الانتخابات المحلية تعمّق مأزق «إخوان ليبيا» مع صناديق الاقتراع

وسط مطالب باستكمال الاستحقاق «المُعطّل» في باقي البلديات

مسن ليبي يدلي بصوته في الانتخابات البلدية الليبية في 16 أغسطس (مفوضية الانتخابات)
مسن ليبي يدلي بصوته في الانتخابات البلدية الليبية في 16 أغسطس (مفوضية الانتخابات)
TT

الانتخابات المحلية تعمّق مأزق «إخوان ليبيا» مع صناديق الاقتراع

مسن ليبي يدلي بصوته في الانتخابات البلدية الليبية في 16 أغسطس (مفوضية الانتخابات)
مسن ليبي يدلي بصوته في الانتخابات البلدية الليبية في 16 أغسطس (مفوضية الانتخابات)

يتواصل رصد نتائج التصويت في المرحلة الثانية من الانتخابات المحلية في ليبيا، التي أُجريت في 26 بلدية ليبية، السبت الماضي، وسط مؤشرات على هزيمة ثقيلة لقوائم ومرشحين محسوبين على جماعة «الإخوان» في زليتن وطرابلس وبلديات بالمنطقة الغربية.

هذه الهزيمة التي تُوصف بـ«الثقيلة» لجماعة «الإخوان»، المحظورة من قبل برلمان شرق ليبيا، عدَّها محللون سياسيون تأكيداً جديداً على «رفض ليبي شعبي» لمشروعهم السياسي، اتصالاً مع سوابق فشلهم في تجربتين انتخابيَّتين برلمانيَّتين سابقتين، بعد «ثورة 17 فبراير (شباط)» عام 2011.

موظفون يباشرون رصد نتائج المرحلة الثانية من الانتخابات المحلية في مقر المفوضية الانتخابية بطرابلس (مفوضية الانتخابات)

وكان التجسيد الأوضح للهزيمة الإخوانية في بلدية زليتن (150 كيلومتراً شرق العاصمة طرابلس)، إذ مني مرشحون محسوبون عليهم في قائمة «الرسالة» بهزيمة أمام قائمة لمرشحين مستقلين باسم «البصمة».

ويقرُّ عميد بلدية زليتن السابق، مفتاح حمادي، بالحضور «الإخواني» في انتخابات زليتن، لكنه يوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه «لم يكن بتلك القوة التي كانت متوقعة»، مبرزاً أن كل أصواتهم كانت «بروح الانحياز القبلي أكثر من الانحياز الفكري».

وتعيش جماعة «الإخوان» تحت وطأة تراجع واضح في المشهد السياسي الليبي، إذ سبق أن صوَّت البرلمان الليبي في مايو (أيار) 2019 على حظرها بوصفها «جماعة إرهابية»، كما أن رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، أدرجها العام الماضي من بين 4 كيانات تعوق تقدم العملية السياسية

تنظيماً، ضربت انقسامات واسعة صفوف الذراع السياسية لـ«الإخوان»، الممثَّلة في حزب «العدالة والبناء» قبل 4 سنوات، ودفعت رئيسه محمد صوان إلى تأسيس حزب جديد باسم «الديمقراطي»، تزامناً مع إعلان الجماعة تحولها إلى «جمعية» تحمل اسم «الإحياء والتجديد».

وفي المشهد الانتخابي الليبي الأخير أيضاً، رصدت تقارير إعلامية ومتابعون خسائر ثقيلة مُني بها تيار الإسلام السياسي داخل معاقل نفوذه التقليدي في العاصمة طرابلس، وهو ما عدّه الناشط الليبي، أسامة الشحومي، «إشارة على تراجع واضح في شعبيته».

عملية فرز الأصوات في أحد مراكز الاقتراع بالانتخابات البلدية الليبية (مفوضية الانتخابات)

ووفق هذا التقدير، فإن الشحومي يرى أن «الناخب الليبي اختار في معظم البلديات قوائم مدنية ومستقلة، ترفع شعارات (الخدمات والإصلاح) بعيداً عن الاستقطاب الآيديولوجي»، مستخلصاً دلالات على أن الشارع الليبي «يتجه أكثر نحو الاستقلالية، ورفض المشروعات الحزبية أو عودة الماضي».

وأعادت النتائج الأولية للانتخابات البلدية تذكير متابعين بخسائر «الإخوان» وحلفائها في انتخابات «المؤتمر الوطني العام» في 2012، ومجلس النواب في 2014، علماً بأن الأخيرة أعقبها انقسام سياسي وعسكري كبير في البلاد.

