السودان: جنوب كردفان تختنق جوعاً تحت الحصار والقصف

انفلات أمني واسع وأعمال قتل ونهب في عاصمة الولاية

خلال تقديم طعام لأطفال أيتام في مخيم للنازحين بجنوب كردفان (أرشيفية - رويترز)
خلال تقديم طعام لأطفال أيتام في مخيم للنازحين بجنوب كردفان (أرشيفية - رويترز)
TT

السودان: جنوب كردفان تختنق جوعاً تحت الحصار والقصف

خلال تقديم طعام لأطفال أيتام في مخيم للنازحين بجنوب كردفان (أرشيفية - رويترز)
خلال تقديم طعام لأطفال أيتام في مخيم للنازحين بجنوب كردفان (أرشيفية - رويترز)

تتجه الأوضاع في مدن ولاية جنوب كردفان بالسودان نحو مزيد من التصعيد العسكري، ما فاقم بشدة من الأزمة الإنسانية. وفي حين تشهد عاصمة الولاية، كادوقلي، تفلتات أمنية مع تزايد أعداد جرائم القتلى المدنيين، من قبل حاملي السلاح، ترفض السلطات المحلية الإفصاح عن حقيقة الأوضاع التي بدأت تخرج عن السيطرة، ودفعت مئات المدنيين للنزوح نحو مناطق آمنة.

وقالت مصادر محلية، الأحد، إن قوات «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، بقيادة الجنرال عبد العزيز آدم الحلو، شنت قصفاً مدفعياً مكثفاً على مواقع عدة في مدينة كادوقلي، أدى إلى وقوع إصابات وسط المدنيين بينهم أطفال ونساء.

نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أرشيفية - أ.ف.ب)

وأضافت أن القصف تسبب في أضرار بعدد من المنازل السكنية في الأحياء المجاورة للسوق المركزي بالمدينة.

وتعرض السوق الأسبوع الماضي إلى عمليات نهب واسعة للحبوب والمواد الغذائية الأساسية من قبل بعض المليشيات، من دون أي تدخل من السلطات.

وقال أحد السكان في كادوقلي، لـ«الشرق الأوسط»، إن المواد الغذائية نفدت تماماً من الأسواق، وإن الأسعار تضاعفت بصورة جنونية فوق طاقة المواطنين، وسط انهيار كامل لخدمات الصحة والمياه.

وأضاف أن التحدي الأكبر في كادوقلي هو تزايد الانفلات الأمني والنهب المسلح، وانتشار أعداد كبيرة من المتفلتين، وارتكابهم جرائم قتل واعتداء على المواطنين العزل.

أطفال سودانيون في معسكر للنازحين بولاية جنوب كردفان (أرشيفية - رويترز)

وتجدد القتال بضراوة في مناطق واسعة من ولاية جنوب كردفان خلال الأشهر الماضية بعد انضمام «الحركة الشعبية» إلى جانب «قوات الدعم السريع»، وفصائل عسكرية أخرى في «تحالف السودان التأسيسي» (تأسيس).

وأفادت المصادر «الشرق الأوسط»، بأن الأوضاع الإنسانية بسبب نقص الغذاء الحاد، وتدهور الحالة الأمنية في الولاية، تمضي نحو الهاوية، وتهدد حياة مئات الآلاف من المدنيين جراء تصاعد الأعمال العسكرية.

ودعا وزير الثقافة والإعلام السوداني، خالد الإعيسر، المجتمع الدولي إلى «تحمل مسؤوليته الإنسانية والأخلاقية تجاه فك الحصار عن مدينة الفاشر، شمال دارفور، ودعم خطة لفتح الطرق المقطوعة نحو مدينتي كادوقلي والدلنج في جنوب كردفان».

وطالب في منشور عبر صفحته على موقع «فيسبوك»، بالتعامل بحزم مع الأفعال الإجرامية «المرتكبة من قبل (قوات الدعم السريع) في مدن وبلدات إقليمي كردفان ودارفور، التي يدفع ثمنها الأبرياء، منتقداً ما سماه «الصمت الدولي المريب الذي يزيد من تفاقم معاناة المدنيين».

