«صيف استثنائي» في مصر يختبر وعوداً حكومية بعدم قطع الكهرباء

مدبولي تحدث عن «تحديات مزدوجة» لتوفير الطاقة

إحدى محطات توليد الكهرباء في محافظة الإسكندرية (وزارة الكهرباء)
إحدى محطات توليد الكهرباء في محافظة الإسكندرية (وزارة الكهرباء)
TT

«صيف استثنائي» في مصر يختبر وعوداً حكومية بعدم قطع الكهرباء

إحدى محطات توليد الكهرباء في محافظة الإسكندرية (وزارة الكهرباء)
إحدى محطات توليد الكهرباء في محافظة الإسكندرية (وزارة الكهرباء)

مع ارتفاع درجات الحرارة بوضوح في مصر خلال الأيام الأولى من الشهر الحالي، ووصف رئيس الوزراء مصطفى مدبولي صيف هذا العام بـ«الاستثنائي»، تدور تساؤلات حول قدرة الحكومة على الالتزام بتعهداتها بعدم اللجوء إلى قطع الكهرباء وخطط «تخفيف الأحمال» التي سبق وأن اعتمدت عليها.

وبحسب خبير في هندسة الطاقة تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن وزارة الكهرباء تحافظ حتى الآن على معدلات تشغيل آمنة لمحطات الكهرباء، وتعمل على مدها بالغاز الطبيعي الذي يكفي الاستهلاك يومياً، لكن الأمر قد يتغير حال ارتفاع أسعار النفط العالمية وتجاوزها حاجز 100 دولار للبرميل. ويدور سعر البرميل حالياً حول 92 دولاراً.

وخلال الأيام الماضية، ذهبت مؤشرات مناخية دولية إلى احتمال عودة ظاهرة «السوبر نينيو» خلال صيف هذا العام وامتداد تأثيراتها لعدة أشهر.

و«النينيو» ظاهرة مناخية طبيعية تتكرر كل عامين إلى سبعة أعوام، وتحَدُث نتيجة ارتفاع درجات حرارة سطح مياه شرق ووسط المحيط الهادئ عن معدلاتها الطبيعية، بسبب تغيرات حركة الرياح.

ونقلت صحف محلية عن مصادر بوزارة الكهرباء قولها إن الأحمال الكهربائية المتوقعة خلال صيف هذا العام قد تتجاوز حاجز 40 ألف ميغاواط، مقارنة بنحو 39.8 ألف ميغاواط تم تسجيلها خلال صيف العام الماضي، نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الاعتماد على أجهزة التبريد.

وأكد مدبولي، الاثنين، أن الحكومة تواصل جهودها لتوفير احتياجات الدولة من الغاز الطبيعي، بما يضمن استقرار إنتاج الكهرباء خلال أشهر الصيف، مشيراً إلى استمرار التوسع الصناعي وزيادة معدلات الإنتاج المحلي.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال الاجتماع الحكومي الأسبوعي يوم الأربعاء (مجلس الوزراء)

وفي الأسبوع الماضي قال إن الدولة تواجه هذا العام «تحدياً مزدوجاً» يتمثل في زيادة الكميات المطلوبة من الوقود لتشغيل محطات الكهرباء إلى جانب ارتفاع الأسعار العالمية للبترول والغاز الطبيعي، ما يفرض أعباء إضافية على الموازنة العامة.

وبحسب الهيئة العامة للأرصاد الجوية في مصر، فإن طقس الأربعاء يشهد استمرار الارتفاع في درجات الحرارة على جميع الأنحاء، إلى جانب ارتفاع نسب الرطوبة التي تزيد من الإحساس بحرارة الطقس عن المتوقع في الظل بقيم تتراوح من درجة إلى درجتين مئويتين.

«تحديات صعبة»

وقال خبير هندسة الطاقة، جمال القليوبي، إن الدولة تواجه هذا العام تحديات صعبة لضمان استقرار شبكة الكهرباء نتيجة التوترات الإقليمية التي تؤثر على أسعار الطاقة، مضيفاً أنها تحاول الالتزام بتعهداتها السابقة بعدم العودة إلى تخفيف الأحمال، وفي الوقت ذاته مراعاة عدم الضغط على الموازنة العامة.

