الرئيس الموريتاني لـ«الشرق الأوسط»: علاقتنا راسخة مع السعودية... وبلادنا تتعرض لحملات مغرضة

أكد أن خطة ترمب مرهونة بالالتزام ببنودها... ولا مناص من حلِّ الدولتين

الرئيس الموريتاني محمد الغزواني (الشرق الأوسط)
الرئيس الموريتاني محمد الغزواني (الشرق الأوسط)
TT

الرئيس الموريتاني لـ«الشرق الأوسط»: علاقتنا راسخة مع السعودية... وبلادنا تتعرض لحملات مغرضة

الرئيس الموريتاني محمد الغزواني (الشرق الأوسط)
الرئيس الموريتاني محمد الغزواني (الشرق الأوسط)

رهن الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، نجاح خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام في قطاع غزة، بالالتزام ببنودها، مقرّاً بأنه لا مناص من حلِّ الدولتين، للاستقرار والأمن في عموم المنطقة؛ مشيراً إلى رسوخ علاقة نواكشوط بالرياض.

وقال الغزواني، في حوار مع «الشرق الأوسط» من الرياض: «تجمع موريتانيا والسعودية وشائج أخوة وصداقة عريقة، وعلاقات متميزة على المستوى الرسمي. وروابط إنسانية عقَدية روحية وثقافية متينة، تجمع شعبينا الشقيقين، في ظل ما يكنُّه الشعب الموريتاني من محبة وتقدير للمملكة قيادةً وشعباً».

ويعكس تطابق الرؤى بين الرياض ونواكشوط حيال القضايا الإقليمية والدولية -وفق الغزواني- عمق ثقتهما المتبادلة ومتانة شراكتهما البناءة، المطَّردة التنامي والتنوع، في ظل فرص التعاون في مجالات كثيرة، كالصناعة، والبنى التحتية، والرقمنة، والطاقة.

وحول مشاركته في مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض، قال: «إن المبادرة تشكل منصة عالمية للحوار والاستثمار والابتكار، وللتعبير عن دعمنا للجهود الحثيثة التي تبذلها المملكة لتوفير مفاتيح الازدهار الشامل للبشرية، في ظل تحولات عالمية اقتصادية وتقنية وجيوسياسية متسارعة».

وأضاف الغزواني: «ستغتنم موريتانيا -بصفتها وجهة استثمارية واعدة- هذه الفرصة، لتقدم في جلسات وملتقيات هذا المنتدى رؤيتها وفرصها الاستثمارية، فضلاً عن مناقشة سبل تعزيز التعاون والشراكة في مجالات مختلفة».

تحديات خطة ترمب للسلام

وحول خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام في قطاع غزة، قال الرئيس الموريتاني: «نثمِّن هذه الخطة التي تهدف إلى وقف إطلاق النار، وإيقاف آلة القتل والتدمير. إنها تمثل تطوراً إيجابياً مُقدَّراً».

ويرى الغزواني أن الخطة تواجه تحديات جسيمة، تتمثل في الالتزام ببنود الاتفاق، وسيظل نجاحها مرهوناً بتوفر إرادة صادقة تعطي الأولوية للبعد الإنساني.

وشدد على ضرورة الإسراع في حل الدولتين، تمكيناً للفلسطينيين من حقهم في إقامة دولتهم المستقلة، طبقاً للقرارات الدولية ومبادرة الجامعة العربية، وترسيخاً للاستقرار والأمن بالمنطقة.

اتهامات باطلة

ورفض الغزواني الاتهامات الموجهة لبلاده بأنها أقدمت على ترحيل المهاجرين الأفارقة؛ مشدداً على ضرورة وضع الأمر في سياقه الصحيح، بعيداً عن «المبالغات والتحريفات التي تداولتها بعض وسائل التواصل الاجتماعي المغرضة»، على حدِّ تعبيره.

لافتاً إلى أن بلاده تتعرض منذ سنوات عدَّة لسيل من المهاجرين غير الشرعيين، اتخذوها ممراً إلى أوروبا ومقراً، وأخذ عددهم يزداد في الفترة الأخيرة، ما يهدد الاستقرار الأمني والاجتماعي.

