«إعادة الإعمار» في ليبيا... تنافس سياسي يعمّق «الإقصاء والتهميش»

مدن تشتكي التجاهل رغم إطلاق الحكومتين مشاريع تنموية مهمة قبل 4 سنوات

عبد الحميد الدبيبة خلال تفقده تنفيذ مشروع إسكاني في مصراتة سبتمبر الماضي (الوحدة)
عبد الحميد الدبيبة خلال تفقده تنفيذ مشروع إسكاني في مصراتة سبتمبر الماضي (الوحدة)
TT

«إعادة الإعمار» في ليبيا... تنافس سياسي يعمّق «الإقصاء والتهميش»

عبد الحميد الدبيبة خلال تفقده تنفيذ مشروع إسكاني في مصراتة سبتمبر الماضي (الوحدة)
عبد الحميد الدبيبة خلال تفقده تنفيذ مشروع إسكاني في مصراتة سبتمبر الماضي (الوحدة)

بينما تتنافس سلطات شرق ليبيا وغربها على إطلاق مشاريع إعادة الإعمار في المدن المدمَّرة منذ عام 2011، تتصاعد أصوات غاضبة تشكو «التهميش والإقصاء»، في مشهد يراه برلمانيون ومسؤولون محلّيون انعكاساً لـ«الانقسام السياسي».

وتستمر شكاوى التهميش في غرب ليبيا، رغم إطلاق مشروع «عودة الحياة» قبل أربعة أعوام، وكان آخرها في بلدة الحرابة، حيث أصدر مجلسها البلدي بياناً شديد اللهجة طالب فيه بتدخّل حكومي عاجل، وسط احتجاجات على «غياب مشاريع التنمية وفرص العمل».

ووصلت أصواتُ التهميش والشكاوى من «هشاشة البنية التحتية وضعف التعليم والصحة» إلى الأمم المتحدة خلال لقاءات المبعوثة الأممية هانا تيتيه، ونائبتها ستيفاني خوري مع ممثلين عن مدن في الغرب الليبي، منها بني وليد وتينيناي ومردوم، في يوليو (تموز) الماضي، رأوا أن نقص التمويل لا يُعطّل الخدمات الأساسية فقط، بل يُضعف أيضاً ثقة المواطنين بالعملية الانتخابية.

تهميش بسبب غياب العدالة

استناداً إلى خبرته في المنصب الذي غادره قبل أسابيع، أكد العميد السابق لبلدية زليتن، مفتاح حمادي لـ«الشرق الأوسط»، أن «عدداً من مدن الغرب الليبي، بينها زليتن، لا تزال تعاني التهميش نتيجة غياب العدالة في توزيع المخصّصات الحكومية»، لافتاً إلى أن «ميزانيات التنمية المحدودة وُجّهت بتفضيل بعض البلديات على غيرها».

مواطنون ينددون في وقفة احتجاجية بانقطاع الكهرباء في ربيانة بالجنوب الليبي (المجلس البلدي للمدينة)

ويُجري رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، لقاءات مع مسؤولين في تلك البلديات لبحث مشكلاتهم، إلا أن حمادي يقول إن الحكومة «كثيراً ما وعدت بإطلاق مشاريع، ووقّعت عقوداً لم تُنفذ بسبب غياب التمويل»، موضحاً أن «قرارات تنفيذ مشاريع في زليتن بقيت حبيسة الأدراج رغم طرح الملف مراراً أمام رئيس الحكومة دون استجابة فعلية».

أما في شرق ليبيا، فلا يعد الوضع أفضل حالاً؛ إذ تتكرّر شكاوى مدن عدّة، مثل مرادة والبريقة ورأس لانوف وشحات من «ضعف الإعمار وتدهور الخدمات»، وفق مصادر محلّية وشهادات مواطنين عبر صفحات التواصل الليبية. وفي هذا السياق، انتقد المكتب الإعلامي لقبيلة الدرسة «غياب البنية التحتية في ساحل الجبل الأخضر»، كما خرج شباب شحات محتجّين في سبتمبر (أيلول) الماضي على «أزمة الإسكان المزمنة والتهميش المتعمّد».

وأقرّ عضو مجلس النواب فهمي التواتي بـ«مشروعية شكاوى تلك المدن»، مبرزاً لـ«الشرق الأوسط» أن «تدنّي مستوى الخدمات، واتساع الرقعة الجغرافية، وعدم إدراك عديد المسؤولين لمفهوم التخطيط ومؤشرات القياس والقيم التقديرية لميزانيات التنمية وأهدافها، يهدّد بتشوّه الخدمات وتفاوتها»، لكنه أشار إلى «تنفيذ مشاريع طرق بين البريقة وأجدابيا، وأخرى تربط مرادة بالطريق الساحلي».

