الصومال: عشائر ونواب يتوسطون لإنهاء التصعيد بين الحكومة والمعارضة

بعد نجاحهم في تأجيل مظاهرات بمقديشو

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال: عشائر ونواب يتوسطون لإنهاء التصعيد بين الحكومة والمعارضة

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

أدّت وساطة من شيوخ عشائر وأعضاء في البرلمان الصومالي إلى تأجيل مظاهرات حاشدة دعت إليها المعارضة، رفضاً لسياسات حكومية، في أول استعراض بالشارع منذ الخلافات المتصاعدة مع رئيس البلاد حسن شيخ محمود منذ شهور، على خلفية الانتخابات المباشرة المقررة في عام 2026.

تلك الوساطة، يراها خبير في الشؤون الأفريقية «ستكون مؤقتة مرتبطة بمنع حدوث صدام بين الحكومة الرافضة للمظاهرات ومنتدى الإنقاذ المعارض الذي يقوده الرئيس الأسبق شريف شيخ أحمد، الداعي لتلك الفعاليات»، متوقعاً «عدم قدرتها على منع أي صدام مستقبلي، خاصة مع توجه الطرفين للتصعيد، سواء في المضي في الانتخابات المباشرة، أو تمسك المعارضة بالنزول للشارع وحدوث مواجهات».

ويشتد الجدل داخل الصومال بشأن الانتخابات المباشرة المرتقبة في البلاد عام 2026، بعد 57 عاماً من آخر اقتراع أُجري عام 1969، بديلاً عن نظيرتها غير المباشرة في عام 2000، التي تعتمد بشكل رئيسي على المحاصصة القبلية، في ولايات البلاد الخمس، التي جرى العمل بها بعد «انقلابات وحروب أهلية».

وبخلاف التباينات بشأن الانتخابات بين الحكومة والمعارضة، زادت وتيرة التوتر بينهما إثر أحداث شهدها مقر شرطي بالعاصمة مقديشو، الأربعاء، قبل أن «تندلع اشتباكات بعد وصول قادة (منتدى إنقاذ الصومال المعارض) بمن فيهم شريف شيخ أحمد إلى سوق سيناء بالعاصمة مقديشو، الذي تقول المعارضة إنه وقع فيه اعتداء من قبل القوات الحكومية على المدنيين، قبل أن يتوجهوا لمركز الشرطة للمطالبة بالإفراج عن أحدهم».

وعقب ذلك، دعا شريف شيخ أحمد إلى مظاهرات، السبت، بالعاصمة بمقديشو، للتعبير عن التضامن مع المواطنين «الذين تظلمهم الحكومة»، وفق ما ذكره الموقع الإخباري «الصومال الجديد».

قبل أن «تنجح وساطة قام بها بعض زعماء العشائر والنواب حيث تمكنوا من إقناع المعارضة بتأجيل المظاهرات التي تزامنت مع حالة من التوتر في العاصمة بعد اشتباكات بين الشرطة الصومالية وعناصر المعارضة عند مركز الشرطة في مديرية ورتبانبدا». جاءت الوساطة إثر «مخاوف من اندلاع أعمال العنف من جديد، بعد أن أكدت الحكومة الصومالية أنها لن تسمح بإقامة المظاهرات التي دعت إليها المعارضة».

ونقل الإعلام الصومالي عن الوسطاء أنه «تم الاتفاق على عقد المظاهرات خلال 9 أيام بشكل سلمي وتحت حماية الحكومة الصومالية».

وكانت المعارضة دعت إلى تنظيم مظاهرة سلمية في العاصمة مقديشو، تهدف إلى التعبير عن رفضها لما وصفته بالاستيلاء غير المشروع على الأراضي من قبل الحكومة، والتهجير القسري للفقراء والعاجزين عن تأمين مساكن بديلة، وقد جاءت هذه الدعوة عقب فشل عدة جولات من الحوار بين المعارضة والحكومة، إضافة إلى انقسام المعارضة نفسها، بعد أن التحق عدد من أعضائها البارزين بصفّ الحكومة.

