ليبيون يأملون نجاح جهود التهدئة بطرابلس لتجنّب الحرب

وسط تحذير من خطورة اندلاع مواجهات بين «الوحدة» و«الردع»

عنصران من قوة إنفاذ القانون التابعة لوزارة الداخلية بغرب ليبيا 26 أغسطس 2025 (وزارة الداخلية)
عنصران من قوة إنفاذ القانون التابعة لوزارة الداخلية بغرب ليبيا 26 أغسطس 2025 (وزارة الداخلية)
TT

ليبيون يأملون نجاح جهود التهدئة بطرابلس لتجنّب الحرب

عنصران من قوة إنفاذ القانون التابعة لوزارة الداخلية بغرب ليبيا 26 أغسطس 2025 (وزارة الداخلية)
عنصران من قوة إنفاذ القانون التابعة لوزارة الداخلية بغرب ليبيا 26 أغسطس 2025 (وزارة الداخلية)

تعيش العاصمة الليبية طرابلس أجواء من التوتر الأمني في ظل التحشيد العسكري بين قوات حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وعناصر «جهاز الردع»، من أبرز التشكيلات المسلحة الخارجة عن سيطرة الحكومة.

ومع تحركات الأرتال المسلحة من مدن بالمنطقة الغربية تجاه طرابلس، تزداد مخاوف السكان من انزلاق مدينتهم إلى جولة جديدة من المواجهات، آملين في العودة إلى التهدئة لتجنيب العاصمة القتل والتدمير.

وأعرب عضو المجلس الأعلى للدولة محمد معزب عن أمله في نجاح الجهود الساعية إلى احتواء الأزمة في طرابلس، محذراً من خطورة اندلاع مواجهة وسط أحياء مكتظة بمدينة يقترب عدد سكانها من مليونين ونصف المليون مواطن.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، قال معزب إن حكومة الوحدة «تسعى إلى سيطرة الدولة على المرافق الحيوية»، مضيفاً أنه يتردد كلام عن أن جهاز الردع يبدي استعداده لتسليم مطار معيتيقة «إلا أنه ربما لديه بعض الشروط، أو يريد ضمانات».

واستطرد قائلاً: «الخوف يسيطر على سكان العاصمة، لا سيما مع تجارب سابقة سقطت فيها قذائف على منازل المدنيين بمناطق بعيدة عن ساحة الصراع الميداني».

المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» في لقاء بطرابلس 19 أغسطس 2025 (حكومة الوحدة المؤقتة)

ومنذ مايو (أيار) الماضي، تعيش طرابلس على وقع «هدنة هشة» بعد قتال عنيف بين قوات موالية لحكومة «الوحدة» وعناصر مسلّحة تابعة لـ«جهاز الردع» الذي تصاعد نفوذه الأمني والسياسي على مدار السنوات الماضية. وجاء ذلك بعد جولة مواجهات اندلعت في الشهر نفسه، عقب مقتل رئيس «جهاز دعم الاستقرار» عبد الغني الككلي، المعروف بـ«غنيوة».

من جانبه، يرى الناشط المدني مفتاح مكراز أن المواجهة قريبة «لهشاشة الهدنة، وانعدام الثقة بين الأطراف المتنازعة، فضلاً عما يسود البلاد من صراع على السلطة».

وقال مكراز لـ«الشرق الأوسط»: «الحياة اليومية لا تزال تسير بصورة طبيعية دون هلع أو تكالب على المواد الغذائية؛ ولكن هذا لا يعني عدم الخوف من تجدد المواجهات»، لافتاً إلى أن المعركة قد تقود إلى خسائر بشرية في ظل العدد الكبير لسكان منطقة سوق الجمعة، الحاضنة الشعبية لـ«الردع».

ويقول مصعب القائد رئيس «فريق صناع السلام»، وهي مبادرة اجتماعية لدعم عملية السلام في ليبيا: «طرابلس لا تتحمل حرباً جديدة، ولا أبناؤها قادرون على تحمل مزيد من الضغوط الأمنية والاجتماعية التي ستفرزها تلك الحرب».

