مصر تفتتح «المتحف الكبير» في حفل «أسطوري» بمشاركة 79 وفداً رسمياً

السيسي أكد أن السلام هو الطريق الوحيد لبناء الحضارات

جانب من حفل افتتاح المتحف الكبير بمصر (من فيديو حفل الافتتاح)
جانب من حفل افتتاح المتحف الكبير بمصر (من فيديو حفل الافتتاح)
TT

مصر تفتتح «المتحف الكبير» في حفل «أسطوري» بمشاركة 79 وفداً رسمياً

جانب من حفل افتتاح المتحف الكبير بمصر (من فيديو حفل الافتتاح)
جانب من حفل افتتاح المتحف الكبير بمصر (من فيديو حفل الافتتاح)

في حفل «أسطوري مبهر» رفع شعار «السلام»، افتتح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي «المتحف المصري الكبير»، مساء السبت، بمشاركة 79 وفداً رسمياً ضم ملوك ورؤساء وأمراء وأولياء عهود نحو 39 دولة، فضلاً عن ممثلين لمنظمات ثقافية ودولية، ما وصفته القاهرة بأنه «حضور غير مسبوق يعكس الاهتمام الدولي برؤية الدولة المصرية في الجمع بين عراقة الماضي وإبداع الحاضر وازدهار المستقبل، وليؤكد المكانة الفريدة لمصر كجسر حضاري بين كافة شعوب العالم المحبة للثقافة وللسلام».

وعبر الرئيس المصري، في كلمته خلال الحفل، عن رؤية بلاده لدورها في العالم، باعتبارها «قوة سلام وإنسانية»، وقال إن «السلام هو الطريق الوحيد لبناء الحضارات، وإن العلم لن يزدهر إلا في مناخ من الأمن والاستقرار، والثقافة لا تثمر إلا حين تتوفر بيئة من التعايش والتفاهم».

وافتتح الحفل بعرض موسيقي ربط المتحف بعدة عواصم عالمية، حيث مزج غناء أوبراليا من مصر مع معزوفات من طوكيو وباريس وريو دي جانيرو ونيويورك.

تلاه عرض موسيقي من تأليف الموسيقار هشام نزيه، ترافق مع عرض ضوئي في السماء لرموز من الحضارة المصرية مع ربط المتحف الكبير بالأهرامات. وتوسطت الفنانة المصرية شريهان الراقصين على المسرح، وقالت: «مصرية أنا». وشهد الحفل مشاركة عدة فنانين بينهم: ياسمين العبد، وسلمى أبو ضيف، وهدى المفتي، وأحمد مالك.

وشهد الحفل استعراضاً لمواقع أثرية وتراثية من مختلف أنحاء مصر، تعكس التنوع بين رموز الحضارة المصرية القديمة، مروراً بالآثار الإسلامية والقبطية، وحتى العصر الحديث ممثلاً في العاصمة الإدارية الجديدة.

وشارك ممثلو عدة دول، منهم ملوك وملكات وأولياء عهود وأمراء وأعضاء من الأسر الحاكمة من: بلجيكا، وإسبانيا، والدنمارك، والأردن، والبحرين، وسلطنة عمان، والإمارات، والسعودية، ولوكسمبورج، وموناكو، واليابان، وتايلاند.

ورؤساء عدة دول بينهم: فلسطين، والبرتغال، وألمانيا، وقبرص، وبلغاريا، وكولومبيا، إضافة إلى رؤساء وزراء عدة دول من بينها: اليونان، والمجر، وبلجيكا، وهولندا، والكويت، كما مثلت دول عدة على مستوى الوزراء وأعضاء البرلمان.

جانب من حفل افتتاح المتحف الكبير (من فيديو الافتتاح)

وفي مشهد رمزي يشير إلى أن المتحف ملك للبشرية كلها، تسلّم كل قائد من القادة المشاركين نموذجاً مصغراً يحمل اسم دولته لجزء من المتحف، ووضعه بيديه في مكانه داخل مجسم ضخم للمشروع، قبل أن يضع الرئيس السيسي القطعة الأخيرة في المجسم والتي تمثل مصر، معلناً رسمياً افتتاح المتحف الكبير.