في هذا السياق يتوقع المحلل السياسي، حسين المسلاتي، أن «يتكرر سيناريو هزيمة الإسلاميين في أي انتخابات تشريعية أو رئاسية مقبلة، وأن ينتخب الليبيون مَن يقدم لهم الأمن والتنمية والإعمار»، وعزا تصوره إلى ما يراه «نضوجاً شعبياً» أدى إلى إقصاء مرشحي الإخوان وبعض المحسوبين على النظام السابق.

وينطلق المسلاتي في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» بالاعتقاد أن «التيارات الدينية، بما فيها جماعة الإخوان، لم تكن تمتلك شعبية طاغية في أي فترة من فترات الأزمة الليبية منذ عام 2011». ويعيد التذكير في هذا السياق «بسيطرة تحالف القوى الوطنية على المشهد في انتخابات 2012»، عاداً «طريقة إجراء الانتخابات والقوائم النسبية، التي مارستها السلطات التنفيذية والتشريعية وقتذاك، هي التي سمحت لهذه التيارات الدينية بالوجود».

ويعتقد المحلل السياسي أن «الوعي ساد بين الناخبين، بعد أن كانوا ينخدعون بالدعاية الدينية من جانب الإخوان، وحتى أنصار النظام السابق الذين لا تعترف أدبياتهم بالانتخابات».

ومن زاوية أخرى في المشهد السياسي، يلحظ الباحث القانوني، هشام الحاراتي، أن جانباً كبيراً من «التشكيلة العامة للقوائم المتنافسة اتسمت بالتنوع، وابتعدت إلى حد كبير عن الطابع الحزبي الصريح، ما يدل على أن الناخبين فضَّلوا خيارات تجمع أطيافاً متعددة، بدلاً من التمركز حول تيار بعينه».

وعدَّ الحاراتي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» هذا التوجه «انعكاساً لرغبة مجتمعية متزايدة في تجديد المشهد المحلي، وإعطاء الفرصة لوجوه قادرة على تلبية الاحتياجات اليومية، بعيداً عن الاصطفافات التقليدية».

يشار إلى أن المرحلة الثانية من الانتخابات البلدية أُجريت في 26 بلدية فقط، وذلك من بين 63 بلدية كان مقرراً إجراء الانتخابات فيها. وحظيت بنسبة اقتراع بلغت 71 في المائة، وسط مطالب باستكمال الاستحقاق «المُعطّل» في باقي البلديات.

وتقرَّر تأجيل الاقتراع داخل 7 بلديات في غرب ليبيا إلى السبت المقبل، وذلك على خلفية أعمال عنف وحرائق استهدفت مراكز انتخابية. بينما تعطَّلت العملية الانتخابية في 27 بلدية بشرق البلاد بتعليمات من الحكومة المكلفة من البرلمان.

بينما لا يزال مصير العملية الانتخابية مجهولاً في بلديات خاضعة للحكومة المكلفة من البرلمان في شرق ليبيا، رغم دعوة بعثة الأمم المتحدة إلى الإسراع بإجراء الانتخابات فيها.

وعبَّرت بعثة الاتحاد الأوروبي والبعثات الدبلوماسية للدول الأعضاء في الاتحاد في ليبيا عن قلقها إزاء «تعليق العملية الانتخابية في بلديات كبرى عدة، مثل بنغازي وطبرق وسبها وسرت»، وأكدت، في بيان شديد اللهجة، رفض «أي ترهيب يهدف إلى عرقلة العملية الانتخابية».


مقالات ذات صلة

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

شمال افريقيا اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

أعلن أسامة حمَّاد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان حالة الطوارئ في جنوب ليبيا وشرقها، ومنح إجازة للجهات الحكومية مع استثناء المرافق الصحية والأمنية.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة والشيخ محمد بن جاسم آل ثاني قبيل اجتماعهما في مصراتة 18 يناير (مكتب الدبيبة)

الدبيبة يوقّع اتفاقية شراكة دولية لتوسيع المنطقة الحرة بمصراتة

تحدث عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة غرب ليبيا، عن توقيع شراكة مع شركات قطرية وإيطالية وسويسرية تستهدف تطوير وتوسعة محطة ميناء المنطقة الحرة بمصراتة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حي يضم عدداً من مساكن المهاجرين في مصراتة مارس 2025 (إدارة إنفاذ القانون بالإدارة العامة للعمليات الأمنية)