وقررت الدولة -وفق الغزواني- إجراء إحصاء شامل للأجانب على أرضها، وترحيل غير الشرعيين منهم إلى بلدانهم، حتى يستوفوا شروط الإقامة القانونية؛ مشيراً إلى أن العملية جرت بتنسيق مع حكومات دُوَلهم، وفي ظروف تحفظ لهم كرامتهم.

ويرى أن بلاده ملجأ آمن للاجئين؛ حيث يوجد على أرضها 340 ألف لاجئ من دولة مالي، بالإضافة إلى عشرات الآلاف من الوافدين من دول مختلفة، يمارسون حقهم في الإقامة القانونية بما يصون الكرامة والحقوق.

تحديات موريتانية

ومع أن موريتانيا شهدت أوضاعاً اقتصادية صعبة تسببت في هجرة نحو 100 ألف شاب، فإن الغزواني يعتقد أن هجرة الشباب ليست شأناً تختص به موريتانيا؛ بل هي مشكلة إقليمية وقارية وعالمية. ويستدرك: «ومع ذلك لا ندخر جهداً لمواجهة التحديات التي تدفع الشباب للهجرة غير الشرعية؛ حيث أجرينا إصلاحاً شاملاً لمنظومتنا التعليمية، وترقية وتطوير التكوين الفني والمهني».

وتابع: «أطلقنا مشاريع تشغيل كثيرة لصالح الشباب في التجارة والأعمال، وعملنا على تنويع الاقتصاد، والتركيز على القطاعات الإنتاجية، وترقية القطاع الخاص، لتوفير فرص العمل».

وزاد: «نعزز دور الشباب بمختلف مواقع تدبير الشأن العام؛ حيث أحرزنا تحسناً لافتاً على مستوى قابلية الشباب للتشغيل، وعلى مستوى نفاذه الفعلي إلى العمل، وسنقوم بالمزيد»، مؤكداً أن حكومته اتخذت خطوات استراتيجية، لمكافحة الفقر والتهميش.

كما نعزز «دعم القدرة الشرائية للطبقات الهشة، والتمكين من السكن والخدمات الأساسية، كالماء والكهرباء، مروراً بالتأمين الصحي، بخطى حثيثة، للتغلب على التحديات، وإرساء دعائم نهضة متوازنة وشاملة»، مبيِّناً التفاوت بين العاصمة والولايات.

وأضاف: «منذ سنوات نعمل على تحقيق نوع من التوازن، وتعزيز اللامركزية، وإنشاء وتوسيع البنى التحتية الصحية والتعليمية والطرق في مدن عدة، وهناك مشاريع تنموية لتحقيق تنمية شاملة وعادلة، إيماناً بالشروط الضرورية لدولة متماسكة مستقرة وديمقراطية».

وعلى صعيد الفساد الإداري والمالي، أكَّد الغزواني: «نؤمن بأن الفساد ليس مجرد خلل إداري؛ بل هو تهديد استراتيجي للدولة الحديثة. إن مواجهة هذه الظاهرة تمثل بالنسبة لنا التزاماً وطنياً وأخلاقياً».

وأضاف: «لذا جعلنا محاربته على رأس أولوياتنا، فاستحدثنا سلطة خاصة مستقلة لمكافحة الرشوة والفساد عموماً، وفعَّلنا أجهزة الرقابة والتفتيش، وعززنا المساءلة، وحرصنا على نشر التقارير بكل شفافية».

مهددات دول الساحل الأفريقي

وعلى عكس ما ذهب إليه بعض المراقبين، من أن القمة السادسة لدول الساحل الأفريقي التي انعقدت في موريتانيا، حملت في ثناياها تهديدات بشأن إيجاد حل سريع للأزمة الليبية، نفى الرئيس الموريتاني ذلك جملة وتفصيلاً.

