ترحيب سوداني واسع بـ«خريطة الطريق» الدولية لوقف الحرب

الإسلاميون عدّوا بيان «الرباعية» إقصاءً لهم

حرب السودان الدائرة منذ أبريل 2023 تسببت في دمار كبير للمباني والبنية التحتية للبلاد (أ.ف.ب)
حرب السودان الدائرة منذ أبريل 2023 تسببت في دمار كبير للمباني والبنية التحتية للبلاد (أ.ف.ب)
TT

ترحيب سوداني واسع بـ«خريطة الطريق» الدولية لوقف الحرب

حرب السودان الدائرة منذ أبريل 2023 تسببت في دمار كبير للمباني والبنية التحتية للبلاد (أ.ف.ب)
حرب السودان الدائرة منذ أبريل 2023 تسببت في دمار كبير للمباني والبنية التحتية للبلاد (أ.ف.ب)

في تزامن يبدو محسوباً بعناية، رسم البيان المشترك لدول «الرباعية الدولية»، إلى جانب عقوبات أميركية صارمة، وتجديد مجلس الأمن الدولي للعقوبات على السودان، ملامح مسار دولي جديد في السودان، يهدف بوضوح إلى إبعاد التيار الإسلامي عن الحكم، وإعادة هيكلة مستقبل السلطة تحت مظلة انتقال مدني محمي إقليمياً ودولياً.

البيان أثار ردود فعل متباينة داخل السودان، إذ قوبل بترحيب واسع من قوى سياسية ومدنية ونقابية، أبرزها تحالف «صمود»، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، في حين رفضه الإسلاميون، وسط انتقادات خافتة تركَّزت على اتهام البيان بالمساواة بين «الجيش والميليشيات»، في إشارة إلى «قوات الدعم السريع».

ورأى تحالف «صمود» المدني في بيان «الرباعية» (وهي السعودية وأميركا والإمارات ومصر) خطة عملية متكاملة لوقف الحرب، تبدأ بهدنة إنسانية لمدة 3 أشهر، تمر عبرها المساعدات، وتتطور إلى وقف دائم لإطلاق النار، تمهيداً لعملية انتقال شاملة وشفافة تستغرق 9 أشهر، وتنتهي بتشكيل حكومة مدنية ذات شرعية واسعة ومساءلة.

وقال التحالف، في بيان، إن الإشارة الصريحة في متن بيان «الرباعية» إلى الإسلاميين بوصفهم عقبة أمام السلام، تُمثل «تشخيصاً دقيقاً لجذور الأزمة»، في حين رأى الإسلاميون أن المقصود هو إقصاء ممنهج لهم من المشهد السياسي. وكان بيان «الرباعية» قد ذكر أن: «مستقبل السودان لا يمكن أن يُملى من قبل الجماعات المتطرفة العنيفة المرتبطة بجماعة (الإخوان المسلمين)».

ترحب مدني واسع

رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك يتوسط قيادات مدنية خلال مؤتمر سابق في لندن (الشرق الأوسط)

ورحب أيضاً «التجمع الاتحادي» بالبيان، وعدّه خطوة صائبة لتثبيت سيادة السودان ووحدته، مؤكداً أن استبعاد الحلول العسكرية ووقف الدعم الخارجي، اللذين وردا في البيان، يُمثلان أساساً قوياً للضغط نحو التفاوض، واصفاً تحميل الإسلاميين مسؤولية الحرب بأنه «توصيف دقيق».

كما رحّب «حزب المؤتمر السوداني»، بالبيان، عادّاً أنها خطوة محورية نحو وقف الحرب، وشدد على أولوية معالجة الأوضاع الإنسانية، معلناً رفضه لما سمّاه «رهن مستقبل البلاد لمصالح القوى العسكرية وجماعة (الإخوان المسلمين) الآيديولوجية المتطرفة»، ودعا الحزب إلى تبني التزامات جادة وضغط حقيقي لوقف القتال فوراً.

من جانبه، ثمّن «التحالف الديمقراطي للمحامين»، وهو كيان نقابي مستقل، البيان وعدّه إشارة إيجابية إلى جدية المجتمع الدولي في حل الأزمة السودانية، وطالب بانتقال سياسي بقيادة مدنية تضمن آليات شفافة للعدالة والمساءلة.

