آلاف السودانيين في دائرة الخطر بعد سقوط الفاشر بيد «الدعم السريع»

صور الأقمار الاصطناعية تُظهر أن المجازر ما زالت مستمرة

لقطة من مقطع فيديو نشرته «قوات الدعم السريع» يُظهر مقاتليها في شوارع مدينة الفاشر (أ.ف.ب)
لقطة من مقطع فيديو نشرته «قوات الدعم السريع» يُظهر مقاتليها في شوارع مدينة الفاشر (أ.ف.ب)
TT

آلاف السودانيين في دائرة الخطر بعد سقوط الفاشر بيد «الدعم السريع»

لقطة من مقطع فيديو نشرته «قوات الدعم السريع» يُظهر مقاتليها في شوارع مدينة الفاشر (أ.ف.ب)
لقطة من مقطع فيديو نشرته «قوات الدعم السريع» يُظهر مقاتليها في شوارع مدينة الفاشر (أ.ف.ب)

أعربت منظمة «أطباء بلا حدود»، السبت، عن خشيتها من أن آلاف المدنيين عالقون في مدينة الفاشر السودانية ويواجهون خطراً وشيكاً إثر سيطرة «قوات الدعم السريع» عليها، فيما أظهرت صور جديدة بالأقمار الاصطناعية أن المجازر ما زالت مستمرة في عاصمة ولاية شمال دارفور.

وفي سياق الحرب التي اندلعت في أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش و«الدعم السريع»، سيطرت الأخيرة، الأحد، على مدينة الفاشر، آخر معاقل الجيش في إقليم دارفور الذي يغطي ثلث مساحة السودان بعد حصار دام 18 شهراً.

ومنذ سقوط المدينة، توالت شهادات عن إعدامات ميدانية وعنف جنسي وهجمات على عمال الإغاثة وعمليات نهب وخطف، بينما لا تزال الاتصالات مقطوعةً إلى حدّ كبير.

وأفاد ناجون وصلوا إلى بلدة طويلة القريبة، وكالة الصحافة الفرنسية، بعمليات قتل جماعية وإطلاق نار على أطفال أمام ذويهم وضرب ونهب للمدنيين أثناء محاولتهم الفرار.

وقالت الأمم المتحدة إن أكثر من 65 ألف شخص فرّوا من مدينة الفاشر منذ الأحد، لكن عشرات الآلاف ما زالوا عالقين هناك، في حين كانت المدينة تؤوي نحو 260 ألف نسمة قبل الهجوم الأخير لـ«قوات الدعم السريع».

وأوضحت منظمة «أطباء بلا حدود» أن «أعداداً كبيرةً من المدنيين ما زالت تواجه خطراً شديداً وتُمنع من الوصول إلى مناطق أكثر أماناً من جانب (قوات الدعم السريع) وحلفائها».

وأضافت المنظمة أن نحو خمسة آلاف شخص فقط تمكنوا من الوصول إلى بلدة طويلة الواقعة على بُعد نحو 70 كيلومتراً غرب المدينة.

وقال رئيس قسم الطوارئ في المنظمة ميشال أوليفييه لاشاريتيه إن «عدد الوافدين إلى طويلة لا يتطابق مع حجم الكارثة، في وقت تتزايد فيه الشهادات عن فظائع واسعة النطاق».

وتساءل: «أين كل المفقودين الذين نجوا من شهور من الجوع والعنف في الفاشر؟»، مضيفاً: «الاحتمال الأكثر ترجيحاً، والمروّع في الوقت نفسه، هو أنهم يُقتلون أو يُطاردون أثناء محاولتهم الفرار».

«استمرار القتل الجماعي»

أفاد شهود عيان المنظمة بأن نحو 500 مدني، بينهم جنود من الجيش وقوات حليفة له، حاولوا الفرار، الأحد، لكن معظمهم قُتل أو أُسر على أيدي «قوات الدعم السريع» ومجموعات موالية لها.

وأشار الناجون إلى أن الفارين فُصلوا بحسب الجنس والعمر والانتماء العرقي المفترض، وأن كثيرين ما زالوا محتجزين مقابل فدية.

وقالت حياة، وهي أم لخمسة أطفال فرت من الفاشر، إن «الشبان الذين كانوا يسافرون معنا أوقفهم المسلحون في الطريق، ولا نعرف ماذا حلّ بهم».