وتابع في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «العودة إلى سياسات ترشيد الكهرباء قد تكون حتمية إذا ما تجاوز سعر برميل النفط حاجز 100 دولار، وستكون هناك حسابات أخرى لتقليص صفقات الوقود نظراً لارتفاع أسعارها، وكذلك إعادة تقييم أسعار الغاز الطبيعي التي تصل إلى المصانع والقطاع الخاص، واتخاذ مزيد من الإجراءات التي تضمن من خلالها استقرار شبكات الكهرباء».

وأشار إلى أن محطات الكهرباء لا تعاني في الوقت الحالي من أي أزمات تتعلق بتراجع كميات الغاز الطبيعي الواردة إليها وتشغيلها، وأن هناك التزاماً حكومياً بتوفيره دون نقص، لكن هذا الوضع يمكن أن يتغير حال ارتفاع أسعار النفط.

وزير الكهرباء محمود عصمت في جولة بإحدى محطات توليد الكهرباء في القاهرة (وزارة الكهرباء)

وقدمت الحكومة المصرية تطمينات للمواطنين بعدم «قطع التيار الكهربائي» خلال أشهر الصيف هذا العام. وفي فبراير (شباط) الماضي شدَّد وزير الكهرباء والطاقة المتجدِّدة، محمود عصمت، على «عدم وجود أي خطط لانقطاع التيار الكهربائي خلال صيف 2026، في ظل استعدادات مبكرة وتأمين احتياجات الشبكة من الوقود والطاقة».

وفي أبريل (نيسان) الماضي، جددت الحكومة تعهداتها بعدم قطع التيار الكهربائي خلال موسم الصيف، وأكد وزير الكهرباء أن الحكومة تعتمد في خطتها على استيراد كميات ضخمة من الغاز لتغطية احتياجات محطات إنتاج الكهرباء، وتشغيل محطات طاقة متجددة جديدة خلال الفترة القريبة المقبلة.

طلب متنامٍ

وتشير تقديرات حكومية إلى أن فاتورة استيراد الغاز خلال العام المالي المقبل، الذي يبدأ في يوليو (تموز)، مرشحة للارتفاع بنحو 2.2 مليار دولار مقارنة بتقديرات العام المالي الحالي، بما يعكس زيادة تقرب من 26 في المائة.

وتُخطط مصر لاستيراد نحو 18.7 مليون طن من الغاز، سواء المسال أو الطبيعي، خلال العام المالي المقبل لتلبية الطلب المتنامي الذي تُقدّره الحكومة بمتوسط 7 مليارات قدم مكعبة يومياً، وفقاً لخطة 2026 - 2027.

ولجأت الحكومة المصرية خلال عامي 2023 و2024 إلى خطة «تخفيف الأحمال» بالتناوب في غالبية المحافظات. وتراوحت فترات انقطاع الكهرباء حينها من ساعة إلى ثلاث ساعات يومياً مع استثناء المناطق السياحية، وهو الأمر الذي لاقى ردود فعل سلبية تجاه الحكومة حينها.

وتتوقع الحكومة، وفق بيان سابق لوزارة الكهرباء، زيادة الطلب على الكهرباء بنسبة تتراوح بين 5 و7 في المائة مقارنة بصيف العام الماضي.


مقالات ذات صلة

منتدى «العلمين - أفريقيا» يتجاوز تداعيات «إيبولا»... ويبحث تطوير الشراكات بالقارة

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يناقش تحضيرات منتدى «العلمين - أفريقيا» مع رئيس «البنك الأفريقي للتصدير والاستيراد» (الخارجية المصرية)

منتدى «العلمين - أفريقيا» يتجاوز تداعيات «إيبولا»... ويبحث تطوير الشراكات بالقارة

تستعد مدينة العلمين على ساحل البحر المتوسط (شمال غربي مصر)، لاستضافة النسخة الأولى من منتدى «العلمين - أفريقيا»، لدعم تطوير الشراكات الاقتصادية مع دول القارة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا تفاوت في مصروفات الجامعات بمصر (صفحة الجامعة الألمانية على «فيسبوك»)

جامعات خاصة تفجر خلافاً بين الحكومة المصرية ونقابات بسبب «تدني التنسيق»

أثار خفض الحدود الدنيا للقبول ببعض الكليات في الجامعات الخاصة وفروع الجامعات الأجنبية بمصر اعتراضات نقابية وبرلمانية.