وجاءت كلمات حفل الافتتاح لتسلط الضوء على رمزية قانون «ماعت» الذي وضعه المصري القديم قبل آلاف السنين، باعتباره أول إعلان لحقوق الإنسان وكرامة الطبيعة، حيث دعا إلى العدل والنظام واحترام الأرض والماء وحماية الحياة.

وأكد المدير العام لمنظمة اليونسكو، الدكتور خالد العناني، في كلمته، أن «المتحف المصري الكبير يمثل نقطة التقاء نادرة بين الماضي والمستقبل؛ إذ يُقدَّم فيه التاريخ ليس كأثرٍ ساكن، بل كقوة ملهمة تُحرّك الفكر الإنساني وتدفعه نحو الابتكار».

كما أشار الجراح المصري الدكتور مجدي يعقوب، في كلمته، إلى أن «الطب في مصر القديمة كان مهنة مقدسة تمزج بين الجسد والروح، وأن الحضارة المصرية قدّمت للبشرية فكرة الرعاية الصحية الشاملة قبل آلاف السنين، وهي الفكرة نفسها التي تواصل مصر ترسيخها اليوم في سياساتها الصحية والإنسانية».

واستعرض وزير الثقافة الأسبق، فاروق حسني، الرحلة الطويلة التي مر بها المشروع منذ عام 2002، مشيراً إلى أنه «كان حلماً على الورق، لكن الإرادة المصرية جعلت منه واقعاً ملموساً رغم كل التحديات». وأكد أن «المتحف لا يقف فقط على أرض الجيزة، بل على أرض من القيم التي أرساها الأجداد؛ التصميم، الإبداع، الإصرار، والإيمان العميق بأن الحضارة رسالة تتناقلها الأجيال».

مصر تفتتح المتحف الكبير في حفل «أسطوري» (من فيديو حفل الافتتاح)

وبدا واضحاً خلال الافتتاح رغبة مصر في إبراز قوتها الناعمة، باعتبار افتتاح المتحف رسالة مفادها أن «الحضارة التي بنت الأهرامات لا تزال قادرة على إبهار العالم، لا بالحجر فقط، بل بالفكر والمعرفة والإنسان».

وعدّ رئيس مجلس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، افتتاح المتحف الكبير «يوماً تاريخياً واستثنائياً للدولة المصرية». وقال في كلمته خلال مؤتمر صحافي قبيل بدء فعاليات الحفل، إن «المتحف الكبير صرح ثقافي تهديه مصر للعالم يعبر عن حضارتها الممتدة لأكثر من سبعة آلاف سنة».

وأشار إلى أن فكرة المتحف تعود إلى نحو 30 عاماً مضت، وقال إن «الدولة المصرية عملت خلال السنوات الماضية على إنهاء الإجراءات اللازمة للمتحف، وبدء تنفيذ المشروع الذي توقف بفعل أحداث 2011 قبل أن يوجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي باستكماله على أحسن صورة تعكس وجه مصر الحضاري». وأضاف أن «حجم الإنجاز الأكبر في المشروع كان في السنوات السبع الماضية».

ووجه مدبولي الشكر لرجال الأعمال رعاة حفل الافتتاح، وعدّ ذلك «نموذجاً للشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص».

منظر خارجي للمتحف المصري الكبير قبل حفل الافتتاح في الجيزة (إ.ب.أ)

وتعود فكرة إنشاء المتحف إلى أواخر التسعينات من القرن الماضي في عهد وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني، عندما برزت الحاجة إلى إنشاء متاحف جديدة نظراً لتكدس المتحف المصري بالتحرير، الذي افتتح عام 1902 بالآثار، لدرجة بات يوصف فيها بـ«المخزن»، وبعد سنوات من الدراسة والإعداد وضع حجر الأساس للمتحف في عام 2002، وافتتحت المرحلتين الأولى والثانية منه عام 2010، وضمت محطة المياه والكهرباء ومخازن الآثار ومركز الترميم الأثري، قبل أن يتوقف العمل في المشروع عام 2011.