بينما ردّت الحكومة بأنها ضمن خطط تأهيل العاصمة وتعزيز الأمن العام، بحسب تصريحات، الأسبوع الماضي، لعمدة مقديشو ومحافظ إقليم بنادر، السيد مَنجاب.

حسن شيخ محمود يلتقي قيادة «الملتقى الصومالي للإنقاذ» الذي يضم قوى سياسية معارضة (وكالة الأنباء الصومالية)

الخبير في الشؤون الأفريقية، مدير «مركز دراسات شرق أفريقيا» في نيروبي، الدكتور عبد الله أحمد إبراهيم، يرى أن تلك الوساطة ستكون مؤقتة، ولن تستطيع كبح جماح المعارضة أو تصعيد الحكومة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «إنهاء تصعيد الحكومة والمعارضة يعتمد على التنازلات بين الطرفين، فالمعارضة تريد أن يتنازل رئيس الصومال كلياً بشأن الانتخابات، وتستخدم كل شيء يعزز موقفها». ويتوقع حدوث «تصعيد خلال الأسبوع المقبل في ظلّ عدم أي إشارات تدل على تنازل الرئيس حسن شيخ محمود عن توجهه بإقامة الانتخابات المباشرة».

واشتدت الخلافات بين الرئيس الصومالي والمعارضة، بعد تأسيس حسن شيخ محمود في 13 مايو (أيار) الماضي حزب «العدالة والتضامن»، وتسميته مرشحاً له في الانتخابات المباشرة المقبلة، وتلاها إصدار 15 شخصية سياسية بارزة في الصومال بياناً، دعوا فيه إلى عقد مشاورات عاجلة لإنقاذ البلاد.

ولم يستجب منتدى «الإنقاذ» لدعوات حوار مع حسن شيخ محمود، نادى بها في الأشهر الماضية، قبل أن يفقد المنتدى أبرز مؤسسيه بالانشقاق عنه وخوض الانتخابات بنظام الاقتراع المباشر في عام 2026 عقب عقد اتفاق مع الحكومة.

وأواخر أغسطس (آب) الماضي، أعلن رئيس الوزراء الصومالي السابق، عمر عبد الرشيد، ورئيسا البرلمان السابقان؛ شريف حسن شيخ آدم، ومحمد مرسل شيخ عبد الرحمن (نائب رئيس منتدى الإنقاذ)، ووزير الإعلام السابق، (المتحدث باسم المنتدى) طاهر محمود جيلي، انسحابهم من «منتدى إنقاذ الصومال»، الذي كانوا من أعضائه المؤسِّسين؛ بهدف «تأسيس أحزاب سياسية استعداداً للمشاركة في الانتخابات المقبلة».

ويعتقد عبد الله أحمد إبراهيم أن «الخلافات ستتسع، وربما ستصل لصدام قد يكون مسلحاً، بين الحكومة والمعارضة، بهدف تعطيل الوصول للانتخابات»، مضيفاً أن «الحلّ الوحيد ضغط من المجتمع الدولي، خاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا وتركيا، لأن لهم دوراً قوياً في الصومال، لبحث تهدئة، والوصول لتفاهمات عاجلة حتى لا يستفيد عناصر (حركة الشباب) من هذا النزاع في العاصمة، وتزداد عملياتهم الإرهابية».


مقالات ذات صلة

أزمة تيغراي... مسار قلق إثيوبي بانتظار مقاربة دولية

أفريقيا مسلحون في تيغراي يقومون بتسليم الأسلحة الخفيفة إلى قوات الدفاع الإثيوبية (وكالة الأنباء الإثيوبية)

أزمة تيغراي... مسار قلق إثيوبي بانتظار مقاربة دولية

رغم أن الانتخابات الإثيوبية العامة تُظهر نتائجها الأولية حالة من الاستقرار مع فوز كبير لحزب «الازدهار» الحاكم، فإن هناك مخاوف من تجدد الصراع في اقليم تيغراي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أثناء استقبال نظيره الإريتري عثمان صالح في القاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)