وحذّر القائد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» من تداعيات السيطرة بالقوة على مرافق استراتيجية، مثل مطار معيتيقة أو السجن الملحق به، حيث يُحتجز مئاتٌ من عناصر (داعش)، وكثيرٌ من المجرمين الخطيرين.

ووفقاً لرؤية الناشط المدني، فإن «فرار هؤلاء السجناء سيُشكّل تهديداً يتجاوز طرابلس إلى مدن أخرى بل ودول الجوار». كما لفت إلى «الأضرار الاقتصادية والاجتماعية، من تضرر الممتلكات، إلى ارتفاع الأسعار وتفاقم معاناة المواطنين».

ورفض القائد ما يُطرح حول اصطفاف الشارع الطرابلسي مع أي من الطرفين، وقال: «المواطنون لم يعودوا يكترثون إلا بقدرتهم على النجاة؛ باستثناء أصحاب المصالح»، لافتاً إلى أنهم تضرروا خلال الاشتباكات الأخيرة.

ويرى مراقبون أن أهالي «سوق الجمعة» قد يصطفون مع «جهاز الردع» بسبب انتماء أبنائهم له، في وقت ازدادت فيه الدعوات المطالبة بالعودة للتهدئة، وتجنيب طرابلس ويلات الحرب.

ويرى رئيس بلدية طرابلس المركز، إبراهيم الخليفي، أن منصات التواصل الاجتماعي تضخم الأحداث في طرابلس، وتعمل على «تدشين حرب افتراضياً».

وأشار الخليفي لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «وسط العاصمة لم يشهد أي تحركات عسكرية ملموسة، وأن الحياة تسير بشكل طبيعي، باستثناء بيانات رفض الحرب من بعض أحياء العاصمة»، مشدداً على أن «سكان طرابلس لن يتهاونوا مع من يشعل القتال أولاً».

وكان الدبيبة قد حدّد في الأسابيع الماضية شروطاً لتجنب الصراع مع «الردع»، في مقدمتها «تسليم المطار والسجن لوزارات وأجهزة الدولة، وتسليم مطلوبين محتمين بمقرات الجهاز للقضاء».


مقالات ذات صلة

مصر تتحرك لإعادة رعاياها «المهاجرين» من السجون الليبية

شمال افريقيا السفير حداد الجوهري مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون القنصلية مع عائلات مصريين متغيبين في ليبيا (الخارجية المصرية)

مصر تتحرك لإعادة رعاياها «المهاجرين» من السجون الليبية

ناشدت وزارة الخارجية المصرية عائلات المتغيبين في ليبيا «اتخاذ الإجراءات القانونية ضد السماسرة والمهربين وعصابات الهجرة غير المشروعة».

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة يستمع إلى حديث وزير الاقتصاد والتجارة في حكومته ضمن اجتماع موسع لمتابعة السوق (حكومة «الوحدة»)

«الوحدة» الليبية لمواجهة موجة الغلاء بتدابير صارمة

تشهد ليبيا موجة غلاء ملحوظة في ظل ازدياد أسعار السلع الغذائية والدوائية بنسبة متفاوتة تقارب 25 في المائة، في ظل تغوّل السوق الموازية للدولار.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة ووزير خارجيته المكلف الطاهر الباعور خلال مؤتمر في طرابلس نوفمبر الماضي (حكومة الدبيبة)

هل حوّل الانقسام السياسي سفارات ليبيا إلى أداة لكسب الولاءات؟

وصف دبلوماسيون ليبيون القفزة التي سجلتها مرتبات العاملين بالسفارات والبعثات الدبلوماسية بأنها «استنزاف ممنهج» لميزانيات السفارات.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا أسامة حماد رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي (الحكومة)

حكومة حماد تعلن إطلاق سراح الليبيين المحتجزين في تشاد

أعلنت وزارة الخارجية والتعاون الدولي بالحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي، برئاسة أسامة حماد، يوم الخميس، إطلاق «جميع المواطنين الليبيين» المحتجزين في تشاد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا قبيل ترحيل عدد من المهاجرين النيجيريين من غرب ليبيا (وزارة الداخلية)