من جانبهم، فقد شدد «محامو الطوارئ»، و«تنسيقية المهنيين»، وعدد من النقابات، على أن مستقبل السودان ملك للشعب، وليس لـ«أمراء الحرب أو الجماعات المتطرفة»، داعين إلى محاسبة مرتكبي الانتهاكات والجرائم في حق المدنيين.

انزعاج الإسلاميين

وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم زعيم حركة «العدل والمساواة» الحليفة للجيش (رويترز)

في المقابل، أبدى الإسلاميون انزعاجهم من بيان «الرباعية» وعدّوه أنه «يسعى إلى إقصاء متعمّد للمؤسسة العسكرية».

وأبدى كتاب محسوبون على الإسلاميين رفضهم القاطع للبيان، من بينهم الصحافي الإسلامي، الهندي عز الدين، الذي وصف البيان بأنه «مؤامرة تُساوي بين الجيش والميليشيات»، وعدّه «مرفوضاً بالكامل». وكذلك الوزير الإسلامي السابق في عهد البشير، عبد الماجد عبد الحميد، الذي وصف البيان بأنه «وقاحة تعاقب مَن يُدافع عن شرفه ووطنه، وتغض الطرف عن الذي يرعى الذئب ويطعمه في فمه».

وفي تحرك موازٍ مثير للانتباه، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، الجمعة الماضي، عن فرض عقوبات على وزير المالية جبريل إبراهيم، رئيس حركة «العدل والمساواة» المعروف بانتمائه للإسلاميين، وكذلك ميليشيات «البراء بن مالك» الإسلامية، متهمة الطرفين بعرقلة جهود السلام وبناء تحالفات أمنية مع إيران.

وقال جون هيرلي، وكيل وزارة الخزانة لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية: «الجماعات الإسلامية السودانية أقامت تحالفات خطيرة مع النظام الإيراني»، متوعداً: «لن نقف مكتوفي الأيدي ونسمح لهم بتهديد الأمن الإقليمي والعالمي».

ووصف هيرلي الإسلاميين السودانيين بأنهم ظلوا «قوة مدمّرة لعقود»، ولعبوا دوراً رئيسياً في تقويض الحكومة الانتقالية، ودعم الجيش في الحرب.

واستهدفت العقوبات جبريل إبراهيم بدعوى إسهامه بآلاف المقاتلين في الحرب إلى جانب الجيش، الذين شاركوا في تدمير عدد من البلدات وأدّوا إلى مقتل ونزوح آلاف المدنيين. أمّا «لواء البراء بن مالك»، فاتهم بإرسال أكثر من 20 ألف مقاتل إلى جبهات القتال، باستخدام تدريب وتسليح وفّره «الحرس الثوري» الإيراني.

موقف دولي موّحد

ممثلون لطرفَي النزاع السوداني خلال توقيع «اتفاق جدة» في مايو 2023 (رويترز)

وتزامن مع كل ذلك، أن مجلس الأمن الدولي جدّد العقوبات المفروضة على السودان لسنة إضافية، خاصة تلك المتعلقة بتجميد الأصول وحظر السفر وحظر بيع الأسلحة، ومدد ولاية مجموعة الخبراء حتى 12 أكتوبر (تشرين الأول) 2026.

وقال محللون سودانيون إن التزامن بين بيان «الرباعية» والعقوبات الأميركية وتجديد مجلس الأمن الدولي للعقوبات على السودان يُبرز خطاً سياسياً دولياً واحداً يقوم على ركيزتين واضحتين: «أولاً، إقصاء الإسلاميين، ومنع عودتهم عبر تحالفات عسكرية أو سياسية، وثانياً، فرض انتقال مدني يبدأ بهدنة إنسانية، ويقود إلى حكومة ديمقراطية مدنية بإشراف وحماية دولية».

وأضافوا أن في هذا السياق يلعب البيان دور الضغط السياسي، في حين تُشكل العقوبات أداة ردع اقتصادية وقانونية تستهدف عزل الإسلاميين والجهات المسلحة المرتبطة بهم، لا سيما ذات الصلة بإيران.

وقال المحلل السياسي محمد لطيف لـ«الشرق الأوسط»: «لأول مرة، يبدو أن المجتمع الدولي أدرك جوهر الأزمة السودانية»، مضيفاً: «الحديث الصريح عن عدم السماح بالعودة إلى ما قبل ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2019، وقطع الطريق أمام الكيانات والعناصر الإرهابية، ليس مجرد موقف عابر، بل هو لبّ الأزمة التي ظللنا نحذر منها طويلاً».