واجه المتحف خلال رحلة إنشائه تحديات عدة، على رأسها التمويل، حيث تجاوزت تكلفته المليار دولار، من بينها 760 مليون دولار قروضاً ميسرة من اليابان، إضافة إلى الظروف السياسية التي عرقلت تنفيذه وأجلت افتتاحه، ومن بينها جائحة «كوفيد - 19»، و«حرب غزة» وتداعياتها.

وتعوّل مصر على المتحف في إعادة صياغة صورتها عالمياً في شكل يربط بين ماضيها وحاضرها ومستقبلها.

أشخاص يرتدون أزياء يمشون قبل الافتتاح الرسمي للمتحف المصري الكبير بالقرب من أهرامات الجيزة (رويترز)

ويقع المتحف بجوار الأهرامات (غرب القاهرة)، وجاء تصميمه، الذي اختير عبر مسابقة معمارية دولية، ليجعل الأهرامات جزءاً من سيناريو العرض المتحفي يستطيع الزائر رؤيتها عبر شرفة المتحف، بحيث يكون المتحف الهرم الرابع «الذي يربط ما بين أعظم ما شيّده الإنسان في الماضي وأعظم ما يبنيه في الحاضر».

ويمتد المتحف على مساحة تقارب نصف مليون متر مربع، ويضم في قاعاته وأروقته ما يزيد على مائة ألف قطعة أثرية تمثل جميع العصور التاريخية، بدءاً من عصور ما قبل التاريخ، مروراً بعصر الدولة القديمة والوسطى والحديثة، ووصولاً إلى العصرين اليوناني والروماني. ويعد أكبر متحف مكرس لحضارة واحدة.

ويستقبل تمثال ضخم يزن 83 طناً للملك رمسيس الثاني زوار المتحف في «البهو العظيم»، ينتقل بعدها الزائر إلى «الدرج العظيم» حيث تعرض مجموعة من الآثار الضخمة، تقود في نهايتها إلى قاعات العرض المتحفي الـ12.

ويوصف المتحف الكبير بأنه «بيت توت عنخ آمون»، حيث يعرض المجموعة الكاملة لمقتنيات الفرعون الذهبي وعددها 5992 قطعة أثرية، وذلك للمرة الأولى منذ اكتشاف مقبرته في الأقصر (جنوب مصر) عام 1922. ومن أبرز مقتنيات توت عنخ آمون؛ العجلات الحربية، والأثاث الملكي، وخنجر مصنوع من نيزك قادم من الفضاء.

المدخل الرئيسي للمتحف المصري الكبير قبل حفل الافتتاح في الجيزة السبت (إ.ب.أ)

كما يوجد بجوار المتحف مبنى مستقل أعد لعرض «مراكب الشمس»، وسيعرض مركب خوفو الأولى بطريقة تسمح للزوار بالدوران حولها ورؤيتها من جميع الجوانب، بينما سيخصص قسم آخر من المتحف لمركب خوفو الثانية حتى يتمكن الزوار من مشاهدة عملية الترميم والتجميع، التي ستستغرق من 5 إلى 7 سنوات.

ومراكب خوفو أو مراكب الشمس هي أقدم أثر عضوي في التاريخ الإنساني، حيث يبلغ عمرها أكثر من 4600 عام، وهي مصنوعة من خشب الأرز، واكتشفها المهندس كمال في مايو (أيار) عام 1954، مفككة داخل حفرة بجوار الأهرامات، وتولى المرمم المصري أحمد يوسف عملية ترميم وإعادة تركيب مركب خوفو الأولى في موقعها، في عملية استغرقت 7 سنوات، بينما ظلت الثانية مفككة داخل الحفرة، واستمرت عملية ترميم المركب حتى تم افتتاح متحف مركب خوفو بجوار الهرم في 1982... وعام 2021 نقل المركبين إلى المتحف الكبير.