وقال: «لم تحمل في ثناياها تهديداً، وإنما حملت تأكيداً على ضرورة حل هذه الأزمة. الأزمة الليبية تمثل محوراً أساسياً في معادلة الاستقرار بمنطقة الساحل والصحراء، ولهذا فإن دول الساحل -وخصوصاً موريتانيا- تعتبر أن عدم الاستقرار في ليبيا يعني استمرار عدم الاستقرار في الإقليم كله».

وأضاف الرئيس الموريتاني: «إن الجميع موقن بأن الوضع في ليبيا يقتضي حلاً عاجلاً يقوده الليبيون أنفسهم، بينما دعمت موريتانيا خلال رئاستها للاتحاد الأفريقي هذا المسار، وبذلت في ذلك جهوداً كبيرة».

وأقرَّ بأن التدخلات الخارجية في ليبيا أسهمت في إطالة أمد الصراع، وأضعفت وحدة المسار السياسي، مؤكداً أن التوافق الوطني هو الطريق نحو استعادة السيادة والقرار، وكذلك من الضروري إعادة الاعتبار للمسار الأفريقي وتوحيد الموقف الدولي، وإطلاق مصالحة وطنية شاملة؛ لوضع ليبيا على طريق الوصول لحل نهائي للأزمة.

وحول خطة العمل المتعددة الأبعاد لكيان دول الساحل الأفريقي، لمواجهة ازدياد العمليات الإرهابية، قال الرئيس الموريتاني: «إن دول الساحل الخمس لم تعد قائمة كمجموعة، لأسباب لن نخوض في تفاصيلها».

وأقرَّ بأن الروح التي تأسست عليها خطة العمل المتعددة الأبعاد لكيان دول الساحل الأفريقي، والمبادئ التي بُنيت عليها، من مقاربة الأمن في مختلف أبعاده العسكرية والتنموية والآيديولوجية والاجتماعية، ما زالت باقية.

وشدد على ضرورة تنسيق الجهود والوسائل في مواجهة الإرهاب؛ حيث إن ذلك لا يزال موجوداً، وإن اتخذت الخطة صيغاً وأشكالاً جديدة؛ مشيراً إلى أنه ليس للمنطقة من أمل في الانتصار بنحو حاسم ومستدام على العنف والإرهاب إلا بنحو جماعي.

وعن مدى تأثير فشل كيان دول الساحل الأفريقي في تنفيذ خططه على حدوث مزيد من الانقلابات في دول مثل النيجر ومالي وبوركينا فاسو، شدد الغزواني على أن «الاستقرار الأمني والسياسي، والتركيز على البعد التنموي، يُعدَّان الحصانة الأقوى في وجه أي فوضى أو تحول غير ديمقراطي».

وزاد: «إن منطقة الساحل تعيش منذ سنوات وضعاً دقيقاً تطبعه الهشاشة الأمنية والتحديات الاقتصادية المتفاقمة. كما أن إعادة صياغة التحالفات في هذه المنطقة أثَّر في البنية الإقليمية، وأضعف -إلى حد ما- مستوى التنسيق والاستجابة الجماعية للأزمات المختلفة».


مقالات ذات صلة

وزير الخارجية السعودي يبحث في اتصالات هاتفية مستجدات المنطقة

الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي (الشرق الأوسط)

وزير الخارجية السعودي يبحث في اتصالات هاتفية مستجدات المنطقة

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي في اتصالات هاتفية أجراها مع نظرائه في قطر وسلطنة عمان والبحرين والأردن مستجدات المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج جانب من الاجتماع الذي عُقد برئاسة وزير الخارجية السعودي ونظيره العراقي في المملكة (واس)

العراق يجدد التزامه منع أي هجمات من أراضيه على دول المنطقة

جدّد العراق، الأحد، تأكيد التزامه عدم السماح باستخدام أراضيه أو أجوائه نقطة انطلاق لأي أعمال أو هجمات تستهدف السعودية أو دول «مجلس التعاون لدول الخليج العربية».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد أحد الحفارات التابعة لـ«الحفر العربية» (موقع الشركة)