وأكد أن ما يجري «هو حرب تشنها الحركة الإسلامية لاستعادة السلطة، مستخدمة أدواتها القديمة والجديدة في التمويه والتغلغل داخل المؤسسات، وتحريك الصراع العسكري لتحقيق غاياتها السياسية».

ورأى لطيف أن اتضاح الصورة وكشف طبيعة الصراع أمام المجتمع الدولي يُمثّلان فرصة للمجتمع المدني السوداني للانطلاق منها وتأكيدها، بوصفها منصة أولى لأي عملية انتقال سياسي أو تفاوض مستقبلي.

وترى التحليلات أن المجتمع الدولي لن يكتفي بالدعوة إلى وقف الحرب، بل سيعمل على فرض هندسة سياسية جديدة تستثني الإسلاميين من مستقبل السلطة في السودان، مشروطة بتجاوب الأطراف المحلية مع الضغوط الدولية، وقدرة القوى المدنية على تقديم بديل مقنع، وتخلي القوى المسلحة عن الرهان على الحرب بوصفها أداة سياسية.


مقالات ذات صلة

الجيش السوداني يستعيد الكرمك الاستراتيجية مع الحدود الإثيوبية

شمال افريقيا جنود من الجيش السوداني (متداولة)

الجيش السوداني يستعيد الكرمك الاستراتيجية مع الحدود الإثيوبية

في تطور ميداني مهم، استعاد الجيش السوداني، الأربعاء، سيطرته على مدينة الكرمك الاستراتيجية في ولاية النيل الأزرق، جنوب شرقي البلاد، قرب الحدود مع إثيوبيا.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا امرأة سودانية تسير بين مدافن سودانيين في أم درمان قتلوا في الحرب (أ.ف.ب)

مقتل 25 شخصاً بقصف لمركبات مدنية في السودان

أعلنت شبكة أطباء السودان اليوم الأربعاء مقتل 10 أشخاص بينهم خمس نساء جراء استهدافهم من قبل «الدعم السريع» بمسيَّرة بطريق الصادرات غربي أم درمان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا أطفال يتجمعون في مخيم بولاية أعالي النيل في جنوب السودان (د.ب.أ)

دراسة: أكثر من 93 % من السودانيين يريدون السلام

بينت الدراسة أن التنافس على السلطة والثروة جاء في مقدمة أسباب الصراع، يليه إرث النظام السابق، ثم التهميش، والتدخل الخارجي...

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا عمال ذهب يخرجون من منجم محلي بمحلية العبيدية بولاية نهر النيل بالسودان (رويترز)

15 قتيلاً بانهيار منجم ذهب في السودان

أدى انهيار جزئي لمنجم ذهب في السودان سبق إغلاقه إلى مقتل 15 ممن كانوا يعملون فيه، وفق ما أفادت شركة عامة الاثنين.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا جانب من إحدى جلسات «مجلس حقوق الإنسان» في جنيف (أرشيفية - الأمم المتحدة)

قلق أممي إزاء الوضع الخطير في مدينة الأُبَيِّض السودانية

أدان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بشدة، تصاعد العنف الذي ترتكبه «قوات الدعم السريع» والقوات المتحالفة معها بمدينة الأُبَيِّض؛ كبرى مدن إقليم كردفان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

ما العائد المتوقع من تقليص قوائم مستحقي الدعم في مصر؟

«التموين» تؤكد استمرار مراجعة وتنقية بطاقات التموين لاستبعاد غير المستحقين (صفحة الوزارة على فيسبوك)
«التموين» تؤكد استمرار مراجعة وتنقية بطاقات التموين لاستبعاد غير المستحقين (صفحة الوزارة على فيسبوك)
TT

ما العائد المتوقع من تقليص قوائم مستحقي الدعم في مصر؟

«التموين» تؤكد استمرار مراجعة وتنقية بطاقات التموين لاستبعاد غير المستحقين (صفحة الوزارة على فيسبوك)
«التموين» تؤكد استمرار مراجعة وتنقية بطاقات التموين لاستبعاد غير المستحقين (صفحة الوزارة على فيسبوك)

أثار قرار حكومي بحذف نحو 850 ألف مصري من «البطاقات التموينية» تساؤلات بشأن العائد المتوقع من تقليص «قوائم مستحقي الدعم» وسط غياب الأرقام الرسمية، فيما ذهبت تقديرات لخبراء إلى توفير مليارات الجنيهات حال ضبط المنظومة.