وأكدت مصر من خلال حفل الافتتاح «دورها في إرساء مفاهيم الدولة والقانون والعدالة»، وفي هذا الإطار يعرض المتحف «أول معاهدة سلام في التاريخ التي أبرمها الملك رمسيس الثاني في معركة (قادش) لتؤكد أن السلام كان في قلب المشروع الحضاري المصري منذ فجره الأول»، ثم يعرض قانون «ماعت» الذي وضع «إعلاناً لمبادئ حقوق الإنسان وحماية البيئة».


مقالات ذات صلة

السيسي: مصر تدعم الحقوق العربية بلا مهادنة

العالم العربي الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)

السيسي: مصر تدعم الحقوق العربية بلا مهادنة

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، السبت، أن بلاده تدعم «الحقوق العربية بلا مواربة أو مهادنة»، مؤكداً أن التضامن هو السبيل الوحيد لتجاوز المحن.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)

«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

استضافت قبرص، الجمعة، اجتماعاً «عربياً - أوروبياً» تشاورياً، وسط توترات تشهدها المنطقة ومخاوف من تجدد الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)

مصريون يُؤجلون مشترياتهم انتظاراً لاستقرار سعر الدولار

قررت الثلاثينية حبيبة أحمد تأجيل شراء الأجهزة الكهربائية التي ستحتاج إليها في ترتيب منزل الزوجية، عدة أشهر، على أمل أن تنخفض أسعارها، في ظل تذبذب سعر الدولار.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا منظر عام للمباني والأهرامات الكبرى في القاهرة (رويترز)

تصاعد مطالب المصريين بتعديل مواعيد «الإغلاق المبكر»

مع دخول «التوقيت الصيفي» حيز التنفيذ في مصر بتقديم الساعة 60 دقيقة بدءاً من منتصف ليل الخميس-الجمعة، تصاعدت مطالبات بتعديل مواعيد «الإغلاق المبكر».

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا مقر البرلمان المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (وزارة الشؤون النيابية والقانونية)

مصر: صعوبة تنفيذ بعض القوانين تقود حراكاً برلمانياً لتعديلها

تقود صعوبات تنفيذ عدد من القوانين المصرية حراكاً برلمانياً للمطالبة بـ«تعديل بعض موادها».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الأمم المتحدة ترى «زخماً حقيقياً» لحل نزاع الصحراء

المستشار الفيدرالي السويسري بيث جانس مستقبلاً وزير الشؤون الخارجية المغربية ناصر بوريطة (إ.ب.أ)
المستشار الفيدرالي السويسري بيث جانس مستقبلاً وزير الشؤون الخارجية المغربية ناصر بوريطة (إ.ب.أ)
TT

الأمم المتحدة ترى «زخماً حقيقياً» لحل نزاع الصحراء

المستشار الفيدرالي السويسري بيث جانس مستقبلاً وزير الشؤون الخارجية المغربية ناصر بوريطة (إ.ب.أ)
المستشار الفيدرالي السويسري بيث جانس مستقبلاً وزير الشؤون الخارجية المغربية ناصر بوريطة (إ.ب.أ)