قتيلان في استهداف قارب تهريب مهاجرين بـ«مُسيرة مجهولة» غرب ليبيا

كشفت «قوة دعم المديريات بالمنطقة الغربية» عن تفاصيل استهداف طائرة «مُسيرة» قارباً يُستخدم في تهريب مهاجرين غير نظاميين عبر البحر المتوسط.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

مصر تتحرك لإعادة رعاياها «المهاجرين» من السجون الليبية

السفير حداد الجوهري مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون القنصلية مع عائلات مصريين متغيبين في ليبيا (الخارجية المصرية)
السفير حداد الجوهري مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون القنصلية مع عائلات مصريين متغيبين في ليبيا (الخارجية المصرية)
TT

مصر تتحرك لإعادة رعاياها «المهاجرين» من السجون الليبية

السفير حداد الجوهري مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون القنصلية مع عائلات مصريين متغيبين في ليبيا (الخارجية المصرية)
السفير حداد الجوهري مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون القنصلية مع عائلات مصريين متغيبين في ليبيا (الخارجية المصرية)

كثّفت مصر، ممثلة في وزارة خارجيتها، خلال الأيام الأخيرة، جهودها لمتابعة أوضاع رعاياها من «المهاجرين غير النظاميين» إلى ليبيا، والعمل على إعادة المحتجزين منهم، إلى جانب بحث مصير المتغيبين، بالتواصل مع عشرات من عائلاتهم.

وللمرة الثانية خلال أسبوع واحد، التقى السفير حداد الجوهري، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون القنصلية، بعائلات مصريين متغيبين في ليبيا، لبحث أزمتهم وسبل إعادتهم إلى البلاد.

وقالت وزارة الخارجية، الجمعة، إن الجوهري التقى أكثر من 200 من عائلات المواطنين المصريين المتغيبين داخل الأراضي الليبية، مؤكداً «المتابعة الحثيثة التي تقوم بها سفارة مصر وقنصليتها في طرابلس وبنغازي لكافة بلاغات المتغيبين في السجون الليبية».

السفير حداد الجوهري مع أسر مهاجرين غير نظاميين متغيبين في ليبيا (الخارجية المصرية)

وأشار الجوهري إلى أن «جهود وزارة الخارجية أسفرت خلال عام 2025 عن ترحيل أكثر من 3 آلاف مواطن مصري من ليبيا، ممن كانوا متهمين في قضايا الهجرة غير المشروعة، والإفراج عن أكثر من 1200 مواطن من السجون الليبية»، لافتاً إلى «شحن 300 جثمان على نفقة الدولة، إثر غرق مراكب للهجرة قبالة السواحل الليبية».

وأكّد مساعد وزير الخارجية أن الفترة المقبلة ستشهد الإفراج عن «عدة مئات» من المصريين المحتجزين في السجون الليبية، موضحاً أنه جارٍ إنهاء إجراءات الإفراج عنهم، وتسوية أوضاعهم القانونية، تمهيداً لترحيلهم إلى مصر. داعياً أهالي المتغيبين إلى «ضرورة الحصول على المعلومات من مصادرها الشرعية»، ومحذراً من الانسياق وراء أفراد أو جهات مجهولة تمارس الابتزاز المالي، مقابل تقديم معلومات «يتبين لاحقاً عدم صحتها».

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية أنها نجحت منذ بداية عام 2025 في استعادة 1132 مواطناً من طرابلس والمنطقة الغربية، وأكثر من 1500 مواطن من بنغازي والمنطقة الشرقية.

مصريون قبيل إعادتهم من مركز إيواء المهاجرين غير الشرعيين شرق طرابلس (المركز)

وتأتي عمليات ترحيل المهاجرين في إطار ما أطلقت عليه سلطات طرابلس «البرنامج الوطني»، بعدما أحصت وجود نحو 3 ملايين مهاجر داخل البلاد، فيما تواصل السلطات في بنغازي شرق ليبيا إجراءات مماثلة.

وتقوم الجهات المعنية بملف الهجرة في عموم ليبيا بإلقاء القبض على «عشرات» المهاجرين المصريين بين الحين والآخر، وإيداعهم مراكز الإيواء إلى حين ترحيلهم إلى القاهرة.

