السودانيون العائدون لوطنهم يصطدمون بمدن محطمة

عدم توفر فرص العمل أكبر التحديات التي يواجهونها

مواطن يتفقد الدمار الذي أصاب منزله في الخرطوم جراء الحرب (أرشيفية - أ.ف.ب)
مواطن يتفقد الدمار الذي أصاب منزله في الخرطوم جراء الحرب (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

السودانيون العائدون لوطنهم يصطدمون بمدن محطمة

مواطن يتفقد الدمار الذي أصاب منزله في الخرطوم جراء الحرب (أرشيفية - أ.ف.ب)
مواطن يتفقد الدمار الذي أصاب منزله في الخرطوم جراء الحرب (أرشيفية - أ.ف.ب)

عادت أعداد من السودانيين اللاجئين والنازحين إلى السودان بعدما استعاد الجيش سيطرته على العاصمة الخرطوم وولاية الجزيرة المجاورة، لكن آمال الكثيرين منهم قد تبددت بعدما صُدمت بواقع مرير في مدن محطمة تغيب عنها غالبية الخدمات الأساسية والبنية التحتية.

وفي هذا الصدد، قالت نجود ساتي، التي عادت إلى السودان بعد أكثر من عام من اللجوء في مصر، لتبدأ حياتها من جديد في بلدها الأم، إن الوضع في السودان أصبح أكثر قسوة كثيراً من ذي قبل. وأضافت لــ«الشرق الأوسط»: «مثل الكثيرين غيري، شعرت بسعادة كبيرة عندما تم إعلان تحرير الخرطوم، وأصبح بإمكاني العودة إلى بلدي ومنزلي». وتعول نجود (47 عاماً) أسرة مكونة من فردين، وكانت تسعى إلى أن تبدأ عملها في السودان من الصفر «بتأهيل متجري الصغير لتوفير معاشنا اليومي، لكننا لم نجد شيئاً، إذ تمت سرقة منزلنا بالكامل».

ويتواصل يومياً تدفق آلاف اللاجئين السودانيين العائدين إلى السودان، كي يجدوا أنفسهم محاصرين في ظروف معيشية صعبة للغاية، جراء انعدام فرص العمل وفقدان الخدمات؛ ما دفع أعداداً كبيرة منهم إلى الاعتماد على المنظمات الخيرية المحلية التي توفر الطعام للمحتاجين، وتُعرف في السودان باسم «تكية». ووفقاً لمنظمة الهجرة الدولية، فإن ما يقدَّر بـ 1.3 مليون سوداني عادوا إلى البلاد، لكن غالبيتهم لن يتمكن من تلبية الحد الأدنى من احتياجاتهم، بينما تتحدث التوقعات عن بلوغ عدد العائدين 2.1 مليون شخص بحلول نهاية العام.

فقدان فرص العمل

عائدون إلى العاصمة السودانية يتلقون مساعدات غذائية سعودية في أم درمان ٢٤ أغسطس (أ.ف.ب)

قال جعفر عثمان، أب لأربعة أطفال عاد إلى منزله بمنطقة شرق النيل: «الحياة صعبة للغاية. فقدت كل شيء، همي الأساسي هو العثور على أي عمل أعول به أسرتي». وأضاف عبر اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» قبل الحرب: «كنت أعمل في بيع الخضراوات والفواكه، لكنني اضطررت للعمل عامل بناء نظير 15 ألف جنيه سوداني في اليوم (نحو 4 دولارات)، وهو ما لا يكفي حتى لوجبة واحدة في اليوم».

وتُقدر بيانات صندوق النقد الدولي أن أكثر من 3 ملايين سوداني فقدوا وظائفهم خلال الحرب. ومن بين أكثر المتضررين فئات العاملين في القطاع الخاص والأعمال الحرة، ويمثلون الغالبية العظمى من اللاجئين والنازحين الذين تأثروا مباشرة بالحرب.