منى أبو النصر (القاهرة )
شمال افريقيا تسليم دفعة من مروحيات «شينوك» الحديثة لمصر خلال «معرض العلمين الدولي»  (السفارة الأميركية بالقاهرة)

صفقة طائرات أميركية جديدة تعزز «التوازن» المصري في إمدادات السلاح

قالت السفارة الأميركية بالقاهرة، مساء الخميس: «تهانينا لشركة (بوينغ) والجيش الأميركي ووزارة الدفاع المصرية بمناسبة تسليم مروحية (شينوك) الجديدة».

هشام المياني (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي ووزير البترول كريم بدوي الخميس (مجلس الوزراء المصري)

نفي حكومي لزيادة أسعار الوقود لا يُبدد مخاوف المصريين

رغم أحاديث متكررة وتوقعات بزيادة أسعار الوقود في مصر خلال الأيام المقبلة، نفى المتحدث باسم الحكومة الاتجاه إلى رفع الأسعار لكن هذا النفي لم يبدد مخاوف المصريين.

عصام فضل (القاهرة)
شمال افريقيا اضطرابات الملاحة بمناطق متفرقة تهدِّد سلامة البحَّارة المصريِّين (أ.ف.ب)

مقتل «ربان» يعمّق أزمات البحّارة المصريين وسط توترات ملاحية

تراكمت أزمات البحَّارة المصريين في مناطق بحرية تشهد توترات أمنية وعسكرية، خصوصاً بعد إعلان مقتل ربان سفينة، إثر قصف أوكراني استهدف سفينة بضائع.

علاء حموده (القاهرة)

الجيش السوداني يصُدّ هجوماً في ولاية النيل الأزرق


جانب من عرض عسكري للجيش السوداني في القضارف (أ.ف.ب)
جانب من عرض عسكري للجيش السوداني في القضارف (أ.ف.ب)
TT

الجيش السوداني يصُدّ هجوماً في ولاية النيل الأزرق


جانب من عرض عسكري للجيش السوداني في القضارف (أ.ف.ب)
جانب من عرض عسكري للجيش السوداني في القضارف (أ.ف.ب)

أعلنت سلطات محلية في إقليم النيل الأزرق أن الجيش السوداني تصدّى لهجوم شنته «قوات الدعم السريع» على منطقة الكيلي بمحلية الكُرمك، قرب الحدود مع إثيوبيا. وقالت محافظة الكرمك، شرق البلاد، إن القوة المهاجمة انطلقت من الأراضي الإثيوبية، بينما أعلن الجيش تنفيذ هجوم استباقي جنوب الكيلي، قال إنه أسفر عن مقتل عناصر من «الدعم السريع» وتدمير 9 مركبات قتالية.

وفي تطور موازٍ، أعلن الجيش استعادة 11 منطقة في ولاية شمال كردفان عقب معارك مع «الدعم السريع»، بينها كجمر وشرشار والقليعات وأولاد حزمة ومناطق حول المزروب.


الحرب والجفاف وارتفاع الأسعار تهدد بتفاقم خطر المجاعة في السودان

من توزيع مساعدات غذائية بمخيم للاجئين السودانيين في أدري بتشاد (برنامج الأغذية العالمي)
من توزيع مساعدات غذائية بمخيم للاجئين السودانيين في أدري بتشاد (برنامج الأغذية العالمي)
TT

الحرب والجفاف وارتفاع الأسعار تهدد بتفاقم خطر المجاعة في السودان

من توزيع مساعدات غذائية بمخيم للاجئين السودانيين في أدري بتشاد (برنامج الأغذية العالمي)
من توزيع مساعدات غذائية بمخيم للاجئين السودانيين في أدري بتشاد (برنامج الأغذية العالمي)

يواجه الموسم الزراعي الحالي في السودان أخطاراً متزايدة، ناتجة عن تأخر هطول الأمطار وشحها في مناطق واسعة من البلاد، بجانب نقص مياه الري وانقطاع الكهرباء وارتفاع تكاليف الإنتاج، وسط مخاوف من انعكاس ضعف الموسم الحالي، على توفر الغذاء وأسعار سلعه خلال الموسم المقبل.

وبدأت تداعيات الأزمة تظهر بالفعل في بعض مناطق غرب السودان، مع تدهور المراعي ونفوق الماشية وارتفاع أسعار الحبوب، بينما تراوحت أسعار جوال الذرة؛ وهي الغذاء الرئيسي في معظم أنحاء السودان بين 500 و600 ألف جنيه للأردب، وفقاً لمعلومات ميدانية.

