تونس: «ترحيب واستنكار» بعد أحكام الإعدام في قضايا «الاغتيالات»

محاكمة جديدة للغنوشي ومقربين منه بتهم إرهابية الشهر المقبل

الزعيم اليساري شكري بلعيد (أ.ف.ب)
الزعيم اليساري شكري بلعيد (أ.ف.ب)
TT

تونس: «ترحيب واستنكار» بعد أحكام الإعدام في قضايا «الاغتيالات»

الزعيم اليساري شكري بلعيد (أ.ف.ب)
الزعيم اليساري شكري بلعيد (أ.ف.ب)

بعد 12 عاماً من جريمة اغتيال الزعيم اليساري، شكري بلعيد، وعدد من السياسيين والأمنيين، أصدرت محكمة تونسية أحكامها النهائية في قضية المتهمين، وأغلبهم يشتبه في انتمائهم لجماعات سلفية متشددة، بينها «جماعة أنصار الشريعة»، التي صنفتها السلطات منذ 2013 تنظيماً إرهابياً. وتراوحت الأحكام بين الإعدام والمؤبد والحبس لمدد طويلة.

هذه الأحكام خلفت ردود فعل متباينة، تتراوح بين الترحيب الكبير والاستنكار الشديد، وجدلاً كبيراً في وسائل الإعلام والأوساط السياسية والقانونية حول إقفال ملف هذه القضية، المثقل بالصراعات السياسية والأمنية التي تشهدها البلاد منذ 15 عاماً.

راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة (إ.ب.أ)

ورحب بيان رسمي أصدرته قيادة حركة النهضة بهذه الأحكام، وقال إنها «صدرت بعد أكثر من 12 عاماً من الترويج لاتهامات باطلة ومتجنية ضد حركة النهضة، ورئيسها الأستاذ راشد الغنوشي». مشيراً إلى أن هذه الأحكام «أكدت بما لا يدع مجالاً للشك براءة (النهضة) ورئيسها، وبطلان الاتهامات الموجهة ضدها زيفاً وبهتاناً».

ونوهت بيانات حركة النهضة وشركائها السابقين في الحكم بكون «لائحة الأحكام النهائية في قضايا الاغتيالات خلت تماماً من أي إدانة مباشرة، أو غير مباشرة، لأي منتسب لحركة النهضة، بغض النظر عن موقعه أو درجة عضويته. وهو ما يثبت للرأي العام الوطني والدولي حقيقة ما كنا نقوله ونصرح به دوماً، من أن هذه القضية جرى توظيفها واستغلالها لغاية إدانة الحركة والنيل من سمعتها وتأليب الرأي العام ضدها بطرق وأساليب غير أخلاقية».

في السياق، نشر محامون وسياسيون وحقوقيون تدوينات ومقالات تنوه بما وصفوه بـ«إنصاف المحكمة لقيادة النهضة، وتبرئتها من جرائم الاغتيالات».

في المقابل، نوه نشطاء وإعلاميون يساريون بهذه الأحكام، لكنهم عدّوها «لا تعني تبرئة قيادات حركة النهضة نهائياً». فيما قال إعلاميون ومحامون قريبون من السلطة إن هذه الأحكام «صدرت ضد المتهمين الذين نفذوا جريمة الاغتيال، وليس ضد القيادات السياسية التي خططت لها وأمرت بارتكابها».

واتهم هؤلاء زعيم حركة النهضة ومقربين منه بتشكيل «تنظيم سري» داخل الحركة، كان مكلفاً بمهمات خاصة، بينها الاغتيالات.

عدد من المتهمين بالتآمر ضد أمن الدولة (الموقع الرسمي لغازي الشواشي)

في سياق ذلك، رفع عدد من المحامين، أعضاء «لجنة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد ومحمد الإبراهيمي»، قضية جديدة ضد الغنوشي وقيادة حركته، ضمن ما عرف بـ«قضية التنظيم السري». ومن المقرر أن تنظر محكمة تونس العاصمة في هذه القضية الشهر المقبل، بحضور بعض القياديين والنشطاء السابقين في حزب النهضة.