وأعلن جهاز مكافحة الهجرة غير النظامية في طرابلس، الجمعة، إعادة 19 مهاجراً مصرياً عبر مطار معيتيقة الدولي، من بينهم قُصَّر كانوا محتجزين في مركز تاجوراء شرق العاصمة، بعد إعادتهم من البحر، وذلك بالتنسيق مع السفارة المصرية، فيما لا يزال نحو 200 مهاجر بانتظار إعادتهم.

وناشد الجوهري أهالي المتغيبين «اتخاذ الإجراءات القانونية ضد السماسرة والمهربين، وعصابات الهجرة غير المشروعة»، التي «تعرض أرواح المواطنين لمخاطر جسيمة مقابل مبالغ طائلة»، داعياً في الوقت نفسه إلى «احترام قواعد الدخول إلى الدول المجاورة عبر تأشيرات رسمية وعقود عمل موثقة، حفاظاً على حقوق وأرواح المواطنين المصريين».

في السياق ذاته، أعلنت «المنظمة الدولية للهجرة» اعتراض وإعادة 568 مهاجراً من البحر إلى ليبيا خلال الفترة من 2 إلى 8 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، مشيرة إلى اعتراض وإعادة 23 ألفاً و513 مهاجراً منذ بداية العام الحالي، من بينهم 2037 امرأة و851 طفلاً.

ولا توجد في ليبيا إحصاءات رسمية دقيقة حول عدد السكان أو المهاجرين غير النظاميين، في ظل دخول الآلاف عبر طرق التهريب الصحراوية، أو المنافذ غير الخاضعة لرقابة موحدة بسبب الانقسام الحكومي. وكانت منظمات أوروبية قدّرت عدد المهاجرين في ليبيا بنحو مليون ونصف مليون مهاجر، بينهم آلاف محتجزون في مراكز الإيواء غرب البلاد وشرقها.

مصريون قبيل إعادتهم من مركز إيواء المهاجرين غير الشرعيين (المركز)

وفي منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، أجرى وفد من السفارة المصرية في طرابلس جولة تفقدية إلى مركز إيواء «بئر الغنم» للوقوف على أعداد الرعايا المصريين المحتجزين فيه وأوضاعهم الإنسانية. ويُعدّ المركز معسكراً لتجميع المهاجرين غير النظاميين جنوب غربي العاصمة الليبية.

وتشير تقارير دولية وشهادات حقوقية إلى ارتكاب «انتهاكات جسيمة» بحقّ المحتجزين في المركز، في ظل ما يوصف بـ«فوضى إدارية وانقسام داخلي داخل جهاز مكافحة الهجرة». كما تعكس تقارير دولية وشهادات حقوقية ليبية واقعاً مأساوياً، يتعلق بأوضاع المهاجرين غير النظاميين في ليبيا.

في السياق ذاته، تؤكد منظمات حقوقية محلية ودولية أن جميع مراكز احتجاز المهاجرين في ليبيا تشهد «انتهاكات واسعة»، إلا أن اسم «بئر الغنم» يتكرر في شكاوى عديدة، خصوصاً من عائلات مصرية تتحدث عن احتجاز أبنائها في هذا المركز.


مصر لتطوير منظومة رعاية الطلاب الوافدين وتيسير إجراءات قبولهم

وافدون يحملون لافتة مكتوباً عليها منصة «ادرس في مصر» (مجلس الوزراء المصري)
وافدون يحملون لافتة مكتوباً عليها منصة «ادرس في مصر» (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر لتطوير منظومة رعاية الطلاب الوافدين وتيسير إجراءات قبولهم

وافدون يحملون لافتة مكتوباً عليها منصة «ادرس في مصر» (مجلس الوزراء المصري)
وافدون يحملون لافتة مكتوباً عليها منصة «ادرس في مصر» (مجلس الوزراء المصري)

أكدت الحكومة المصرية على «متابعة تطوير منظومة جذب ورعاية الطلاب الوافدين، من خلال تحسين جودة الخدمات التعليمية وتيسير إجراءات القبول»، وأرجعت ذلك إلى «تقديم تجربة تعليمية وثقافية متكاملة تواكب المعايير الدولية، وتسهم في ترسيخ صورة مصر بوصفها وجهة تعليمية آمنة وجاذبة».