أما في الجنوب الليبي، فتبرز معاناة القطرون وأم الأرانب ووادي الأجال ومدن الواحات التي تعاني التهميش، وفق مصادر محلّية. وكان النموذج الأكثر وضوحاً في ربيانة، التي تُعدّ مثالاً للعزلة وضعف الخدمات، حيث تفتقر إلى طريق مرصوف، وتعاني أزمة كهرباء مزمنة.

وحتى في مدن جنوبية طالها الإعمار مثل أوجلة، فإنها «تفتقر إلى مشاريع تنموية مقارنة بمدنٍ كبرى مثل أجدابيا»، بحسب شهادة المواطن سالم عوض.

في المقابل، أطلق نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» صدام حفتر، هذا الأسبوع، خلال زيارته سبها، وعوداً بـ«تحويل المنطقة إلى مركز إنتاج لا معبرٍ للمعاناة والتهميش».

موجة إعمار

منذ أربع سنوات، تشهد ليبيا موجة إعمار متفرّقة وسط انقسام سياسي واضح؛ إذ تتولى حكومة «الوحدة» في الغرب جزءاً منها، بينما يدير «صندوق إعادة الإعمار في الشرق»، برئاسة بالقاسم نجل القائد العام للجيش الوطني المشير خليفة حفتر، مشروعات أخرى في الشرق والجنوب.

فصل دراسي يفتقر للتجهيزات الضرورية في بلدة قصر الأخيار في غرب ليبيا (بلدية قصر الأخيار)

تاريخياً، يبدو أن «التهميش في ليبيا ظاهرة متجذّرة منذ تأسيس الدولة عام 1951، لكنها تفاقمت أكثر بعد 2011»، وفق ما ذكر أشرف بلها، رئيس تجمع «تكنوقراط ليبيا»، الذي أوضح أن «حقبة معمر القذافي (الرئيس الليبي الراحل) شهدت عقوبات اقتصادية طويلة أعاقت تنفيذ المشاريع الوطنية بسبب سياسات النظام الخارجية»، واصفاً البنية التحتية في ليبيا بأنها «متخلّفة حتى في المدن الكبرى، التي تفتقر إلى شبكات نقلٍ ومياه وكهرباء متكاملة».

أما السبب الأبرز لتهميش بعض البلديات، بحسب عضو «ملتقى الحوار السياسي الليبي» عبد الله عثمان، فهو «الانقسام السياسي، وتفكّك مؤسسات الدولة»، موضحاً أن «غياب حكومة وطنية واحدة، تضع خطة تنموية وتتابع تنفيذها عبر وزارات تخطيط ومالية واقتصاد موحّدة، واستبدالها بصناديق وهيئات مستقلة في الشرق والغرب - بعضها لا يخضع للرقابة - فاقم حالة الارتباك وغياب العدالة في توزيع المشاريع، وأثار شبهات فساد في التعاقد عليها».

غياب رؤية واضحة للأولويات

حذّر تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2024 من أن «غياب التوافق السياسي والميزانية الوطنية حدّا من تمويل التنمية»، فيما أظهر استطلاعٌ أن «64 في المائة من الليبيين يشكّكون في قدرة البنية التحتية على مواجهة تغيّر المناخ والأزمات البيئية».

في هذا السياق، يرى عثمان أن «غياب رؤية واضحة للأولويات يجعل بعض المشاريع غير ذات أهمية تتقدّم، بينما تتأخر مشاريع حيوية كالصحة والتعليم»، مشيراً إلى أن «المدن الصغيرة، أو البعيدة عن مراكز النفوذ مثل غات وغدامس والكفرة وأوباري ومرزق ونالوت وشحات، لا تحصل على نصيبها من الإعمار مقارنة بالمدن الكبرى».

وقفة احتجاجية في مدينة شحات شرق ليبيا للمطالبة بحل مشكلة الإسكان (الصورة من فيديو)

وحذّر عثمان من أن «منظومة الفساد الراسخة، وافتقار المشاريع للشفافية، خاصة مع إسنادها المباشر دون مناقصات علنية، يضعان كثيراً من هذه المبادرات في دائرة الغموض»، لافتاً إلى أن «استمرار هذا النهج يجعل الشعور بالتهميش لدى الليبيين قائماً، ويحوّل مشاريع الإعمار إلى أدوات للدعاية السياسية أكثر منها استجابةً فعلية لاحتياجات تنموية ملحّة».

أكد النائب فهمي التواتي أن الإعمار في ليبيا «يحتاج إلى خطط تنموية مدروسة بميزانيات محدّدة» (أ.ف.ب)

ولا توجد تقديرات موحّدة لميزانيات الإعمار في ليبيا؛ إذ أقرّ البرلمان موازنة بنحو 69 مليار دينار لصندوق التنمية، فيما خصّصت حكومة الوحدة 8.8 مليار دينار لمشروعات البنية التحتية في الغرب.