وكان الأسعد خذر، أحد المتهمين البارزين في هذه القضية، قد اعتقل قبل أكثر من عشرة أعوام، وحوكم بالسجن لمدة 8 أعوام بتهمة إخفاء وثائق أمنية سرية عنده. كما اتهمه خصوم حركة النهضة بـ«التجسس لفائدة الحركة» على معارضيها وعلى المؤسسات الأمنية. وبعد أن أكمل خذر عقوبته السجنية يحال في هذه القضية الجديدة «في حالة فرار».

في غضون ذلك، وفي الوقت الذي أعلن فيه عن إثارة قضايا جديدة ضد عدد من السياسيين والأمنيين السابقين، المتهمين في «قضايا التآمر على أمن الدولة»، وقضايا «تبييض أموال وفساد»، شنت أوساط مقربة من السلطات حملة إعلامية جديدة ضد مسؤولين سابقين في الدولة والبرلمان والأحزاب. كما اتهمت الغنوشي ورفاقه مجدداً بالإرهاب. كما كشفت مصادر إعلامية عن فتح قضايا جديدة في المحاكم ضد سياسيين ووزراء سابقين بتهم التهريب والضلوع في مخالفات مالية وجبائية.


مقالات ذات صلة

خاص لـ«الشرق الأوسط»: مناطق خارج السيطرة بجنوب سوريا تفخخ حدود الأردن بالمسيرات والمخدرات

المشرق العربي لقطة من أعلى لأشخاص يتفقدون الأضرار بموقع تعرَّض لغارات جوية شنّها الأردن في الليلة السابقة على قرية «الطاف» بمنطقة اللجاة في ريف درعا الشمالي الشرقي (أ.ف.ب)

خاص لـ«الشرق الأوسط»: مناطق خارج السيطرة بجنوب سوريا تفخخ حدود الأردن بالمسيرات والمخدرات

تدمير كميات كبيرة من الأسلحة والمتفجرات ومواد فنية، تشمل طائرات مسيرة وأجهزة «جي بي إس» وأجهزة اتصال.

محمد خير الرواشدة (عمان)
أفريقيا شاحنة تابعة لهيئة الأمن والدفاع المدني النيجيرية في أبوجا بنيجيريا يوم 27 أكتوبر 2026 (رويترز)

مقتل رجل دين مسلم بارز بإطلاق نار في نيجيريا

قُتل رجل دين مسلم بارز عُرف بدعوته إلى الوئام الديني بين المسلمين والمسيحيين في نيجيريا، إثر إطلاق النار عليه أمام منزله، وفق ما أعلنت الشرطة.

«الشرق الأوسط» (أبوجا)
المشرق العربي مشيعون يصلون على جثامين الضحايا المدنيين في غارات جوية أردنية الليلة السابقة على قرية الطاف في منطقة اللجاة بريف درعا الشمالي الشرق (أ.ف.ب)

دمشق تشيّع ضحايا درعا... وتعمل على لجنة مشتركة عاجلة مع الأردن

شيعت محافظة درعا جنوب سوريا، الثلاثاء، ضحايا العملية العسكرية الأردنية داخل الأراضي السورية، وسط حالة من الغضب الشعبي في أعقاب سقوط سبعة مدنيين بينهم أطفال وكبا

سعاد جرَوس (دمشق)
أوروبا قاذفة تحط في قاعدة فيرفورد الجوية (رويترز)

اتهام رجلين بجرائم تمسُّ أمن بريطانيا على خلفية حادث قرب قاعدة فيرفورد الجوية

بريطانيا: اتهامات لرجلين بتقديم مساعدة لإيران على صلة بواقعة قاعدة فيرفورد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي لقطة للدمار الناتج جراء غارات جوية أردنية على مواقع عدة درعا (متداولة)

دمشق تعلن مقتل ثمانية بغارات أردنية وتغلق معبر نصيب الحدودي

أعلنت السلطات السورية مقتل ثمانية مدنيين الاثنين في غارات جوية أردنية على جنوب البلاد، قال الجيش الأردني إنها استهدفت «تنظيمات إرهابية».

«الشرق الأوسط» (دمشق)

القاهرة عن المصري مخترق الحدود مع إسرائيل: غير متزن نفسياً

الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)
الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)
TT

القاهرة عن المصري مخترق الحدود مع إسرائيل: غير متزن نفسياً

الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)
الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

في أول تعليق رسمي من القاهرة حول ما أعلنته تل أبيب من ضبط مصري اخترق الحدود، أصدرت وزارة الخارجية المصرية بياناً مقتضباً، جاء فيه أنه: «تتابع الجهات الوطنية بجمهورية مصر العربية ما نشر في الإعلام بتاريخ اليوم الثلاثاء 27 أكتوبر (تشرين الأول) 2026 عن قيام أحد المصريين باجتياز السياج الحدودي من الأراضي المصرية إلى داخل الأراضي الإسرائيلية».

