الانقسام السياسي يعمّق خلاف الليبيين حول «الدستورية العليا»

محكمة في بنغازي تلغي «دائرة قضائية» في طرابلس

اجتماع المحكمة الدستورية في بنغازي الشهر الحالي (الصفحة الرسمية للمحكمة)
اجتماع المحكمة الدستورية في بنغازي الشهر الحالي (الصفحة الرسمية للمحكمة)
TT

الانقسام السياسي يعمّق خلاف الليبيين حول «الدستورية العليا»

اجتماع المحكمة الدستورية في بنغازي الشهر الحالي (الصفحة الرسمية للمحكمة)
اجتماع المحكمة الدستورية في بنغازي الشهر الحالي (الصفحة الرسمية للمحكمة)

عمّق الانقسام السياسي المستمر في ليبيا الجدل حول «المحكمة الدستورية العليا»، التي أنشأها مجلس النواب في بنغازي، خصوصاً بعد إصدارها قراراً يقضي بإلغاء دائرة الدستورية التابعة لـ«المحكمة العليا» في طرابلس، وهو ما أثار تساؤلات متابعين حول شرعية الخطوة، ومخاوف من انعكاسها على وحدة القضاء الليبي.

ويُعدّ هذا الخلاف حول «المحكمة الدستورية العليا» في بنغازي هو الثاني من نوعه في غضون شهر واحد؛ إذ سبق أن أثار قرارها بتحصين مجلس النواب في ترقيات أصدرها القائد العام لـ«الجيش الوطني»، المشير خليفة حفتر، وشملت نجليه صدام وخالد، جدلاً حاداً بعدما رفضه المجلس الأعلى للدولة في طرابلس، عاداً إياه «تعدياً على استقلال القضاء».

من جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي في بنغازي (المجلس)

وبعد قرار «الدستورية العليا» في شرق البلاد إلغاء «الدائرة الدستورية» التابعة للمحكمة العليا في طرابلس، توقع النائب الليبي، خليفة الدغاري، أن «يبقى الجدل قائماً حول أي قرارات تصدر عن المحكمة الجديدة، طالما استمرت الدائرة الدستورية في العاصمة»، عاداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «تأسيسها جاء في توقيت غير مناسب، في بلد يخضع لإعلان دستوري مؤقت، وسلطتين متنازعتين بين الشرق والغرب».

وخلال مناقشات دارت سابقاً في أروقة مجلس النواب، بدا الدغاري متحفظاً إزاء فكرة إنشاء «المحكمة الدستورية العليا» في بنغازي، وحذّر بنبرة استباقية من «التداعيات التي قد تنجم عن هذه الخطوة في ظل الانقسام السياسي الحاد الذي تعيشه البلاد»، وفق ما قال لـ«الشرق الأوسط».

ولم يخف النائب الليبي أسفه مما عده «ازدواجية قضائية بدأت تترسخ في البلاد، وقد تُجهض كل الجهود التي سعت إلى إبقاء القضاء بعيداً عن الانقسام المؤسسي الذي أصاب المؤسسات المدنية والعسكرية منذ أكثر من عقد»، بحسب تعبيره.

رئيس المحكمة العليا في ليبيا المستشار عبد الله أبو زريرة (الصفحة الرسمية للمحكمة)

وشمل قرار «الدستورية العليا» في بنغازي إحالة جميع الدعاوى المنظورة أمام دائرة طرابلس إلى المحكمة الجديدة «بحالتها وبغير رسوم»، مع منح الأطراف مهلة ثلاثة أشهر لإعادة رفعها، وإلا اعتُبرت كأن لم تكن.

وفي هذا السياق، ذهب أستاذ القانون الليبي وعضو «لجنة فبراير»، الكوني عبودة، إلى القول بأن «إنشاء هذه المحكمة جرى بواسطة سلطة انتقالية»، في إشارة إلى مجلس النواب، وأن رئيسها «تجاوز صلاحياته بإلغاء دائرة لا تتبعه إدارياً».