القاهرة تُطالب بتفعيل «مجلس البحر الأحمر» سريعاً لحفظ الأمن الجماعي

شدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي على ضرورة الإسراع في تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال مشاركته في القمة الكورية - الأفريقية مطلع هذا الشهر (الخارجية المصرية)

مصر تتجه لإرجاء القمة الأفريقية في العلمين بسبب «إيبولا»

قال مصدر مصري مسؤول إن هناك اتجاهاً لتأجيل «قمة منتصف العام التنسيقية» للاتحاد الأفريقي التي كانت مقررة نهاية الشهر الجاري بسبب «إيبولا».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مستقبلاً نظيره الإريتري في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)

أمن «البحر الأحمر» يتصدر محادثات السيسي وأفورقي في القاهرة

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء بالقاهرة مع نظيره الإريتري أسياسي أفورقي، الاثنين، على ضرورة مواصلة العمل من أجل الارتقاء بالعلاقات بين البلدين.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا محادثات سابقة بين الرئيس الصومالي ورئيس الوزراء الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

«أرض الصومال» يعيد فتح بوابة البحر لإثيوبيا... والتوتر مع مقديشو يتسع

قال وزير خارجية «أرض الصومال»، عبد الرحمن طاهر آدم، إن «لإثيوبيا الحق في الوصول إلى منفذ بحري»، مما قد يصعّد التوتر مع جمهورية الصومال.

محمد محمود (القاهرة )

التصنيع العسكري المحلي... رهان مصري للحد من الإنفاق

إحدى القطع العسكرية المنتجة محلياً في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)
إحدى القطع العسكرية المنتجة محلياً في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)
TT

التصنيع العسكري المحلي... رهان مصري للحد من الإنفاق

إحدى القطع العسكرية المنتجة محلياً في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)
إحدى القطع العسكرية المنتجة محلياً في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)

تراهن مصر على تعزيز «التصنيع العسكري المحلي» للحد من الإنفاق على التسليح، مع إعلان القاهرة عن إنتاج متنوع من مدرعات وطائرات وأنظمة دفاع جوي محلياً، بالتوازي مع استراتيجية تنويع مصادر استيراد السلاح من الخارج، وكذلك تعدد التعاون مع دول أخرى في مجال التصنيع المشترك.

وسجلت مصر النسبة الأدنى بين الدول العربية في الإنفاق العسكري العام الماضي، بنسبة 0.61 في المائة، حسب تقرير صادر أخيراً عن «معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام».

ويساعد الإنتاج المحلي للسلاح في تقليل الضغط على العملة الأجنبية المخصصة للاستيراد من الخارج، وفقاً لخبراء عسكريين أشاروا لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «نمط الحروب الحديثة قائم على استهلاك كم كبير من الأسلحة والذخيرة، ما يفرض ضرورة توفير إمداد مستمر من التسليح»، وقالوا إن «الإنتاج المحلي يعزز من قدرات الإمداد الآمن حال اندلاع أي مواجهات».

ويتبنى الجيش المصري خطة تطوير شاملة لكل الأفرع والتخصصات في السنوات الأخيرة، من بينها تنويع مصادر التسليح الجديد، إلى جانب إبرام شراكات مع كبرى الدول في مجال التصنيع العسكري، حسب تقرير للهيئة العامة للاستعلامات المصرية.

وتتحرك الحكومة بقوة لزيادة الاعتماد على الإنتاج الحربي المحلي، وفق وزير الدولة للإنتاج الحربي صلاح سليمان جمبلاط، الذي أشار إلى أن «المرحلة الحالية تعتمد على توطين أحدث التكنولوجيات الصناعية داخل مصر، بما يضمن رفع كفاءة الإنتاج وتحقيق تنافسية للمنتجات المصرية»، وقال إن «خطة الإنتاج المحلي تستهدف الدخول في شراكات جديدة مع القطاع الخاص، لتقليل الفاتورة الاستيرادية ودعم الاقتصاد الوطني»، حسب إفادة للوزارة في شهر أبريل (نيسان) الماضي.