وأكد خبراء اقتصاديون أن القطاع الخاص هو الأكثر تضرراً من الحرب، بوصفه أكبر مشغل للعمل والوظائف في السودان.

ووفق الخبير الاقتصادي، محمد الناير، فإن من الصعب في هذه المرحلة التي تمر بها البلاد أن تتوفر فرص العمل سواء في الأعمال الحرة أو غيرها.

وقال: «معظم العائدين يعتمدون على التحويلات الخارجية التي تأتيهم من الخارج، وهي مصدر الدخل المستقر في الوضع الحالي». وأضاف أن عودة المواطنين إلى منازلهم تساعد على تحقيق الأمن، وتشجع الدولة أن تسرع في معالجة توفير الخدمات الضرورية لعودة الحياة تدريجياً إلى طبيعتها.

وأشار إلى أن الحياة في مناطق كثيرة من مدينة أم درمان، ثاني أكبر مدن العاصمة الخرطوم، التي ظلت خارج نطاق القتال، أفضل كثيراً من مدينتي الخرطوم وبحري. ولفت الناير إلى أن أعداداً كبيرة من السودانيين فقدوا وظائفهم بسبب الحرب، معظمهم يعمل في شركات القطاع الخاص التي منحت العاملين إجازة دون مرتب، أو فصلتهم من العمل؛ ما زاد معدل البطالة بصورة كبيرة، لكن في المقابل نجح جهاز الدولة في القطاع العام في التكفل بدفع رواتب الموظفين، طيلة فترة الحرب.

وتابع الناير أن هناك عودة تدريجية ملحوظة للنشاط التجاري في الأعمال الصغيرة والمتوسطة، من خلال فتح الأسواق والمحال التجارية التي يمكن أن تستوعب أعداداً من العائدين، وتوفر لهم مصادر دخل مؤقتة.

إعادة الإعمار

مستشفى محترق تظهر عليه علامات الدمار جراء القصف المدفعي في الخرطوم (رويترز)

بدوره، قال الخبير الاقتصادي، هيثم فتحي إن التحدي الأكبر الذي يواجه غالبية العائدين الذين فقدوا كل شيء في الحرب، هو تأمين مصدر دخل لمعيشتهم، ولا بد من بناء الأسواق، ودعم سبل العيش عبر الوظائف الحكومية والخاصة.

وأضاف أن العودة الطوعية تحكمها عوامل عدة تتعلق بالسكن والخدمات واستقرار الوضع المعيشي والأمني، وقيام الدولة بمعالجة الانقطاع المستمر في الكهرباء والمياه، بوصفها احتياجات أساسية يومية للسكان.

وأشار فتحي إلى أن عملية إعادة الإعمار تحتاج إلى دعم خارجي كبير يفسح المجال للشركات وأصحاب رؤوس الأموال بدخول السوق السودانية، وبدء مرحلة جديدة في بناء بلد أنهكته الحرب. وبحسب الخبراء والمختصين، فإن الحرب الدائرة في السودان تسببت في تدمير القطاع الصناعي بنسبة 75 في المائة والقطاع الخدمي بنسبة 70 في المائة.

وتوقع بنك التنمية الأفريقي في أحدث تقرير له في يوليو (تموز) الماضي، انكماش الناتج المحلي الإجمالي في السودان بنسبة 0.6 في المائة خلال عام 2025، مع استمرار ضعف الأنشطة الاقتصادية.

وأدى الصراع المسلح بين الجيش و«قوات الدعم السريع» إلى تدمير القطاع الصناعي الرئيسي في مدن العاصمة المثلثة - الخرطوم وبحري وأم درمان - بما يمثل نحو 20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وستستغرق استعادة عافيته أعواماً عدة، ما لم تقف الحرب فوراً.