وحسب البيان: «تبين للجهات الوطنية المعنية أنه متغيب عن منزله منذ شهر يوليو (تموز) الماضي وغير متزن نفسياً، وسوف تتابع وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج العمل على اتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادته إلى مصر».

ولم يتضمن البيان أي إشارة إلى التواصل مع الجانب الإسرائيلي بشأن ما أعلنه الجيش الإسرائيلي من أن هذا المدني المصري اجتاز السياج الحدودي، وأنه تم القبض عليه ويخضع للتحقيق، ولا عن كيفية تجاوزه نقاط المراقبة المصرية.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، القبض - خلال الليل - على مدني مصري بعد أن «عبر السياج الحدودي من الأراضي المصرية إلى إسرائيل قرب منطقة نيتسانا». وقال الجيش إنه «عقب رصد المدني المصري، هرعت القوات إلى المكان وأوقفته، وتم نقله لاستكمال التحقيق لدى قوات الأمن». وأشار إلى التعامل «مع الواقعة بجدية بالغة، وإبقاء القوات على مستوى عالٍ من الجاهزية الدفاعية في المنطقة».

لم يقدم الجيش الإسرائيلي مزيداً من التفاصيل. لكن القناة «15 الإسرائيلية» زعمت أن المواطن المصري «حاول التسلل إلى إسرائيل لتنفيذ عملية»، وأن «المشتبه به حاول عند أول احتكاك مع قوة عسكرية انتزاع سلاح من جنود كتيبة الاحتياط 5025، قبل أن يُلقى القبض عليه». وبحسب القناة، «وصل المتسلل من دون سلاح وعبر الحدود وسط شبهات بأن الحادث أمني».

الجيش الإسرائيلي لم يقدم تفاصيل عما قال إنه عملية ضبط لمدني مصري اخترق الحدود (رويترز)

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، أعلنت إسرائيل رسمياً عن تجهيز منطقة عسكرية مغلقة لمنع ما تزعم بشكل متكرر أنه «تهريب الأسلحة» من الأراضي المصرية، وسط توتر بين البلدين، بدأ مع حرب غزة وتصاعدت وتيرته مع احتلال الجانب الفلسطيني من معبر رفح والانتشار بمحور فيلادلفيا قبل نحو عامين.

وعلى مدى العامين الماضيين، كررت إسرائيل الإعلان عن ضبط ما تزعم أنه عمليات تهريب لأسلحة عبر الحدود مع مصر، إما من خلال طائرات مسيرة أو بأساليب أخرى، لكن القاهرة كانت تتجاهل التعليق على ذلك رسمياً.

أيضاً شهدت الفترة الماضية اتهامات إسرائيلية متكررة بأن مصر تخالف بنود معاهدة السلام وتحشد قوات الجيش المصري قرب الحدود مع إسرائيل، وتعمل أيضاً على بناء تحصينات عسكرية في سيناء، لكن القاهرة ردّت على ذلك بأن ما تقوم به مجرد تحركات تنموية، وأن أي تحركات للقوات في سيناء هي لحماية الأمن القومي المصري في ظل الأحداث الجارية، وليست لتهديد أحد، مشددة على التزام مصر بمعاهدة السلام.

وبحسب بنود اتفاقية السلام الموقعة بين البلدين عام 1979، تنقسم سيناء إلى 3 مناطق رئيسية (أ، ب، ج) لتحديد حجم القوات والأسلحة المسموح بوجودها. المنطقة «ج» المتاخمة للحدود الإسرائيلية منزوعة السلاح تماماً، باستثناء قوات الشرطة المدنية. ونظراً للتحديات الأمنية المشتركة (مثل مكافحة الإرهاب في شمال سيناء والتهريب)، اتفقت مصر وإسرائيل على نشر قوات إضافية تتجاوز بنود المعاهدة الأصلية لتأمين المنطقة، وتتولى «القوة متعددة الجنسيات في سيناء» مراقبة الالتزام بهذه القيود عبر نقاط التفتيش المنتشرة.