رأى المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستيفان دي ميستورا، في كلمة أمام جلسة مغلقة لمجلس الأمن الدولي، اطلعت عليها «وكالة الصحافة الفرنسية» أنَّ ثمة «زخماً حقيقياً»، و«فرصة» لحل النزاع القديم في شأن هذه المنطقة. وقال دي ميستورا خلال هذا الاجتماع: «بفضل مزيج من الرؤية والتوقيت والحظّ الجيد، أعتقد أنَّ ثمة زخماً حقيقياً في هذا المسار، وفرصة لحل هذا النزاع المستمر منذ عشرات السنين» في شأن المنطقة، التي كانت مستعمرة إسبانية حتى عام 1975. وفي أكتوبر(تشرين الأول) الماضي، وبمبادرة من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، قدَّم مجلس الأمن الدولي دعماً غير مسبوق لخطة الحكم الذاتي، التي طرحها المغرب للصحراء عام 2007، عادّاً إياها «الحل الأكثر قابلية للتطبيق» لإنهاء هذا النزاع المستمر منذ 50 عاماً. واستناداً إلى هذا القرار، نظَّمت الأمم المتحدة والولايات المتحدة منذ بداية العام 3 جولات تفاوض بين ممثلين عن المغرب وجبهة البوليساريو الانفصالية والجزائر وموريتانيا، هي «المفاوضات المباشرة الأولى منذ 7 سنوات»، بحسب دي ميستورا. وأضاف المبعوث الأممي: «دخلنا (خلال هذه المفاوضات) في تفاصيل ما يمكن أن تكون ملامح حلّ سياسي»، مشيداً بتقديم المغرب نسخة مفصلة من خطته للحكم الذاتي، كانت الأمم المتحدة تطالب بها

وإذ أشار دي ميستورا إلى اقتراحات وردود «البوليساريو»، دعاها إلى «تقديم التنازلات التاريخية اللازمة من أجل إيجاد حلّ مقبول من الطرفين»، من أجل مصلحة «الأجيال الصحراوية المقبلة».

في سياق ذلك، أكدت سويسرا، أمس (الجمعة)، أنها «تعدّ مبادرة الحكم الذاتي» التي تقدَّم بها المغرب «الأساس الأكثر جدية ومصداقية وبراغماتية» لتسوية النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية.

وتمَّ التعبير عن هذا الموقف، في بيان مشترك، تمَّ اعتماده من طرف إغناسيو كاسيس المستشار الفيدرالي نائب رئيس الكونفدرالية السويسرية وزير الشؤون الخارجية، وناصر بوريطة وزير الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، الذي يقوم بزيارة عمل إلى برن.

وفي الوثيقة ذاتها المعتمدة أشادت سويسرا باعتماد قرار مجلس الأمن 2797، مؤكدة أن «حكماً ذاتياً حقيقياً تحت السيادة المغربية يمكن أن يُشكِّل أحد أكثر الحلول قابلية للتطبيق».

كما ذكّرت سويسرا بـ«دعمها للدور المحوري الذي تضطلع به الأمم المتحدة، وكذا الجهود التي يبذلها المبعوث الشخصي للأمين العام».

ويندرج تأكيد سويسرا مجدداً دعمها لمبادرة الحكم الذاتي، التي تَقدَّم بها المغرب ضمن استمرارية التوافق الدولي المتنامي، الذي أفرزته الدينامية التي أطلقها العاهل المغربي الملك محمد السادس لفائدة مغربية الصحراء، ودعماً لمبادرة الحكم الذاتي.


تونس تعلِّق نشاط «رابطة حقوق الإنسان» الحاصلة على جائزة نوبل للسلام

جانب من الوقفة الاحتجاجية المطالبة بإطلاق سراح الصحافي مراد الزغيدي (أ.ف.ب)
جانب من الوقفة الاحتجاجية المطالبة بإطلاق سراح الصحافي مراد الزغيدي (أ.ف.ب)
TT

تونس تعلِّق نشاط «رابطة حقوق الإنسان» الحاصلة على جائزة نوبل للسلام

جانب من الوقفة الاحتجاجية المطالبة بإطلاق سراح الصحافي مراد الزغيدي (أ.ف.ب)
جانب من الوقفة الاحتجاجية المطالبة بإطلاق سراح الصحافي مراد الزغيدي (أ.ف.ب)

أكدت «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» أنه تم إيقاف نشاطها مدة شهر، في بيان صدر في وقت متأخر، أمس (الجمعة). وقالت الرابطة إنها تعتبر القرار «إجراء تعسفياً وخطيراً، يشكل انتهاكاً صارخاً لحرية التنظيم والعمل الجمعياتي، ومساساً مباشراً بأحد أهم المكاسب الديمقراطية والحقوقية التي ناضل من أجلها التونسيون والتونسيات».