وتُقدِّر الأمم المتحدة أن أكثر من نصف السكان - نحو 26 مليون شخص - يواجهون شحاً حاداً في الأمن الغذائي، مع وجود 8.5 مليون شخص في حالة طوارئ (المستوى الأخير قبل المجاعة)، بينما يواجه 800 ألف شخص خطر المجاعة.


مقالات ذات صلة

البرهان في ذكرى الاستقلال: النصر آتٍ

شمال افريقيا البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالعاصمة الخرطوم (وكالة الأنباء السودانية) play-circle 00:34

البرهان في ذكرى الاستقلال: النصر آتٍ

أكد رئيس «مجلس السيادة الانتقالي» القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الخميس، أن «النصر قادم» وأن «النصر سيكون حليف الشعب السوداني».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
تحليل إخباري تخريج دفعات جديدة من مقاتلي «حركة تحرير الشرق» (فيسبوك)

تحليل إخباري شرق السودان... خمس حركات مسلحة تختار الحياد

وقعت 5 فصائل مسلحة ذات ثقل اجتماعي مؤثر على ميثاق تحالف «شرق السودان» في محاولة لتشكيل قوة جديدة واستراتيجية تعيد صياغة العلاقة مع السلطة المركزية على أسس جديدة

محمد أمين ياسين (نيروبي)
رياضة عربية يخوض المنتخب السوداني أحد أعرق المنتخبات الأفريقية هذه البطولة بينما تتواصل الحرب (أ.ب)

أمم أفريقيا: منتخب السودان يسعى لمواساة شعب غارق في حرب مروعة

جاء محمد النور إلى المغرب لحراسة مرمى منتخب بلاده، السودان، في كأس أمم أفريقيا لكرة القدم، عازماً على مواساة شعبه الجريح الذي يعاني «رعب» حرب أهلية مروعة.

«الشرق الأوسط» (الدار البيضاء)
شمال افريقيا  مجلس الوزراء السوداني عقد أمس جلسته برئاسة رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس (سونا)

مجلس الوزراء السوداني يجيز «موازنة 2026 الطارئة» ويصفها بـ«المعجزة»

وصف رئيس الوزراء السوداني الدكتور كامل إدريس، مشروع الموازنة الطارئة للعام المالي 2026، التي أقراها مجلس الوزراء يوم أمس (الثلاثاء)، بـ«المعجزة» مشيداً بضبط…

«الشرق الأوسط» (بورتسودان)
شمال افريقيا مستويات غير مسبوقة من سوء التغذية بين الأطفال بولاية شمال دارفور (أ.ب)

«اليونيسف» تحذر من مستوى غير مسبوق من سوء التغذية بين الأطفال في شمال دارفور بالسودان

حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، اليوم الثلاثاء، من وجود «مستويات غير مسبوقة وخطيرة» من سوء التغذية بين الأطفال بولاية شمال دارفور في غرب السودان.

«الشرق الأوسط» (دارفور)

«الوحدة» الليبية لمواجهة موجة الغلاء بتدابير صارمة

الدبيبة يستمع إلى حديث وزير الاقتصاد والتجارة في حكومته ضمن اجتماع موسع لمتابعة السوق (حكومة «الوحدة»)
الدبيبة يستمع إلى حديث وزير الاقتصاد والتجارة في حكومته ضمن اجتماع موسع لمتابعة السوق (حكومة «الوحدة»)
TT

«الوحدة» الليبية لمواجهة موجة الغلاء بتدابير صارمة

الدبيبة يستمع إلى حديث وزير الاقتصاد والتجارة في حكومته ضمن اجتماع موسع لمتابعة السوق (حكومة «الوحدة»)
الدبيبة يستمع إلى حديث وزير الاقتصاد والتجارة في حكومته ضمن اجتماع موسع لمتابعة السوق (حكومة «الوحدة»)

حضّ رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، الأجهزة المختلفة في العاصمة طرابلس على العمل لمواجهة غلاء أسعار السلع الغذائية، من بينها مراقبة السوق، ودعم المواطنين لا سيما مع اقتراب شهر رمضان.