ومع ذلك، يشير النائب فهمي التواتي إلى أن الإعمار في ليبيا «يحتاج إلى خطط تنموية مدروسة بميزانيات محدّدة وتدفقات منتظمة»، مشبّهاً ما يجري في شرق وجنوب ليبيا راهناً بـ«خطة إنقاذ»، ومؤكداً أن «التنمية المتأخّرة لا يمكن تحقيقها سريعاً في جميع المدن».


مقالات ذات صلة

أميركا تكثّف مشاوراتها لتوحيد المؤسسات الليبية

شمال افريقيا عبد الحميد الدبيبة ومسعد بولس خلال لقاء على هامش «منتدى أنطاليا» في تركيا أبريل الماضي (مكتب الدبيبة)

أميركا تكثّف مشاوراتها لتوحيد المؤسسات الليبية

كثّفت الولايات المتحدة اتصالاتها مع شخصيات نافذة في شرق ليبيا وغربها، في تحرك أعاد إلى الواجهة الحديث عن جهود أميركية لإحياء مسار توحيد المؤسسات المنقسمة.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا مواطنون ليبيون خلال وقفة احتجاجية ضد سطوة الميليشيات في مدينة الزاوية الجمعة (متداولة)

ليبيا: اشتباكات مدينة الزاوية تنتقل إلى عرض البحر

شهدت مدينة الزاوية، الواقعة غرب ليبيا، تصعيداً أمنياً غير مسبوق بعدما انتقلت الاشتباكات المسلحة المتكررة بين الفصائل المتناحرة من الأحياء السكنية إلى عرض البحر.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا سجناء ليبيون لحظة الإفراج عنهم من أحد السجون العسكرية في شرق ليبيا (اللجنة الوطنية لمتابعة أوضاع السجناء)

هل تقف الحسابات السياسية وراء «إفراجات العيد» من السجون الليبية

يقضي عشرات السجناء الليبيين، الذين أُفرج عنهم أخيراً، عيد الأضحى بين أسرهم بعد سنوات من الاحتجاز، وذلك عقب خطوات متزامنة في شرق وغرب البلاد للإفراج عن بعضهم

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا ساسة ليبيون في اجتماع «4+4» في روما 29 من أبريل الماضي (البعثة الأممية)

عودة الانتخابات إلى واجهة النقاش تختبر قدرة الأفرقاء على إنهاء الانقسام

مع استمرار الجمود السياسي الذي يطبع المشهد الليبي، عاد ملف الانتخابات إلى واجهة النقاش والتساؤلات مجدداً بوصفه الاختبار الأبرز للأفرقاء.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا سيارات طافية فوق مياه سيول جارفة أغرقت مدينة تهالة في الجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)

سيول جنوب ليبيا تستحضر سؤال «السدود الغائبة»

عادت السيول الجارفة لتضع مدينتي تهالة وغات في جنوب غربي ليبيا تحت ضغط كارثة موسمية متكررة بعدما شهدت المنطقتان القريبتان من الحدود الجزائرية أمطاراً غزيرة

علاء حموده (القاهرة)

تحركات تنموية مصرية في سيناء تُقلق إسرائيل وتعيد جدل «اشتراطات السلام»

الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)
الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)
TT

تحركات تنموية مصرية في سيناء تُقلق إسرائيل وتعيد جدل «اشتراطات السلام»

الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)
الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

في استمرار للمخاوف الإسرائيلية من تنامي القدرات العسكرية المصرية، وانتشارها في شبه جزيرة في سيناء، حذّرت وسائل إعلام عبرية من توسعات تجري في «مطار الجورة» بشمال سيناء، زاعمة أن الهدف منها هو «تقليص زمن الوصول الجوي لأهداف إسرائيلية إلى دقائق معدودة، ما يهدد أمن إسرائيل»، لكن مصادر مصرية مطلعة، قالت في المقابل، إن كل ما تقوم به مصر من تحركات في سيناء هو لـ«أغراض تنموية، وليس لتهديد إسرائيل»، مشددة على أن «القاهرة ملتزمة تماماً باتفاقية السلام والملحق الأمني لها وبنود وقيود انتشار القوات بالمنطقة».

وبحسب منصة «ناتسيف نت» الإسرائيلية، فإن تقارير استخباراتية حديثة في مايو (أيار) 2026 كشفت عن «أعمال إصلاح وترقية واسعة نفّذها الجيش المصري في مطار الجورة بشمال سيناء، بالقرب من الحدود الإسرائيلية وعلى بعد 12 كيلومتراً فقط»، مشيرة إلى أن «هذه الترقية جزء من اتجاه أوسع للتعزيز العسكري المصري في شبه الجزيرة، ما يثير قلق إسرائيل بسبب الانتهاك المحتمل للملحق العسكري في اتفاقية السلام».