من الوقفة الاحتجاجية المطالبة بعدم التضييق على الصحافيين (أ.ف.ب)

وأمرت السلطات التونسية بإيقاف نشاط «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» لمدة شهر، وهي إحدى أقدم الجماعات الحقوقية في أفريقيا والعالم العربي، ومن بين رباعي المجتمع المدني الذي نال ​جائزة نوبل للسلام عام 2015.

وأضافت «الرابطة» أنه لا يمكن النظر لهذا الإجراء «بمعزل عن سياق عام تعيشه البلاد، يتسم بتصاعد التضييق الممنهج على المجتمع المدني، والأصوات الحرة والمستقلة».

ويلقي قرار تعليق نشاط «الرابطة» الضوء على ما يقول منتقدون إنه حملة قمع غير مسبوقة، تستهدف المنظمات غير الحكومية والمعارضة والصحافيين، منذ أن أحكم الرئيس قيس سعيد قبضته على السلطة في عام 2021.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، علَّقت تونس أيضاً نشاط عدة منظمات بارزة، من بينها: «النساء الديمقراطيات»، و«منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية»، وجمعية «نواة»، وهي ‌خطوة وصفتها منظمات حقوقية بأنها تعزز حكم ​الفرد ‌الواحد.

ولم يُعرف سبب القرار حتى الآن، كما لم يتسنَّ بعد الحصول على تعليق من السلطات. وتعد «الرابطة» من أبرز المنتقدين للرئيس سعيد، وقد سبق أن حذرت مراراً من أن تونس «تنزلق نحو حكم استبدادي». كما أنها مُنعت في الشهور القليلة ⁠الماضية من زيارة السجون للاطلاع على ‌ظروف المحتجزين في مدن عدة. ويُنظر إليها على ​نطاق واسع بوصفها من آخر قلاع ‌الدفاع عن حقوق الإنسان في تونس، وهي من أقدم المنظمات ‌من نوعها في العالم العربي وأفريقيا.

وحصلت «الرابطة» مع 3 منظمات أخرى على جائزة نوبل للسلام في 2015، وذلك لدورها في دعم الانتقال الديمقراطي في البلاد، ‌وتعزيز الحوار بين الخصوم الإسلاميين والعلمانيين آنذاك.

وتواجه تونس التي كانت ينظر إليها سابقاً على أنها ⁠قصة النجاح الديمقراطي ⁠الوحيدة المنبثقة مما يعرف بـ«الربيع العربي»، انتقادات متزايدة من منظمات حقوقية دولية، تتهم السلطات بتقييد المعارضة ووسائل الإعلام والمجتمع المدني، والزج بخصوم الرئيس في السجون لمحاولة إخماد أصواتهم.

وفي وقت سابق من أمس (الجمعة)، قال محامي الصحافي الفرنسي- التونسي الشهير مراد الزغيدي، المسجون منذ عام 2024، إن النيابة العامة أمرت بالتحفظ على موكله بسبب مقال ينتقد فيه القضاء. وتزامن هذا القرار مع تنظيم عشرات الأشخاص في تونس، أمس (الجمعة)، وقفة احتجاجية دفاعاً عن الزغيدي الذي ستُعاود محكمة الاستئناف، الثلاثاء المقبل، محاكمته وزميله برهان بسيّس، بتهمتَي «تبييض الأموال» و«التهرّب الضريبي». وحُكم على الزغيدي وبسيّس ابتدائياً في يناير (كانون الثاني) الماضي بالسجن 3 سنوات ونصف سنة.

