تسليم مطلوبين يمتحن «دفء علاقات» الجزائر مع إسبانيا

الملف يضع مدريد أمام تحدٍّ دبلوماسي خاصة أن العلاقات الثنائية لا تزال هشة

جانب من اجتماع وفدي حكومتي الجزائر وإسبانيا (وزارة الداخلية الجزائرية)
جانب من اجتماع وفدي حكومتي الجزائر وإسبانيا (وزارة الداخلية الجزائرية)
TT

تسليم مطلوبين يمتحن «دفء علاقات» الجزائر مع إسبانيا

جانب من اجتماع وفدي حكومتي الجزائر وإسبانيا (وزارة الداخلية الجزائرية)
جانب من اجتماع وفدي حكومتي الجزائر وإسبانيا (وزارة الداخلية الجزائرية)

يخضع انتعاش العلاقات بين الجزائر وإسبانيا حالياً لاختبار جديد، بعد أيام قليلة فقط من عودتها إلى طبيعتها، وذلك على خلفية طلب الجزائر رسمياً من مدريد تسليم برلماني هرب من المتابعة القضائية، بعد اتهامه بالإساءة إلى مسؤولين بارزين في البلاد. وتزامن هذا التطور الحساس مع ملف آخر مثير للجدل، وهو طلب الجزائر تسليمها 7 قاصرين هاجروا إلى إسبانيا في قارب بداية سبتمبر (أيلول) الماضي.

وأثارت قضية عضو «مجلس الأمة» الجزائري (الغرفة البرلمانية الثانية)، عبد القادر جديع، جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والحقوقية، بعد أن غادر البلاد نهاية 2023، خوفا من الاعتقال، في حين تسعى الجزائر لاستعادته. وهذا الملف يضع إسبانيا، بحسب مراقبين، أمام تحدٍّ دبلوماسي، خاصة أن العلاقات الثنائية لا تزال هشة.

البرلماني عبد القادر جديع محل طلب ترحيل من إسبانيا (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

تعود قضية البرلماني جديع إلى مداخلة له في جلسة رسمية لـ«مجلس الأمة» في 22 ديسمبر (كانون الأول) 2019، حضرها وزير الطاقة والمدير العام لشركة «سوناطراك» للمحروقات، حيث وجّه انتقادات شملت أساليب التسيير في القطاع، وأشار إلى «غياب العدالة في التنمية بمناطق الجنوب الجزائري»، التي يمثلها بصفته برلمانياً. كما دعا إلى «إشراك السكان المحليين في اتخاذ القرارات المرتبطة باستغلال الغاز الصخري، مع التأكيد على أهمية حماية البيئة، وضمان استفادة ولايات الجنوب من عائدات الضرائب البترولية، وتمكين شباب المنطقة من فرص العمل داخل الشركات النفطية العاملة في الجنوب».

صورة للقاصرين خلال رحلتهم إلى جزر البليار (من حساباتهم الخاصة)

وقالت «منظمة شعاع» لحقوق الإنسان، التي يوجد مقرها في لندن، والتي تشتغل ميدانياً لمنع ترحيل جديع، إن تصريحاته «جاءت في إطار مهامه البرلمانية، وحقه الدستوري في الرقابة (على أعمال الحكومة)، والتعبير السياسي، ورغم ذلك فقد فتحت ضده متابعة قضائية رغم مرور أكثر من 4 سنوات على الواقعة، في خطوة تؤكد الطابع السياسي لهذه المتابعة».

إدانة جديع بالسجن تثير جدلاً

أصدرت المحكمة الدستورية الجزائرية في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 قراراً يقضي برفع الحصانة البرلمانية عن جديع، وبالتالي بات معرضاً للمحاكمة. وقالت «شعاع» إن ذلك تم «دون احترام الإجراءات القانونية المنصوص عليها في النظام الداخلي لمجلس الأمة، خصوصاً المادة 125، التي تلزم المجلس بعقد جلسة استماع للعضو المعني والتصويت العلني على القرار. وتعد هذه الخطوة إجراءً تعسفياً وغير دستوري، وتمثل مساساً خطيراً بمبدأ استقلال السلطة التشريعية».