لكن مدير الشؤون المعنوية سابقاً بالجيش المصري اللواء سمير فرج، قال إن «مصر لها الحق في أن تفعل ما تريده في أرضها، وهذا لا يخالف بنود معاهدة السلام التي تنصّ على تنظيم وجود القوات وأعدادها في مناطق معينة بسيناء، لكنها لا تنص على منع تطوير مصر لمطاراتها».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «نتنياهو وحكومته يحاولان افتعال أزمة وتضخيم الأمر لأغراض انتخابية، بإيهام الشعب الإسرائيلي أن هناك خطراً قادماً من مصر ولا بد أن يستمر حزب الليكود في السلطة لمواجهة هذا الخطر، ومصر تعي ذلك جيداً ولا تهتم به وتفعل ما تراه يخدم مصالحها التنموية في سيناء، مع الالتزام التام بما تفرضه معاهدة السلام».

الفريق أحمد خليفة رئيس أركان الجيش المصري يتفقد معبر رفح من الجانب المصري نهاية 2024 (الجيش المصري)

التقارير الإسرائيلية ذكرت أن تحليل صور الأقمار الصناعية وتقارير استخباراتية، «أشارت إلى إطالة المدرجات وتوسيعها وتحديثها لاستقبال المقاتلات وطائرات النقل الثقيل، وإنشاء بنى تحتية داعمة مثل ملاجئ محمية للطائرات ومستودعات وقود ومنشآت تخزين لوجستية ومبانٍ محصنة»، وأن «الموقع، الذي كان يستخدم في السابق بشكل أساسي من قبل قوة متعددة الجنسيات ومراقبين، يمرّ بعملية تحول ليصبح قاعدة طيران عسكرية نشطة لسلاح الجو المصري».

وشدّدت التقارير الإسرائيلية على أن «عملية تطوير المطار تسمح بالنقل السريع للقوات والمعدات الثقيلة إلى شمال سيناء، ما يغير ميزان القوى الإقليمي»، موضحة أن «الخطوة التالية الموصى بها هي متابعة مناقشات لجنة التنسيق الأمني المشتركة لفحص ما إذا كان سيتم التوصل إلى اتفاقيات جديدة بشأن قيود القوة في سيناء».

خبير الأمن القومي المصري اللواء محمد عبد الواحد قال إن «أي تحرك عسكري في سيناء تعمل القاهرة على إبلاغ القوات المتعددة الجنسيات الموجودة هناك بهذا التحرك، كما أن هناك لجنة مصرية - إسرائيلية تقوم بالتنسيق اليومي فيما بين البلدين على أعلى مستوى، ومن ثم فإسرائيل تعلم على المستوى الرسمي أن هناك ترتيبات تقوم بها مصر في سيناء بغرض التنمية، ضمن خطة مصر 2030، وهذا يستوجب بناء مطارات مدنية في هذه المنطقة لخدمتها ودعم التنمية بها، وبنية تحتية وأساسية مختلفة».

وأوضح لـ«الشرق الأوسط»: «ما تردده إسرائيل في هذا الشأن غرضه الشوشرة فقط، وهو خطاب للداخل الإسرائيلي في المقام الأول ولفت نظر الأميركان بمزاعم عن وجود مخاطر تهدد إسرائيل، لكن الحقيقة أن واشنطن وتل أبيب يعلمان تماماً بأي تحرك في سيناء ومصر ملتزمة تماماً باتفاقية السلام والبروتوكول الأمني الملحق بها».

وتابع عبد الواحد: «مصر لها السيادة على سيناء باعتبارها أرضاً مصرية، ومن حقّها أن تمارس حقّ السيادة دون الإخلال باتفاقياتها الدولية، فضلاً عن كون التقارير الإسرائيلية تتحدث عن رصد بنية خرسانية وإنشاءات، وتم تفسير هذا الأمر على أنه تم تحويل المطار المذكور لقاعدة هجومية، وهذا كلام غير منطقي، فلا يمكن من مجرد إنشاءات خرسانية وضع تفسيرات عسكرية، ومن ثم فالغرض مجرد الإثارة وترديد خطاب أصبح مكشوفاً للجميع، وبالتالي مصر تتجاهله ولا ترد عليه».

وبحسب بنود اتفاقية السلام الموقعة بين البلدين عام 1979، تنقسم سيناء إلى 3 مناطق رئيسية (أ، ب، ج) لتحديد حجم القوات والأسلحة المسموح بوجودها. المنطقة «ج» المتاخمة للحدود الإسرائيلية منزوعة السلاح تماماً، باستثناء قوات الشرطة المدنية. ونظراً للتحديات الأمنية المشتركة (مثل مكافحة الإرهاب في شمال سيناء والتهريب)، اتفقت مصر وإسرائيل على نشر قوات إضافية تتجاوز بنود المعاهدة الأصلية لتأمين المنطقة، وتتولى «القوة متعددة الجنسيات في سيناء» مراقبة الالتزام بهذه القيود عبر نقاط التفتيش المنتشرة.

ونقلت تقارير إعلامية أن «مصر ردّت على احتلال إسرائيل لطول حدود غزة مع مصر بزيادة الوجود العسكري قرب الحدود، وهو ما تراه أصوات في تل أبيب خرقاً لمعاهدة السلام، وتهديداً لأمن إسرائيل».