«الحفر العربية» تستأنف عمل 3 منصات بحرية… والأسطول بكامل طاقته نهاية العام

«الحفر العربية» تعيد 3 منصات بحرية إلى الخدمة بعد توقف احترازي وتتوقع اكتمال عودة الأسطول بنهاية العام.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد جناح شركة «أم القرى للتنمية والإعمار» في أحد المعارض (موقع الشركة الإلكتروني)

«أم القرى» توقع 3 اتفاقيات حجز لبيع أراضٍ في «وجهة مسار» بـ117.6 مليون دولار

«أم القرى للتنمية والإعمار» توقيع ثلاث اتفاقيات حجز لبيع ثلاث قطع أراضٍ ضمن المنطقة الثانية من «وجهة مسار» في مكة المكرمة، بقيمة 117.6 مليون دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد جانب من أعمال المناولة الأرضية للشحن الجوي التي تنفذها «سال» (الشركة)

«سال السعودية» تعزز أعمال المناولة الأرضية باتفاقية مع «طيران إس إف» الصينية

وسّعت شركة «سال» السعودية للخدمات اللوجستية أعمالها في قطاع الشحن الجوي، بتوقيع اتفاقية مع شركة «طيران إس إف» الصينية...

«الشرق الأوسط» (الرياض)

مصر تُجدد رفض التدخلات الخارجية في شؤون سوريا

لقاء سابق في القاهرة بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني (الخارجية المصرية)
لقاء سابق في القاهرة بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُجدد رفض التدخلات الخارجية في شؤون سوريا

لقاء سابق في القاهرة بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني (الخارجية المصرية)
لقاء سابق في القاهرة بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني (الخارجية المصرية)

جددت مصر رفضها التدخل في شؤون سوريا، وأكدت ضرورة «تمكين مؤسسات الدولة الوطنية السورية»، وذلك خلال اتصال هاتفي بين وزير الخارجية بدر عبد العاطي وتوم برّاك، مبعوث الرئيس الأميركي الخاص لكل من سوريا والعراق، الأحد.

وأشار عبد العاطي إلى «أهمية الحفاظ على وحدة الأراضي السورية وسلامتها»، وشدد على «رفض أي تدخلات خارجية في شؤونها الداخلية»، وجدد إدانة مصر العملية الإرهابية الأخيرة التي شهدتها العاصمة دمشق الأسبوع الماضي، مؤكداً «أهمية تضافر الجهود لمكافحة الإرهاب والتطرف بكل صوره وأشكاله».

ووقع صباح يوم الثلاثاء الماضي تفجيران أمام مبنى وزارة السياحة السورية في منطقة جسر فكتوريا وسط العاصمة دمشق، قرب الفندق الذي كان يُقيم فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في أول زيارة لرئيس غربي إلى سوريا، ما أدى إلى مقتل شخص وإصابة 31 آخرين، أغلب إصاباتهم طفيفة، وكان ذلك الحادث الإرهابي الثاني خلال أسبوع.

وفي ذلك الحين، أعربت مصر عن «إدانتها الشديدة للتفجيرين»، وأكدت رفضها لكل أشكال العنف والإرهاب، مشددة على «ضرورة التصدي لكل ما من شأنه زعزعة أمن واستقرار الجمهورية العربية السورية».

وجددت القاهرة تأكيد وقوفها إلى جانب سوريا «في مواجهة كل ما يستهدف أمنها واستقرارها، معربة عن دعمها الجهود الرامية إلى حفظ الأمن ومكافحة الإرهاب».

وفي سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، شدد وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقائه نظيره السوري أسعد الشيباني، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، على ضرورة «استعادة سوريا دورها الطبيعي داخل محيطها العربي والإقليمي، ما سيُعزز الأمن القومي العربي»، وفق بيان صادر عن وزارة الخارجية المصرية.

كما جدد عبد العاطي «رفض مصر القاطع للانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للسيادة السورية»، محذراً من «خطورة محاولات استغلال الأوضاع الراهنة لتبرير التدخلات الخارجية».