سجن سري للاتجار بالبشر تحت الأرض في الكفرة الليبية

كشفت مصادر أمنية وحقوقيون عن وجود سجن سري في الكفرة، يقع على عمق يقارب ثلاثة أمتار تحت سطح الأرض، عُثر بداخله على 221 مهاجراً، جرى احتجاز غالبيتهم منذ عامين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تحليل إخباري المبعوثة الأممية هانا تيتيه تتحدث في إحدى جلسات الحوار المهيكل نهاية الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

تحليل إخباري هل تنجح تيتيه في منع «تهديد» الميليشيات للعملية السياسية الليبية؟

قالت البعثة الأممية لدى ليبيا إنها مستمرة في إجراء تواصل مباشر مع التشكيلات المسلحة والمؤسسات الأمنية والقيادات السياسية بهدف ثنيها عن استخدام القوة

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء صدام حفتر مع المبعوث الخاص لرئيس فرنسا (الجيش الوطني)

«النواب» الليبي يرفض «أي مساومة» على أموال البلاد المجمدة

أدرجت «اللجنة» زيارتها إلى اليونان ضمن ما وصفته بـ«مسار وطني مؤسسي واضح، للدفاع عن مقدرات الدولة الليبية».

خالد محمود (القاهرة )

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
TT

استعدادات في شرق ليبيا وجنوبها لـ«عاصفة محتملة»

اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)
اجتماع اللجنة البرلمانية للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية يوم الأحد (مجلس النواب)

أعلنت الحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي حالة الطوارئ القصوى، يومي الاثنين والثلاثاء، في مناطق سيطرتها بشرق البلاد وجنوبها، استعداداً لـ«عاصفة محتملة» على خلفية تحذيرات مركز الأرصاد من احتمال سوء الأحوال الجوية.

وأكد رئيس الحكومة أسامة حمَّاد إعلان حالة الطوارئ القصوى في مناطق جنوب ليبيا وشرقها، ومنح إجازة رسمية للجهات الحكومية كافة، مع استثناء المرافق الصحية والأمنية، وتعليق المدارس والمؤسسات التعليمية نتيجة التحذيرات الجوية المتوقعة من مركز الأرصاد الجوية.

وتحسباً لتقلبات الطقس، شكَّل عوض البدري، وزير الكهرباء والطاقات المتجددة بحكومة حمَّاد، غرفة طوارئ مركزية لمتابعة الأوضاع الكهربائية في مناطق سهل بنغازي والجبل الأخضر. وستعمل الغرفة على مدار اليوم لتلقي بلاغات الأعطال الكهربائية واتخاذ الإجراءات الفورية لمعالجتها.

وفي السياق نفسه، أعلن مدير أمن بنغازي اللواء صلاح هويدي حالة الطوارئ في جميع مناطق المدينة لمدة 3 أيام، مؤكِّداً ضرورة وجود جميع الضباط والأفراد في مقارِّ عملهم ورفع درجة الجاهزية القصوى، مع تجهيز الآليات والمعدات الفنية واللوجستية لضمان سرعة الاستجابة للتطورات الميدانية.

وطالبت مديرية أمن بنغازي جميع رؤساء المراكز والأقسام بعدم مغادرة مقار العمل طوال فترة الطوارئ، وحمَّلتهم المسؤولية الكاملة عن سير العمل، واتخاذ الإجراءات التي تضمن سلامة المواطنين وحماية الأرواح والممتلكات. كما نصحت المواطنين كافة بتجنّب التنقل والخروج إلا للضرورة القصوى، خاصة بين المدن والطرق السريعة التي قد تشكِّل خطراً مباشراً في ظل الظروف الجوية الحالية.

وقررت مراقبة التربية والتعليم في بنغازي منح عطلة رسمية في جميع المؤسسات التعليمية يومي الاثنين والثلاثاء، بينما علَّقت مراقبة التربية والتعليم بالمرج الدراسة بالمؤسسات التعليمية كافة حتى الثلاثاء المقبل، تحسباً لاحتمال هبوب عاصفة ورياح عالية، وفق تحذيرات مركز الأرصاد الجوية.