وكيل المخابرات المصرية السابق اللواء محمد رشاد، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر تعيد بناء وتأهيل جميع المطارات في سيناء لخدمة الأهداف المستقبلية، فتنمية سيناء تتطلب تأهيل المطارات لخدمة المنطقة، سواء لخدمة المشروعات التنموية فيها، وتسهيل عمليات النقل الجوي، أو لنقل الأفراد أو المعدات، وبالإضافة إلى ما سبق فإن منطقة الجورة تضمنت نشاطاً جوياً سابقاً لخدمة قوات الطوارئ التي كانت متمركزه فيها، وبالتالي فإن هذا ليس نشاطاً مستحدثاً».

وأوضح رشاد، الذي كان يشغل رئيس ملف الشؤون العسكرية الإسرائيلية بالمخابرات المصرية، أن «مصر تدير هذه المنظومة داخل أراضيها سواء لخدمة أهداف مدنية أو عسكرية، وزيادة انتشار القوات المصرية في سيناء كان نتيجة لخرق إسرائيل بنود اتفاقية كامب ديفيد، الأمر الذي دفع مصر إلى تأمين حدودها ضد التغول الإسرائيلي في محور فيلادلفيا»، مشدداً على أن «مصر لها الحق في القيام بالإجراءات اللازمة لاكتمال خطط تأمين حدودها، ولا رقيب عليها لأن كل إجراءاتها سلمية لتواجه الخطط الإسرائيلية التي تهدد الأمن القومي المصري».


بعد أزمة «قصر قرطام»... أكبر تجمع معارض في مصر بين الحل وإعادة التأسيس

اجتماع منتظر لتحالف «الحركة المدنية» لتحديد مستقبله بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة «الحركة المدنية» على «فيسبوك»)
اجتماع منتظر لتحالف «الحركة المدنية» لتحديد مستقبله بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة «الحركة المدنية» على «فيسبوك»)
TT

بعد أزمة «قصر قرطام»... أكبر تجمع معارض في مصر بين الحل وإعادة التأسيس

اجتماع منتظر لتحالف «الحركة المدنية» لتحديد مستقبله بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة «الحركة المدنية» على «فيسبوك»)
اجتماع منتظر لتحالف «الحركة المدنية» لتحديد مستقبله بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة «الحركة المدنية» على «فيسبوك»)

تتواصل تداعيات أزمة «القصر المخالف» لرئيس حزب «المحافظين» (معارض) رجل الأعمال أكرم قرطام، على تحالف «الحركة المدنية» الذي يعد أكبر تجمع للمعارضة في مصر، وذلك بعد انتقادات طالت الحركة بسبب موقفها من التعامل القانوني من جانب الحكومة.

ورغم تأكيد الحكومة المصرية أن «قصر قرطام» بُني بشكل مخالف على النيل، أصدرت «الحركة المدنية» مساء الجمعة بياناً شديد اللهجة ضد السلطات، وربطت فيه بين قضية «قصر قرطام» وقضايا أثارت جدلاً سابقاً، قبل أن تواجه انتقادات واسعة، سواء من داخل الحركة نفسها أو من معارضين آخرين، لتخرج ببيان ثانٍ تعلن فيه اعتذارها وتفهمها للانتقادات الموجهة إليها.

تلك الأزمة التي تعد الأكبر منذ ولادة الحركة المعارضة في 2017، تبعها إعلان حزب «العدل» الليبرالي العضو بالحركة انسحابه الكامل منها، داعياً لحلها، في تطورات يرى معنيون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنها تضع التجمع المعارض الأكبر في مصر أمام احتمال الحل وإعادة التأسيس دون انقسام.

وكشف قيادي بـ«الحركة المدنية»، التي تضم أحزاباً وشخصيات عامة، لـ«الشرق الأوسط» أن الحركة ستعقد اجتماعاً الأسبوع المقبل بشأن بحث الوضع الحالي ومستقبل الحركة.

اعتذار وسحب بيان

وأعلنت «الحركة المدنية»، في بيان مساء الأحد، أنها «تتفهم الانتقادات الموجهة إلى بيانها الأخير، وتعتذر عنه وعن صياغته، وتؤكد أنه لم يكن مقصوداً على الإطلاق الربط بين قضية هدم قصر أكمل وبين القضايا الوطنية الكبرى، مثل قضية (الوراق) أو هدم القبور التاريخية، ونعلن سحبنا للبيان».

وأكدت الحركة تمسكها بتقاليدها ومبادئها، مشيرة إلى أن «الانتقادات المخلصة التي تُوجَّه إليها تؤخذ بعين الاعتبار، وتسهم في تطوير أدائها والحفاظ على بوصلتها السياسية والوطنية».