وزير الداخلية الجزائري مستقبلاً نظيره الإسباني (الداخلية الجزائرية)

وعلى أثر ذلك، أصدرت النيابة قراراً بمنع جديع من السفر، وفي 5 فبراير (شباط) 2024، أصدر القضاء حكماً بسجنه ثلاث سنوات نافذة، بتهم تتعلق بـ«إهانة هيئة نظامية»، و«نشر تسجيلات تضر بالمصلحة الوطنية»، و«نشر أخبار من شأنها الإخلال بالنظام العام».

وبنت النيابة اتهاماتها على مقاطع فيديو نشرها البرلماني، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تناول فيها الأوضاع التي يعيشها سكان الجنوب، وتحدث عن «غياب العدالة في توزيع الثروة»، وهي تصريحات اعتبرتها النيابة «تحريضاً على الاحتجاج»، ما شكل أساس تهمة «المسّ بالنظام العام».

والخميس الماضي، صدّق مجلس إدارة «الاتحاد البرلماني الدولي»، خلال اجتماع له بجنيف، على قبول شكوى منظمة «شعاع لحقوق الإنسان»، المقدّمة باسم البرلماني، بشأن ما اعتبرته «انتهاكات دستورية وبرلمانية، وملاحقات قضائية وأحكاماً صادرة بحقه في الجزائر». وفي 14 من الشهر الحالي، تسلَّم جديع استدعاء من المحكمة الوطنية الإسبانية، في إطار طلب تسليم رسمي تقدمت به السلطات الجزائرية ضده. ومن المقرر أن تُعقد جلسة النظر في الطلب في الثالث من نوفمبر المقبل بمحكمة في مدينة إليكانتي جنوب إسبانيا. وناشدت المنظمة الحقوقية القضاء الإسباني عدم التجاوب مع طلب تسليمه.

زيارة وزير إسباني تنعش علاقات البلدين

يتوقع مراقبون أن يحظى طلب الجزائر بالموافقة من مدريد، خصوصاً بعد اتفاق البلدين على تسريع دراسة طلبات الإنابة القضائية، وتسلم المطلوبين، بمناسبة زيارة وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا غوميز إلى الجزائر الاثنين الماضي. وأكد وزير الداخلية الجزائري، سعيد سعيود، في ختام مباحثاته مع غوميز، أن بلاده طلبت من إسبانيا العمل على عودة 7 قاصرين استقلوا قارب نزهة إلى جزر البليار، مطلع سبتمبر الماضي، وهي قضية أثارت جدلاً كبيراً في البلاد.

العسكري محمد عبد الله لحظة تقديمه للمحاكمة (الشرق الأوسط)

وفي تقدير المراقبين، تضع «قضيتا البرلماني جديع والقاصرين السبعة» الانتعاشة التي تعرفها العلاقات الجزائرية - الإسبانية على المحك، ذلك أن استجابة مدريد لطلبات الجزائر في هذا الشأن تمثل اختباراً حقيقياً لمدى استعدادها لقطع أشواط إضافية في مسار تطبيع العلاقات بين البلدين، بعد التوتر الحاد الذي شهدته عام 2022، إثر انحياز الحكومة الإسبانية لمقترح الحكم الذاتي المغربي للصحراء، وهو ما دفع الجزائر إلى قطع علاقاتها السياسية والتجارية مع مدريد.

وبدأت العلاقات بين الجانبين تعود تدريجياً إلى مسارها الطبيعي منذ أواخر عام 2024، غير أن إسبانيا لم تتراجع حتى الآن عن تأييدها للموقف المغربي بشأن الصحراء.

العسكري محمد بن حليمة (الشرق الأوسط)

وتستند التوقعات إلى سوابق التعاون الأمني بين البلدين، التي تجلت خصوصاً في تسليم إسبانيا عسكريين جزائريين، هما محمد بن حليمة ومحمد عبد الله، عامي 2021 و2022، وهي عمليات تمت في إطار تعاون أمني وثيق بين الجزائر ومدريد لمكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب. فقد سُلم بن حليمة في مارس (آذار) 2022 وأُدين بالسجن 8 سنوات نافذة، بينما تم تسليم محمد عبد الله في أغسطس (آب) 2021، وحكم عليه بخمس سنوات سجناً نافذاً.

وتعد هذه الحالات مؤشراً على استعداد مدريد للتجاوب مع الطلبات الجزائرية متى توفرت الأسس القانونية، ما يجعل ملف جديع اختباراً جديداً لحجم الثقة المتبادلة بين العاصمتين، وفق مراقبين.