ذخائر محلية الصنع في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)

وأظهرت بيانات صادرة عن «معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام» (سيبري) انخفاض الإنفاق العسكري بمصر عام 2025، وأشار التقرير إلى أن «مصر سجلت النسبة الأدنى بين الدول العربية من حيث الإنفاق العسكري بواقع 0.61 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي».

وحسب تقرير «معهد استوكهولم»، فإن «الإنفاق العسكري العالمي بلغ 2887 مليار دولار في عام 2025، مسجلاً زيادة قدرها 2.9 في المائة، مقارنة بعام 2024»، في حين تصدرت الجزائر قائمة الدول العربية من حيث الإنفاق العسكري بواقع 8.83 في المائة من الناتج المحلي.

وأعلنت الحكومة المصرية إنتاج أسلحة متطورة محلياً، من بينها مدرعات وطائرات مسيّرة وأنظمة دفاع جوي، شاركت بها في معرض «إيديكس 2025» الذي عُقد بالقاهرة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ومن بين هذه المنتجات المدرعة «ردع 300»، وهي راجمة صواريخ موجهة متعددة الأعيرة، وتهاجم أهدافاً على مسافات حتى مدى 300 كم، إلى جانب الطائرة من دون طيار «جبار 150»، التي تتمتع بقدرات هجومية عالية.

وأثار الإعلان عن الطائرة «جبار 150» قلقاً إسرائيلياً؛ إذ أشار تقرير لمنصة «ناتسف نت» الإسرائيلية، في 8 يونيو (حزيران) الحالي، إلى أن «الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تراقب التطور التكنولوجي في التسليح المصري، وتدرس تداعياته الاستراتيجية».

وتستهدف الحكومة المصرية تعميق الإنتاج المحلي من السلاح لتأمين إمدادات الجيش المصري، وتقليل فاتورة الإنفاق للاستيراد من الخارج، وفق الخبير العسكري المصري اللواء نصر سالم، الذي قال إن «جزءاً من خطة تنويع مصادر تسليح الجيش المصري قائمة على توطين الصناعات العسكرية محلياً».

ويرى سالم، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «طبيعة الحروب الحديثة التي تستمر لفترات طويلة، تعتمد على استهلاك كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة»، مشيراً إلى أن «هذا يفرض على الجيش المصري الاستعداد لهذا النمط من الحروب بتوفير إمداد مستمر من الأسلحة، وخصوصاً أن التقديرات العسكرية تشير إلى أن إنفاق قتال يوم واحد يساوي ميزانية تسليح جيش في عام كامل»، وعادّاً أن الخيار الأفضل للدول «أن تقوم بإنتاج سلاحها».

راجمة الصواريخ «ردع 300» إحدى القطع المنتجة محلياً في مصر (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)

لكن سالم شدد على أن تكلفة توطين صناعة السلاح مرتفعة أيضاً، وتتطلب تكنولوجيات حديثة تتيح قدرات تنافسية مع غيرها من الأسلحة، معتبراً أن مزايا التصنيع المحلي أيضاً تتمثل في إنتاج أسلحة تلائم مسرح العمليات العسكرية، وتتماشى مع المستخدم نفسه.

ويساعد التوسع في الإنتاج المحلي من السلاح في تقليل الضغط على العملة الأجنبية، وفق الخبير العسكري سمير راغب، الذي أشار إلى أنه «لا توجد دولة في العالم تستطيع أن تحقق الاكتفاء الذاتي من التسليح؛ ذلك لأن هناك أنماطاً محددة يتم استيرادها من الدول التي تمتلك تكنولوجيات تصنيع متطورة».