وقالت الأمم المتحدة، الجمعة، إن عدد القتلى جراء هجوم «قوات الدعم السريع» على مدينة الفاشر قد يبلغ المئات، فيما اتهمت قوات حليفة للجيش السوداني «الدعم السريع» بقتل أكثر من ألفي مدني.

أفراد من «قوات الدعم السريع» يسيرون وسط الجثث والمركبات المحترقة بالقرب من الفاشر (رويترز)

وأظهرت صور جديدة التُقطت بالأقمار الاصطناعية مؤشرات إلى استمرار عمليات القتل الجماعي داخل مدينة الفاشر ومحيطها في غرب السودان، وفق باحثين في جامعة ييل الأميركية.

وقال مختبر الأبحاث الإنسانية في الجامعة في تقرير، الجمعة، إن الصور الجديدة تُظهر مؤشرات إلى أن جزءاً كبيراً من سكان المدينة «قُتلوا أو أُسروا أو يختبئون».

ورصد الباحثون ما لا يقل عن 31 مجموعة أجسام يُرجّح أنها لجثث بشرية بين الاثنين والجمعة في أحياء سكنية وحرم جامعي ومواقع عسكرية.

وأضاف التقرير أن «مؤشرات استمرار القتل الجماعي واضحة للعيان».

«مروّعة حقاً»

خلال مشاركته في مؤتمر «حوار المنامة» في العاصمة البحرينية، السبت، قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول إن «السودان في وضع كارثي تماماً. إنها أكبر أزمة إنسانية في العالم».

وأضاف أن «(قوات الدعم السريع) تعهّدت علناً حماية المدنيين وستحاسَب على هذه الأفعال».

وفي المؤتمر نفسه، نددت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر بالظروف «المروّعة» في السودان.

وقالت كوبر إن «التقارير الواردة من دارفور خلال الأيام الأخيرة مروّعة حقاً... فظاعات وإعدامات جماعية وتجويع واستخدام مدمّر للاغتصاب كسلاح في الحرب، فيما يتحمّل الأطفال والنساء وطأة أكبر أزمة إنسانية في القرن الحادي والعشرين».

وأعلنت «قوات الدعم السريع»، الخميس، توقيف عدد من عناصرها المتهمين بارتكاب انتهاكات، وتعهّد قائدها محمد حمدان دقلو (الملقب «حميدتي») بمحاسبة كل من يثبت تورطه.

لكن وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية توم فليتشر شكك في جدية التزامها بالتحقيق.

وتواجه «قوات الدعم السريع» والجيش اتهامات بارتكاب جرائم وأعمال عنف خلال الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين.

كانت الولايات المتحدة قد خلصت سابقاً إلى أن «قوات الدعم السريع» ارتكبت «إبادة جماعية» في دارفور.

ومن شأن سيطرة «قوات الدعم السريع» على الفاشر أن تمنحها تحكماً كاملاً في العواصم الخمس لإقليم دارفور، ما يعني تقسيم السودان فعلياً إلى محور شرقي-غربي، فيما يحتفظ الجيش بسيطرته على شمال البلاد وشرقها ووسطها.

وحذرت الأمم المتحدة من أن رقعة العنف بدأت تمتد إلى ولاية كردفان المجاورة، وسط تقارير عن «فظائع واسعة النطاق» ترتكبها «قوات الدعم السريع».


مقالات ذات صلة

مقتل 14 سودانياً على الأقل في غارات جوية على كردفان

شمال افريقيا تشييع قتلى هجمات «الدعم السريع» في مدينة الأبيض (صور متداولة في منصات التواصل الاجتماعي)

مقتل 14 سودانياً على الأقل في غارات جوية على كردفان

قال سكان لـ«الشرق الأوسط» إن مدينة الأُبَيِّض، عاصمة إقليم شمال كردفان، وسط غربي السودان، عاشت ليلة مروعة جرّاء هجوم بالمسيّرات.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
الولايات المتحدة​ الكونغرس لفرض مزيد من العقوبات على أطراف النزاع بالسودان

الكونغرس لفرض مزيد من العقوبات على أطراف النزاع بالسودان

أقرَّت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب مشروع قانون يرسم مساراً لفرض عقوبات على مسؤولين في «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني.