وشهدت الفترة الأخيرة لقاءات مصرية - سورية متتالية، يراها مسؤولون ومراقبون «دفعةً لمسار التقارب» في العلاقات بين البلدين. والشهر الماضي التقى عبد العاطي نظيره الشيباني على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية في العاصمة الأردنية عمَّان. وأكد الوزيران «عمق الروابط التاريخية والشعبية التي تجمع مصر وسوريا... وأهمية البناء على الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السوري إلى القاهرة مطلع شهر مايو (أيار) الماضي».

كما رحبا بعقد الاجتماع الحكومي المصري - السوري الثاني على مستوى كبار المسؤولين بمشاركة الوزارات والهيئات المعنية بالتجارة والاستثمار في البلدين، لبحث الخطوات التنفيذية لتعزيز التعاون الاقتصادي المشترك.


«الصليب الأحمر»: أكثر من 11 ألف مفقود منذ اندلاع حرب السودان

من مشاهد الحرب السودانية (د.ب.أ)
من مشاهد الحرب السودانية (د.ب.أ)
TT

«الصليب الأحمر»: أكثر من 11 ألف مفقود منذ اندلاع حرب السودان

من مشاهد الحرب السودانية (د.ب.أ)
من مشاهد الحرب السودانية (د.ب.أ)

قال الناطق باسم «اللجنة الدولية للصليب الأحمر»، فريد الحميد، إن عدد المفقودين في السودان يزيد على 11 ألف شخص منذ بدء الحرب في أبريل (نيسان) 2023. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن هذا الرقم يمثل فقط الحالات المسجلة لدى «اللجنة» والجمعيات الوطنية المحلية، مرجحاً أن يكون عدد الأشخاص المفقودين أعلى بكثير من هذا الرقم.

وأوضح الحميد أن استمرار النزاع فاقم حركة النزوح السكاني، وأدى إلى «ازدياد عدد الأشخاص الذين يلتمسون المساعدة لإعادة الروابط العائلية أو لمعرفة مصير أحبائهم الذين انقطع بهم الاتصال؛ مما يعكس الحجم الواسع والأبعاد العميقة للعواقب الإنسانية لهذه الحرب».

وذكر أن «اللجنة» تلقّت في العام الماضي أكثر من 1682 طلبَ بحثٍ من عائلات داخل السودان، و2200 طلب من الخارج؛ للحصول على معلومات بشأن مصير وأماكن وجود أقاربها المفقودين، «بما في ذلك التأكد من سلامتهم أو معرفة ما إذا كانوا محتجزين لدى أي جهة عسكرية أو أمنية». وأفاد المسؤول الدولي بأن «اللجنة الدولية» ساعدت العائلات في توفير معلومات عن 846 من الأشخاص المفقودين.

النساء المفقودات

من جانبها، قالت وزيرة الدولة للرعاية الاجتماعية، سليمى إسحاق، لـ«الشرق الأوسط»، إن عدد النساء المفقودات منذ اندلاع الحرب تجاوز 600. وأضافت أن الجهات المختصة تواجه «تحديات كبيرة في الحصول على المعلومات الدقيقة بشأن أعداد المفقودات؛ إذ إن غالبية الأسر تخشى الإبلاغ عن مفقوديها الفتيات لأسباب اجتماعية بحتة متعلقة بوصمة العار».

وذكرت إسحاق أن كثيراً من النساء المفقودات خلال الحرب «تركن خلفهن مئات الأطفال في أعمار مختلفة».

وفي وقت سابق، طالبت الحكومة السودانية الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بالتدخل العاجل للكشف عن مصير أكثر من 20 ألف سجين تحتجزهم «قوات الدعم السريع» في ظروف إنسانية بالغة السوء.

البحث عن الأقارب

عوضية مع بنت ابنها المفقود (الشرق الأوسط)

في الأثناء، يواصل آلاف السودانيين البحث عن أبنائهم وأقاربهم الذين فُقدوا في الحرب. عوضية عباس (60 عاماً) اعتُقل ابنها مبارك من قبل «قوات الدعم السريع» إبان سيطرتها على العاصمة الخرطوم، عندما كان في طريقه لشراء بعض الأغراض، وما زالت تبحث عنه بعد مرور نحو عامين على اختفائه قسراً.