وقال الإعيسر: «إن ازدواجية المعايير تجاه الجرائم التي يرتكبها مرتزقة ميليشيا (الدعم السريع)، يدفع ثمنها الأطفال والنساء وكبار السن في السودان».

لاجئات من الخرطوم وجدن ملاذاً في جبال النوبا في كردفان (أ.ف.ب)

وأدى الحصار الخانق على حاضرة جنوب كردفان إلى خلق أزمة إنسانية كبيرة جراء النُّدرة الكبيرة في السلع الغذائية والدوائية.

وتسيطر «قوات تأسيس» فعلياً على كل المناطق حول مدن جنوب كردفان، وفي الوقت نفسه تفرض رقابة مشددة على حركة التجارة، وتقطع طرق وخطوط الإمداد للجيش السوداني والفصائل المسلحة المتحالفة معه، المحاصرة داخل كادوقلي.

وبحسب المصادر ذاتها، بدأت موجات نزوح من المدينة إلى مناطق تقع بالقرب من معقل سيطرة قوات «الحركة الشعبية» في مدينة كاودا في منطقة جبال النوبة.

بدوره، وجه رئيس «التحالف الديمقراطي للعدالة الاجتماعية» في السودان مبارك أردول، نداءً إنسانياً عاجلاً، إلى رئيس حكومة جنوب السودان، سلفاكير ميارديت، «لاتخاذ إجراءات فورية لتسهيل الممرات الإنسانية الآمنة بالتنسيق مع المنظمات، لتوصيل المساعدات الغذائية والطبية إلى المدنيين في كادوقلي والدلنج».

نازحون من الخرطوم لجأوا إلى إقليم كردفان (أ.ف.ب)

وقال في تدوينة على منصة «إكس»، إن المواطنين في مدينتي كادوقلي والدلنج «يعانون من جوع شديد، وانهيار تام لخدمات الرعاية الصحية».

وأضاف: «لم يتبق سوى أسبوع واحد قبل أن يتحول هذا الوضع إلى كارثة إنسانية شاملة، وهذه المناطق على شفا موت جماعي بسبب الجوع والمرض والعطش، وكل ساعة تمر يسقط المزيد من الخسائر في الأرواح».

وفي وقت سابق سيطرت قوات «الحركة الشعبية» على مناطق (الكرقل والدشول)، الواقعة على الطريق الرئيسي المؤدي إلى الدلنج، ثاني أكبر مدن الولاية، التي تعاني من أوضاع مماثلة لما تشهده عاصمة الولاية.


مقالات ذات صلة

اجتماع دولي بالقاهرة لتنسيق جهود السلام في السودان

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه المبعوث الأممي للسودان رمطان لعمامرة (الخارجية المصرية)

اجتماع دولي بالقاهرة لتنسيق جهود السلام في السودان

تستضيف القاهرة الأربعاء الاجتماع الخامس للآلية التشاورية لتعزيز وتنسيق جهود السلام في السودان ودفع مسارات وقف الحرب الداخلية الدائرة منذ أكثر من عامين ونصف عام.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تحليل إخباري مقاتلة باكستانية من طراز «جيه. إف 17 ثاندر» في استعراض خلال إحدى المناسبات الباكستانية (رويترز)

تحليل إخباري هل تتحول الحرب في السودان إلى سباق تسلح نوعي؟

أجمع خبراء عسكريون أن الحرب في السودان تقف أمام مرحلة تحول يمكن وصفها بـ«سباق تسلح نوعي»

محمد أمين ياسين (نيروبي)
خاص قطع أثرية يعود تاريخها إلى آلاف السنين سرقت من داخل المتحف القومي السوداني (الشرق الأوسط)

خاص السودان يستعيد 570 قطعة أثرية سُرقت من المتحف القومي

أعلنت السلطات السودانية، الثلاثاء، استرداد 570 قطعة أثرية تعود إلى حقب تاريخية مختلفة كانت في طريقها إلى خارج البلاد.