كانت الحكومة قد قررت إرجاء تطبيق التحول من «الدعم العيني» إلى «النقدي» الذي كان مقرراً تطبيقه مطلع يوليو (تموز) الجاري، وسط نقاشات موسعة في البلاد شأنه. كما تواصل وزارة التموين وضع تصورات لآليات التحول إلى «الدعم النقدي» بما فيها الموقف من «رغيف الخبز المدعم».

وتصاعدت حدة الجدل عقب حذف آلاف المواطنين من «بطاقات التموين». وأكد المتحدث باسم «التموين»، محمد كمال، أن الوزارة مستمرة في مراجعة وتنقية بطاقات التموين لاستبعاد غير المستحقين. وأضاف في تصريحات متلفزة، مساء الثلاثاء، أنه تم حذف نحو 850 ألف مواطن من منظومة الدعم خلال الشهر الماضي.

ويزيد عدد المستفيدين من الدعم التمويني على 65 مليون مواطن، بحسب بيانات وزارة التموين.

ويؤكد الخبير الاقتصادي أحمد حنفي أن «حجم العائد المتوقع من تقليص قوائم مستحقي الدعم يُمكن أن يصل إلى مليارات الجنيهات».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «التجاوزات وتسرب الدعم وتهريب السلع التموينية يمكن أن يوفر المليارات ويقلل الحاجة إلى الاقتراض من الخارج»، لكنه أشار إلى أنه لا توجد أرقام دقيقة للعائد من ضبط منظومة الدعم.

وزارة التموين تواصل وضع تصورات لآليات التحول إلى «الدعم النقدي» (صفحة وزارة التموين على فيسبوك)

ووفق متحدث وزارة التموين، فإن الحكومة حددت عدداً من معايير استحقاق الدعم، تعتمد على مجموعة من المؤشرات التي تعكس القدرة الاقتصادية للمواطن، بما يؤدي إلى حذفه من البطاقات التموينية إذا كان يمتلك سيارة تتجاوز قيمتها مليون جنيه (نحو 20 ألف دولار)، أو لديه حيازة زراعية تزيد على 10 أفدنة، أو أبناء بمدارس دولية أو خاصة.

وأكد أن هذه المعايير تستهدف توجيه الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجاً، منوهاً إلى أن باب التظلمات مفتوح أمام المواطنين من خلال مكاتب التموين، حيث يجري فحص كل طلب على حدة، وفي حال ثبوت استحقاق المواطن للدعم، يعاد إدراجه ضمن منظومة البطاقات التموينية.

ويرى رئيس جمعية «مواطنون ضد الغلاء»، محمود العسقلاني، أن قاعدة البيانات الدقيقة للمواطنين تشكل عائقاً أمام تحديد مستحقي الدعم.

قرار حكومي بحذف نحو 850 ألف مصري من «البطاقات التموينية» (صفحة وزارة التموين على فيسبوك)

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «ضبط منظومة الدعم يُمكن أن يوفر مليارات الجنيهات من قيمة الدعم الذي لا يذهب إلى مستحقيه... لكن يجب أن تكون قواعد الاستحقاق منصفة وعادلة».

وقال الخبير الاقتصادي وائل النحاس: «الحكومة لا تسعى للتوفير بتقليص القوائم، بل تحاول أن تعيد توزيع مبلغ الدعم التمويني والخبز الشعبي على عدد أقل من المواطنين كي يكفي».

ويجري حالياً حوار مجتمعي يضم عدداً من لجان مجلس النواب ومسؤولي وزارة التموين ووزارات أخرى لوضع رؤية للتحول إلى الدعم النقدي، حسبما أفاد عضو مجلس النواب صقر عبد الفتاح.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «من السابق لأوانه التكهن بمجريات الحوار؛ فكل يطرح رؤيته، ولن نوافق إلا على ما يحقق مصلحة المواطن».


وساطة تركية - غربية لحلحلة العقدة السياسية في الصومال

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

وساطة تركية - غربية لحلحلة العقدة السياسية في الصومال

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

يقود وسطاء دوليون جولة جديدة بين فرقاء السياسة في الصومال للمرة الثانية خلال أقل من شهرين، وسط أجواء غير مسبوقة من الصراع والخلافات على الانتخابات المباشرة وتطبيق الدستور الجديد الذي يمنح رئيس البلاد تمديد ولايته حتى عام 2027.