وقبل صدور هذا البيان تنصّل حزب قرطام، في بيان الأحد، من وقوفه وراء بيان الحركة، قائلاً: «كان من الأنسب التواصل مع المهندس أكمل قرطام قبل إصدار البيان، وخاصة أنه بحكم طبيعته الشخصية وموقفه منذ بداية الأزمة، قد آثر النأي بحزب (المحافظين) عن الزج به في هذه الواقعة، ولم يطلب من الحزب أو أي من هيئاته إصدار بيانات أو اتخاذ مواقف داعمة له».

والجمعة، ربطت الحركة في بيان بين قضايا شعبية وهدم قصر قرطام، واعتبرته مساساً بالحقوق، ما أثار حملة انتقادات واسعة دعت للفصل بين دعم رجل أعمال في مسار قضية منظورة أمام القضاء ولم تُحسم، وبين حقوق المصريين.

والسبت، قال السياسي المصري مدثر محمد، في تعليق عبر صفحته على «فيسبوك»: «بيان الحركة لا يعبر إلا عن موقف أكمل قرطام شخصياً الذي يعد الممول الرأسمالي للحركة، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره قضية عامة تستحق أن تصدر بشأنها حركة معارضة بياناً رسمياً».

وقالت وزارة الري المصرية، في بيان يوم 25 مايو (أيار)، إن إجراءات إزالة منشآت قرطام المقامة بالمخالفة على نهر النيل «تأتي في إطار تطبيق القانون وحماية مجرى نهر النيل وأملاك الدولة العامة، ودون أي تمييز بين حالة وأخرى».

وكشف عضو مجلس أمناء «الحركة المدنية» ورئيس حزب «الجبهة الديمقراطية» (تحت التأسيس)، هلال عبد الحميد لـ«الشرق الأوسط» كواليس ذلك التخبط، قائلاً: «البيان الأول عندما طُرح واجهته انتقادات داخلية، وكان يرى البعض أنه يجب أن يصدر بشكل منفصل من الشخصيات والأحزاب، لكن فوجئنا بنشر البيان، وأثار مطالبات بسحبه؛ لأن القرارات تصدر بالتوافق، وحدثت مراجعات، ووصلنا لسحبه والاعتذار عنه».

من جانبه، يرى الخبير في الشؤون السياسية والبرلمانية الدكتور عمرو هاشم ربيع، في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «بيانات الحركة تنم عن تخبط داخلي، لكن التراجع والنقد الذاتي أمر جيد وإيجابي، خاصة أنه نادر في الأوساط السياسية».

دعوات للحل

جانب من اجتماعات سابقة لقيادات «الحركة المدنية» المعارضة في مصر (صفحة «الحركة المدنية» على «فيسبوك»)

ووسط ذلك المشهد المضطرب داخل التحالف المعارض بمصر، اعتبر حزب «العدل» في بيان الأحد، أن قرار تجميد نشاطه داخل «الحركة المدنية»، والذي اتخذه منذ سنوات، لم يكن مرتبطاً بخلاف عابر أو موقف ظرفي، وإنما جاء انعكاساً لتقييم سياسي لمسار الحركة، وقدرتها على الاستمرار كمنصة فاعلة للتنسيق والعمل العام، مؤكداً أن القرار بات من المناسب اعتباره انسحاباً كاملاً ونهائياً من «الحركة المدنية الديمقراطية».

وأكد الحزب أن الحفاظ على رصيد الحركة وتاريخها يقتضي التفكير الجاد في إنهاء التجربة بصورتها الحالية بدلاً من استمرار شكلي لم يعد يعكس واقعها، لافتاً إلى أن انتهاء تجربة بعينها لا يعني انتهاء الحاجة إلى العمل السياسي المدني الديمقراطي.

في المقابل، قال هلال عبد الحميد، إن أحزاب «المصري الديمقراطي» و«الإصلاح والتنمية» و«العدل» منذ عام 2020 صدر قرار بحقهم من «الحركة المدنية» بتجميد عضويتهم، وبالتالي استغلال الأزمة الحالية وإعلان الانسحاب ليس مؤثراً.

وأضاف عبد الحميد أنه «رُبّ ضارة نافعة؛ فكل الانتقادات الموضوعية التي وُجهت لنا قد تكون فرصة ذهبية للحركة لتعيد نشاطها، وذلك خلال اجتماع الأسبوع المقبل، ومن ثم مناقشة إعادة تأسيس للحركة، وإعادة بناء نظام داخلي فعال لإعادة النشاط للشارع المصري كما كانت الحركة في 2017».

ويتوقع الدكتور عمرو هاشم ربيع ألا تحدث انقسامات داخل الحركة، خاصة أنها قد تكون عنصراً مهماً في المستقبل السياسي حال أي استحقاقات محتملة، لافتاً إلى أن إعلان حزب «العدل» هو «تعبير لتحوله إلى حزب موالاة منذ سنوات، ولن يؤثر».