أما المستشار القانوني، هشام الحاراتي، فرأى أن استحداث المحكمة الدستورية في غياب دستور نافذ «يمثل سابقة خطيرة تمسّ وحدة القضاء واستقلاله»، وفق تعبيره، عاداً أن مثل هذه الخطوات «تحوّل القضاء من أداة لتحقيق العدالة إلى ساحة جديدة للصراع السياسي»، بحسب وصفه.

وتأسست المحكمة الدستورية في بنغازي وسط خلاف حاد بين البرلمان والمجلس الرئاسي، بعد أن قرر الأخير في أبريل (نيسان) الماضي وقف العمل بكافة آثار قانون صادر عن مجلس النواب بشأن إنشائها قبل عامين.

لكنّ البرلمان واصل إجراءات التشكيل في يونيو (حزيران)، قبل أن تبدأ المحكمة عملها رسمياً في 19 أغسطس (آب) الماضي، بعد أداء رئيسها وأعضائها اليمين القانونية أمام النائب الثاني لرئيس مجلس النواب، مصباح دومة.

في المقابل، يدافع سياسيون ليبيون عن قرار «المحكمة الدستورية العليا» الأخير، وشرعية إنشائها، والتي تزايدت الشكوك بشأنها على وقع الانقسام السياسي والمؤسسي في البلاد.

في هذا السياق، يرى النائب الليبي، الدكتور محمد عامر العباني، أن إنشاء الدستورية العليا «يكتسب شرعيته من قانون صادر عن سلطة تشريعية منتخبة، وبات نافذاً منذ تاريخ صدوره»، مشيراً إلى أن هذا القانون «لا يلغيه إلا قانون مماثل إما صراحة أو ضمناً».

وأمام الانتقادات القائلة بأن إنشاء المحكمة الجديدة في شرق البلاد صادر عن «سلطة انتقالية»، أعاد العباني التذكير بقانون صدر عام 2014 بشأن انتخاب مجلس النواب، الذي ينص على أن «المجلس هو السلطة التشريعية المؤقتة للدولة في المرحلة الانتقالية»، عاداً أن «القول بغير ذلك هو محاولة لإدخال البلاد في فراغ تشريعي»، مشيراً إلى أن «اتفاق الصخيرات 2015 وجنيف 2020 المنظمَين للعملية السياسية في البلاد لا يحدان من اختصاص المجلس القائمة أو سلطاته»، وذهب إلى القول إن «هذين الاتفاقيتين تحتاجان إلى إقرار من جانب مجلس النواب».

أما المحكمة الدستورية العليا في بنغازي فقد جددت، الثلاثاء، تأكيدها أنها تأسست بموجب قانون صادر عن مجلس النواب، مؤكدة أن جميع إجراءاتها «تستند إلى إطار قانوني واضح».

وجاء موقف المحكمة في أول رد رسمي على تصريحات المبعوثة الأممية إلى ليبيا، هانا تيتيه، خلال إحاطتها أمام مجلس الأمن، والتي أعربت فيها عن قلقها من وجود «مؤسستين دستوريتين» في البلاد.

وفي خطاب موجه إلى المبعوثة الأممية، دعت المحكمة إلى «سحب العبارات التي تمس القضاء الليبي واستقلاله» من الإحاطة المقدمة لمجلس الأمن، واصفة حديث تيتيه بأنه «آراء شخصية»، ومؤكدة تمسكها بمبدأ «استقلال السلطة القضائية».

ويرى قانونيون وساسة ليبيون أن المشهد القضائي يواجه تحديات متزايدة في ظل استمرار الانقسام السياسي، مع مخاوف من أن يؤدي تعدد المرجعيات إلى تعميق الانقسام المؤسسي القائم منذ أكثر من عقد.

ويتقاطع ذلك مع تصريحات سابقة لرئيس المجلس الأعلى للقضاء، المستشار مفتاح القوي، الذي سبق أن وصف المرحلة التي تعيشها ليبيا بأنها «بالغة التعقيد»، في ظل الانقسامات المستمرة، مشدداً على أن الحفاظ على وحدة الجهاز القضائي «يتطلب تضافر الجهود وتغليب المصلحة الوطنية».