وكان الدبيبة قد عقد اجتماعاً موسعاً بحضور وزير الاقتصاد والتجارة محمد الحويج، مساء الخميس، لمتابعة المستوى العام للأسعار في السوق الليبية، وانعكاساتها المباشرة على حياة المواطنين، في ظل شكاوى متواصلة من شحّ السيولة في البنوك وضعف الرواتب. كما أعلنت الحكومة اتخاذ إجراءات عدة لمواجهة موجة الغلاء، لا سيما مع اقتراب شهر رمضان، من بينها إعداد «قائمة سوداء» للتجار المتورطين بالمضاربة في الأسعار.

جانب من اجتماع موسع لحكومة الدبيبة لمتابعة السوق المحلية (حكومة «الوحدة»)

وتشهد ليبيا موجة غلاء ملحوظة في ظل ازدياد أسعار السلع الغذائية والدوائية، بنسبة متفاوتة تقارب 25 في المائة، وتغوّل السوق الموازية للدولار، وتراجع سعر صرف الدينار أمام العملة الصعبة، مما يعمّق معاناة الليبيين، ويحدّ من قدراتهم الشرائية.

ووجّه الدبيبة بتكثيف الجولات الميدانية داخل الأسواق، وتعزيز التنسيق بين وزارة الاقتصاد وجهاز الحرس البلدي والجهات ذات العلاقة، لمتابعة مسار السلع من المنافذ وحتى نقاط البيع، وضمان التزام التجار بالأسعار المعتمدة.

وتطرق الاجتماع إلى بحث «قيمة الاعتمادات البنكية المفتوحة» لتوريد السلع الأساسية، ومدى انعكاسها على توافر السلع في الأسواق وضمان استقرار أسعارها، إلى جانب مناقشة التحديات المرتبطة بسلاسل التوريد والتوزيع، وسبل معالجتها بما يحافظ على التوازن في السوق المحلية.

وخلال اللقاء شدّد الدبيبة على اتخاذ إجراءات صارمة بحق المحتكرين والمتلاعبين بالأسعار، وعدم التهاون مع أي ممارسات تضر بقوت المواطن، أو تمس استقرار السوق، مؤكداً أن ضبط الأسعار وحماية المستهلك تمثّل أولوية قصوى للحكومة.

مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (تصوير: جمال جوهر)

وجاء الاجتماع الموسع، الذي ضم عدداً من المسؤولين من الحكومة، بعد شكاوى عديدة من ارتفاع أسعار الدواجن والبيض والتونة، بالإضافة إلى الحليب، الذي ارتفع سعر اللتر منه من 6 دنانير إلى 7.5 دينار.

وللغرض ذاته، عقد الحويج اجتماعاً موسعاً، بحضور رئيس جهاز الحرس البلدي، ووكيل وزارة العمل والتأهيل، ومديري غرف التجارة والصناعة والزراعة، لمناقشة تنظيم السوق المحلية، وضبط الأسعار وضمان توافر السلع الأساسية للمواطنين. وناقش الاجتماع أوضاع العمالة الوافدة وتأثيرها على أنشطة الجُملة والتجزئة. كما شدد على قرار الوزارة بشأن حظر مزاولة الأنشطة التجارية على غير الليبيين، والتنسيق مع وزارة العمل وجهاز الحرس البلدي لمتابعة الأسعار وسلوكيات التجار.

وبشأن «القائمة السوداء» للتجار المتورطين في المضاربة، وجّه الحويج باتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم بالتنسيق مع الجهات المختصة ومصرف ليبيا المركزي، وأكد ضرورة المتابعة اليومية لضبط الأسعار، خاصة مع اقتراب شهر رمضان، «مع التركيز على دعم المواطن، وتخفيف الأعباء المعيشية في ظل تدهور قيمة الدينار وارتفاع الأسعار في السوق الموازية»، داعياً إلى عقد اجتماع مع التجار لاستعراض المخزونات، وتقديرات الإنتاج والموازنة الاستيرادية للسلع الأساسية.