قالت: «لا أعرف مصيره وما إذا كان حياً أم ميتاً. ما أتمناه في هذه الدنيا رؤيته قبل موتي»، مضيفة: «أترقب دخوله في أي لحظة... لكنه حتي الآن لم يرجع».

وأصيب والده مصطفى بمرض أقعده عن الحركة ثم توفى بعد 4 أشهر من غياب ابنه. ومبارك نفسه أب لـ4 أبناء، أكبرهم عمره 15 عاماً، وأصغرهم طفلة ذات 5 أعوام لا تكف عن سؤال جدتها متى يعود والدها إلى البيت.

ومنذ ذلك الوقت تتابع عائلته المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، أملاً أن يكون أحدهم قد تعرف عليه في المعتقلات.

سحر هارون مثالُ آخر... فقدت زوجها واثنين من إخوانها منذ منتصف مارس (آذار) 2024. قالت لـ«الشرق الأوسط»: «علمنا بأن (قوات الدعم السريع) تحتجزهم في سجن سوبا شرق العاصمة الخرطوم، وذهبنا مرات عدة، لكن لم يسمحوا لنا بزيارتهم».

وبعد استعادة الجيش السيطرة على الخرطوم وخروج «قوات الدعم السريع» منها، قالت سحر إن بعض المعتقلين الذين أُطلق سراحهم أبلغوها بترحيل أفراد أسرتها إلى غرب السودان، لكن حتى الآن لا تتوفر أي معلومات عن مكانهم.

ابتزاز الفدية

عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي ظل هذه الظروف، وقع كثير من العائلات ضحايا للابتزاز المالي، حيث كانوا يتلقون مكالمات هاتفية من أشخاص يزعمون أنهم يحتجزون أقرباءهم، ويطلبون فدية للإفراج عنهم مقابل إطلاق سراحهم، مهددين بقتلهم إذا لم تستجب الأسر.

وتعرض آلاف المعتقلين، في مراكز احتجاز منتشرة بالخرطوم، لشتى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، وفق شقيق فتاة مفقودة بعد اقتيادها من منزلها في الخرطوم. وقال إن الأسرة لا تزال تترقب عودتها في أي لحظة، رغم انقطاع الاتصال بها أكثر من 8 أشهر.

واعتقل المئات من المدنيين؛ غالبيتهم من الشباب، عند نقاط التفتيش التي كانت تقيمها «قوات الدعم السريع» في المناطق التي كانت تسيطر عليها داخل ولايتي الخرطوم والجزيرة في وسط البلاد، دون إخطار عائلاتهم، بينما تشير أنباء عن مقتل أعداد كبيرة منهم داخل معتقلات التعذيب والتجويع المتعمد.


وفد عسكري مصري يزور تركيا... تنسيق متزايد في مواجهة توترات إقليمية

جانب من فعاليات التدريب المصري التركي «العقاب الذهبي» الأسبوع الماضي (صفحة المتحدث العسكري المصري)
جانب من فعاليات التدريب المصري التركي «العقاب الذهبي» الأسبوع الماضي (صفحة المتحدث العسكري المصري)
TT

وفد عسكري مصري يزور تركيا... تنسيق متزايد في مواجهة توترات إقليمية

جانب من فعاليات التدريب المصري التركي «العقاب الذهبي» الأسبوع الماضي (صفحة المتحدث العسكري المصري)
جانب من فعاليات التدريب المصري التركي «العقاب الذهبي» الأسبوع الماضي (صفحة المتحدث العسكري المصري)

زيارة رسمية هي الأولى من نوعها لوزير الدفاع المصري أشرف سالم زاهر، لتركيا، تأتي وسط توترات تشهدها المنطقة مع عودة التصعيد الأميركي-الإيراني، وقلق إسرائيلي متصاعد من تقارب القاهرة وأنقرة.