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد أكد، في كلمة له قبل أسبوعين، أن مصر ملتزمة بمعاهدة السلام ولا تسعى للحرب مع إسرائيل أو أي دولة أخرى، وإنما فقط تعمل على حماية أراضيها وحدودها.

ويُذكر الإعلان الإسرائيلي بواقعة هجوم الجندي المصري محمد صلاح، قبل نحو 3 أعوام، حينما قتل 3 جنود إسرائيليين عقب عبوره الحدود، وذلك في 3 يونيو (حزيران) 2023، قبل أن يُقتل هو الآخر خلال اشتباكٍ مسلّحٍ مع جنود آخرين.


المسيّرات توسّع دائرة الظلام في السودان وتحصد قتلى في نيالا

آثار الدمار الذي تعرضت له المحطة التحويلية للكهرباء في الخرطوم (إعلام ولاية الخرطوم)
آثار الدمار الذي تعرضت له المحطة التحويلية للكهرباء في الخرطوم (إعلام ولاية الخرطوم)
TT

المسيّرات توسّع دائرة الظلام في السودان وتحصد قتلى في نيالا

آثار الدمار الذي تعرضت له المحطة التحويلية للكهرباء في الخرطوم (إعلام ولاية الخرطوم)
آثار الدمار الذي تعرضت له المحطة التحويلية للكهرباء في الخرطوم (إعلام ولاية الخرطوم)

دخلت حرب المسيّرات في السودان مرحلة خطيرة، مع اتساع الهجمات المتبادلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، لتطال مواقع عسكرية ومحطات كهرباء ومنشآت نفطية ومدنية حيوية، وأسواقاً وأحياء سكنية.

وخلال نحو 24 ساعة، استهدفت مسيّرات نُسبت إلى «الدعم السريع» 6 محطات كهرباء، آخرها محطة المرخيات في أم درمان، ما أدى إلى انقطاع التيار عن مناطق واسعة في العاصمة وولايات أخرى، فيما أوقعت ضربة بمسيّرة على سوق في مدينة نيالا، عاصمة جنوب دارفور، 21 قتيلاً وعشرات الجرحى، بعد أيام قليلة من هجوم دام على سوق في منطقة أبيي المتنازع عليها مع جمهورية جنوب السودان. وجاء الهجومان الأخيران في ظل تصاعد الضربات الجوية المتبادلة بين طرفي القتال، التي باتت تشن بشكل يومي.

والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة يتفقد الأضرار التي لحقت بمحطة الكهرباء (إعلام ولاية الخرطوم)

وشهدت ولاية الخرطوم، فجر الثلاثاء، انقطاعاً واسعاً للكهرباء بعد هجوم بمسيّرة استهدف محطة المرخيات التحويلية شمال غربي مدينة أم درمان، وأدى إلى خروجها عن الخدمة. وأفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن الضربة تسببت في اندلاع حريق داخل المحطة، وانقطاع التيار عن مناطق واسعة من أم درمان وأحياء أخرى في العاصمة.

وقالت المصادر إن السكان كانوا يعانون، قبل العطل الأخير، من انقطاع الكهرباء لفترات تتراوح بين 10 و12 ساعة يومياً، مشيرة إلى أنهم يترقبون تحديد المدة اللازمة لإصلاح المحطة وإعادة التيار.

وقال والي الخرطوم، أحمد عثمان حمزة، إن المحطة تعرضت لأضرار بالغة أخرجتها عن الخدمة، دون وقوع إصابات وسط العاملين فيها.

واتهم حمزة «قوات الدعم السريع» باستهداف المرافق الخدمية والأعيان المدنية، قائلاً إن ذلك يتسق مع نهجها في «ممارسة القتل والتهجير وتدمير البنى التحتية والخدمية للمدنيين». وتعهد الوالي بتقديم الدعم اللازم لإعادة المحطة إلى الخدمة في أسرع وقت، مشيراً إلى أن الولاية ستلجأ إلى بدائل لتشغيل المرافق الحيوية المتأثرة بانقطاع الكهرباء.