وأوضح وزير التعليم العالي المصري، أيمن عاشور، الجمعة، أن ملف الطلاب الوافدين «يحظى بأولوية» ضمن استراتيجية وزارته، بعدّه «أحد أهم محاور القوة الناعمة المصرية، وأداة فعالة لتعميق الروابط الثقافية والعلمية مع مختلف دول العالم».

ويبلغ إجمالي عدد الطلاب الوافدين الدارسين في مصر «نحو 198 ألف طالب، من بينهم 138 ألفاً ملتحقون بمنظومة التعليم العالي، موزعين على 28 جامعة حكومية، و34 جامعة خاصة، و22 جامعة أهلية (حكومية بمصروفات)، ويمثل هؤلاء الطلاب 119 جنسية من مختلف دول العالم»، بحسب «التعليم العالي»، التي أوضحت أن «القطاع الطبي استحوذ على النسبة الكبرى من إقبال الطلاب الوافدين، يليه القطاع الهندسي، ثم العلوم الإنسانية».

وفند مجلس الوزراء المصري في إفادة، الجمعة، حصاد «منظومة الطلاب الوافدين خلال عام 2025»، إذ قال مساعد وزير التعليم العالي، رئيس قطاع الشؤون الثقافية والبعثات، أيمن فريد، إن التطوير المستمر جاء نتاج عمل مؤسسي متكامل بين وزارة التعليم العالي، والجامعات المصرية والمكاتب الثقافية بالخارج، مؤكداً أن «الاستراتيجية المعتمدة ترتكز على تنويع الأسواق التعليمية، وتطوير أدوات التسويق الدولي للتعليم المصري، وتعظيم الاستفادة من التحول الرقمي، بما يواكب المتغيرات العالمية في منظومة التعليم العالي، ويعزز القدرة التنافسية للجامعات المصرية».

من جانبه، أوضح رئيس الإدارة المركزية لشؤون الطلاب الوافدين بـ«التعليم العالي»، أحمد عبد الغني، الجمعة، أن «العام الماضي شهد نقلة نوعية في إدارة منظومة الطلاب الوافدين، سواء على مستوى التخطيط أو التنفيذ أو جودة الخدمات المقدمة». فيما أكدت وزارة التعليم العالي حرصها على «تعزيز التعاون مع الدول العربية، وكذا توسيع قاعدة الاستقطاب من القارة الأفريقية، إلى جانب زيادة نسب الطلاب القادمين من دول آسيا وأوروبا، وذلك في إطار استراتيجية تنويع الأسواق التعليمية».

ملف الطلاب الوافدين يحظى بأولوية ضمن استراتيجية وزارة التعليم العالي في مصر (مجلس الوزراء المصري)

هناك معطى آخر تحدث عنه الخبير التربوي المصري، عاصم حجازي، قائلاً إن وزارة التعليم العالي «سهلت الكثير على الطلاب الوافدين عبر المنصة الرقمية (ادرس في مصر)»، لافتاً إلى أن الطالب الوافد يُقدم أوراقه عبر (المنصة) ويتابع طلب الالتحاق بالجامعات المصرية.

وأضاف حجازي موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن التوسع في الخدمات الرقمية المتاحة للطلاب الوافدين، «يُعدّ من أهم التسهيلات وأشكال الدعم التي تقدمها (التعليم العالي) للوافدين بمصر»، مبرزاً أن «هناك من يدرس عن بُعد في بلده، ويأتي فقط لمصر خلال الامتحانات، وهناك آخرون ينتظمون في الحضور بالجامعات بمصر»، فضلاً عما «يتلقاه الوافدون من برامج الرعاية الاجتماعية والثقافية، التي تطورت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة».

وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، أعلنت وزارة التعليم العالي بمصر تقديم تسهيلات لالتحاق الطلاب السودانيين الوافدين بالجامعات، وكذلك تسهيل إجراءات من يرغبون في التحويل من جامعات أخرى لاستكمال دراستهم في مرحلتي البكالوريوس والدراسات العليا.