مقالات ذات صلة

رياضة عربية حليمة والدة رياض محرز (وسائل إعلام جزائرية)

حليمة محرز... أكثر من تميمة حظ للمنتخب الجزائري

جذبت حليمة، والدة رياض محرز، قائد المنتخب الجزائري، اهتمام وسائل الإعلام في بطولة كأس أمم أفريقيا لكرة القدم، المقامة حالياً في المغرب، مثلها مثل نجلها.

«الشرق الأوسط» (الرباط )
شمال افريقيا جلسة مرتقبة في البرلمان لمناقشة مشروع قانون الأحزاب (البرلمان)

الجزائر: قانون الأحزاب الجديد يثير تحفظات المعارضة بسبب «قيود صارمة»

أحالت السلطة التنفيذية قانون الأحزاب الجديد إلى البرلمان، وهو نصٌّ يثير تحفظات المعارضة بسبب القيود الصارمة التي يفرضها على التشكيلات السياسية.

شمال افريقيا شاحنات متوقفة عن العمل (نقابات قطاع النقل)

إضراب عام يشلّ قطاع النقل في كل أنحاء الجزائر

دفع الموظفون وطلاب الجامعات الفاتورة الكبرى لهذا الاحتجاج؛ إذ استحال على السواد الأعظم منهم الالتحاق بمكاتبهم أو مدرجاتهم الجامعية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا ازدحام في الشارع بسبب نقص حافلات النقل إثر إعلان نقابة القطاع عن إضراب (ناشطون)

الجزائر تعتمد «إجراءات استعجالية» بعد إضرابات واحتقان شديد بقطاع النقل

الجزائر تعتمد «إجراءات استعجالية» بعد إضرابات واحتقان شديد بقطاع النقل نجما عن زيادات مفاجئة في أسعار الوقود وتشديد عقوبات قانون المرور.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

محادثات سعودية ــ سودانية تناقش سبل وقف الحرب


من لقاء البرهان والخريجي في بورتسودان أمس (مجلس السيادة)
من لقاء البرهان والخريجي في بورتسودان أمس (مجلس السيادة)
TT

محادثات سعودية ــ سودانية تناقش سبل وقف الحرب


من لقاء البرهان والخريجي في بورتسودان أمس (مجلس السيادة)
من لقاء البرهان والخريجي في بورتسودان أمس (مجلس السيادة)

بحث رئيس «مجلس السيادة الانتقالي»، قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، أمس(الأربعاء)، في بورتسودان، مع نائب وزير الخارجية السعودي، وليد الخريجي، تطورات الأوضاع في السودان وسبل وقف الحرب في هذا البلد، حسب بيان لمجلس السيادة السوداني.

بدورها، ذكرت وزارة الخارجية السعودية أن الجانبين بحثا «جهود تحقيق السلام في السودان بما يحقق أمنه واستقراره، ويحافظ على وحدته ومؤسساته الشرعية»، مضيفة أن الخريجي «جدّد حرص السعودية على عودة الأمن والاستقرار للسودان، والحفاظ على وحدة أراضيه بما يحقق تطلعات الشعب السوداني».

وتناول اللقاء الترتيبات الجارية لانعقاد «مجلس التنسيق الاستراتيجي» بين البلدين، الذي «يحظى برعاية كريمة من القيادة في البلدين الشقيقين»، وفق إعلام «مجلس السيادة».


«جامعة الغذاء»... تحرك تعليمي مصري لسد «الفجوة الزراعية»

اجتماع حكومي في مصر الأربعاء لبدء خطوات إنشاء «جامعة الغذاء» (مجلس الوزراء المصري)
اجتماع حكومي في مصر الأربعاء لبدء خطوات إنشاء «جامعة الغذاء» (مجلس الوزراء المصري)
TT

«جامعة الغذاء»... تحرك تعليمي مصري لسد «الفجوة الزراعية»

اجتماع حكومي في مصر الأربعاء لبدء خطوات إنشاء «جامعة الغذاء» (مجلس الوزراء المصري)
اجتماع حكومي في مصر الأربعاء لبدء خطوات إنشاء «جامعة الغذاء» (مجلس الوزراء المصري)

في وقت تتجه فيه الحكومة المصرية نحو توسيع مساحات الرقعة الزراعية في محاولة لسد «فجوات الغذاء»، اتخذت خطوات تنفيذية نحو إنشاء أول «جامعة للغذاء»، لتبدأ في استقبال الطلاب اعتباراً من العام الدراسي المقبل، وفقاً لوزارة التعليم العالي.