رنا أبتر (واشنطن)
شمال افريقيا لقطة لفندق تضرر من الحرب في الخرطوم (أ.ب)

دفاعات الجيش السوداني تتصدى لمسيرات استهدفت الخرطوم

أفادت تقارير بأن منظومات الدفاع الجوي التابعة للجيش السوداني تصدت لطائرات مسيّرة حاولت استهداف مناطق في مدينة أم درمان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
الاقتصاد وزير الري المصري خلال اجتماعه مع وفد البنك الدولي في القاهرة الثلاثاء (صفحة وزارة الري على «فيسبوك»)

مصر تستعين بالبنك الدولي لتجاوز أزمة «شح المياه»

بعد شكواها من تراجع نصيب الفرد إلى ما دون خط الفقر، تتجه مصر إلى الاستعانة بالبنك الدولي لتجاوز أزمة «شح المياه» التي تثير مخاوف في ظل استمرار نزاع «سد النهضة».

عصام فضل (القاهرة )
شمال افريقيا عناصر من «المقاومة الشعبية السودانية المسلحة» الموالية للجيش خلال عرض عسكري في ولاية القضارف شرق السودان يوم 20 مايو 2026 (أ.ف.ب)

دعوة أميركية ـ أوروبية لهدنة إنسانية عاجلة في السودان

جددت الولايات المتحدة ودول أوروبية، في بيان مشترك، تأكيد الحاجة المُلحة لهدنة إنسانية في السودان، تمهد لوقف دائم لإطلاق النار.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

تحقيق في حادثة سقوط طائرة تدريب مدنية بمصر

وزارة الطيران المدني المصرية تحقق في واقعة سقوط طائرة تدريب مدنية (رويترز)
وزارة الطيران المدني المصرية تحقق في واقعة سقوط طائرة تدريب مدنية (رويترز)
TT

تحقيق في حادثة سقوط طائرة تدريب مدنية بمصر

وزارة الطيران المدني المصرية تحقق في واقعة سقوط طائرة تدريب مدنية (رويترز)
وزارة الطيران المدني المصرية تحقق في واقعة سقوط طائرة تدريب مدنية (رويترز)

وجّه وزير الطيران المدني المصري، سامح الحفني بـ«فتح تحقيق فوري وعاجل للوقوف على أسباب وملابسات الحادث الذي تعرضت له، الجمعة، إحدى طائرات التدريب التابعة لـ(الأكاديمية المصرية لعلوم الطيران) بمطار السادس من أكتوبر في محافظة الجيزة من خلال (الإدارة المركزية لحوادث الطيران التابعة لوزارة الطيران المدني».

وكلف الحفني بـ«إجراء مراجعة شاملة لكافة الإجراءات المرتبطة بالواقعة، واتخاذ ما يلزم من إجراءات قانونية وإدارية في ضوء ما تسفر عنه نتائج التحقيقات»، مؤكداً «عدم التهاون في محاسبة أي مسؤوليات أو أوجه تقصير قد تثبتها التحقيقات».

وقضى طيار مصري، وأصيبت متدربة في حادث سقوط إحدى طائرات التدريب التابعة للأكاديمية المصرية لعلوم الطيران.

وتقدم الحفني، في إفادة مساء الجمعة، بـ«خالص التعازي وصادق المواساة إلى أسرة الطيار الراحل»، بينما وجّه على الفور بتقديم جميع أوجه الرعاية الطبية اللازمة للمتدربة المصابة، مع المتابعة المستمرة لحالتها الصحية، وتوفير جميع سبل الدعم اللازم لها.

وأكدت وزارة الطيران المدني في بيان «التزامها الكامل بتطبيق أعلى معايير السلامة والأمان، واتخاذ الإجراءات اللازمة كافة وفقاً لما تسفر عنه نتائج التحقيقات، بما يعزز منظومة السلامة الجوية، ويضمن الحفاظ على أعلى مستويات الكفاءة التشغيلية».


التصنيع العسكري المحلي... رهان مصري للحد من الإنفاق

إحدى القطع العسكرية المنتجة محلياً في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)
إحدى القطع العسكرية المنتجة محلياً في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)
TT

التصنيع العسكري المحلي... رهان مصري للحد من الإنفاق

إحدى القطع العسكرية المنتجة محلياً في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)
إحدى القطع العسكرية المنتجة محلياً في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)

تراهن مصر على تعزيز «التصنيع العسكري المحلي» للحد من الإنفاق على التسليح، مع إعلان القاهرة عن إنتاج متنوع من مدرعات وطائرات وأنظمة دفاع جوي محلياً، بالتوازي مع استراتيجية تنويع مصادر استيراد السلاح من الخارج، وكذلك تعدد التعاون مع دول أخرى في مجال التصنيع المشترك.

