لـ«غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات وزارة الري، فيما تؤكد أديس أبابا أن «السد بهدف التنمية وليس الضرر لدول المصب».

ويرى مراقبون أنه لا جديد بشأن نزاع السد بين الدول الثلاث.