اجتماع الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس خلال يونيو الماضي (الصفحة الرسمية للمحكمة)

وتعود جذور القضاء الدستوري في ليبيا إلى عام 1982، حين أُنشئت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في عهد الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، لتتولى النظر في الطعون بعدم الدستورية، وتفسير النصوص القانونية.

وشكّلت الدائرة الدستورية قبل تعليق عملها عام 2016 بسبب الانقسام السياسي، المرجع الأعلى للقضاء الدستوري في البلاد، قبل أن تُستأنف أعمالها بعد سبع سنوات من التوقف، ليعود الجدل مجدداً مع إنشاء المحكمة الدستورية الجديدة في بنغازي عام 2023.


مقالات ذات صلة

ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

شمال افريقيا مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)

ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

أفادت جمعية الهلال الأحمر الليبي ومصادر أمنية، الأربعاء، بانتشال ما لا يقل عن 17 جثة ​لمهاجرين وفقدان تسعة آخرين فيما تم إنقاذ سبعة بعد تعطل قاربهم وسط البحر.

«الشرق الأوسط» (بنغازي)
شمال افريقيا الفريق الليبي المصغر أكد ضرورة الاستجابة لإرادة الليبيين في اختيار سلطاتهم عبر صناديق الاقتراع (المفوضية)

الفريق الليبي المصغر يتفق على إعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات

عقد الفريق الليبي المصغر، المعني بمناقشة الخطوتين الأوليين من خريطة الطريق الأممية، اليوم الأربعاء في روما، أول اجتماعاته تحت رعاية بعثة الأممية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا تيتيه في اجتماع مع نساء ليبيات خلال إحياء اليوم الوطني للمرأة الليبية الأحد الماضي (البعثة الأممية)

«حوار مهيكل» و«مجموعة مصغرة»... هل تكسر المساعي الأممية جمود الأزمة الليبية؟

تسارع بعثة الأمم المتحدة إيقاع تحركاتها على مسارين متوازيين في محاولة لكسر حالة الجمود السياسي التي تخيم على ليبيا منذ سنوات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مغادراً قاعة المحكمة (رويترز)

ساركوزي ينفي تجاوبه مع القذافي لتسوية ملف السنوسي القضائي

نفى الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، خلال محاكمته، أن يكون قد تجاوب مع طلب الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي بتسوية الملف القضائي لعبد الله السنوسي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)

ليبيون يترقبون بتوجس ارتدادات العنف في مالي

يترقب ليبيون، باهتمام متزايد، تطورات تصاعد أعمال العنف في مالي، لا سيما عقب سيطرة جماعات مرتبطة بتنظيم «القاعدة» على مناطق استراتيجية.

علاء حموده (القاهرة)

ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
TT

ليبيا: انتشال جثث 17 مهاجراً وفقدان 9 إثر تعطل قاربهم في عرض البحر

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)
مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)

أفادت جمعية الهلال الأحمر الليبي ومصادر أمنية، الأربعاء، بانتشال ما لا يقل عن 17 جثة ​لمهاجرين وفقدان تسعة آخرين فيما تم إنقاذ سبعة بعد تعطل قاربهم وتقطع السبل بهم وسط البحر لمدة ثمانية أيام.

وذكر الهلال الأحمر في بيان أن المتطوعين، بالتعاون مع القوات البحرية وحرس السواحل التابع للجيش الوطني ‌الليبي، نفذوا عمليات الإنقاذ ‌وانتشال الجثث قبالة ​مدينة ‌طبرق ⁠الساحلية ​الواقعة شرقي البلاد ⁠بالقرب من الحدود المصرية.

وتعد ليبيا نقطة عبور رئيسية للمهاجرين الذين ينحدر الكثير منهم من دول أفريقيا جنوب الصحراء والذين يخاطرون بحياتهم للوصول إلى أوروبا عبر الصحراء والبحر هربا من النزاعات ⁠والفقر.