من جانبه، شدد جهاز الحرس البلدي على تقديم تقارير أسبوعية حول العمالة والأسعار، فيما أكد وكيل وزارة العمل والتأهيل تقديم جميع التسهيلات لتنظيم سوق العمل، مشيراً إلى استمرار آلية تسجيل العمالة الأجنبية عبر منظومة «وافد»، وهو ما يُسهم في تنظيم السوق المحلية وتخفيف الأعباء عن المواطنين.

وأعلن الحويج عقد اجتماع خلال هذا الأسبوع مع التجار لاستعراض تقديرات الإنتاج والمتوفرات والمخزونات من مختلف السلع، والعمل على إحالة الموازنة الاستيرادية الاسترشادية الخاصة بتوريد السلع الأساسية.

وفي بعض المناطق الليبية، اشتكى مواطنون من ارتفاع في أسعار طبق البيض إلى 17 و18 ديناراً، كما ارتفع سعر كيلو الدجاج إلى قرابة 18 ديناراً.

الدبيبة وجّه حكومته «بعدم التهاون مع أي ممارسات تضر بقوت المواطن أو تمس استقرار السوق» (أ.ف.ب)

وتحدثت شبكة «ليبيا للتجارة»، التابعة لحكومة «الوحدة» الليبية، عن «اتساع واضح في الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية للعملات الأجنبية بين شهري أغسطس (آب) وديسمبر (كانون الأول) 2025، مع ارتفاع ملحوظ في أسعار الدولار واليورو وبقية العملات الرئيسية في السوق الموازية». وقالت إن هذا التطور «يعكس زيادة الضغوط على الدينار الليبي نتيجة شح النقد الأجنبي، وتأخر الاعتمادات وتوسّع التعامل في سوق الشيكات، بالإضافة إلى عوامل موسمية ومالية، ما يحدّ من فعالية أدوات السياسة النقدية الحالية».


احتدام الجدل حول فحوى اتفاقية «دفاعية» بين تونس والجزائر

الرئيس عبد المجيد تبون خلال لقائه الرئيس قيس سعيد في زيارته إلى تونس نهاية 2021 (الرئاسة التونسية)
الرئيس عبد المجيد تبون خلال لقائه الرئيس قيس سعيد في زيارته إلى تونس نهاية 2021 (الرئاسة التونسية)
TT

احتدام الجدل حول فحوى اتفاقية «دفاعية» بين تونس والجزائر

الرئيس عبد المجيد تبون خلال لقائه الرئيس قيس سعيد في زيارته إلى تونس نهاية 2021 (الرئاسة التونسية)
الرئيس عبد المجيد تبون خلال لقائه الرئيس قيس سعيد في زيارته إلى تونس نهاية 2021 (الرئاسة التونسية)

لا يزال توقيع اتفاقية للتعاون الدفاعي بين تونس والجزائر يثير جدالاً كبيراً غير مسبوق في تونس؛ حيث تصاعدت الدعوات إلى نشر مضمونها، خصوصاً إثر ظهور تسريبات لبعض بنودها، وهي بنود أثارت مخاوف الشارع التونسي، رغم أن وزير الدفاع الوطني التونسي، خالد السهيلي، أكّد في تصريحات صحافية أن هذه الاتفاقية ليست جديدة، بل جرى توقيعها منذ عام 2001، وأن مراجعتها جاءت لتتوافق مع المستجدات وتوسيع مجالات التعاون، خصوصاً في مكافحة الإرهاب، والجريمة العابرة للحدود، وتأمين الحدود المشتركة.