وجدان طلحة (بورتسودان)
المشرق العربي عبد القادر عبد الله القنصل العام للسودان لمحافظات جنوب مصر (سانا)

428 ألف سوداني عادوا طوعاً من مصر حتى نهاية 2025

مسؤول سوداني يقول إن أكثر من 428 ألف سوداني عادوا طوعاً من مصر حتى نهاية 2025.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 احتفالاً بالذكرى الـ71 لتأسيس الجيش (أ.ف.ب)

رئيس وزراء السودان يعلن عودة للحكومة إلى الخرطوم

أعلن رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، عودة الحكومة رسمياً إلى العاصمة الخرطوم بعد نحو 3 سنوات من انتقالها إلى مقرها المؤقت في بورتسودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

اجتماع دولي بالقاهرة لتنسيق جهود السلام في السودان

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه المبعوث الأممي للسودان رمطان لعمامرة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه المبعوث الأممي للسودان رمطان لعمامرة (الخارجية المصرية)
TT

اجتماع دولي بالقاهرة لتنسيق جهود السلام في السودان

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه المبعوث الأممي للسودان رمطان لعمامرة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه المبعوث الأممي للسودان رمطان لعمامرة (الخارجية المصرية)

تستضيف القاهرة، الأربعاء، الاجتماع الخامس للآلية التشاورية لتعزيز وتنسيق جهود السلام في السودان، ودفع مسارات وقف الحرب الداخلية الدائرة منذ أكثر من عامين ونصف عام.

ورحّب وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، بمشاركة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان رمطان لعمامرة، في اجتماع «الآلية التشاورية»، مؤكداً خلال استقباله، الثلاثاء في القاهرة، «تطلع بلاده لأن تسهم مخرجات الاجتماع في دفع الجهود الدولية لاستعادة السلام والاستقرار داخل السودان».

وتضم «الآلية التشاورية»، التي جرى تشكيلها بعد اندلاع الحرب بالسودان، في منتصف أبريل (نيسان) 2023، خمس منظمات رئيسية متعددة الأطراف، هي الاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد)، وجامعة الدول العربية، والأمم المتحدة. وعقدت اجتماعات سابقة في مصر وجيبوتي وموريتانيا وبروكسل، من أجل تنسيق جهود مبادرات السلام في السودان.

محادثات موسعة للمبعوث الأممي للسودان رمطان لعمامرة في القاهرة (الخارجية المصرية)

وشدّد وزير الخارجية المصري، خلال لقائه لعمامرة، على «أهمية أن تُسهم مخرجات اجتماع الآلية في دفع جهود استعادة السلام والاستقرار في السودان»، إلى جانب «تنسيق الجهود مع الشركاء الإقليميين والدوليين، وعلى رأسها الآلية الرباعية الدولية»، حسب إفادة للخارجية المصرية.

وتعمل الآلية الرباعية، التي تضم «السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة»، من أجل وقف إطلاق النار في السودان. وسبق أن عقدت اجتماعاً على المستوى الوزاري في واشنطن، في 12 سبتمبر (أيلول) الماضي، وأكّدت «ضرورة بذل كل الجهود لتسوية النزاع المسلح في السودان»، إلى جانب «الضغط على جميع الأطراف لحماية المدنيين والبنية التحتية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين، وتهيئة الظروف لضمان أمن منطقة البحر الأحمر».

وأعاد عبد العاطي، خلال محادثاته مع لعمامرة، التأكيد على محددات الموقف المصري تجاه الأزمة السودانية، وشدد على «أولوية الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه»، إلى جانب «الأهمية البالغة للحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية، باعتبارها ركيزة أساسية لاستعادة الاستقرار».