وقالت المصادر الأمنية إنه من ‌المتوقع أن ‌تقذف الأمواج جثث المفقودين التسعة ​إلى الشاطئ خلال ‌الأيام القليلة القادمة.

ونشر الهلال الأحمر صورا ‌عبر الإنترنت تظهر المتطوعين وهم يضعون الجثث في أكياس بلاستيكية سوداء وينقلونها على متن سيارات «بيك آب».

وفي سياق متصل، أعلن النائب ‌العام، الثلاثاء، أن محكمة جنايات طرابلس أدانت أربعة أفراد من «عصابة ⁠إجرامية» ⁠في مدينة زوارة غربي البلاد تورطوا في تهريب البشر والاختطاف لطلب الفدية والتعذيب، وصدرت بحقهم أحكام بالسجن تصل إلى 22 عاما.

كما أمر مكتب النائب العام يوم الاثنين بالقبض على «تشكيل عصابي» قام بتفويج مهاجرين من مدينة طبرق باتجاه شمال المتوسط على متن قارب متهالك وغير آمن، مما أدى إلى ​غرق القارب ​ووفاة 38 شخصا من الجنسيات السودانية والمصرية والإثيوبية.


حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
TT

حذر في مصر مع اقتراب الأمطار الإثيوبية... ولا جديد في «نزاع السد»

«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» الإثيوبي بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، تتواتر تحذيرات في مصر من زيادة حجم المياه في «سد النهضة» بصورة كبيرة مما قد يتسبب في تكرار سيناريو التدفق العشوائي على دولتي المصب مصر والسودان، كما حدث العام الماضي عند فتح بوابات «السد» دون تنسيق مسبق، ما أدى لفيضانات أحدثت أضراراً بالغة.

وتحدث خبير مائي مصري لـ«الشرق الأوسط» عن أهمية أن تفتح إثيوبيا بوابات السد من الآن قبل بدء موسم الأمطار مطلع مايو (أيار)، وقبل أن تصبح الأمطار غزيرة في يوليو (تموز) ويتجدد معها خطر الفيضانات على دولتي المصب.

وتظهر صور الأقمار الاصطناعية توقف توربينات «سد النهضة» العلوية خلال الأسبوعين الأخيرين بعد تشغيل محدود من قبل، واستمرار توقف التوربينين المنخفضين منذ يونيو (حزيران) الماضي، لتظهر بحيرة «السد» بالحجم نفسه دون تغيير يذكر منذ 10 أبريل (نيسان) الحالي، بنحو 47 مليار متر مكعب عند منسوب 629 متراً فوق سطح البحر، وانخفاض 11 متراً عن أعلى منسوب 640 متراً عند افتتاح السد في 9 سبتمبر (أيلول) الماضي.

ويبدأ موسم الأمطار جغرافياً في حوض النيل الأزرق في الأول من مايو؛ والبحيرة حالياً شبه ممتلئة، في حين أنه من المفترض في حالة التشغيل الجيد أن يكون بها نحو 20 مليار متر مكعب وليس 47 ملياراً، وفق تقديرات أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، عباس شراقي.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن إثيوبيا تسببت خلال أيام في أضرار بدولتي المصب نتيجة «إدارتها غير المنضبطة لسد النهضة» وتدفقات المياه غير المنتظمة التي تم تصريفها دون إخطار أو تنسيق، مؤكداً أن التوصل لاتفاق بشأن الملء والتشغيل هو السبيل الوحيد لتحقيق التوازن بين التنمية الحقيقية لدول المنبع وعدم الإضرار بدولتي المصب.

وأكدت وزارة الري وقتها أنه ثبت بالفعل قيام إثيوبيا بإدارة السد «بطريقة غير منضبطة»، ما تسبب في تصريف كميات كبيرة من المياه بشكل مفاجئ نحو دولتي المصب، وأدى إلى تضرر واضح لهما.