وبحسب البيان الصادر عن الوزارة، الأربعاء، عقد وزير التعليم العالي والبحث العلمي في مصر أيمن عاشور لقاءً مع وزير الزراعة واستصلاح الأراضي علاء فاروق «لمناقشة الخطوات التنفيذية الخاصة بإنشاء (جامعة الغذاء)، وذلك في إطار توجه الدولة نحو استحداث جيل جديد من الجامعات المتخصصة الداعمة للتنمية المستدامة».

وتهدف الجامعة، وفقاً للأمينة العامة لصندوق تطوير التعليم رشا سعد، إلى «ربط الدراسة الأكاديمية باحتياجات الدولة الفعلية، خصوصاً في مجالي الأمن الغذائي، وإدارة الموارد المائية، إلى جانب التنمية المستدامة»، وذلك مع وجود فجوة غذائية تظهر في فاتورة استيراد السلع الاستراتيجية من الخارج، وفي مقدمتها القمح، والذرة، والزيوت.

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن الغذاء يمثل 21 في المائة من إجمالي الواردات المصرية، وبلغت قيمته نحو 78 مليار دولار في عام 2024.

وفي الآونة الأخيرة قالت وزارة الزراعة إنها تسعى لزيادة الرقعة الزراعية بنسبة تقترب من 40 في المائة خلال 5 سنوات، بغرض زيادة الإنتاج الزراعي، وتلبية الاحتياجات المحلية والتصديرية المتزايدة.

وأكدت رشا سعد، بحسب بيان صادر عن صندوق تطوير التعليم، الأربعاء، أن الجامعة المرتقبة «تعكس توجّهاً نحو جيل جديد من المؤسسات التعليمية القائمة على العلوم البينية، وتهدف إلى دعم المشروعات القومية من خلال إعداد كوادر مؤهلة، وتقديم استشارات فنية، وعلمية، والمساهمة في تحديد المحاصيل الاستراتيجية، بما يرفع كفاءة الإنتاج الزراعي، ويواكب التطورات العالمية في علوم الغذاء».

ووفق التصور المطروح، ستضم «جامعة الغذاء» خمس كليات متخصصة هي «الزراعة الذكية»، و«الإنتاج الحيواني»، و«إدارة الموارد المائية»، و«تكنولوجيا العمليات الغذائية»، و«الميكنة الزراعية»، إضافة إلى «مركز بحوث للغذاء»، و«حاضنة لريادة الأعمال».

ويجري تنفيذ المشروع بالشراكة مع جامعة هيروشيما اليابانية، وبالتعاون مع جامعتي القاهرة، وبنها، بهدف تقديم تعليم يجمع بين الجانب الأكاديمي، والتدريب العملي.

وقال مصدر مسؤول بوزارة التعليم العالي إن الجامعة الجديدة تعد نموذجاً للجامعات المتخصصة التي تتوسع فيها الحكومة المصرية بالشراكة بين وزارات وهيئات متخصصة في مجالات بعينها وبين وزارة التعليم العالي، وإن «جامعة الغذاء» تأتي على غرار «جامعة النقل» التي بدأت عملية إنشائها فعلياً في سبتمبر (أيلول) الماضي بالشراكة بين «التعليم العالي» ووزارة النقل.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «جامعة الغذاء» ستعمل على تحقيق أهداف اقتصادية تتعلق بتقليل «الفجوة الزراعية»، وستخدم تطورات الإنتاج الزراعي، والتسميد، وترشيد استخدام المياه، وستضم مراكز بحث تستفيد من الإمكانيات البحثية لدى وزارة الزراعة، متوقعاً التوسع في مثل هذا النوع من الجامعات على مستويات وزارات أخرى مثل التجارة، والصناعة، والري والموارد المائية.

ويرى وزير التعليم العالي عاشور أن الجامعات المتخصصة «تُعد أحد محاور تطوير منظومة التعليم العالي، وتهدف لإعداد كوادر مؤهلة بمهارات رقمية، وتخصصات دقيقة عبر برامج مرنة».

وأوضح في البيان الصادر عن الوزارة، الأربعاء، أن الخطة تتضمن «إنشاء جيل جديد من الجامعات المصرية المتخصصة بالتعاون مع الجامعات الدولية، والوزارات»، ومن المقرر أن تشمل أيضاً جامعات «علوم الرياضة» و«السياحة» بالتنسيق مع الوزارات المعنية.