ويرى راغب، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «امتلاك القاهرة قدرات إنتاج محلي من السلاح يسهم في تعزيز قدرات الجيش المصري العسكرية، ويُمكّن من توفير قاعدة متطورة من الإنتاج، ما يعزز من خصوصية التسليح الخاص بالجيش المصري».


مصر تسرّع تسوية مستحقات شركات الأدوية تحسباً لاضطرابات الإمداد

مصر تسعى إلى توطين صناعة الدواء (وزارة الصحة المصرية)
مصر تسعى إلى توطين صناعة الدواء (وزارة الصحة المصرية)
TT

مصر تسرّع تسوية مستحقات شركات الأدوية تحسباً لاضطرابات الإمداد

مصر تسعى إلى توطين صناعة الدواء (وزارة الصحة المصرية)
مصر تسعى إلى توطين صناعة الدواء (وزارة الصحة المصرية)

تحتاط الحكومة المصرية من أزمات الإمدادات في ملف الأدوية، تجنباً لتكرار أزمة سابقة شهدتها السوق قبل عدة أعوام؛ إذ وجه رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، «بسرعة تسديد مستحقات شركات الأدوية لضمان التزاماتها بتوفير الحصص المقررة للجهات الحكومية»، بينما أكد رئيس هيئة الدواء الدكتور علي الغمري، «جاهزية السوق الدوائية لمواجهة أي اضطرابات في سلاسل الإمداد لمدة 3 شهور».

وسبق أن شهدت سوق الدواء المصري أزمة متشعبة خلال عامي 2022 و2023، تمثلت في نقص شديد في العديد من الأدوية والمستلزمات الطبية بما في ذلك «البنج»؛ ما أثر في العديد من الخدمات، بالتزامن مع أزمة في توفير العملة الصعبة، لم تنفرج إلا بقرار تحرير سعر الصرف (التعويم) في مارس (آذار) من عام 2023، والذي قلص الفجوة الكبيرة بين سعر الصرف في البنوك والسوق السوداء، وأسهم في توفير العملة الصعبة لهذا القطاع الحيوي.

وعاد القلق إلى المشهد مؤخراً، مع اندلاع الحرب الإيرانية، وارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه من نحو 47 جنيهاً للدولار، إلى نحو 53 جنيهاً قبل أن يستقر حالياً عند حدود 52 جنيهاً.

غير أن مساعد محافظ البنك المركزي، محمد أبو موسي، أكد خلال مشاركته في اجتماع مدبولي مع مسؤولين عن الدواء، مساء الخميس، أن «القطاع المصرفي جاهز لتوفير العملة الصعبة لمختلف المؤسسات الحكومية، أو مؤسسات القطاع الخاص لاستيراد أي أدوية، أو مستلزمات، أو مواد خام طبية، وأنه لا يوجد أي طلبات عملة صعبة متأخرة في أي بنك لهذا القطاع».

خلال اجتماع مدبولي مع مسؤولي ملف الدواء في مصر 11 يونيو 2026 (رئاسة مجلس الوزراء المصري)

وثمّن المدير التنفيذي لـ«المركز المصري للحق في الدواء»، محمود فؤاد، عناية الحكومة المصرية اللافتة بملف الأدوية، منذ نحو 10 أعوام، بعدما كان الملف مقتصراً فقط على وزارة الصحة، مضيفاً: «الآن توجد هيئة مستقلة للدواء، وهيئة أخرى للشراء الموحد تتبع الحكومة، تم تأسيسهما في عام 2018، ويعملان على توفير الأدوية والعمل على توطين صناعتها».

لكنه أشار إلى أنه رغم هذه الجهود، فإن «توفر الأدوية لمرضي الأمراض المزمنة ممن يشكلون نحو من 8 إلى 10 في المائة من الشعب المصري، ما زالت تحتاج إلى مزيد من الجهود، لمواجهة أزمات الإمداد فيها والتي تظهر من وقت لآخر».