وهذه الجولة، التي تشهد وساطة من تركيا وسفراء دول غربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، تحمل، بحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فرصاً لحلحلة العقدة السياسية في الصومال، متوقعاً ثلاثة سيناريوهات؛ أحدها التوصل إلى اتفاق سياسي شامل يعيد بناء التوافق حول الخلافات الرئيسية.

وبحسب الموقع الإخباري «الصومال الجديد»، احتضنت العاصمة مقديشو محادثات سياسية حساسة بين الحكومة الفيدرالية وائتلاف «مجلس المستقبل» المعارض، بجدول أعمال يشمل كيفية إجراء الانتخابات واستكمال الدستور ومراجعته وكيفية إدارة المرحلة الانتقالية السياسية في البلاد.

وقال مصدر صومالي مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن المحادثات تتواصل، الأربعاء، ومن المنتظر أن تنضم إليها، الخميس، ولايتا جوبالاند وبونتلاند المناوئتان للحكومة الفيدرالية، بالتزامن مع الجلسة الختامية التي سيحضرها سفراء عدد من الدول الغربية، إلى جانب ممثلين عن الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.

ويرى الخبير في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن تلك المحادثات «محاولة لإحياء التوافق حول الملفات الخلافية التي عطلت المشهد السياسي خلال العام ونصف العام الماضيين»، مشيراً إلى أنها تأتي في ظل تحديات متزامنة تتصدرها الحرب المستمرة ضد حركة «الشباب»، إلى جانب الخلافات السياسية الداخلية المرتبطة بالتعديلات الدستورية، وشكل النظام الانتخابي، وتوزيع الصلاحيات بين الحكومة الفيدرالية والولايات.

ويبرز في هذه الجولة، بحسب كلني، «دخول تركيا على خط الوساطة السياسية للمرة الأولى بهذا المستوى، حيث تشارك بوصفها وسيطاً وضامناً للحوار»، مؤكداً أن هذا تطور «يعكس اتساع دور أنقرة في الصومال بعد سنوات من الحضور العسكري والاقتصادي والتنموي، ويعزز انخراط الشركاء الغربيين في دعم جهود التوصل إلى تسوية سياسية بين الأطراف الصومالية».

ومن المتوقع أن تنصب المحادثات على ثلاثة ملفات رئيسية هي مستقبل الانتخابات المقبلة، وتسوية الخلاف حول التعديلات الدستورية، ورسم إطار توافقي لإدارة المرحلة السياسية المقبلة، بما يضمن تجنب مزيد من الانقسام بين الحكومة الفيدرالية والولايات والقوى المعارضة.

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع مسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات تشاور بشأن الأزمة السياسية (وكالة الأنباء الصومالية)

وفي مايو (أيار) الماضي، لم تنجح جولة حوار استمرت ثلاثة أيام بين الحكومة الفيدرالية برئاسة حسن شيخ محمود والمعارضة، في التوصل لاتفاق، رغم الوساطة الغربية والأممية التي شهدتها المحادثات.

وتتلخص الخلافات في رفض المعارضة إجراء انتخابات مباشرة بالبلاد مع التمسك بالنظام القبلي، ورفض تطبيق الدستور اعتراضاً على بندي تقليص صلاحيات الأقاليم وتمديد فترة الرئاسة لمدة عام بحيث تنتهي في 15 مايو 2027 بدلاً من العام الحالي.

وأعلنت المعارضة الصومالية عدم الاعتراف بشرعية الرئيس حسن شيخ محمود، ودعت لمظاهرات أسبوعية في يونيو (حزيران) الماضي، شهد بعضها اشتباكات مسلحة غير مسبوقة بين موالين للحكومة وموالين للمعارضة.

ورغم الأجواء الإيجابية التي صاحبت انطلاق الحوار الجديد، فإن فرص تحقيق اختراق سياسي لا تزال مرهونة بقدرة الأطراف على تقديم تنازلات متبادلة، لا سيما في القضايا التي ظلت محل خلاف منذ إقرار البرلمان التعديلات الدستورية في مارس (آذار) الماضي، وما تبعها من اعتراضات واسعة من قوى المعارضة وبعض الإدارات الإقليمية.

ويعتقد أن انخراط تركيا في الوساطة هذه المرة يمنح المفاوضات زخماً إضافياً، نظراً للعلاقات التي تربطها بمختلف الأطراف الصومالية، لكن كلني أشار إلى أن نجاحها سيظل مرتبطاً بمدى استعداد القوى السياسية لتغليب خيار التسوية على حساب استمرار الاستقطاب.