لكن هذا التبرير لم يكن مقنعاً لكثير من التونسيين، خصوصاً بعد أن انتشرت في الأيام الماضية تسريبات ووثائق مثيرة للجدل على مواقع التواصل الاجتماعي لهذه الاتفاقية، تؤكد أنها «غير متوازنة»، وأنها «قد تمس السيادة الوطنية للبلاد».

لكن الرئيس قيس سعيد نفى على هامش لقائه رئيسة الوزراء سارة الزعفراني الزنزري، صحة الوثائق المتداولة، وقال إن «الوثائق مفتعلة، ولا وجود لها إلا في الخيال المريض»، مشيراً إلى أن مَن قاموا بفبركتها «ما زالوا يتخبطون في غيّهم». كما أعاد تأكيد أن «الدولة لا تُدار بالتدوينات، وهؤلاء مكشوفون ومفضوحون».

بدوره، أظهر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون استياءً من الجدل حول الاتفاق الأمني-العسكري مع تونس، الذي عدَّته المعارضة التونسية «مسعى جزائرياً للهيمنة على القرار السياسي والسيادة الوطنية التونسيين»؛ حيث أكّد تبون، في خطابه السنوي التقليدي أمام البرلمان المنعقد بغرفتيه في جلسة مشتركة، أن «الذين يعتقدون أنهم عندما يقطعون صلة تونس بالجزائر ستصبح فريسة سهلة، واهمون... إنهم لا يعرفون التونسيين جيداً». مندداً بـ«محاولة زعزعة استقرار تونس، والإضرار بالأخوّة والصداقة الجزائرية-التونسية... إنهم يحاولون تقسيمنا وبثّ الفتنة بيننا»، مؤكداً أن أمن الجزائر وتونس «مرتبط بعضه ببعض».

كما شدد تبون على أن الجيش الجزائري «لم يسبق أن دخل إلى التراب التونسي، ولن يدخله مطلقاً... لم نتدخل يوماً في شؤون تونس الداخلية، والجزائر تحترم القيادة التونسية».

غير أن تصريحات الرئيسين لم تنهيا الجدل الدائر حتى الآن؛ حيث لا تزال القيادات السياسية وبعض الشخصيات المعارضة تُطالب بنشر مضمون هذه الاتفاقية علناً لمعرفة ما تتضمنه.

في حين رأى آخرون أن عدم نشر النص الكامل للاتفاقية للرأي العام، وعدم عرضه لنقاش مؤسساتي واسع، قد يفتح الباب على مصراعيه أمام مخاوف مشروعة تتعلق بحدود السيادة الوطنية لتونس.

وبخصوص هذا الجدل علَّق النائب بالبرلمان التونسي، بدر الدين قمودي، في معرض حديثه عن الاتفاقية بين تونس والجزائر، وكتب في تدوينة على صفحته بـ«فيسبوك»: «نعم، هناك اتفاقية بين تونس والجزائر، كُتبت بدماء الأحرار الشرفاء في نوفمبر (تشرين الثاني) 1954».

وتابع النائب عن «كتلة الخط الوطني السيادي»: «عاشت تونس وعاشت الجزائر، وكل أمتنا العربية... وحتى نفهم طبيعة الحملة التي تستهدف العلاقات التونسية-الجزائرية، نحن شعب واحد بدولتين... أمّا عن دعاة الوثيقة المزيفة فالمنطق يقول البيّنة على من ادعى».


الجزائر: الأوساط السياسية تترقب «الحوار الوطني» بإشراف الرئيس

جولة حوار الرئاسة مع الأحزاب في 21 مايو 2024 (الرئاسة)
جولة حوار الرئاسة مع الأحزاب في 21 مايو 2024 (الرئاسة)
TT

الجزائر: الأوساط السياسية تترقب «الحوار الوطني» بإشراف الرئيس

جولة حوار الرئاسة مع الأحزاب في 21 مايو 2024 (الرئاسة)
جولة حوار الرئاسة مع الأحزاب في 21 مايو 2024 (الرئاسة)

تترقّب الأوساط السياسية والحزبية في الجزائر انطلاق الحوار الوطني مطلع هذا العام الجديد، بالتزامن مع اعتماد قانون الأحزاب الجديد، وفق ما أعلنه الرئيس عبد المجيد تبون، وتناقلته وكالات إعلام وصحف محلية.