وتحدث «مجلس الوزراء المصري»، الجمعة، عن منصة «ادرس في مصر» للوافدين، مؤكداً أنها بثلاث لغات «العربية والإنجليزية والفرنسية» لضمان سهولة الاستخدام، ومنح خدمات التقديم كافة للمرحلة الجامعية والدراسات العليا.

مصر تؤكد تطوير منظومة جذب ورعاية الطلاب الوافدين (مجلس الوزراء المصري)

وبحسب حجازي، تسعى وزارة التعليم العالي في مصر إلى «مزيد من التحاق الطلاب العرب للتعليم في الجامعات المصرية»، عبر «برامج متنوعة سواء في الجامعات الحكومية أو الأهلية أو الخاصة، وكذا تسهيلات في إجراءات القبول وتلقي العلم، فالطالب يمكنه أن يدرس وهو في بلده، ثم يحضر لمصر خلال الامتحانات».

وفي إطار التعاون المستمر بين وزارتي «التعليم العالي والخارجية»، تم إقرار الأعداد المقترحة لمنح الطلاب الوافدين للعام الدراسي 2025 - 2026، وإعداد ملفات تعريفية بالجامعات المصرية وتصنيفاتها، وتوضيح خطوات التقديم بثلاث لغات، وتوفير رموز QR تتضمن شروط وإجراءات القبول، إلى جانب استقبال المستشارين والملحقين الثقافيين لمتابعة أوضاع الطلاب الوافدين، والمشاركة في الفعاليات المختلفة، وفق «مجلس الوزراء المصري»، الجمعة.

وبخصوص تسهيلات أخرى محتملة قد تتاح للوافدين مستقبلاً، تمنى الخبير التربوي المصري «إقامة أفرع للجامعات المصرية في الدول العربية والأفريقية»، لكنه رأى أن «هذه الخطوة تحتاج إلى ترتيبات كبيرة». وأرجع مطلبه هذا إلى أن بعض الطلاب «لا يفضلون التعليم الإلكتروني (عن بُعد)، ويحبون الحضور بشكل رسمي»، لافتاً إلى أن ذلك لو تحقق «فسيكون إنجازاً كبيراً»، و«أعتقد أن وزارة التعليم العالي تسعى لهذا الأمر حالياً».

وبرزت العام الماضي أزمة زيادة أعداد الطلاب السودانيين الراسبين في الجامعات المصرية، وقدرت السفارة السودانية في القاهرة عددهم بـ3 آلاف طالب، ووصفت حينها عملية الرسوب بأنها «ظاهرة مزعجة وتحتاج إلى مراجعة».

ووفق عاصم حجازي فإنه «لا توجد مشاكل لدى الطلاب الوافدين بمصر، فقط بعضهم يشكو من مصروفات الجامعات المصرية، رغم أنها عادية وغير مُبالغ فيها، وتتضمن الخدمات التي يتلقاها الوافد في مصر».

متحدث وزارة التعليم العالي، عادل عبد الغفار، أكد من جانبه أن «منظومة الطلاب الوافدين في مصر تشهد تطوراً مؤسسياً وتنظيمياً واضحاً، قائماً على التحول الرقمي والتنسيق المؤسسي وتحسين جودة الخدمات، بما يدعم تحقيق رؤية الدولة في جعل مصر مركزاً إقليمياً للتعليم العالي والسياحة التعليمية، ويعزز حضورها الأكاديمي والثقافي على المستويين الإقليمي والدولي».


السودان: كيف أنقذ مستشفى واحد آلاف الأرواح في أقسى ظروف الحرب؟

مدير «مستشفى النو» الطبيب جمال الطيب الحاصل على جائزة «أورورا» الإنسانية في مكتبه (الشرق الأوسط)
مدير «مستشفى النو» الطبيب جمال الطيب الحاصل على جائزة «أورورا» الإنسانية في مكتبه (الشرق الأوسط)
TT

السودان: كيف أنقذ مستشفى واحد آلاف الأرواح في أقسى ظروف الحرب؟

مدير «مستشفى النو» الطبيب جمال الطيب الحاصل على جائزة «أورورا» الإنسانية في مكتبه (الشرق الأوسط)
مدير «مستشفى النو» الطبيب جمال الطيب الحاصل على جائزة «أورورا» الإنسانية في مكتبه (الشرق الأوسط)