جانب من «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

وقال شراقي: «هناك مخاوف مشروعة ومتزايدة مع اقتراب موسم الأمطار في إثيوبيا، وتأثير التدفق غير المنتظم لمياه النيل على دولتي المصب، خاصة وقد رأينا حدوث فيضان كبير غير معتاد في نهاية سبتمبر أو أول أكتوبر الماضيين».

وأفاد بأن احتواء بحيرة «سد النهضة» على نحو 47 مليار متر مكعب حالياً يجعل من الضروري إحداث تفريغ لها من الآن لأن هذه كمية كبيرة جداً بالنسبة لهذا الوقت من العام، بحسب قوله.

وأوضح أن موسم الأمطار سيبدأ في الأول من مايو بأمطار خفيفة، وفي ظل امتلاء ثلثي السد تقريباً وتوقف التوربينات، فإن هناك خطورة حقيقية من حدوث تدفقات عشوائية كالعام الماضي.

وأشار إلى حدوث أضرار غير مباشرة في العام الماضي تمثلت في اضطرار مصر لفتح مفيض توشكي لتصريف كميات المياه الزائدة التي وصلت فجأة، ما أدى لضياع تلك المياه في الصحراء دون استفادة حقيقية من أي جانب.

وأضاف: «رغم الأضرار التي وقعت، فإن السد العالي حمى البلاد من الفيضان الذي أغرق مساحات كبيرة من السودان».

وأكد أهمية تحرك الحكومة الإثيوبية بالفتح الفوري لإحدى بوابات المفيض لتفريغ المياه بشكل تدريجي ومنتظم لخفض منسوب البحيرة.

واستطرد: «لو كان هناك اتفاق مع مصر والسودان لحدث تبادل للمعلومات وتفريغ تدريجي يحقق استفادة لجميع الأطراف. هذا لم يحدث حتى الآن، ولا يبدو أن النزاع له حل قريب».

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد في 2024، بعد جولات استمرت لسنوات، وذلك نتيجة لـ«غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات وزارة الري، فيما تؤكد أديس أبابا أن «السد بهدف التنمية وليس الضرر لدول المصب».

ويرى مراقبون أنه لا جديد بشأن نزاع السد بين الدول الثلاث.


تقلبات الدولار تُربك الأسواق المصرية

مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)
مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)
TT

تقلبات الدولار تُربك الأسواق المصرية

مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)
مواطن يستبدل دولارات من داخل مكتب صرافة في القاهرة (رويترز)

أربكت تقلبات الدولار أمام الجنيه الأسواق المصرية بعدما كسرت العملة الأميركية حاجز 53 جنيهاً مجدداً خلال تعاملات الأربعاء، بعد أيام من تسجيلها مستويات أدنى وصلت إلى نحو 51 جنيهاً.

في الوقت ذاته تواصل السلطات الأمنية ملاحقة تُجار العملة؛ وأكدت وزارة الداخلية، الأربعاء، أنها «تواصل ضرباتها الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات خارج السوق المصرفية لما تمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي».

وذكرت في بيان أن جهودها أسفرت خلال 48 ساعة عن «ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة بقيمة مالية تجاوزت 26 مليون جنيه (490566 دولاراً)».

واستمر تذبذب سعر الدولار في مصر، فبعدما صعد بعد الحرب الإيرانية من نحو 47 جنيهاً إلى أكثر من 54 جنيهاً، شهد تراجعاً إلى نحو 51 جنيهاً، ثم عاد للارتفاع الطفيف، حتى سجل 53 جنيهاً.

مخاوف من الأسعار

لكن تقلبات الدولار ما زالت تثير مخاوف الأُسر المصرية من قفزات أسعار السلع.

وقالت فاطمة أحمد، التي تقطن منطقة غمرة بالقاهرة: «ارتفاع الدولار تسبب في زيادة سلع كثيرة. وحتى لو حدث انخفاض للدولار تظل السلع مرتفعة؛ وعندما يرتفع مجدداً ترتفع معه الأسعار من جديد».