وسجلت مصر النسبة الأدنى بين الدول العربية في الإنفاق العسكري العام الماضي، بنسبة 0.61 في المائة، حسب تقرير صادر أخيراً عن «معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام».

ويساعد الإنتاج المحلي للسلاح في تقليل الضغط على العملة الأجنبية المخصصة للاستيراد من الخارج، وفقاً لخبراء عسكريين أشاروا لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «نمط الحروب الحديثة قائم على استهلاك كم كبير من الأسلحة والذخيرة، ما يفرض ضرورة توفير إمداد مستمر من التسليح»، وقالوا إن «الإنتاج المحلي يعزز من قدرات الإمداد الآمن حال اندلاع أي مواجهات».

ويتبنى الجيش المصري خطة تطوير شاملة لكل الأفرع والتخصصات في السنوات الأخيرة، من بينها تنويع مصادر التسليح الجديد، إلى جانب إبرام شراكات مع كبرى الدول في مجال التصنيع العسكري، حسب تقرير للهيئة العامة للاستعلامات المصرية.

وتتحرك الحكومة بقوة لزيادة الاعتماد على الإنتاج الحربي المحلي، وفق وزير الدولة للإنتاج الحربي صلاح سليمان جمبلاط، الذي أشار إلى أن «المرحلة الحالية تعتمد على توطين أحدث التكنولوجيات الصناعية داخل مصر، بما يضمن رفع كفاءة الإنتاج وتحقيق تنافسية للمنتجات المصرية»، وقال إن «خطة الإنتاج المحلي تستهدف الدخول في شراكات جديدة مع القطاع الخاص، لتقليل الفاتورة الاستيرادية ودعم الاقتصاد الوطني»، حسب إفادة للوزارة في شهر أبريل (نيسان) الماضي.

ذخائر محلية الصنع في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)

وأظهرت بيانات صادرة عن «معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام» (سيبري) انخفاض الإنفاق العسكري بمصر عام 2025، وأشار التقرير إلى أن «مصر سجلت النسبة الأدنى بين الدول العربية من حيث الإنفاق العسكري بواقع 0.61 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي».

وحسب تقرير «معهد استوكهولم»، فإن «الإنفاق العسكري العالمي بلغ 2887 مليار دولار في عام 2025، مسجلاً زيادة قدرها 2.9 في المائة، مقارنة بعام 2024»، في حين تصدرت الجزائر قائمة الدول العربية من حيث الإنفاق العسكري بواقع 8.83 في المائة من الناتج المحلي.

وأعلنت الحكومة المصرية إنتاج أسلحة متطورة محلياً، من بينها مدرعات وطائرات مسيّرة وأنظمة دفاع جوي، شاركت بها في معرض «إيديكس 2025» الذي عُقد بالقاهرة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ومن بين هذه المنتجات المدرعة «ردع 300»، وهي راجمة صواريخ موجهة متعددة الأعيرة، وتهاجم أهدافاً على مسافات حتى مدى 300 كم، إلى جانب الطائرة من دون طيار «جبار 150»، التي تتمتع بقدرات هجومية عالية.

وأثار الإعلان عن الطائرة «جبار 150» قلقاً إسرائيلياً؛ إذ أشار تقرير لمنصة «ناتسف نت» الإسرائيلية، في 8 يونيو (حزيران) الحالي، إلى أن «الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تراقب التطور التكنولوجي في التسليح المصري، وتدرس تداعياته الاستراتيجية».

وتستهدف الحكومة المصرية تعميق الإنتاج المحلي من السلاح لتأمين إمدادات الجيش المصري، وتقليل فاتورة الإنفاق للاستيراد من الخارج، وفق الخبير العسكري المصري اللواء نصر سالم، الذي قال إن «جزءاً من خطة تنويع مصادر تسليح الجيش المصري قائمة على توطين الصناعات العسكرية محلياً».

ويرى سالم، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «طبيعة الحروب الحديثة التي تستمر لفترات طويلة، تعتمد على استهلاك كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة»، مشيراً إلى أن «هذا يفرض على الجيش المصري الاستعداد لهذا النمط من الحروب بتوفير إمداد مستمر من الأسلحة، وخصوصاً أن التقديرات العسكرية تشير إلى أن إنفاق قتال يوم واحد يساوي ميزانية تسليح جيش في عام كامل»، وعادّاً أن الخيار الأفضل للدول «أن تقوم بإنتاج سلاحها».