وقالت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) في أحدث تصريحاتها، إن الأمطار التراكمية خلال موسم يونيو (حزيران) - سبتمبر (أيلول)، جاءت دون المتوسط في معظم مناطق إنتاج المحاصيل، ما أثر في الإنبات ونمو المزروعات وأثار مخاوف بشأن إنتاج الحبوب في 2026.

مزارع سوداني يحرث أرضاً زراعية في ولاية القضارف بشرق البلاد وسط الجفاف (أ.ف.ب)

وقال رئيس «تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل» عابدين برقاوي لـ«الشرق الأوسط»، إن علامات تعثر الموسم كانت واضحة منذ بدايته، وإن عدداً كبيراً من المزارعين أحجموا عن الزراعة، قبل أن تشجع إحدى المنظمات بعضهم على اللحاق بالموسم، وتوفر لهم التمويل.

وأضاف: «العطش بدأ يظهر على المحاصيل، ونحمّل إدارة الري مسؤولية عدم تنظيف جميع الترع من الحشائش والطمي، ما أعاق تدفق المياه إلى الأراضي المزروعة».

وأضاف برقاوي أن المياه تصل إلى 6 مزارع من جملة 18 في المنطقة، وشح الأمطار فاقم المشكلة، مشيراً إلى أن نحو 50 في المائة من المساحة المزروعة بالذرة والفول والقطن، مهددة بالعطش، محذراً من أن يؤدي تلف المحاصيل إلى عجز المزارعين عن تسديد ديون تمويل الموسم.

النيل موجود والمياه لا تصل

في الولاية الشمالية، ترتبط أزمة الري بانقطاع الكهرباء اللازمة لتشغيل الطلمبات، وقال رئيس «اتحاد مزارعي دنقلا»، طه جعفر لـ«الشرق الأوسط»: «نحن غير مستفيدين من النيل، لا في الزراعة، ولا مياه الشرب»، وأشار إلى أن «الكثيرين من المزارعين أحجموا هذا الموسم عن زراعة الفول والقمح لعدم توفر مياه الري بصورة كافية».

وصلت الشاحنات أخيراً إلى مخيم زمزم المنكوب بالمجاعة في شمال دارفور (برنامج الأغذية العالمي)

وأضاف: «ترعتا السليم وأرقو كانتا تمتلآن بالمياه في مثل هذا الوقت من العام، لكنهما أصبحتا جافتين الآن»، وتابع: «حتى أشجار النخيل التي عمرها عشرات السنين جفت».

مقابل ذلك، قال وزير الطاقة المعتصم إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»، إن توفير الكهرباء للمشاريع الزراعية تم وضعه ضمن أولويات الموسم، مؤكداً «تحسن الإمداد الكهربائي في الشمالية بالاعتماد على سد مروي والربط المصري والطاقة الشمسية».

مخاطر في سنار

في «مشروع البساطة» بولاية سنار جنوب البلاد، قال المزارع أيمن إسماعيل لـ«الشرق الأوسط»، إن انخفاض منسوب النيل الأزرق يزيد مخاطر الموسم، خصوصاً بالنسبة للمحاصيل النقدية مرتفعة التكلفة.

وأوضح أن نحو 10 آلاف فدان استهدفتها الزراعة، نبت منها نحو 7500 فدان اعتماداً على الأمطار، بينما بقي نحو 2500 فدان دون زراعة، وأضاف: «حتى 27 أغسطس (آب) الماضي، لم تكن طلمبات المشروع قد بدأت العمل بسبب انخفاض منسوب النيل الأزرق، مما زاد اعتماد المحاصيل على الأمطار».

دارفور وكردفان... الخطر يتسع

تبدو الأزمة أشد في أجزاء من غرب السودان، حيث يهدد نقص الأمطار، الزراعة والمراعي ومصادر مياه الحيوانات معاً. وقال القائم بأعمال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي كارل سكاو، عقب زيارة للسودان، إن دارفور لم تشهد مثل هذا الجفاف منذ عام 1984، محذراً من «تأثيره الخطير المحتمل على الزراعة ونتائج الموسم».

طفلة تظهر عليها أعراض سوء التغذية (متداولة)

وفي «جبل عيسى» بشمال دارفور، أعلنت غرفة الطوارئ في منصتها، عن نفوق أكثر من 420 رأساً من الضأن نتيجة شح الأمطار وانعدام المراعي ومصادر المياه.