ويُعد الحوار، منذ أكثر من سنة، أحد التزامات تبون بعد إعادة انتخابه سنة 2024، في وقت تترقب فيه الأحزاب ملامح المرحلة المقبلة.

وفي خطابه الأخير أمام البرلمان، جدد تبون، التزامه الصريح بإجراء الحوار، وقال بهذا الخصوص: «التزمت من هذا المنبر بحوار سياسي مع الأحزاب، وما زلت ملتزماً به، مثلما صرحت وشرحت لبعض رؤساء الأحزاب الذين استقبلتهم».

وأوضح الرئيس الجزائري أن الانطلاق الفعلي في هذا الحوار سيكون «ريثما يصادق البرلمان على قانون الأحزاب»، عادّاً أن هذا الشرط يُشكل الإطار القانوني الضروري لفتح النقاش السياسي مع التشكيلات الحزبية.

وشدد الرئيس الجزائري على أن الحوار الوطني «سيكون بنّاءً»، مؤكداً التزامه بـ«تطبيق كل ما يجري الاتفاق عليه مع الأحزاب».

وربط الرئيس تبون الحوار السياسي بمسار الإصلاحات، التي أكد استمرارها، رغم ما وصفه بـ«محاولات التشويش من الداخل والخارج».

وأشار الرئيس إلى أن الإصلاحات الجارية تشمل مختلف القطاعات المعنية بتجسيد برامج التنمية الاجتماعية، والتكفل بالحاجيات الأساسية للمواطن، مبرزاً أن الهدف منها هو «ضمان النجاعة والشفافية وتكريس قواعد الحوكمة بالشعب ومن أجل الشعب، مع محاربة الفساد».

وفي هذا الإطار، جدد تبون تأكيد أن «العدالة ستكون بالمرصاد لكل مظاهر الفساد وأنواع الإخلال بالواجب المهني، وتأدية المسؤوليات، مع توفير الحماية لإطارات الدولة ومستخدميها النزهاء». كما ذكّر بمراجعة القانون الأساسي للقضاء، عادّاً أن ذلك يأتي «تجسيداً لالتزاماتنا تجاه رجال ونساء القطاع».

وكان تبون قد عرض رؤيته للحوار الوطني في حوار تلفزيوني في وقت سابق، مبرزاً أنه سيتناول قضايا تتعلق ببناء الديمقراطية، ومراجعة القوانين التي تؤطر عمل مؤسسات الدولة العصرية، على أن تتم هذه المراجعات بإشراك الأحزاب من أجل تعميق الطابع التشاركي للعمل السياسي.

وعلى أثر ذلك، طرحت قوى ونخب سياسية فاعلة في الجزائر مقترحاً لإنشاء هيئة للحوار الوطني، تتولى إدارة مسارات الحوار حول القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعانيها البلاد، تضم ممثلين عن الدولة والقوى السياسية والاجتماعية، لتكون إطاراً جامعاً لمناقشة التحديات الوطنية وتنسيق الجهود لمواجهتها»، وكذا «الدعوة إلى بناء شراكة وطنية حقيقية بين الدولة والمجتمع، قواها السياسية والاجتماعية والمدنية تقوم على الحوار والتوافق والعمل المشترك، للتصدي لأي تهديد يستهدف كيان الدولة الوطنية، وتعزيز الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع، وترسيخ قيم المشاركة والتضامن، بما يضمن وحدة الجبهة الداخلية والأمن القومي للأوطان، ويحمي الاستقرار الوطني».