ويعتقد ربيع أن مصير الحركة مرتبط بالأحداث السياسية، وأنه زاد زخمها خلال انعقاد «الحوار الوطني» الذي كان يعطيها شكلاً من أشكال البقاء والتمسك، ومع انتهائه مؤخراً باتت الظروف ليست في صالح الحركة، خاصة أنها لم تشارك بفاعلية في الاستحقاقات الانتخابية.


فكرة «توطين المهاجرين» تعمّق الانقسامات في ليبيا

مهاجرون غير نظاميين من باكستان قبيل ترحيلهم من العاصمة الليبية إلى بلادهم يوم 24 مايو (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية شرق طرابلس)
مهاجرون غير نظاميين من باكستان قبيل ترحيلهم من العاصمة الليبية إلى بلادهم يوم 24 مايو (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية شرق طرابلس)
TT

فكرة «توطين المهاجرين» تعمّق الانقسامات في ليبيا

مهاجرون غير نظاميين من باكستان قبيل ترحيلهم من العاصمة الليبية إلى بلادهم يوم 24 مايو (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية شرق طرابلس)
مهاجرون غير نظاميين من باكستان قبيل ترحيلهم من العاصمة الليبية إلى بلادهم يوم 24 مايو (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية شرق طرابلس)

باتت المخاوف من شبح «توطين المهاجرين غير النظاميين» في ليبيا بمثابة ملف جدلي متجدد يطفو على السطح بشكل موسمي داخل الأوساط السياسية والحقوقية، في ظل تصاعد التحذيرات من تداعيات استمرار تدفق المهاجرين إلى البلاد، وانقسام حاد بين من يرى في ذلك تهديداً محتملاً للأمن القومي والتركيبة السكانية، ومن يرى أن الملف يُستثمر سياسياً ويُضخَّم لأغراض داخلية.

وراهناً، يزدحم المشهد الليبي بتصريحات ومواقف رافضة لأي طرح يتعلّق بما يُعرف بـ«التوطين»، مدفوعة بحالة من القلق الشعبي وتداول مقاطع مصورة لمخالفات مهاجرين غير نظاميين، أبرزها أحدهم يحمل سلاحاً في أحد شوارع طرابلس، مما أعاد الملف إلى واجهة النقاش العام بصورة أكثر حدّة.

وعبّر برلمانيون ونشطاء وممثلون عن مكونات اجتماعية عن مخاوف مرتبطة بالسيادة الوطنية والاعتبارات الأمنية في بلد يعيش انقساماً سياسياً ومؤسسياً منذ عام 2011، مما يزيد من تعقيد إدارة هذا الملف.

ويُعرّف تشريع ليبي صادر عن البرلمان قبل عامين «التوطين» بأنه إدخال الأجانب إلى البلاد بغرض الإقامة الدائمة، سواء عبر وسائل قانونية أو عبر بقاء غير نظامي بعد انتهاء المدة، وهو تعريف بات محوراً للنقاش السياسي الدائر.

وحسب رؤية الباحث المتخصص في الشأن الليبي جلال حرشاوي، فإن المخاوف مما يُعرف بـ«التوطين» تتراوح بين ما هو مبرر وما هو مبالغ فيه. وأضاف أن «غياب رؤية وطنية موحدة لإدارة ملف الهجرة يمثّل أحد أبرز أسباب استمرار الأزمة».

وتتعالى أصوات داخل ليبيا تدعو إلى رفض أي مشروعات تتعلق بالإدماج الدائم للمهاجرين؛ منها مبادرة شعبية تسمّي نفسها «حراك ضد التوطين»، حذرت من تداعيات تمسّ الأمن الاجتماعي والسيادة، فيما دعا حزب «ليبيا للجميع» إلى تشديد الرقابة على الحدود وتفعيل برامج العودة الطوعية وتنظيم سوق العمل، مع رفض أي صيغ قد تؤدي إلى إقامة دائمة أو اندماج طويل الأمد.

مهاجرون غير نظاميين على ساحل طبرق عقب إنقاذهم على متن قارب مطاطي متهالك الأربعاء الماضي (الهلال الأحمر الليبي)

تحذيرات من انتفاضة شعبية

كما تحدث اتحاد القبائل الليبية عبر مستشاره خالد الغويل عن وجود ما وصفه بـ«مخططات تستهدف ليبيا»، في حين ذهب البرلماني جاب الله الشيباني إلى توقع «انتفاضة شعبية عارمة في كل مدن وقرى وأرياف ليبيا» ضد ما سماه «مخطط التوطين».

ويرى حرشاوي أن من أبرز عوامل تفاقم القلق الليبي «استمرار عمليات اعتراض المهاجرين في البحر وإعادتهم إلى الداخل الليبي، مما يؤدي إلى تزايد أعداد المقيمين لفترات طويلة، إلى جانب مخاوف تتعلق بانتشار وثائق هوية بطرق غير قانونية عبر شبكات تهريب». كما أشار إلى أن الحرب في السودان منذ عام 2023 أسهمت في زيادة تدفقات المهاجرين نحو ليبيا، مما فاقم الضغوط على السلطات المحلية في ظل استمرار البلاد بوصفها مساراً رئيسياً للهجرة غير النظامية نحو أوروبا.