تأتي هذه الزيارة الرسمية بعد توالي التدريبات العسكرية المشتركة، وتؤشر، حسب خبراء في مصر وتركيا تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن التنسيق العسكري وصل لمرحلة متقدمة للغاية، وسيعزز فرص تعزيز الاستقرار بالمنطقة ومواجهة أي توترات إقليمية.

كما أكد الخبراء أيضاً «أن إسرائيل ستظل تنظر لهذا التقارب بريبة كبيرة دون أي تدخل مباشر، خصوصاً ونحن إزاء دولتين كبيرتين بالمنطقة عسكرياً وحسابات المواجهة معهما معقدة».

أول زيارة منذ 13 عاماً

وأعلن الجيش المصري، في بيان الأحد، أن الوزير زاهر، «غادر أرض الوطن متوجهاً إلى دولة تركيا على رأس وفد عسكري رفيع المستوى في زيارة رسمية بدعوة من وزير الدفاع التركي يشار غولر لإجراء عدد من المباحثات لدعم آفاق التعاون العسكري بين القوات المسلحة لكلا البلدين في العديد من المجالات».

وهذه أول زيارة من نوعها لوزير الدفاع المصري الحالي الذي تم تعيينه في منصبه في فبراير (شباط) الماضي، والأولى لوزير دفاع مصري يقوم بزيارة رسمية لتركيا منذ 2013، ففي 8 مايو (أيار) من ذلك العام، قام وزير الدفاع المصري وقتها عبد الفتاح السيسي بزيارة رسمية لتركيا، والتقى وقتها عصمت يلمظ وزير الدفاع الوطني التركي آنذاك.

وفي نهاية أبريل (نيسان) 2024، أعلن صالح موتلو شن، السفير التركي في القاهرة، أن رئيس أركان الجيش المصري وقتها الفريق أسامة عسكر، زار تركيا بدعوة من رئيس هيئة الأركان التركية الفريق أول متين غوراك، وأجرى محادثات هناك، في أول زيارة لمسؤول عسكري مصري رفيع المستوى لتركيا منذ توتر العلاقات بين البلدين عام 2013.

وفي مايو الماضي، أجرى رئيس أركان الجيش المصري، الفريق أحمد خليفة، زيارة رسمية إلى تركيا، التقى خلالها نظيره التركي الفريق أول متين غوراك، ضمن فعاليات الاجتماع الرابع للجنة العسكرية المشتركة بين البلدين، وتم بحث سبل تطوير التعاون العسكري، لا سيما في مجالات التدريب وتبادل الخبرات.

وزير الدفاع المصري أشرف سالم زاهر (صفحة المتحدث العسكري المصري)

ويرى المستشار في «الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية» اللواء عادل العمدة، أن الزيارة غير المسبوقة «تأتي ضمن التقارب العسكري المصري-التركي وتطوره إلى تعاون عسكري مؤسسي شمل اتفاقات دفاعية واجتماعات دورية وتدريبات مشتركة للقوات المسلحة، بما يعكس انتقال العلاقات من مرحلة بناء الثقة إلى مرحلة التعاون العملي».

ويشير العمدة إلى أن الزيارة «تحقق أهدافاً على ثلاثة محاور، أولها استراتيجياً باعتبار أن مصر وتركيا تمتلكان أكبر قوتين عسكريتين في شرق المتوسط، وبالتالي فإن أي تقارب بينهما يغيّر ميزان القوى الإقليمي، وأمنياً مع وجود مصالح مشتركة في تأمين شرق المتوسط والبحر الأحمر وليبيا ومكافحة الإرهاب وتأمين خطوط الملاحة، وصناعياً مع التوجه للتعاون نحو الصناعات الدفاعية ونقل الخبرات، والتدريب وربما التصنيع المشترك لبعض المعدات العسكرية مستقبلاً».