وظهرت انعكاسات الأزمة في أسواق الحبوب؛ إذ تشير «فاو» إلى أن أسعار الذرة والدخن ارتفعت في يونيو الماضي بمعظم الأسواق التي ترصدها، وأصبحت في المتوسط تقارب 7 أضعاف مستوياتها قبل اندلاع الحرب في مارس (آذار) 2023.

وسجلت أسواق في دارفور وكردفان ارتفاعات أكبر مع تناقص المعروض وتعطل طرق التجارة، ووصل سعر جوال الدخن في أم كدادة بشمال دارفور إلى نحو 600 ألف جنيه في أغسطس، فيما تشير معلومات ميدانية إلى تداول جوال الذرة بنحو 500 - 600 ألف جنيه في معظم أسواق المحاصيل بالبلاد.

ولا ترتبط الزيادات في الأسعار بشح الأمطار وحده؛ إذ أسهمت الحرب وإغلاق الطرق وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج وتراجع محصول العام الماضي، في الضغط على الأسعار.

وفي غرب كردفان، حذرت «غرفة طوارئ دار حمر»، من أزمة غذائية في مناطق: ود بندة، والنهود، وغبيش، وأبو زبد، والأضية، والخوي، في ظل شح الأمطار وتضرر الزراعة والحرب وصعوبة حركة السلع.

موسم متفاوت في جنوب كردفان

لكن الصورة ليست واحدة في جميع المناطق؛ إذ قال المزارع عثمان بقادي لـ«الشرق الأوسط»، إن الموسم يبدو مبشراً حتى الآن في شرق جنوب كردفان، خصوصاً في أبو جبيهة وكلوقي، حيث تمت زراعة القطن والسمسم.

أطفال نازحون في «مخيم زمزم» (برنامج الأغذية العالمي)

وأضاف: «الوضع يختلف في الدلنج وكادوقلي، حيث زرع بعض المواطنين أمام منازلهم، بينما تعثرت الزراعة في المشاريع الكبيرة بسبب الظروف الأمنية»، مشيراً إلى أن ارتفاع تكاليف الإنتاج «منع كثيراً من المزارعين من الزراعة»، معرباً عن مخاوفه كذلك من ظهور آفات تهدد الذرة والسمسم.

موسم مقبل أكثر صعوبة

يثير ضعف الأمطار وتعثر الزراعة مخاوف من تراجع إنتاج الغذاء المحلي خلال الأشهر المقبلة، في بلد يعاني بالفعل أزمة جوع واسعة. ويقول برنامج الأغذية العالمي إن «نحو 20 مليون شخص يواجهون الجوع في السودان، بينهم نحو 5 ملايين في مستويات الطوارئ»، في وقت اضطر فيه البرنامج إلى تقديم حصص غذائية جزئية لبعض المستفيدين بسبب نقص التمويل.

كما حدد أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي 14 منطقة في شمال وجنوب دارفور وجنوب كردفان تواجه خطر المجاعة في أسوأ سيناريو معقول إذا تصاعد القتال، وزاد النزوح وتعطل وصول الغذاء والمساعدات.

الحكومة: الإنتاج مطمئن

تقدم الحكومة تقييماً أكثر تفاؤلاً؛ إذ قال وزير الزراعة والري عصمت قرشي لـ«الشرق الأوسط»: «السودان لن يجوع، كما يزعم بعض التقارير التي تصدر عن بعض المنظمات»، مؤكداً أن موقف الإنتاج الزراعي «مطمئن».

قارب مهجور جنح على ضفاف النيل الأزرق وقاع النهر المكشوف في الخرطوم (أ.ف.ب)

وأشار قرشي إلى معالجة مشكلات الري في مناطق «السوكي، وحلفا، ومشروع الجزيرة»، وقال إن المرحلة الأولى من تمويل الموسم بلغت 700 مليار جنيه، وإن المبيدات متوفرة بكميات تكفي 3 سنوات.

لكن نتيجة الموسم الحالي ستظل حاسمة بالنسبة للأمن الغذائي، خصوصاً في المناطق التي تجمع بين ضعف الأمطار والحرب والنزوح وتعطل الأسواق، وسط ارتفاع أسعار الحبوب وتراجع قدرة ملايين السودانيين على شراء الغذاء.