أثناء استمرار الحرب السودانية واشتعالها في العاصمة الخرطوم، توقفت خدمة المستشفيات، ولم يتبقَّ سوى مستشفى واحد في مدينة أم درمان، وهو «مستشفى النو» الواقع غرب المدينة، على خط النار والمواجهات العسكرية، وظل هو المرفق الصحي الوحيد الذي استطاع تلبية احتياجات الطوارئ واستقبال الجرحى، وإنقاذ آلاف الأرواح في أسوأ الظروف.

رغم الضغوط الأمنية والنفسية الكبيرة، صمدت مجموعة محدودة من الأطباء والكوادر الصحية والمتطوعين والفنيين للمحافظة على استمرارية العمل داخل المستشفى رغم القصف العشوائي، وسقوط الصواريخ والدانات، ونقص الموارد، وانقطاع خدمات الكهرباء والمياه والاتصالات، وضغط الحالات الطارئة المتزايدة.

واجهة «مستشفى النو» بأم درمان (الشرق الأوسط)

وطيلة فترة الحصار والتضييق داخل المستشفى كان الأطباء والطاقم الصحي ومجموعة المتطوعين يسعفون الجرحى بعدد 3 سيارات إسعاف متهالكة، ويتناولون وجبات قوامها الفول والعدس في وجبتَي الفطور والعشاء، لعدم وجود مطاعم توفر الطعام في محيط المكان الذي تغطيه رائحة الدم والبارود، فاستحقوا جائزة مؤسسة «أورورا» لإيقاظ الإنسانية العالمية، التي تُمنح للأشخاص الذين خاطروا بحياتهم أو حريتهم أو صحتهم لإنقاذ حياة الآخرين.

أيام قاسية

أظهر المُستشفى الميداني قدرته على العمل في أحلك الأوقات. يقول مدير المستشفى الدكتور جمال الطيب لـ«الشرق الأوسط»: «تأثرت جداً بموت الأطفال وكانوا بأعداد كبيرة... كنا نستقبل في اليوم أكثر من 100 حالة، وأحياناً في ساعة واحدة، و4 آلاف شهرياً بإصابات متفاوتة شديدة وطفيفة، وعالجنا أعداداً كبيرة من المصابين».

«مستشفى النو» يستقبل عشرات الحالات يومياً باعتباره الوحيد في العاصمة إبان الحرب (الشرق الأوسط)

وأضاف الطيب: «بدأ المستشفى العمل بمبادرة من الشباب المتطوعين في 17 أبريل (نيسان) 2023؛ أي بعد أيام من انطلاق الحرب، بإمكانات بسيطة جداً لإسعاف الجرحى بشتى الطرق». وأوضح: «هزتني الإصابات الناتجة عن القصف العشوائي، خصوصاً وسط الأطفال والنساء، ووفاة الأطفال الصغار تعد الأكثر إيلاماً»، وتابع: «حتى لو كنت طبيباً، فلن تعتاد على مناظر أطفال مبتوري الأيدي والأرجل ومبقوري البطون».

غرق في الفوضى

كانت شوارع مدينة أم درمان تغرق في الفوضى، لكن المستشفى كان ينبض بالحياة. يواصل مديره: «كنا نعمل بالكادر الطبي المتاح والأدوية الموجودة لدينا على قلتها. ساعدتنا منظمة (أطباء بلا حدود) الهولندية بدور كبير». ويضيف الطبيب جمال لـ«الشرق الأوسط»: «بعد اندلاع الحرب انتقلت من الخرطوم لأم درمان متطوعاً، لكن وزارة الصحة بولاية الخرطوم طلبت مني شخصياً إدارة المستشفى رسمياً في يوليو (تموز) 2023». ويتابع: «مع زملائي الدكتور أمير محمد الحسن، اختصاصي الباطنية والقلب، والدكتور ياسر شمبول، اختصاصي الباطنية، اللذين حضرا للمستشفى في وقت مبكر، بدأنا العمل دون إمكانات من أي نوع. الوزارات والهيئات لم تكن موجودة. الجرحى والمرضى وكبار السن والأطفال لا يقبلون عذراً، فقط يريدون من يداويهم».