تعاون يتنامى

ويرى الباحث في الشأن التركي والعلاقات الدولية طه عودة أوغلو أن هذا التعاون المصري التركي «يتصاعد على كل المستويات وبدأ ينمو عسكرياً في الفترة الأخيرة، ما يشكل تحولاً مهماً في مسار العلاقات بعد سنوات من الفتور»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني وجود رغبة بين البلدين لخدمة مصالحهما المشتركة وسط تطورات وتعقيدات إقليمية ستدفعهما لمزيد من التنسيق».

وشهد التعاون العسكري بين مصر وتركيا تطوراً ملحوظاً منذ 2023 مع عودة العلاقات الدبلوماسية الكاملة، وتبادل الزيارات الرئاسية؛ ما انعكس على مجال الصناعات الدفاعية، حيث استأنف البلدان التدريبات المشتركة «بحر الصداقة»، واتفقا على التعاون في التصنيع المشترك للطائرات المسيّرة، كما انضمت القاهرة لبرنامج طائرات الجيل الخامس الشبحية التركية «KAAN».

وقد عُرضت نماذج لطائرات بيرقدار (Bayraktar) التركية المسيّرة خلال معرض الصناعات الدفاعية «إيديكس 2025» في القاهرة، وظهرت الطائرات والذخائر وهي تحمل العلم المصري.

وفي فبراير 2026، وقّعت مصر وتركيا «اتفاقية تعاون عسكري» في القاهرة، بحضور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره رجب طيب إردوغان، الذي كان يزور العاصمة المصرية آنذاك.

ووقّعت مصر وتركيا، في أغسطس 2025، اتفاقاً للتصنيع المشترك للطائرات المسيّرة ذات الإقلاع والهبوط العمودي.

جانب من تدريب «نسر الأناضول» نهاية يونيو الماضي (صفحة المتحدث العسكري المصري)

وفي ضوء ذلك، يرى طه عودة أوغلو، «أن الزخم الكبير في التعاون العسكري، يحمل إشارة واضحة على وجود تنسيق متزايد بين البلدين، تترجمه المناورات والاتفاقيات والزيارات بشكل لافت في العامين الماضيين».

وعن مستقبل التعاون العسكري، يتوقع اللواء عادل العمدة أنه «إذا استمرت العلاقات السياسية في مسارها الحالي فمن المتوقع زيادة المناورات البرية والبحرية والجوية المشتركة، وتوسيع التعاون في الصناعات العسكرية والتكنولوجيا الدفاعية، وتنسيق أكبر بشأن أمن البحر الأحمر وشرق المتوسط».

تخوف إسرائيلي

هذا التصاعد في التعاون المصري التركي تتخوف منه إسرائيل، وزعمت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية يونيو (حزيران) الماضي أن المخابرات الأميركية رصدت نشاطاً غير عادي، مفاده أن مصر وتركيا «تعملان بهدوء على تعزيز تعاون عسكري واسع النطاق قد يشمل صفقات أسلحة تغير موازين القوى».

ويعتقد العمدة «أن إسرائيل تتابع هذا التقارب باهتمام في ظل حديث مستمر منها عن قلق من تنامي العلاقات المصرية–التركية، وتضع في حساباتها أنهما قوتان عسكريتان وإقليميتان مؤثرتان وأي تنسيق بينهما قد يغيّر الحسابات الأمنية في شرق المتوسط»، مستدركاً «لكن لا توجد مؤشرات معلنة على وجود تحالف عسكري موجه ضد إسرائيل، خصوصاً أن السياسة المصرية تقوم على تنويع الشراكات العسكرية مع الحفاظ على استقلال القرار الاستراتيجي، ما يجعل التعاون بينهما قائماً على المصالح المشتركة أكثر من كونه تحالفاً شاملاً».

ويتفق معه الباحث بالشأن التركي والعلاقات الدولية طه عودة أوغلو، قائلاً: «إسرائيل ترى أن التقارب المصري التركي عسكرياً يؤثر على موازين القوى في المنطقة، لكن ذلك لا يعني تشكيل حلف ضد إسرائيل كما تسوق تل أبيب عادة، بل محاولة من البلدين لتعزيز التنسيق في المنطقة ولعب أدوار مهمة في تهدئة التوترات».