وأشارت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي إلى وصول عدد الجامعات في مصر إلى 128 جامعة، موزعة بين 28 جامعة حكومية، و32 أهلية، و37 جامعة خاصة، و12 جامعة تكنولوجية، إلى جانب 9 فروع لجامعات أجنبية، و10 جامعات أُنشئت وفق اتفاقيات تعاون دولي.

وأشار أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة جمال صيام إلى تحديات قال إنها بحاجة إلى خطط قومية، وتفعيل الأدوات البحثية الموجودة لسد «الفجوة الغذائية الهائلة».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «مصر تُعد المستورد الأول للقمح في العالم، ولم تحقق اكتفاء ذاتياً من الذرة، والزيوت، كما أن العدس اختفى تقريباً من الدورة الزراعية».


مصر لتعميق العلاقات مع دول حوض النيل على خلفية نزاع «سد النهضة»

نهر النيل خلف السد العالي في أسوان جنوب مصر (الشرق الأوسط)
نهر النيل خلف السد العالي في أسوان جنوب مصر (الشرق الأوسط)
TT

مصر لتعميق العلاقات مع دول حوض النيل على خلفية نزاع «سد النهضة»

نهر النيل خلف السد العالي في أسوان جنوب مصر (الشرق الأوسط)
نهر النيل خلف السد العالي في أسوان جنوب مصر (الشرق الأوسط)

في ظل استمرار نزاع «سد النهضة» الإثيوبي، أكدت مصر «مواصلة تعزيز العلاقات، وأواصر التعاون مع دول حوض النيل»، وذلك خلال اجتماع مشترك عقده وزير الخارجية بدر عبد العاطي ووزير الري هاني سويلم لتنسيق الجهود في قضايا المياه على المستويين الإقليمي، والدولي.

ووفق إفادة لـ«مجلس الوزراء المصري»، الأربعاء، أكد الوزيران تمسك مصر بتحقيق المصالح التنموية لدول حوض النيل، مع الحفاظ على أمنها المائي، وذلك من خلال الالتزام بالقانون الدولي، والأُطر الحاكمة لنهر النيل.

كما شدد الوزيران على رفض الإجراءات الأحادية المخالفة للقانون الدولي في حوض النيل الشرقي، وأشارا إلى أن مصر «مستمرة في متابعة التطورات عن كثب، وستتخذ كافة التدابير المكفولة لها بموجب القانون الدولي لحماية المقدرات الوجودية لشعبها».

وتعترض مصر والسودان على مشروع «سد النهضة» الذي دشنته إثيوبيا رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، وتطالبان بـ«اتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات تشغيل السد، بما لا يضر بمصالحهما المائية».

مخاطر السد

نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، السفير صلاح حليمة، قال إن مصر تنفذ مشروعات في إطار علاقتها بدول حوض النيل، وإن هناك لجنة استشارية تحاول أن تجد نوعاً من التقارب بين الدول الأعضاء في «اتفاقية عنتيبي»، مشيراً إلى أن هذا يأتي في ظل استمرار نزاع سد النهضة، «خصوصاً أن المخاطر التي تترتب على المشروع قائمة، ولا يزال الموقف الإثيوبي المتعنت على ما هو عليه».

ولفت إلى أن مخاطر السد تتمثل في فترات الجفاف، والجفاف الممتد في السنوات الشحيحة، واحتمالات انهياره «لأن معيار الأمان لا يتفق مع المعايير الدولية، إضافة إلى التصريفات المائية غير المحسوبة، ومن دون إخطار مسبق، مثل التي وقعت منذ أشهر، وأحدثت أضراراً في السودان؛ ومصر استطاعت أن تحتوي الموقف».

اجتماع مشترك لوزيري الخارجية والري المصريين الأربعاء لتنسيق الجهود في قضايا المياه (مجلس الوزراء)

وأوضح حليمة في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أن تعميق التعاون هدفه اتخاذ دول حوض النيل موقفاً يدعم الموقف المصري، باعتبار أن هذا التعاون هو سعي أن تكون المصالح مشتركة، وليست أحادية.

وقال أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، نادر نور الدين، لـ«الشرق الأوسط» إن تعميق التعاون «يأتي ضمن بروتوكولات قديمة بين مصر وحوض النيل، ويتم تطويرها من وقت لآخر، وهو نوع من تبادل المصالح بهدف حل أي نزاعات بالطرق الدبلوماسية».