مشاهد مؤلمة

أحد العنابر داخل المستشفى حيث يكتظ بالمرضى (الشرق الأوسط)

في فبراير (شباط) 2025، دوى انفجار كبير في سوق شعبي بمدينة أم درمان، وسرعان ما امتلأت غرفة طوارئ المستشفى بالجثث والإصابات المتفاوتة. يقول الطيب: «كان ذاك من الأيام الصعبة جداً. كان سوق (صابرين) يعج بالمتسوقين. استقبلنا يومها نحو 170 إصابة خلال ساعتين لا أكثر، نُقلوا إلينا بالشاحنات دون وجود خدمة إسعاف». ويضيف: «كان يوماً صعباً، فالذين حاولوا مساعدة المصابين ليسوا أطباء أو كوادر صحية؛ لذلك نقلوا المصابين بشكل عشوائي، ووضعوا الموتى مع المصابين في مكان واحد... بعدها قمنا بفرز الموتى من الأحياء داخل تلك الشاحنات، واتضح وجود 48 وفاة، مع مصابين بإصابات متفاوتة، بعضهم بُترت أطرافهم، وبعضهم خرجوا بعاهة مستديمة». ويتابع: «لكنا – والحمد لله - أنقذنا حياة البقية».

تعرض المستشفى نفسه للقصف العشوائي، لكن الأطباء والكوادر الطبية أصروا على مواصلة العمل. يقول الدكتور الطيب: «فقدنا عدداً من كوادر المستشفى بالقصف والصواريخ، وتُوفي أحد المتطوعين داخل المسجد الملحق، فضلاً عن اثنين من أفراد الحراسة، وأصيب جندي برصاصة قناص داخل المستشفى».

جائزة «أورورا» الإنسانية

قررت مؤسسة «أورورا» لإيقاظ الإنسانية (Aurora Prize for Awakening Humanity) منح جائزتها لعام 2025 للطبيب جمال الطيب، وقيمتها مليون دولار، على جهوده في إدارة المستشفى الذي ظل شمعة في جوف الظلام؛ إذ كان خط الدفاع الطبي الأخير في العاصمة الخرطوم إبان النزاع المسلح فيها. وتعد جائزة «أورورا» لإيقاظ الإنسانية جائزة إنسانية عالمية كبرى تُمنح للأشخاص الذين خاطروا بحياتهم أو حريتهم أو صحتهم لإنقاذ حياة الآخرين، والتخفيف من معاناة البشر في حالات الصراع، أو الجرائم ضد الإنسان، أو انتهاكات حقوق الإنسان.

مدير المستشفى الطبيب جمال الطيب خلال حديثه مع مراسل الصحيفة (الشرق الأوسط)

يقول الطيب لـ«الشرق الأوسط»: «لا أدري من رشحني لتلك الجائزة. تم اختياري من بين 880 مرشحاً، دون علمي، وحين وصلت الترشيحات بالقائمة القصيرة إلى 25 شخصاً، عرفت ساعتها بترشيحي. وأثناء قيام فريق الجائزة بالبحث عني، أرسلوا تعميماً إلى المستشفيات في أوروبا، يبحثون عن طبيب اسمه جمال الطيب وعنوانه».

ويضيف: «أحد زملائي في مجال التخدير بلندن أرسل بريداً لزميلتي في المستشفى الدكتورة شذى، فأرسلته لي، وحين قرأت الرسالة ظننت أن الأمر لا يخلو عن فكاهة، ولم أرد عليه». ويتابع: «حثتني الدكتورة شذى على الرد، وكتبت بريدي وتليفوني. وفي اليوم الثاني، تلقيت اتصالاً من المنظمة، بعد أن تقلص العدد إلى 15 شخصاً، ثم إلى 4 أشخاص، وأخيراً كنت أنا الفائز الأول». ويستطرد: «الجائزة لا تمثلني على المستوى الشخصي، بل تمثل أسرة المستشفى: أطباء، وإداريين، وعمالاً... فقط أنا كنت أقودهم، ولست أحق بالجائزة منهم».