وهو يرجح أن تسفر المحادثات عن ثلاثة سيناريوهات رئيسية؛ أولها التوصل إلى اتفاق سياسي شامل يعيد بناء التوافق حول الانتخابات والاستحقاقات الدستورية ويمهد لإنهاء أزمة استمرت نحو 18 شهراً، بينما يقوم الثاني على تحقيق تفاهمات جزئية تؤجل القضايا الأكثر تعقيداً إلى جولات لاحقة بما يحافظ على الحوار دون إنهاء أسباب الخلاف.

أما السيناريو الثالث فيتمثل في تعثر المفاوضات واستمرار الانقسام السياسي، وهو ما قد ينعكس سلباً على جهود مكافحة الإرهاب، ويؤخر استكمال عملية بناء مؤسسات الدولة.

ويضيف كلني: «ستظل مخرجات تلك الجولة اختباراً حاسماً لقدرة القوى السياسية على تجاوز خلافاتها، وإعادة إنتاج توافق وطني يوازن بين متطلبات الاستقرار الداخلي وضغوط المرحلة الأمنية، في ظل استحقاقات سياسية وأمنية متسارعة تواجهها البلاد».


تونسيون يعانون من بطالة طويلة يطالبون بتسريع توظيفهم

من مظاهرات سابقة تطالب بالشغل والتنمية بالعاصمة (أ.ف.ب)
من مظاهرات سابقة تطالب بالشغل والتنمية بالعاصمة (أ.ف.ب)
TT

تونسيون يعانون من بطالة طويلة يطالبون بتسريع توظيفهم

من مظاهرات سابقة تطالب بالشغل والتنمية بالعاصمة (أ.ف.ب)
من مظاهرات سابقة تطالب بالشغل والتنمية بالعاصمة (أ.ف.ب)

طالب متظاهرون تونسيون من بين خريجي الجامعات، ممن طالت مدة بطالتهم في احتجاج اليوم الأربعاء، بتسريع تطبيق قانون صدر منذ أشهر ينص على انتدابهم على دفعات.

وحسب ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية»، فقد احتشد المحتجون في محيط مقر الحكومة بالقصبة في العاصمة التونسية، وسط جو حار، رافعين شعارات تطالب بتوظيفهم في الوظيفة العمومية والقطاع العام. وردد محتجون غاضبون، غالبيتهم في سن الأربعينات، «انتداب لا تراجع لا انسحاب»، و«لا منابر لا خطب الشوارع والغضب» و«شغل حرية كرامة وطنية».

ووصل المتظاهرون من عدة ولايات إلى وسط العاصمة قبل الانطلاق في مسيرة إلى ساحة القصبة. لكن قوات الأمن حالت دون تقدمهم لمسافة أقرب إلى مقر الحكومة. ويطالب العاطلون، وأغلبهم من طالت مدة بطالتهم لأكثر من عشر سنوات، بتسريع تفعيل قانون صادق عليه البرلمان ونشر بالجريدة الرسمية في ديسمبر (كانون الأول) 2025. ويفرض القانون ترتيبات تتعلق بإطلاق منصة رقمية لتسجيل المترشحين إلى الوظائف، وتحديد معايير لأولوية التوظيف، مثل السن والوضع الاجتماعي وسنة التخرج الجامعي. كما ينص على البدء بعمليات التوظيف على دفعات في غضون ثلاث سنوات من تاريخ صدور القانون. لكن المحتجون يقولون إن التوظيف للدفعة الأولى لم يبدأ فعلياً. وقالت متحدثة وسط الحشود: «اليوم غايتنا واحدة وهي التشغيل اللائق. هذه رسالة إلى السلطة بأن تكف عن التسويف والمماطلة. أوجه نداء إلى الرئيس قيس سعيد بأن يوضع هذا الملف فوق الطاولة وليس بين الرفوف».

ويمثل خلق فرص عمل للعاطلين وخريجي الجامعات أحد أكبر التحديات أمام الحكومة في تونس، مع انحسار التوظيف في الوظيفة العمومية لعدة سنوات بسبب أزمة المالية العمومية.

وتبلغ نسبة البطالة في تونس وفق آخر تحديث 15 في المائة، بينما تتجاوز 24 في المائة في صفوف خريجي الجامعات. ويغادر البلاد نحو 30 ألف شخص سنوياً، وبينهم كوادر وأطباء ومهندسون وعمال، إلى الخارج للبحث عن فرص عمل، وفق بيانات المرصد الوطني للهجرة.