الصين وأفريقيا... تعاون دفاعي متصاعد في مواجهة المخاطر الأمنية

جانب من افتتاح «منتدى شيانغشان» الـ13 في بكين الذي أُقيم خلاله «المنتدى الصيني- الأفريقي للأمن والسلام» (وكالة الأنباء الصومالية)
جانب من افتتاح «منتدى شيانغشان» الـ13 في بكين الذي أُقيم خلاله «المنتدى الصيني- الأفريقي للأمن والسلام» (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصين وأفريقيا... تعاون دفاعي متصاعد في مواجهة المخاطر الأمنية

جانب من افتتاح «منتدى شيانغشان» الـ13 في بكين الذي أُقيم خلاله «المنتدى الصيني- الأفريقي للأمن والسلام» (وكالة الأنباء الصومالية)
جانب من افتتاح «منتدى شيانغشان» الـ13 في بكين الذي أُقيم خلاله «المنتدى الصيني- الأفريقي للأمن والسلام» (وكالة الأنباء الصومالية)

تدخل أفريقيا مرحلةً جديدةً من التنافس الدولي على النفوذ، مع اتساع مساحة الحضور الصيني في القارة مقابل تراجع نسبي في الاهتمام الأميركي بها، ولا تكتفي بكين بتوسيع شراكاتها الاقتصادية، بل تدفع بالتعاون العسكري والأمني إلى واجهة علاقاتها بالقارة السمراء وكان أحدث هذه الجهود «منتدى السلام والأمن الصيني - الأفريقي» الرابع.

ذلك المنتدى الذي جمع، بحسب بكين، مسؤولين في مجال الدفاع وممثلين عسكريِّين من الاتحاد الأفريقي و41 دولة أفريقية، يؤكد بحسب خبراء، أن «ذلك التعاون الدفاعي متصاعد، وأن الصين تزيد نفوذها بالقارة على أساس التعاون المتبادل في ظلِّ مواجهة المخاطر العسكرية والأمنية المتزايدة بخلاف واشنطن التي تقوم شراكتها على الشروط والضغوط».

وفي كلمة رئيسية ألقاها خلال «منتدى السلام والأمن الصيني - الأفريقي» الذي عُقد في بكين، دعا وزير الدفاع الصيني دونغ جيون إلى بذل مزيد من الجهود لتعزيز التعاون في مجال الدفاع بين الصين وأفريقيا، بحسب ما نقلته وكالة أنباء «شينخوا» الصينية، مساء الخميس.

وشدَّد على أن «التعاون في مجال الأمن بين الصين وأفريقيا يعود بالنفع على الجانبين، ويسهم في الاستقرار العالمي»، داعياً إلى «تعاون طويل الأمد يقوم على المساواة والمنفعة المتبادلة».

وقال دونغ: «إن الجيش الصيني مستعدٌّ للعمل مع الدول الأفريقية لتعزيز التنسيق الاستراتيجي، وتحسين آليات التبادل الدفاعي الشاملة والمتعددة المستويات، وتعميق التعاون الإقليمي في مجال الأمن البحري، وتعزيز القدرات الدفاعية».

خبير الشؤون الأفريقية بـ«المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط» حسين البحيري، يوضِّح لـ«الشرق الأوسط»،أن المنتدى «يمثل فرصةً كبيرةً لتعزيز التعاون الدفاعي بين بكين وأفريقيا، مع التنامي المتسارع للنفوذ والوجود الصيني داخل معظم دول القارة سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وتقديم نفسها شريكاً استراتيجياً بخلاف نهج واشنطن القائم على الشروط والضغوط، وهذا أحد أسباب التجاوب الأفريقي».

بعض الوزراء والمسؤولين الأفارقة المشاركين في «المنتدى الصيني - الأفريقي» (وكالة الأنباء الصومالية)

وتعتقد الخبيرة في الشؤون الصينية تمارا برو، أن بكين «تعزز حضورها الاستراتيجي المتصاعد في القارة الأفريقية الغنية بالموارد اعتماداً على مبدأ المنفعة المتبادلة (رابح - رابح) لحماية الممرات لضمان تدفق هذه الموارد وحماية مصالحها الاستثمارية، ومن دون فرض شروط سياسية أو التدخل في الشؤون الداخلية للحكومات، بخلاف النهج الأميركي الذي يربط التعاون والمساعدات بملفات حقوق الإنسان وطبيعة أنظمة الحكم».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن دعوة وزير الدفاع الصيني «تتكامل مع خطة عمل منتدى التعاون الصيني - الأفريقي (2025 - 2027)، التي تشمل تقديم منح وعائدات عسكرية وتدريب الضباط الأفارقة في الصين، وتنفيذ تدريبات ودوريات بحرية مشتركة، وتقديم المساعدة في مجالات مكافحة الإرهاب، وإزالة الألغام، وتأمين خطوط الملاحة، وتسويق الأسلحة الصينية، وبناء شبكة أمنية طويلة الأمد لحماية المصالح الاقتصادية».