وفي شأن آخر، أعلن عبد الله بليحق، الناطق الرسمي باسم مجلس النواب، بدء أعمال اللجنة المشكَّلة برئاسة النائب الثاني لرئيس المجلس، مصباح دومة، المكلفة بالتواصل مع محافظ المصرف المركزي ومجلس إدارته والجهات ذات العلاقة للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية ومشاكل نقص السيولة وسعر الصرف، وضمان انتظام دفع رواتب الموظفين بالدولة.

وأعلن «المركزي»، الأحد، خفض قيمة الدينار بنسبة 14.7 في المائة ليصبح سعر صرفه 6.3759 دينار مقابل الدولار، في ثاني تعديل من نوعه للعملة في أقل من عام، مرجعاً القرار إلى الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي تشهدها ‌البلاد.

وتأتي الخطوة ‌في أعقاب ‌تخفيض ⁠قيمة العملة ‌بنسبة 13.3 في المائة في أبريل (نيسان) 2025، والذي حدد سعر الصرف عند 5.5677 دينار للدولار.

وعزا المصرف في بيان القرار الأخير إلى الآثار ⁠السلبية للانقسامات السياسية المستمرة، وتراجع عائدات النفط ‌بسبب انخفاض أسعار الخام العالمية، والتحديات الاقتصادية المتواصلة والتي تشمل غياب ميزانية عامة موحدة للدولة وتنامي الإنفاق العام.


مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
TT

مسؤول أممي: السودانيون يعيشون في جحيم

فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)
فولكر تورك يتحدث إلى أحد المراسلين عقب مؤتمر صحافي في مطار بورتسودان يوم 18 يناير 2026 (أ.ب)

حذّر المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أمس، من ارتفاع وتيرة «عسكرة المجتمع» من قِبَل طرفي النزاع في السودان، معرباً عن قلقه من تكرار سيناريو الفاشر في مدن كردفان، فيما يعيش السودانيون في «أهوال وجحيم».

وقال تورك في مؤتمر صحافي بمدينة بورتسودان، التي تتخذها الحكومة مقرّاً مؤقتاً، وبعد زيارة شملت مدناً سودانية عدة هي الأولى له منذ بدء الحرب: «أدى انتشار المعدات العسكرية المتطورة، ولا سيما الطائرات من دون طيار، إلى تعزيز القدرات العسكرية لكل من (قوات الدعم السريع) والجيش، ما أدَّى بدوره إلى إطالة أمد الأعمال العدائية، وتعميق أزمة المدنيين».

ودعا المسؤول الأممي إلى ضمان مثول مرتكبي جرائم الحرب أمام العدالة، بغض النظر عن انتماءاتهم، مشيراً إلى أن مكتبه في السودان يعمل على توثيق هذه الانتهاكات والتجاوزات والإبلاغ عنها لتمهيد الطريق نحو المساءلة.


مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
TT

مصر تلوح بمطالبة إثيوبيا بتعويضات عن «أضرار مائية»

وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم خلال كلمته أمام مجلس الشيوخ يوم الأحد (وزارة الري المصرية)

وسط عرض أميركي للوساطة في النزاع بين مصر وإثيوبيا بسبب «سد النهضة» الذي أقامته أديس أبابا على الرافد الرئيسي لنهر النيل، لوَّحت القاهرة بمطالبتها بـ«تعويضات مالية عن أضرار مائية» تسبب فيها «السد» لكل من مصر والسودان.

وأكد وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم «وجود تضرر على مصر من السد الإثيوبي، وإن لم يشعر المواطن بأثره حتى الآن». وأضاف، خلال كلمته في الجلسة العامة لمجلس الشيوخ، الأحد: «هناك ضرر طبعاً نتيجة السد الإثيوبي... لمَّا (عندما) يخصم منك ويتم خفض حصتك من المياه، ده (هذا) ضرر».

ومضى قائلاً: «السنوات الماضية كانت من أهم السنوات... المواطن لم يشعر بقطع المياه أو الضرر، لكن هذا لا يبرئ السد الإثيوبي من المسؤولية والإجراءات المنفردة؛ فقد أثر بناء السد على مصر والسودان».

واستطرد: «لا بد من مطالبة إثيوبيا بتعويضات في يوم من الأيام عن كل هذه المبالغ التي تكلفتها مصر لمواجهة نقص المياه، التي وصلت للمليارات».

وتشهد العلاقات المصرية - الإثيوبية توترات متصاعدة بشأن السد الذي بدأت إثيوبيا بناءه في عام 2011، وافتتحته رسمياً في سبتمبر (أيلول) الماضي، وسط مطالبات من دولتي المصب، مصر والسودان، باتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات تشغيل السد بما لا يضر بمصالحهما المائية.