وأشاد لعمامرة بالجهود السياسية والإنسانية المصرية تجاه السودان، إلى جانب «الدور النشط الذي تقوم به القاهرة لدعم المسارات الرامية لوقف إطلاق النار»، بالإضافة إلى «تهيئة الظروف الملائمة لإطلاق عملية سياسية شاملة، بما يسهم في إنهاء معاناة الشعب السوداني وتعزيز فرص الاستقرار الداخلي»، حسب الخارجية المصرية.

وأكّد الاجتماع الأخير لآلية التشاور الدولية، الذي عقد في بروكسل يونيو (حزيران) الماضي، «التزام المجموعة بوحدة السودان وسلامة أراضيه، وسيادة الشعب السوداني». واتفق المشاركون على «ضرورة العمل الجماعي والمنسق لإسكات البنادق، واستعادة مسار الانتقال المدني، والتعامل العاجل مع مستقبل سكان السودان المتضررين من الحرب، ولا سيما النساء والشباب».

غير أن عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير صلاح حليمة، لا يعوِّل كثيراً على اجتماع «آلية التشاور» الدولية في تحقيق اختراق لأزمة الحرب في السودان، وقال إن المبادرة تأسست لتوحيد مسارات الحل الإقليمية والدولية، «لكنها لم تحقق فائدة ملموسة طوال الفترة الماضية، خصوصاً أن محددات عملها تركز على الجوانب الأمنية والإنسانية، ولا تشمل المسار السياسي».

وأضاف حليمة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «مسار الرباعية الدولية أفضل في تحقيق تقدم في عملية السلام بالسودان». واستطرد: «دول الرباعية تتبنى رؤية تشمل مسارات أمنية وإنسانية وسياسية، وهناك تعويل دولي على جهود هذه المبادرة في إنهاء الأزمة السودانية». ونوَّه في الوقت ذاته إلى أن «انعقاد الاجتماع الخامس في القاهرة يعكس الاهتمام الذي توليه مصر لاستعادة الاستقرار داخل السودان».

وحسب بيان الخارجية المصرية، أشار عبد العاطي خلال لقائه المبعوث الأممي إلى الجهود والاتصالات المصرية الرامية إلى التوصل إلى هدنة إنسانية ووقف لإطلاق النار، بالتنسيق مع الشركاء الدوليين والإقليميين، كما استعرض «أوجه الدعم المصري المتواصل للشعب السوداني، في ظل استضافة مصر لأعداد ضخمة من الأشقاء السودانيين على أراضيها».

ويرى المحلل السياسي السوداني، الهندي عز الدين، أنه يمكن التعويل على آلية التشاور الدولية في دفع الجهود الإنسانية داخل السودان، مشيراً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «مخرجاتها السابقة لا تعكس قدرتها على تحقيق اختراق سياسي في ملف السلام بالسودان».

وهو يعتقد أن أهمية اجتماع القاهرة تكمن في تنسيق جهود المنظمات الدولية الخمس متعددة الأطراف، عند بدء مسار الحل السياسي فعلياً داخل السودان.


سلطات الجزائر تتحرك لتفكيك معارضة الخارج وعزل جناحها الراديكالي

الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة مجموعة السبع بإيطاليا يوم 13 يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة مجموعة السبع بإيطاليا يوم 13 يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)
TT

سلطات الجزائر تتحرك لتفكيك معارضة الخارج وعزل جناحها الراديكالي

الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة مجموعة السبع بإيطاليا يوم 13 يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة مجموعة السبع بإيطاليا يوم 13 يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)

بدأت السلطات الجزائرية بتنفيذ خطة تهدف إلى تفكيك شبكة المعارضين في الخارج وعزل أكثرهم راديكالية، عبر «إجراءات تهدئة» تقضي بإنهاء الملاحقات الأمنية وأحكام السجن الصادرة بحقهم، مقابل ما يمكن وصفه بـ«التوبة» عن نشاطهم الذي بات مزعجاً للمسؤولين ويجلب ضغوطاً خارجية على البلاد.