وفي وقت لاحق، أفادت وكالة السودان للأنباء (سونا)، بأن وزير الطاقة والنفط بحث مع مسؤولي الكهرباء الأضرار الناجمة عن الهجوم، الذي أدى أيضاً إلى انقطاع التيار عن أجزاء من ولاية نهر النيل وولايات أخرى. وقال مدير شركة كهرباء السودان القابضة إن الفرق الفنية تعمل على حصر الأضرار تمهيداً لإعادة إصلاحها.

قتلى وجرحى في نيالا

وفي غرب البلاد، قُتل21 شخصاً وأصيب 40 آخرون على الأقل، في ضربة بمسيّرة استهدفت سوقاً في مدينة نيالا، وفق ما أفاد به مصدر طبي وشهود لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الثلاثاء.

مبنى مدمَّر في موقع غارة جوية في نيالا بولاية جنوب دارفور (هيومن رايتس ووتش)

كما أفادت مصادر محلية نقل عنها موقع «سودان تربيون» بأن غارات جوية، مساء الاثنين، استهدفت مواقع في المدينة، بينها مبانٍ ومواقع عسكرية تابعة لـ«الدعم السريع»، ومنازل لقادة في القوات، ومنظومات دفاع جوي قرب مطار نيالا الدولي. وتحدث الموقع عن سقوط قتلى وجرحى، بينهم عناصر من «الدعم السريع». ولم يتضح على الفور ما إذا كانت حصيلة القتلى التي أوردتها المصادر المحلية تشمل ضحايا ضربة السوق التي نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»، أم لا.

وجاء استهداف محطة المرخيات بعد أقل من 24 ساعة على سلسلة هجمات بالمسيّرات طالت محطات كهرباء في عدد من الولايات، واتهمت شركة كهرباء السودان القابضة «الدعم السريع» بتنفيذها.

وقالت الشركة، في بيان الاثنين، إن الهجمات استهدفت محطات في 5 مناطق، في مدن سنجة (عاصمة ولاية سنار)، والحواتة والفاو (ولاية القضارف/ شرق) ومشكور (ولاية النيل الأبيض) والجنيد (ولاية الجزيرة) وألحقت أضراراً بالغة بالمعدات، ما تسبب في انقطاع الخدمة بهذه الولايات.

وحذرت الشركة من أن الهجمات باتت تهدد استقرار الشبكة الكهربائية القومية. كما تعرضت محطة كهرباء محلية تندلتي بولاية النيل الأبيض لهجوم قبل أيام، في سياق التصعيد المتواصل ضد منشآت الطاقة.

آثار الحريق الذي استهدف شاحنة بمسيّرة في أبيي وقتل العشرات (الأمم المتحدة - فيسبوك)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي الهجمات المتكررة على الكهرباء والوقود إلى اضطراب إمدادات مياه الشرب وتعطيل المستشفيات وغيرها من المرافق الحيوية، في بلد يعاني بالفعل من تدهور واسع في الخدمات جراء الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

خسائر سابقة للمسيرات

وسبق أن ألحقت هجمات المسيّرات أضراراً كبيرة بمنشآت الطاقة والنقل في مناطق مختلفة من السودان، وأدت إلى انقطاع الكهرباء وتعطيل الخدمات لفترات متفاوتة.

ففي 13 يناير (كانون الثاني) 2025، استهدف هجوم منشآت الكهرباء المرتبطة بسد مروي، شمال البلاد، وألحق أضراراً بمحول رئيسي، ما تسبب في انقطاع التيار عن مناطق واسعة. وتعرضت المحطة لهجمات أخرى لاحقاً، بينها هجوم في أبريل أدى إلى تضرر محول يغذي الولاية الشمالية وانقطاع الكهرباء عن مناطق بينها أجزاء من أم درمان والولاية الشمالية.

سد مروي بشمال السودان استُهدف في السابق بمسيرة (وكالة السودان للأنباء)

وفي يناير من العام نفسه، تعرضت محطة الشوك التحويلية، بولاية القضارف لهجوم أدى إلى انقطاع الكهرباء في مناطق بشرق البلاد. كما استُهدفت محطة أم دباكر الحرارية، بولاية النيل الأبيض ومحطتا التحويل في عطبرة وبربر بولاية نهر النيل، ما أدى إلى انقطاعات متكررة للتيار.

ولم تقتصر الهجمات على محطات الكهرباء؛ ففي 9 سبتمبر (أيلول) 2025، استهدفت مسيّرات مصفاة الخرطوم في منطقة الجيلي، شمال العاصمة، إلى جانب محطات كهرباء في بحري وأم درمان ومستودع وقود جنوب الخرطوم.