وعرض «مجلس الوزراء المصري»، الأربعاء، عدداً من محطات الرفع، وحفر آبار المياه الجوفية التي دشنتها مصر، ومن بينها 28 محطة رفع بجنوب السودان، و180 بئراً جوفية في كينيا، و10 آبار بالسودان، و75 بئراً في أوغندا، و60 في تنزانيا، فضلاً عن إنشاء مراكز للتنبؤ بالأمطار في الكونغو الديمقراطية.

مبادرة حوض النيل

أكد الاجتماع الذي عقده وزيرا الخارجية والري على «دعم مصر التاريخي والمستمر لجهود التنمية في دول حوض النيل الشقيقة، لا سيما دول حوض النيل الجنوبي، حيث تم إطلاق آلية تمويلية بميزانية قدرها 100 مليون دولار لتمويل دراسات ومشروعات تنموية بدول حوض النيل الجنوبي، بالإضافة للدور البارز الذي تقوم به (الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية)، و(المبادرة المصرية لتنمية دول حوض النيل) في تعزيز التعاون، بما يحقق المنفعة المشتركة، والحفاظ على الموارد المائية».

جانب من خزان أسوان في مصر (الشرق الأوسط)

وحول «مبادرة حوض النيل»، أكد حليمة أن هناك محاولات لتعديل البنود الخاصة باتفاقية عنتيبي، التي قال إنها «لا تتفق مع القانون الدولي الخاص بالمجاري المائية».

وقال: «الاتصالات المصرية القائمة توحي بأن هناك نوايا إيجابية». وتابع: «النوايا الإيجابية أن يكون أي قرار في أي اتفاق متماشياً مع القانون الدولي؛ والقانون الدولي يشير إلى ضرورة أن يكون هناك توزيع منصف وعادل للمياه».

واتفاقية عنتيبي هي الاتفاق الإطاري الذي قدمته إثيوبيا في عام 2010 لدول حوض النيل للموافقة عليها. وتُنهي الاتفاقية الحصص التاريخية لمصر والسودان المقررة في اتفاقيات المياه مع دول حوض النيل، وأعلنت أديس أبابا دخولها حيز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 بعد تصديق ست دول عليها هي إثيوبيا، وأوغندا، وكينيا، وتنزانيا، ورواندا، وجنوب السودان، وسط رفض مصري، وسوداني.

«سد النهضة» الإثيوبي (أ.ف.ب)

ويقول نور الدين: «منذ إنشاء مباردة حوض النيل وهي تصدر أبحاثاً وإحصائيات؛ وأحياناً يحدث خلل فيها نتيجة أن بعض دول المنبع، خاصة إثيوبيا، ترغب في السيطرة على حصص حوض النيل. والادعاء بأن مصر والسودان تأخذان مياه النيل غير صحيح طبقاً لقانون الأمم المتحدة، حيث يشير إلى أن الموارد المائية عبارة عن أمطار، ومياه جوفية، وما يجري بين ضفتي النهر من المياه».

ويضيف: «عندما وُقعت عنتيبي أُلغيت جميع الاتفاقيات السابقة عن حوض النيل. وكان رأي مصر البناء على الاتفاقيات السابقة، وعدم إلغائها؛ ومن ضمن ذلك إلغاء الإخطار المسبق، عبر السماح لأي دولة تريد بناء سد أن تقوم ببنائه من دون النظر إلى ضرر دولتي المصب». وأكد أن «مصر قامت بجهود بعد اتفاقية عنتيبي، وبعض الدول بدأت تقتنع بأن إثيوبيا لها أطماع في مياه النيل».

وفيما يتعلق بالحلول المتاحة لأزمة «سد النهضة»، يرى حليمة أن على إثيوبيا «أن تعيد النظر في موقفها، وتلتزم بالقوانين، والمواثيق الدولية ذات الصلة، أو أن تقوم دولة ما بدور الوسيط لدفع الأطراف إلى التوصل لاتفاق». وأضاف: «هناك اتصالات تجري الآن، ومن قبل، لإمكانية تفعيل الدور الأميركي في هذا الشأن».

وتحدث أيضاً عن مسار آخر، وهو «لجوء مصر مجدداً للأمم المتحدة، ومجلس الأمن باعتبار أن هناك خطراً جسيماً».