سد النهضة الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وطالب أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، الدكتور عباس شراقي، مصر والسودان بـ«إعداد ملف كامل بالأضرار التي تسبب فيها سد النهضة»، موضحاً أنها «أضرار يمكن إثباتها بسهولة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «من بين هذه الأضرار تخزين إثيوبيا نحو 64 مليار متر مكعب في بحيرة سد النهضة. هذه المياه كانت ستتدفق إلى مصر والسودان، وحجبها السد»، مضيفاً: «أيضاً عندما قامت إثيوبيا بفتح بوابات السد في سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تسببت في غرق قرى سودانية وأراضٍ مصرية».

وتتخوف القاهرة من تأثيرات «سد النهضة» التي تصاعدت حدتها في الآونة الأخيرة؛ فبعد أيام من تدشينه في سبتمبر الماضي، غمرت مياه فيضان نهر النيل عدداً من المدن السودانية، كما شهدت قرى مصرية عدة، خصوصاً في محافظتَي البحيرة والمنوفية، ارتفاعاً غير مسبوق في منسوب مياه النهر، ما أدّى إلى غمر مساحات من أراضي طرح النهر والأراضي الزراعية، فضلاً عن تضرر عدد من المنازل.

وبحسب شراقي، لا يتوقف ضرر السد الإثيوبي عند حجب المياه أو التسبب في فيضانات فجائية، بل «يتسبب في ارتباك لدى الفنيين الذين يقومون بتشغيل السدود في مصر والسودان، نتيجة عدم معرفة آليات تشغيل سد النهضة وحجم المياه التي ستتدفق»، فضلاً عن «الخسائر المالية، فكل مليار متر مكعب من المياه يحجب عن مصر يكلفها خسائر في زراعة الأرض تقدر بمليارات الجنيهات، بجانب المبالغ الكبيرة التي تنفقها القاهرة في تحلية مياه البحر وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي لتعويض النقص في المياه». ووفق شراقي، فإن «كل الأضرار التي تسبب فيها سد النهضة يمكن إثباتها علمياً عن طريق صور الأقمار الصناعية وبيانات محطات الرصد».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أرسل خطاباً رسمياً، الجمعة الماضي، إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة» الإثيوبي والتوصُّل لحل نهائي وعادل للقضية. وردَّ السيسي على رسالة ترمب مُثمناً «اهتمام الرئيس الأميركي بمحورية قضية نهر النيل لمصر»، ومؤكداً في تدوينة على حسابه الرسمي على «حرص بلاده على التعاون الجاد والبناء مع دول حوض النيل، القائم على مبادئ القانون الدولي».

ومن جانبه، قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان إن «حكومة السودان ترحب وتدعم مبادرة ووساطة ترمب حول مياه النيل». وأشار عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»، السبت، إلى «أهمية إيجاد حلول مستدامة ومرضية تحفظ للجميع حقوقهم، ما يساعد على استدامة الأمن والاستقرار في الإقليم».

ويؤكد أستاذ القانون الدولي العام الدكتور محمد محمود مهران أن إعلان وزير الري المصري دراسة طلب تعويضات من إثيوبيا بسبب الأضرار الناجمة عن سد النهضة «يستند إلى أساس قانوني دولي صحيح؛ لكن تحقيق هذا المطلب يواجه تحديات قانونية إجرائية معقدة».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن القانون الدولي يؤكد مسؤولية إثيوبيا عن أي أضرار تلحق بمصر كدولة مصبّ نتيجة بناء السد والملء والتشغيل دون اتفاق ملزم، موضحاً أن المادة 7 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997 «تنص صراحة على التزام دول المنبع بعدم التسبب في ضرر ذي شأن لدول المصب، وإذا حدث ضرر فإن الدولة المتسببة ملزمة بالتعويض».

لكن بحسب مهران، تكمن إشكالية التعويض في أن «مصر إذا أرادت رفع دعوى تعويضات أمام محكمة العدل الدولية فإنها تواجه عقبة جوهرية، وهي أن المحكمة تشترط قبول الطرف الآخر لاختصاصها»، مشيراً إلى أن «إثيوبيا يجب أن توافق على نظر الدعوى، أو أن يكون هناك اتفاق مسبق يمنح المحكمة الاختصاص من خلال اتفاقية إطارية أو ثنائية مثلاً».