على الضفة الأخرى لهذا الجدل بشأن ما يُعرف بـ«التوطين»، يحذر مسؤولون ومراقبون في ليبيا من خطورة توظيف الملف سياسياً في ظل الانقسام القائم، عادّين خطاب «التوطين القسري» قد يفاقم الاستقطاب الاجتماعي. ويدعون في المقابل إلى مقاربات تعتمد على البيانات الدقيقة بدل التقديرات غير المثبتة.

وقال المستشار السابق لرئيس المجلس الأعلى للدولة، السنوسي إسماعيل، إن خطاب التخويف من التوطين يُستخدم بشكل قد يؤدي إلى تأجيج الانقسامات، داعياً إلى دعم المؤسسات الرسمية ومواجهة خطاب التحريض.

وبالمثل، فإن رئيسة «مفوضية المجتمع المدني» في طرابلس، انتصار القليب، دعت إلى تجنّب المبالغة في الأرقام والسيناريوهات، والعمل على نقاش قائم على بيانات موثوقة بعيداً عن الاستقطاب السياسي.

كذلك ذهب الناشط المدني، جهاد علي، إلى أن «التعامل العشوائي مع ملف الهجرة قد يهدد قدرة الدولة على السيطرة»، داعياً إلى «تشريعات صارمة ضد شبكات التهريب وتشديد العقوبات على المتورطين».

عناصر تابعة لجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية خلال انتشار أمني في مدينة البيضاء الليبية السبت (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية)

خيارات «غير واقعية»

وبين الاتجاهَين، يقول عضو المجلس الأعلى للدولة أبو القاسم قزيط، لـ«الشرق الأوسط»، إن خيارات التوطين «غير واقعية في المرحلة الحالية»، لكنه حذّر من أن استمرار السياسات الحكومية الحالية قد يقود عملياً إلى نتائج غير مقصودة تمسّ ملف الاستقرار الديموغرافي، وتقود عملياً إلى «التوطين».

ومنذ نحو تسعة أعوام، ترتبط السلطات في طرابلس بمذكرة تفاهم مع الجانب الأوروبي تقضي باعتراض قوارب المهاجرين في البحر المتوسط وإعادتهم إلى السواحل الليبية، وهي آلية لا تزال محل جدل واسع في ظل تزايد أعداد المهاجرين الذين يُعادون إلى البلاد سنوياً.

وتشير تقديرات المنظمة الدولية للهجرة إلى وجود ما بين 928 ألفاً و939 ألف مهاجر داخل ليبيا حتى عام 2025، ينتمون إلى 44 جنسية، مما يكرّس موقع البلاد بوصفها أحد أبرز مسارات العبور ونقاط الاستقرار المؤقت للمهاجرين الساعين للوصول إلى أوروبا عبر البحر المتوسط.

وبينما تتباين المواقف داخل ليبيا بين التحذير من التوطين والدعوة إلى ضبط الخطاب العام، يرى مراقبون أن الانقسام السياسي أسهم في تحويل ملف الهجرة إلى ساحة إضافية للتجاذب بين الأطراف المتنافسة، رغم المواقف الرسمية في طرابلس وبنغازي الرافضة للتوطين.

ويعتقد الباحث جلال حرشاوي أن المسؤولية في هذا الملف الجدلي «تتوزع بين مختلف الأطراف الحاكمة في شرق ليبيا وغربها»، عادّاً غياب استراتيجية وطنية موحدة لإدارة الحدود والهجرة يمثّل جوهر الأزمة المستمرة.

ويتزامن هذا الجدل مع تصاعد حملات لمدونين وصفحات تواصل ليبية ضد بعثة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في ليبيا، وسط اتهامات لها بتشجيع «التوطين»، مما دفع بعض المكونات الاجتماعية في منطقة السراج بطرابلس، حيث يقع مقر البعثة، إلى الدعوة لتنظيم احتجاجات تطالب برحيلها.

هذه الاتهامات نفتها سابقاً رئيسة بعثة المفوضية، كارمن صخر، قائلة إن المفوضية لا تتبنّى أي سياسات تتعلق بتوطين المهاجرين داخل ليبيا، وأن دورها يقتصر على تسهيل «إعادة التوطين في دول ثالثة» أو دعم «العودة الطوعية» وفق رغبة المهاجرين، وفي حال توافر الظروف المناسبة في بلدانهم الأصلية.

وهنا يحذّر الباحث في شؤون الهجرة، طارق لملوم، من مغبة استمرار التحريض ضد المفوضية الأممية، منتهياً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الاعتراضات ينبغي أن تُوجَّه إلى الجهات الوطنية المسؤولة عن إدارة ملف الهجرة، وليس إلى المنظمات الدولية التي تقتصر مهامها على الدعم الإنساني والحماية».