راجمة الصواريخ «ردع 300» إحدى القطع المنتجة محلياً في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)

لكن سالم شدد على أن تكلفة توطين صناعة السلاح مرتفعة أيضاً، وتتطلب تكنولوجيات حديثة تتيح قدرات تنافسية مع غيرها من الأسلحة، معتبراً أن مزايا التصنيع المحلي أيضاً تتمثل في إنتاج أسلحة تلائم مسرح العمليات العسكرية، وتتماشى مع المستخدم نفسه.

ويساعد التوسع في الإنتاج المحلي من السلاح في تقليل الضغط على العملة الأجنبية، وفق الخبير العسكري سمير راغب، الذي أشار إلى أنه «لا توجد دولة في العالم تستطيع أن تحقق الاكتفاء الذاتي من التسليح؛ ذلك لأن هناك أنماطاً محددة يتم استيرادها من الدول التي تمتلك تكنولوجيات تصنيع متطورة».

ويرى راغب، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «امتلاك القاهرة قدرات إنتاج محلي من السلاح يسهم في تعزيز قدرات الجيش المصري العسكرية، ويُمكّن من توفير قاعدة متطورة من الإنتاج، ما يعزز من خصوصية التسليح الخاص بالجيش المصري».


مصر تسرّع تسوية مستحقات شركات الأدوية تحسباً لاضطرابات الإمداد

مصر تسعى إلى توطين صناعة الدواء (وزارة الصحة المصرية)
مصر تسعى إلى توطين صناعة الدواء (وزارة الصحة المصرية)
TT

مصر تسرّع تسوية مستحقات شركات الأدوية تحسباً لاضطرابات الإمداد

مصر تسعى إلى توطين صناعة الدواء (وزارة الصحة المصرية)
مصر تسعى إلى توطين صناعة الدواء (وزارة الصحة المصرية)

تحتاط الحكومة المصرية من أزمات الإمدادات في ملف الأدوية، تجنباً لتكرار أزمة سابقة شهدتها السوق قبل عدة أعوام؛ إذ وجه رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، «بسرعة تسديد مستحقات شركات الأدوية لضمان التزاماتها بتوفير الحصص المقررة للجهات الحكومية»، بينما أكد رئيس هيئة الدواء الدكتور علي الغمري، «جاهزية السوق الدوائية لمواجهة أي اضطرابات في سلاسل الإمداد لمدة 3 شهور».

وسبق أن شهدت سوق الدواء المصري أزمة متشعبة خلال عامي 2022 و2023، تمثلت في نقص شديد في العديد من الأدوية والمستلزمات الطبية بما في ذلك «البنج»؛ ما أثر في العديد من الخدمات، بالتزامن مع أزمة في توفير العملة الصعبة، لم تنفرج إلا بقرار تحرير سعر الصرف (التعويم) في مارس (آذار) من عام 2023، والذي قلص الفجوة الكبيرة بين سعر الصرف في البنوك والسوق السوداء، وأسهم في توفير العملة الصعبة لهذا القطاع الحيوي.

وعاد القلق إلى المشهد مؤخراً، مع اندلاع الحرب الإيرانية، وارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه من نحو 47 جنيهاً للدولار، إلى نحو 53 جنيهاً قبل أن يستقر حالياً عند حدود 52 جنيهاً.

غير أن مساعد محافظ البنك المركزي، محمد أبو موسي، أكد خلال مشاركته في اجتماع مدبولي مع مسؤولين عن الدواء، مساء الخميس، أن «القطاع المصرفي جاهز لتوفير العملة الصعبة لمختلف المؤسسات الحكومية، أو مؤسسات القطاع الخاص لاستيراد أي أدوية، أو مستلزمات، أو مواد خام طبية، وأنه لا يوجد أي طلبات عملة صعبة متأخرة في أي بنك لهذا القطاع».

خلال اجتماع مدبولي مع مسؤولي ملف الدواء في مصر 11 يونيو 2026 (رئاسة مجلس الوزراء المصري)

وثمّن المدير التنفيذي لـ«المركز المصري للحق في الدواء»، محمود فؤاد، عناية الحكومة المصرية اللافتة بملف الأدوية، منذ نحو 10 أعوام، بعدما كان الملف مقتصراً فقط على وزارة الصحة، مضيفاً: «الآن توجد هيئة مستقلة للدواء، وهيئة أخرى للشراء الموحد تتبع الحكومة، تم تأسيسهما في عام 2018، ويعملان على توفير الأدوية والعمل على توطين صناعتها».