وقررت السيدة، التي تعمل في هيئة حكومية، تأجيل أي عملية شراء هذه الأيام، رغم احتياجها الشديد لسيارة تعتمد عليها في توصيل أبنائها إلى المدرسة والجامعة، فضلاً عن تنقلاتها هي وزوجها في وسائل المواصلات الخاصة التي تقتطع من ميزانية الأسرة شطراً كبيراً شهرياً.

مصريون أمام مكتب صرافة في القاهرة (أرشيفية - أ.ب)

يأتي هذا في ظل حديث حكومي متكرر بشأن الرقابة على الأسواق وضبطها بهدف ضمان توافر السلع ومواجهة أي ممارسات سلبية.

وأكد رئيس «جهاز حماية المستهلك»، إبراهيم السجيني، «استمرار رفع درجة الجاهزية واليقظة بقطاعات الجهاز كافة، وتكثيف الحملات الرقابية المفاجئة على الأسواق لمواجهة أي ممارسات غير منضبطة أو محاولات للغش التجاري».

وأضاف في إفادة لمجلس الوزراء، الأربعاء، بأن هناك «متابعة لحظية لحركة الأسواق والتعامل الفوري مع أي بلاغات أو شكاوى يتم رصدها».

وكانت الحكومة قد قررت، بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، رفع أسعار المحروقات والكهرباء وتذاكر القطارات ومترو الأنفاق، وإرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقرات المصالح الحكومية.

«ربكة الدولار»

ويرى أستاذ الاقتصاد محمد على إبراهيم، أن تقلبات الدولار تُربك الأسواق وحسابات جميع المتعاملين، وأن عدم استقرار سعر الصرف «له انعكاسات سيئة على قرارات المستثمرين، ولا يشجع على الاستثمار».

ويقول: «المستثمر يُدخِل الدولار في السوق بسعر معين، وعندما يُخرجه يفكر في تحقيق مكاسب بالتأكيد، وهذا لا يكون عنصر جذب للمستثمر الأجنبي الذي يقوم باستثمار حقيقي، وليس (الأموال الساخنة) التي يستفيد صاحبها من دخولها وخروجها».

أما خبير الإدارة المحلية، رضا فرحات، فيشير إلى أن الأسعار متأثرة بالتوترات الجيوسياسية بالمنطقة، ويرى أن تقلبات الدولار «شيء طبيعي، والدولار متوفر في البنوك، وصعد سعره قليلاً نتيجة مرونة سعر الصرف».

وشهدت مصر أزمة سابقة في العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار وسعره في «السوق السوداء». وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات؛ ما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«اتباع سعر صرف مرن للجنيه» ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى ما يتجاوز 53 جنيهاً.

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)

وقال إبراهيم لـ«الشرق الأوسط» إن المستهلك يتأثر كثيراً بارتفاع الأسعار، «لأنه يتم الاستيراد من الخارج بسعر الصرف المرتفع، وبالتالي تسعير كل السلع يرتفع». وأضاف: «المستهلك طول الوقت متحسب لارتفاع أسعار الصرف الذي يقلل قدرته الشرائية ويخفّض مستوى معيشته، ويعيد توزيع الدخول على حساب أصحاب الدخول الثابتة؛ فالتجار يستفيدون، بينما المستهلك صاحب الدخل الثابت يتضرر».

وفي رأيه، فإن «ربكة الدولار» تعكس فجوة بين الصادرات والواردات، موضحاً: «الاعتماد طول الوقت على المستورَد يسبب فجوة دولارية في ظل تناقص الموارد الثابتة التي تعتمد عليها الدولة من أجل الدولار، فالسياحة تأثرت وقناة السويس أيضاً».

وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، السبت الماضي، إن «مصر تكبدت خسارة بنحو عشرة مليارات دولار من إيرادات قناة السويس بسبب الهجمات على السفن في مضيق باب المندب، ولجوء نحو عشرة ملايين وافد إليها، فضلاً عن الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة».

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي؛ وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وهي تطمح إلى اجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.