وكانت مدينة بورتسودان، التي تضم الميناء الرئيسي للبلاد ومركز العمليات الإنسانية، قد تعرضت في مايو (أيار) 2025 لهجمات أصابت مستودعات وقود استراتيجية قرب الميناء والمطار، وتسببت في حرائق ضخمة. كما استُهدفت محطة الكهرباء والمطار، ما أدى إلى انقطاع التيار وتعطيل رحلات جوية، وسط مخاوف من تأثر حركة الإمدادات والمساعدات إلى بقية أنحاء البلاد.

سحب من الدخان بعد هجمات بطائرة مسيرة استهدفت الميناء الشمالي بمدينة بورتسودان 6 مايو 2025 (أ.ب)

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، أُرجئ استئناف الرحلات من مطار الخرطوم الدولي بعد هجمات بمسيّرات استهدفته في أثناء الاستعداد لإعادة افتتاحه. وكان المطار قد تعرض لأضرار واسعة أيضاً خلال المعارك التي اندلعت مع بداية الحرب.

أما مدينة الأُبيّض، كبرى مدن شمال كردفان، فشهدت خلال 2026 هجمات متكررة طالت منشآت للكهرباء والوقود ومواقع خدمية، وأسهمت في تفاقم أزمة المياه والغذاء وتعطل خدمات صحية، وسط صعوبات في وصول الإمدادات إلى المدينة.

وتشير هذه الوقائع إلى اتساع أثر حرب المسيّرات إلى ما وراء المواقع المستهدفة مباشرة؛ إذ بات تعطل محطة كهرباء أو احتراق مستودع وقود ينعكس على حياة السكان والخدمات الأساسية في مدن وولايات كاملة.


غموض يلف مسار توحيد المؤسسة العسكرية الليبية

صدام حفتر وعبد السلام الزوبي في سرت قبيل انطلاق تمرين «فلينتلوك» في أبريل الماضي (صفحات مقربة من الطرفين)
صدام حفتر وعبد السلام الزوبي في سرت قبيل انطلاق تمرين «فلينتلوك» في أبريل الماضي (صفحات مقربة من الطرفين)
TT

غموض يلف مسار توحيد المؤسسة العسكرية الليبية

صدام حفتر وعبد السلام الزوبي في سرت قبيل انطلاق تمرين «فلينتلوك» في أبريل الماضي (صفحات مقربة من الطرفين)
صدام حفتر وعبد السلام الزوبي في سرت قبيل انطلاق تمرين «فلينتلوك» في أبريل الماضي (صفحات مقربة من الطرفين)

تسود حالة من التكتم والغموض الأوساط السياسية والعسكرية الليبية عقب المحادثات المغلقة، التي احتضنتها أنقرة بين صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد السلام الزوبي، وكيل وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، وسط تضارب الأنباء حول نتائجها بين الفشل، أو التمهيد لجولة ثانية.

هذا الغموض لم يقتصر على النتائج، بل امتد إلى طبيعة ما تم مناقشته في الغرف المغلقة، الجمعة الماضي، وما إذا كان البحث يتناول بجدية توحيد المؤسسة العسكرية الليبية على أسس مهنية، تمهّد لحلحلة الأزمة السياسية، أم أنه جاء لاستكمال صفقة تقاسم النفوذ بين أبرز القوى الفاعلة في شرق البلاد وغربها، التي يرى البعض أن واشنطن دشّنتها.

محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي (المجلس)

بداية، ينفي الباحث الأكاديمي في الدراسات الاستراتيجية والسياسية، محمد أمطيريد، ما تردّد عن «فشل اللقاء لإصرار معسكر الغرب الليبي، ممثلاً في الزوبي، على تقديم المسار العسكري وفصله عن ملف التسوية السياسية».

وأوضح، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «الطرفين اتفقا على مهلة 10 أيام للرجوع إلى قواعدهما لمناقشة بنود تفصيلية، تخص صلاحيات المناصب والمؤسسات العسكرية». وشدّد على أن «ملف التسوية السياسية، وتحديداً تشكيل سلطة تنفيذية جديدة (مجلس رئاسي وحكومة موحّدة)، لم يُقحَم على أجندة اللقاء، بل كان جزءاً رئيسياً منها».