لكنه أشار إلى أنه رغم هذه الجهود، فإن «توفر الأدوية لمرضي الأمراض المزمنة ممن يشكلون نحو من 8 إلى 10 في المائة من الشعب المصري، ما زالت تحتاج إلى مزيد من الجهود، لمواجهة أزمات الإمداد فيها والتي تظهر من وقت لآخر».

وأوضح فؤاد لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة الشراء الموحد كان لديها أزمة كبيرة في سداد مستحقات الأدوية للشركات؛ ما دفع بعض الشركات لوقف الإمدادات، وذلك خلال أزمة الدواء قبل عدة أعوام، وظهرت في ظل الفجوة الكبيرة بين تكلفة الدواء الحقيقة وسعره الجبري، مع أزمة العملة الصعبة وقتها، والحكومة تدخلت أكثر من مرة لسد الفجوة، لكن تكرارها وارد خصوصاً في أدوية الأمراض المزمنة»، لافتاً إلى أن «سوق الدواء تشهد حالياً نقصاً في أدوية (الروماتيد) و(الذئبة الحمراء) وبعض أمراض الأورام».

وأكد رئيس الوزراء المصري، حرص الدولة على المتابعة المستمرة لموقف توافر مخزون من الأدوية والمستحضرات الطبية بمختلف أنواعها، والعمل على ضمان استدامة توفيرها للمواطنين بالكميات المطلوبة، بما يدعم جهود الدولة في الارتقاء بالمنظومة الصحية، وتحقيق الأمن الدوائي، حسب بيان رسمي عقب الاجتماع أمس.

كما شدد مدبولي على «أهمية تعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لمتابعة المخزون الاستراتيجي من الأدوية والخامات الدوائية، ورصد احتياجات السوق المحلية بصورة دورية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان انتظام عمليات الإنتاج والتوريد، فضلاً عن دعم جهود توطين صناعة الدواء وزيادة نسب المكون المحلي، بما يسهم في تعزيز قدرة هذا القطاع الحيوي على تلبية احتياجات المواطنين، ومواجهة مختلف التحديات والمتغيرات».

حرص مصري على عدم تكرار أزمة الأدوية (هيئة الدواء المصرية)

وتسعى مصر إلى أن تصبح مركزاً إقليمياً للدواء بتوطين صناعته، وتصديره إلى دول أخرى، لا سيما السوق الأفريقية. وتبلغ نسبة التصنيع المحلي من احتياجات مصر من الدواء أكثر من 75 في المائة بالقيمة المالية، وأكثر من 90 في المائة من عدد الوحدات، وفق تقرير للهيئة العامة للاستعلامات في سبتمبر (أيلول) 2025.

ويشيد فؤاد بجهود توطين صناعة الأدوية، والمزايا الكبيرة التي تمنحها مصر للمستثمرين لجذب الاستثمارات فيه، مثل الإعفاء من ضريبة القيمة المضافة، وإعفاءات جمركية وغيرها، لكنه أكد أن ذلك «لا يحد من الأزمة الأساسية التي تواجه هذا القطاع والمتعلق باعتماده على خامات مستوردة بنسبة 95 في المائة، فضلاً عن زيادة التكلفة والتي حدثت مؤخراً بعد زيادة أسعار البنزين قبل شهرين»، مشدداً أن «الحل يجب ألا يكون بتحريك سعر الدواء، في ظل تحريكه مرات عدة السنوات الماضية».

واستعرض رئيس هيئة الدواء المصرية، جهود «تعزيز الأمن الدوائي»، مشيراً إلى الموافقة على المبادرة التمويلية لتأمين مخزون استراتيجي من المستحضرات الدوائية والخامات ذات الأولوية، وإتاحة تمويل دولاري لتأمين 216 مستحضراً من المستحضرات التي ليس لها مثائل، و484 مادة خام من الخامات الفعالة، كما تناول موقف الأدوية الاستراتيجية والهامة وخاماتها، مشيراً إلى أن 80 في المائة من تلك الأدوية تصل معدلات التغطية الخاصة بها إلى نحو 6 أشهر.

ورأى الخبير الاقتصادي، محمد مهدي عبد النبي، أن الحكومة تعمل على طمأنة سوق الدواء بشأن قدرتها على سداد المستحقات بعد سداد مستحقات الشركات الاستثمارية الأجنبية العاملة في قطاع البترول مؤخراً، مستبعداً في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن تتكرر أزمة الأدوية في مصر، مع استقرار الدولار نسبياً وصعوده وهبوطه في حدود بسيطة.