وأوضح فؤاد لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة الشراء الموحد كان لديها أزمة كبيرة في سداد مستحقات الأدوية للشركات؛ ما دفع بعض الشركات لوقف الإمدادات، وذلك خلال أزمة الدواء قبل عدة أعوام، وظهرت في ظل الفجوة الكبيرة بين تكلفة الدواء الحقيقة وسعره الجبري، مع أزمة العملة الصعبة وقتها، والحكومة تدخلت أكثر من مرة لسد الفجوة، لكن تكرارها وارد خصوصاً في أدوية الأمراض المزمنة»، لافتاً إلى أن «سوق الدواء تشهد حالياً نقصاً في أدوية (الروماتيد) و(الذئبة الحمراء) وبعض أمراض الأورام».

وأكد رئيس الوزراء المصري، حرص الدولة على المتابعة المستمرة لموقف توافر مخزون من الأدوية والمستحضرات الطبية بمختلف أنواعها، والعمل على ضمان استدامة توفيرها للمواطنين بالكميات المطلوبة، بما يدعم جهود الدولة في الارتقاء بالمنظومة الصحية، وتحقيق الأمن الدوائي، حسب بيان رسمي عقب الاجتماع أمس.

كما شدد مدبولي على «أهمية تعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لمتابعة المخزون الاستراتيجي من الأدوية والخامات الدوائية، ورصد احتياجات السوق المحلية بصورة دورية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان انتظام عمليات الإنتاج والتوريد، فضلاً عن دعم جهود توطين صناعة الدواء وزيادة نسب المكون المحلي، بما يسهم في تعزيز قدرة هذا القطاع الحيوي على تلبية احتياجات المواطنين، ومواجهة مختلف التحديات والمتغيرات».

حرص مصري على عدم تكرار أزمة الأدوية (هيئة الدواء المصرية)

وتسعى مصر إلى أن تصبح مركزاً إقليمياً للدواء بتوطين صناعته، وتصديره إلى دول أخرى، لا سيما السوق الأفريقية. وتبلغ نسبة التصنيع المحلي من احتياجات مصر من الدواء أكثر من 75 في المائة بالقيمة المالية، وأكثر من 90 في المائة من عدد الوحدات، وفق تقرير للهيئة العامة للاستعلامات في سبتمبر (أيلول) 2025.

ويشيد فؤاد بجهود توطين صناعة الأدوية، والمزايا الكبيرة التي تمنحها مصر للمستثمرين لجذب الاستثمارات فيه، مثل الإعفاء من ضريبة القيمة المضافة، وإعفاءات جمركية وغيرها، لكنه أكد أن ذلك «لا يحد من الأزمة الأساسية التي تواجه هذا القطاع والمتعلق باعتماده على خامات مستوردة بنسبة 95 في المائة، فضلاً عن زيادة التكلفة والتي حدثت مؤخراً بعد زيادة أسعار البنزين قبل شهرين»، مشدداً أن «الحل يجب ألا يكون بتحريك سعر الدواء، في ظل تحريكه مرات عدة السنوات الماضية».

واستعرض رئيس هيئة الدواء المصرية، جهود «تعزيز الأمن الدوائي»، مشيراً إلى الموافقة على المبادرة التمويلية لتأمين مخزون استراتيجي من المستحضرات الدوائية والخامات ذات الأولوية، وإتاحة تمويل دولاري لتأمين 216 مستحضراً من المستحضرات التي ليس لها مثائل، و484 مادة خام من الخامات الفعالة، كما تناول موقف الأدوية الاستراتيجية والهامة وخاماتها، مشيراً إلى أن 80 في المائة من تلك الأدوية تصل معدلات التغطية الخاصة بها إلى نحو 6 أشهر.

ورأى الخبير الاقتصادي، محمد مهدي عبد النبي، أن الحكومة تعمل على طمأنة سوق الدواء بشأن قدرتها على سداد المستحقات بعد سداد مستحقات الشركات الاستثمارية الأجنبية العاملة في قطاع البترول مؤخراً، مستبعداً في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن تتكرر أزمة الأدوية في مصر، مع استقرار الدولار نسبياً وصعوده وهبوطه في حدود بسيطة.