وفي غياب الرواية الرسمية، روّجت منصات إعلامية لسيناريو الفشل، متناقلةً أن صدام حفتر اشترط رئاسة المجلس الرئاسي، قبل موافقته على الترتيبات المقترحة لتوحيد المؤسسة العسكرية.

وتشهد ليبيا منذ سنوات انقساماً سياسياً وعسكرياً، حيث تتنازع السلطة حكومتان: «الوحدة الوطنية» في طرابلس، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والثانية في شرق البلاد، برئاسة أسامة حماد، وهي مكلّفة من البرلمان، وتحظى بدعم القائد العام لـ«الجيش الوطني»، المشير خليفة حفتر، وتدير الشرق ومدناً في الجنوب.

المشير خليفة حفتر (الجيش الوطني)

ولفت أمطيريد إلى أن مباحثات أنقرة «جزء من مسار ترعاه أطراف دولية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، وجرى نقاش بنوده الرئيسية سابقاً في واشنطن وعواصم أوروبية».

وأكد مدير مركز «صادق» للدراسات، أنس القماطي، أن لقاء أنقرة «لم يفشل نهائياً، وهناك جولة مقبلة»، معتقداً أن «الخلاف تمحور حول رغبة صدام في ربط المسارين العسكري والسياسي كحزمة واحدة، مقابل تفضيل الزوبي ترك ملف السلطة التنفيذية لمسار اتفاق اللجنة المصغّرة (4+4)، كونه قضية سياسية».

وفي نهاية أغسطس (آب) الماضي، أعلنت البعثة الأممية، بمشاركة ممثلين عن «الجيش الوطني» وحكومة «الوحدة»، التوصل إلى اتفاق ينص على تشكيل سلطة تنفيذية جديدة من مجلس رئاسي وحكومة، تمهيداً لإجراء الانتخابات خلال 24 شهراً.

ويرى القماطي أن مباحثات أنقرة، حال نجاحها، «لن تستهدف توحيداً حقيقياً للمؤسسة العسكرية، بقدر ما ستعدّ تفاهماً لتقاسم إدارتها»، وتوقّع أن «يحتفظ كل طرف بقواته داخل مناطقه، وأن يتوحّدا بهدف مرحلي، يتمثّل في الحضور بقوة مشتركة في الجنوب».

في المقابل، ذكرت مصادر مطّلعة أن الخلاف تمحور حول إصرار الزوبي على إلغاء منصب «القائد العام»، الذي منحه البرلمان للمشير خليفة حفتر عام 2015. إلا أن المحلل خالد موسى سكران أشار، في مداخلة مع قناة «ليبيا الأحرار»، إلى «احتمالية أن تكون هناك نية داخل القيادة العامة بأن يتقاعد المشير حفتر، أسوة بقيادات عسكرية تقاعدت مؤخراً.

وفي هذا السياق، يرى المحلل محمد محفوظ أن صدام حفتر «لم يعترض على إلغاء منصب القيادة العامة، لكنه اشترط، في المقابل، تولّي رئاسة المجلس الرئاسي للحصول على شرعية أكبر، وهو ما رفضه الزوبي».

وأرجع مراقبون رفض الزوبي إلى إدراكه الرفض القاطع في مدن الغرب الليبي، وفي مقدمتها مصراتة، لـ«المبادرة الأميركية»، وما تتيحه من منح حفتر أو أحد أبنائه أي منصب سيادي.

واستبعد محفوظ، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن يؤدي اتفاق توحيد المؤسسة العسكرية إلى حلحلة الأزمة السياسية، وقال إن «غياب الثقة يجعل نقاش قضايا وتدريبات عسكرية هامة لإجراء الانتخابات، مثل نزع السلاح وإخراج المرتزقة، أمراً صعباً».

أسامة حماد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان (الحكومة)

من جهته، أشار الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، جلال حرشاوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تركيا تتحرك حالياً بحزم شديد، بعدما حصلت على موافقة البرلمان الليبي على مذكرة تفاهم حول ترسيم الحدود البحرية الموقّعة عام 2019، ما دفعها إلى تأييد «المبادرة الأميركية» وتسريع فصولها، ليصبح المسار مشروعاً يحمل رغبة تركية بالدرجة الأولى.