أيضاً يؤكد الخبير الصيني في العلاقات الدولية، يحيى تشو شيوان لـ«الشرق الأوسط»، أن الدول الأفريقية «في حاجة فعلية إلى تعزيز قدراتها الذاتية في مجال الأمن والدفاع، وهذه الدعوة الصينية ستلاقي تجاوباً»، موضحاً أن «هذا التعاون لا يعني أن بكين تسعى إلى توسيع ما يسمى (النفوذ العسكري في أفريقيا)، أو طلب الاختيار بينها وبين واشنطن، أو توجيه التعاون ضد أي طرف ثالث، بل تسعى لاستقرار القارة؛ ما يصب في صالح بكين».

مشاركون أفارقة في «المنتدى الصيني - الأفريقي» (وكالة الأنباء الصومالية)

ونقلت «شينخوا» عن الممثلين الأفارقة المشاركين في المنتدى، «تقديرهم للمساعدة والدعم اللذين تقدمهما الصين في مجالَي الدفاع والتنمية العسكرية»، مؤكدين أن «الدول الأفريقية مستعدة لمواصلة تعزيز التعاون مع الصين في مجالَي الدفاع والأمن، والإسهام في تنمية العلاقات بين أفريقيا والصين».

وكشفت «وكالة الأنباء الصومالية» الرسمية، أن وزير الدفاع أحمد معلم فقي، شارك في هذا المنتدى، لافتة إلى أنه بحث مجالات التعاون في الدفاع والتدريب وبناء قدرات القوات المسلحة، إلى جانب الاستفادة من الدعم الدولي بما يتوافق مع الاحتياجات والأولويات الوطنية.

وفي سبتمبر (أيلول) 2025، التقى فقي، نظيره الصيني دونغ جون، في العاصمة بكين، في أول لقاء على المستوى الوزاري بين البلدين منذ نحو 4 عقود؛ لبحث تطوير التعاون الثنائي في مجالات الأمن والدفاع.

وهنا يعتقد يحيى تشو شيوان، أن الصومال «بوصفه دولة ذات سيادة، من حقه أن يختار شركاءه وفقاً لاحتياجاته في مكافحة الإرهاب والحفاظ على الأمن الوطني»، مؤكداً أنه «إذا عزَّزت الصين والصومال تعاونهما الدفاعي، فهذا طبيعي بين دولتين لهما سيادة،لكن التحدي الحقيقي أمام هذا التعاون في المستقبل هو كيف يمكن التعامل مع التهديدات الأمنية الآنية، وفي الوقت نفسه معالجة جذور الصراعات من خلال التنمية الاقتصادية».

هذا التجاوب الأفريقي الواسع، في ظلِّ التهديدات المتصاعدة بالقارة، يفتح بحسب تمارا برو، «آفاقاً للشراكة الدفاعية أمام الدول الأفريقية للاستفادة من التنافس الدولي بين واشنطن وبكين لتحسين شروطها التفاوضية، ونقل التكنولوجيا والخبرات العسكرية، وتطوير قدراتها الذاتية للحد من الاعتماد على القوات الأجنبية، لا سيما في مناطق مثل القرن الأفريقي؛ لمواجهة القرصنة وتأمين الموانئ».

في المقابل، تواجه هذه الشراكة تحديات جوهرية وفق برو «تتمثل في الاضطرابات الداخلية والضغوط الخارجية التي تمارسها الولايات المتحدة للحد من التمدد العسكري الصيني في القارة بدعوى حماية الأمن القومي الأميركي».

ورغم هذه التحديات التي تأتي في ظلِّ تحركات إسرائيلية بالقارة، يرى حسين البحيري، أن «هناك فرصاً لأفريقيا لتزيد تجاوبها مع بكين، في ظلِّ التراجع الأميركي عن دعم بعثات حفظ السلام في الدول الأفريقية، أو خفض التمويلات في عدد من المجالات الإنسانية جراء الصراعات».