وردَّد المشاركون في الوقفة هتافات، من بينها: «الحرية للصحافة التونسية»، و«أبرياء موجودون في السجون»، بينما رفعوا لافتات كُتب عليها: «لا للتضييق على الصحافيين»، و«ارفعوا أيديكم عن العمل الصحافي»، وبالإنجليزية: «صحافة حرة مستقلة».

ردَّد المشاركون في الوقفة هتافات من بينها «الحرية للصحافة التونسية» و«أبرياء موجودون في السجون» (أ.ف.ب)

وقال رئيس «النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين»، زياد دبَّار، إن «الصحافة في خطر»، بينما اعتبر الأمين العام لحزب «العمال» التونسي، حمة الهمامي، أن «الهدف واضح، وهو قتل الحياة السياسية والمدنية في تونس لإرساء نظام سلطوي». ورأى القيادي اليساري والسجين السياسي السابق في عهد زين العابدين بن علي، أن «الفاشية تجتاح البلاد، وتلتهم كل ما يعترض طريقها، من سياسيين ونقابيين وصحافيين ونشطاء حقوقيين».


تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
TT

تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)

انطلقت تحركات أميركية نحو إريتريا، صاحبة الموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بعد 5 سنوات من العقوبات، في ظل اضطرابات بمضيق هرمز من جراء حرب إيران.

هذه التحركات الأميركية تجاه أسمرة يراها خبراء بالشؤون الأفريقية والأميركية، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، محاولة لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر، وسط مخاوف من تهديدات قد تطول مضيق باب المندب، وما قد يترتب عليها من تداعيات سلبية لاقتصاد العالم.

وتعتزم الولايات المتحدة الشروع في رفع بعض العقوبات المفروضة على إريتريا، التي تمتد سواحلها على البحر الأحمر لأكثر من 700 ميل، بعد 5 سنوات من فرضها عام 2021 بسبب نزاع أسمرة وأديس أبابا. وهذه التحركات يقودها حالياً كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، لإعادة ضبط العلاقات مع إريتريا، التي تسيطر على موقع جيوسياسي بالغ الأهمية على البحر الأحمر، في وقت تهدد فيه إيران، عبر جماعة الحوثي، حليفتها باليمن، بخنق ممر بحري حيوي ثانٍ (مضيق باب المندب)، وذلك على خلفية الحرب مع الولايات المتحدة، وفق ما نقلته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن مصادر مطلعة، الخميس.

ترى مساعدة وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، السفيرة منى عمر، أن الموقع الاستراتيجي المتميز الذي تتمتع به إريتريا على البحر الأحمر سبب رئيسي وراء رغبة أميركا في التقارب، خاصة في ظل توترات حرب إيران، بهدف تأمين قطعها البحرية الأميركية الموجودة هناك، ودعم نفوذها بتلك المنطقة التي تعج بالقواعد العسكرية.

من جهتها، تؤكد الخبيرة الأميركية المختصة في الشؤون الاستراتيجية، إيرينا تسوكرمان، أن توقيت هذا التحرك الأميركي يأتي لفرض نفوذ في ممر البحر الأحمر كمنطقة استراتيجية متنازع عليها، خاصة مع عسكرة طرق التجارة، وطموحات روسيا على طول الساحل. «ومن ثم لم تعد موانئ إريتريا أصولاً هامشية، بل أصبحت نقاط ارتكاز محتملة في بنية أمنية أوسع، تعيد واشنطن تقييمها مجبرة، خاصة أنه ليست هناك بدائل مناسبة، فيما لا تزال جيبوتي جارة أسمرة تعاني من وجود عسكري أجنبي مكثف، بما في ذلك الوجود الصيني»، وفق تسوكرمان.