صدام حفتر يتعهد التصدي لأي محاولة تستهدف جنوب ليبيا

صدام حفتر يصافح عدداً من المسؤولين خلال زيارته إلى سبها بالجنوب الليبي (القيادة العامة)
صدام حفتر يصافح عدداً من المسؤولين خلال زيارته إلى سبها بالجنوب الليبي (القيادة العامة)
TT

صدام حفتر يتعهد التصدي لأي محاولة تستهدف جنوب ليبيا

صدام حفتر يصافح عدداً من المسؤولين خلال زيارته إلى سبها بالجنوب الليبي (القيادة العامة)
صدام حفتر يصافح عدداً من المسؤولين خلال زيارته إلى سبها بالجنوب الليبي (القيادة العامة)

اطّلع الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، خلال زيارة إلى مدينة سبها بجنوب البلاد، على مستوى الجاهزية والاستعداد داخل الوحدات التابعة للمنطقة العسكرية، متعهداً التصدي لأي محاولة تستهدف الحدود الجنوبية.

وأجرى صدام، بحسب مكتب «القيادة العامة»، جولة ميدانية في سبها المعروفة بـ«عروس الجنوب»، مساء الخميس، لـ«الوقوف على سير العمل ومستوى الجاهزية، وتعزيز التنسيق بين الوحدات العسكرية بالمنطقة الجنوبية».

صدام حفتر خلال زيارته إلى سبها بالجنوب الليبي (القيادة العامة)

وتأتي هذه الزيارة على خلفية تقارير محلية ودولية عن اتساع نطاق عمليات تهريب الوقود والبشر، بالإضافة إلى تحركات لعناصر ما يُعرف بـ«غرفة عمليات تحرير الجنوب»، التي يقودها محمد وردقو.

وقالت «القيادة العامة» إن الجولة التي أجراها صدام حفتر بمقر المنطقة العسكرية الجنوبية، بحضور آمر المنطقة العسكرية الجنوبية اللواء أحمد سالم، تخللها عقد اجتماع ضم ضباط وآمري الوحدات، والمناطق العسكرية بالمنطقة الجنوبية، جرى خلاله مناقشة آليات سير العمل، وسبل تعزيز التنسيق بين مختلف الوحدات.

ونقلت «القيادة العامة» عن صدام إشادته بـ«الجهود التي تبذلها الوحدات العسكرية في تأمين المنطقة الجنوبية، وما حققته من نتائج في دعم الاستقرار وحماية الحدود»، مشدداً على «أهمية مواصلة العمل لرفع مستوى الجاهزية والاستعداد الدائم، والتصدي بكل حزم لأي محاولات تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار، بما يضمن الحفاظ على أمن المنطقة الجنوبية واستقرارها».

عدد من أفراد القوة العسكرية المشتركة من ليبيا وتشاد في 13 نوفمبر الماضي (شعبة الإعلام الحربي التابعة لـ«الجيش الوطني»)

في المقابل، اتهمت «غرفة عمليات تحرير الجنوب» قوات «الجيش الوطني» بالاستعانة بعناصر تشادية لصد تقدمها في المناطق الجنوبية. واعتبرت الغرفة أن الاعتماد على من وصفتهم بـ«المرتزقة» وتمويلهم من الموارد الليبية، يعكسان «قصر نظر خطيراً، وعدم إدراك لتعقيدات المنطقة»، محذرة من تداعيات تسليح المجموعات العابرة للحدود على الأمن القومي الليبي، وأمن الإقليم بأكمله. غير أن مصدراً مقرباً من «الجيش الوطني» نفى ما وصفه بـ«ادعاءات» مسلحي «غرفة الجنوب»، وقال إن «القيادة العامة» سبق أن شكلت مع تشاد «قوة مشتركة» لحماية الحدود الجنوبية، بقصد السيطرة على الشريط الممتد بين البلدية على مساحة تقارب 1050 كيلومتراً.