بدوره، يوضح الخبير في الشؤون الأفريقية، الدكتور علي محمود كلني، أن السياسة الأميركية تجاه إريتريا تشهد تحولاً لافتاً، بهدف تعزيز حضورها في الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق باب المندب، في ظل تطورات حرب إيران، واحتمال تحرك الحوثيين بالمضيق، واحتواء تنامي نفوذ قوى منافسة، مثل روسيا والصين، وتبني مقاربة براغماتية توازن بين القيم السياسية والمصالح الأمنية.

وكان مسعد بولس قد التقى، الاثنين الماضي، بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القاهرة، وأبلغه أن واشنطن تعتزم البدء قريباً في رفع العقوبات عن إريتريا، فيما أفادت الصحيفة الأميركية «وول ستريت جورنال» بأن «مصر تلعب دوراً في تسهيل الحوار بين الولايات المتحدة وإريتريا».

وتعتقد عمر أن «الموقف المصري يأتي في إطار المساعدة في رفع العقوبات المفروضة على الحليفة إريتريا، وليس دعم الوجود العسكري المباشر». بينما ترى تسوكرمان أن «مصر ستمضي في هذه الوساطة، حيث إن للقاهرة مصلحة في الحد من النفوذ الإثيوبي في كل من حوضي النيل والبحر الأحمر».

ويقول كلني إن الدور المصري مهم في هذا السياق لاعتبارات عديدة، منها امتلاكها علاقات متوازنة مع إريتريا، وتدشينها تحالفاً مع أسمرة ومقديشو، وكذا ارتباط أمنها القومي المباشر بأمن البحر الأحمر، ورغبتها في الحفاظ على توازنات إقليمية مستقرة، بخلاف إدراكها أن أي فراغ استراتيجي في المنطقة قد تستغله قوى منافسة، ما يعزز من دافعها للانخراط في تسهيل هذا التقارب.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الرئيس الإريتري أسياس أفورقي بالقاهرة في أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)

وذكرت «وول ستريت جورنال» أن «خطة إعادة ضبط العلاقات مع إريتريا سبقت اندلاع الحرب على إيران».

وكان بولس قد عقد اجتماعاً خاصاً مع أفورقي في القاهرة أواخر العام الماضي، وسبقه لقاء مع وزير الخارجية الإريتري، عثمان صالح محمد في سبتمبر (أيلول) الماضي، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بحسب الصحيفة. وجاءت تلك اللقاءات بعد سنوات من قيام وزارة الخزانة الأميركية بفرض عقوبات في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 ضد أربعة كيانات رسمية إريترية بسبب المشاركة في دعم إثيوبيا ضد إقليم تيغراي وقتها، ومنها الجبهة الشعبية من أجل الديمقراطية والعدالة، بقيادة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، الحزب الحاكم، بحسب ما نقلته «سي إن إن» الأميركية آنذاك.

وترى تسوكرمان أن العقوبات المفروضة يتطلب رفعها أو تخفيفها هو تبرير يتجاوز الضرورة الاستراتيجية لواشنطن، في ضوء الانتهاكات الموثقة ضد إريتريا، وهذا ما قد يُبطئ أو يُضعف أي محاولة لإعادة ضبط العلاقات، بسبب خلافات متوقعة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في هذا الصدد، بينما قد تقبل أسمرة بهذا التقارب في إطار استراتيجية قائمة على التنويع لا الشراكة، ما يحد من قدرة واشنطن على تحويل التقارب إلى نفوذ دائم.

ورغم العقوبات التي قد ترفع، فإن كلني يرى أن الانفتاح الأميركي على إريتريا يشي بأن المنطقة مقبلة على إعادة تشكيل عميق في التوازنات ونفوذ القوى، قد يعيد رسم خريطة التحالفات، ويحدد ملامح النظام الإقليمي في السنوات المقبلة، معتقداً أن ما يجري اليوم ليس مجرد تقارب ثنائي، بل هو جزء من إعادة هندسة استراتيجية شاملة للبحر الأحمر، ستظل تداعياتها حاضرة في المشهد الدولي لفترة طويلة.