ويأتي هذا التطور على خلفية صراعات يشهدها الجنوب الليبي، باعتباره ساحة خلفية لصراعات السلطة والمعارضة التشادية، ما أدى خلال السنوات التي تلت الانفلات الأمني في بعض دول الجوار الأفريقي، إلى ازدياد عمليات «اختراق الحدود» من قبل جماعات وُصفت بـ«المتمردة».

وخاضت قوات الجيش معركة حامية على الحدود مع تشاد، أطلقتها رئاسة أركان القوات البرية في بدايات أغسطس (آب) 2024، ضمن «خطة شاملة لتأمين الحدود الجنوبية، وتعزيز الأمن القومي».

جانب من لقاء صدام حفتر بضباط وآمري الوحدات والمناطق العسكرية في المنطقة الجنوبية يوم 1 يونيو (القيادة العامة)

وتعاني ليبيا من تسرّب المهاجرين غير النظاميين عبر الحدود الجنوبية المترامية، فضلاً عن كونها مسارات مفتوحة لتهريب الوقود المدعم إلى دول الجوار الأفريقي، وللمنقّبين عن الذهب بشكل غير مشروع.

وتشهد الحدود الليبية - التشادية صراعاً دموياً للتنقيب عن الذهب بشكل غير مشروع، وفق مصادر عسكرية. وسبق أن أطلق «الجيش الوطني» خطة لتأمين الحدود التي تطل على تلك الدول، بقصد القضاء على العصابات العابرة للحدود، ومكافحة الهجرة غير النظامية.

وزعمت «غرفة عمليات تحرير الجنوب» أنها رصدت مطلع يونيو (حزيران) الحالي تحركات لعدد من صهاريج الوقود في محيط «بوابة مجدول» جنوباً باتجاه تشاد، ومنها إلى السودان، متهمة «الغرفة المشتركة» بشرق ليبيا بذلك.

وتسيطر «القيادة العامة» على مدن شرق ليبيا وغالبية مناطق الجنوب، وتقول حكومة أسامة حماد، المكلفة من مجلس النواب، إن «لجنة إعادة تنظيم الجنوب»، برئاسة اللواء جمال العمامي، سبق أن نفذت «عملية أمنية نوعية استهدفت وكراً لتهريب الوقود في مدينة سبها».

وثمّن صدام «الدور الوطني» لأهالي وقبائل الجنوب في الحفاظ على سيادة ووحدة ليبيا، ودعمهم المستمر للقوات المسلحة، وقال بحسب قناة «ليبيا الحدث»، إنه تابع عن قرب ما تشهده مدينة سبها ومدن الجنوب من أعمال تطوير وإعمار خلال الفترة الأخيرة، والتي تعكس «مرحلة جديدة من العمل الجاد، والاهتمام الحقيقي بهذه المنطقة المهمة من الوطن».

وأكد صدام أن «ما تحقق حتى الآن ليس نهاية المطاف، بل بداية لمسار مستمر، وقد وجّهنا بمواصلة العمل لتنفيذ مشاريع أكبر وأكثر شمولاً خلال المرحلة المقبلة، بما يواكب تطلعات أهلنا في الجنوب»، مبرزاً أن «الجنوب سيظل حاضراً ضمن أولوياتنا حتى تُستكمل مشاريع البناء والتطوير، ويتحقق التغيير المنشود في مختلف المدن والمناطق».

وأجرت قوات من «الجيش الوطني» عمليات انتشار في 10 يوليو (تموز) 2024 بجبال تيبستي في المنطقة الحدودية الجنوبية مع تشاد، والتي تعد إحدى بؤر التوتر بين البلدين، وذلك في معركة وقع فيها عدد من القتلى من الجانبين. وقالت «الكتيبة 676 مشاة»، التابعة للقوات البرية بالجيش حينها، إن عناصرها «فرضت سيطرتها على عدد من المواقع، التي كانت تتمركز وتتجمع فيها العصابات الإجرامية العابرة للحدود».