وكانت الرئاسة الجزائرية قد أعلنت، الأحد، عما سمته «تسوية» لفائدة الشباب الجزائريين الموجودين بالخارج في وضعيات هشة وغير قانونية، مؤكدة أن الرئيس عبد المجيد تبون وجَّه نداء إلى هؤلاء الشباب «ممن دُفع بهم إلى الخطأ عمداً، من قبل أشخاص اعتقدوا واهمين أنهم سيسيئون إلى مصداقية الدولة، بهدف استعمالهم بالخارج ضد بلدهم، بينما معظم هؤلاء الشباب لم يقترفوا سوى جنح صغيرة، كالتخوف من مجرد استدعاء من قبل الشرطة أو الدرك الوطني لسماعهم حول وقائع لها علاقة بالنظام العام أو أشياء أخرى من هذا القبيل».

وجرى اعتماد هذه الخطوة في اجتماع لمجلس الوزراء عقد في اليوم نفسه، وكانت مشروطة بأن يتعهد «المعنيون» بها بـ«عدم العود»؛ بمعنى عدم تكرار الممارسات التي تسببت في تعرضهم لمشاكل مع الأجهزة الأمنية والقضاء. وستتكفل القنصليات الجزائرية في الخارج بتنفيذ الإجراءات المرتبطة بهذا القرار.

من هم المعنيون؟

لم توضّح الرئاسة من هم، على وجه التحديد، الأشخاص المعنيون بهذه الإجراءات، كما لم تذكر موعد الشروع في تنفيذها. غير أن الإشارة إلى تكفّل القنصليات الجزائرية في الخارج بها تؤكد أنها موجهة أساساً إلى الناشطين المعارضين في الخارج، وخصوصاً في فرنسا.

وينقسم هؤلاء إلى فئتين: الأولى تضم معارضين غادروا البلاد خلال السنوات القليلة الماضية تحت ضغط التضييق والملاحقات بسبب مواقفهم المعارضة للسلطة. أما الفئة الثانية فتتكون من معارضين يقيمون في الخارج منذ تسعينات القرن الماضي، بعد أن استقروا في عواصم غربية تحت ضغط الملاحقة أيضاً، على خلفية مواقفهم الرافضة لتدخل الجيش لوقف وصول «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» إلى السلطة عام 1992.

وأجمع الطيف السياسي المؤيد لسياسات الرئيس تبون على أن التدابير المعلنة في مجلس الوزراء «خطوة سيادية تعكس إرادة الدولة في التكفل بأبنائها، بعيداً عن الضغوط والحسابات الضيقة».

وأكد حزب «جبهة التحرير الوطني» (القوة الأولى في البرلمان)، في بيان، أن «هذا القرار السيادي لفائدة الجزائريين الموجودين في أوضاع هشة وغير قانونية، يشكل دليلاً واضحاً على العناية الخاصة التي توليها الدولة الجزائرية لأبنائها حيثما وجدوا، ومواصلة الدفاع عنهم بثبات ومسؤولية، بعيداً عن أي مساومات أو إملاءات خارجية».

وأوضح الحزب أن الإجراء «يمثل خطوة استراتيجية لقطع الطريق أمام المحاولات اليائسة، لاستغلال الفئات الهشة وتوظيفها في حملات دعائية مغرضة تستهدف صورة الجزائر ومواقفها السيادية».

أمين عام «التجمع الوطني الديمقراطي» منذر بودن خلال تجمع في جنوب الجزائر (إعلام حزبي)

من جهته، عبّر «التجمع الوطني الديمقراطي»، في بيان، عن «ارتياحه العميق»، عاداً أن القرار «ينسجم مع السياسة المتبعة للحفاظ على وحدة الشباب وإشراكهم في مسار التنمية الوطنية».

بناء الثقة

وقالت «حركة البناء الوطني» في بيان: «هذه المبادرة تشكل خطوة إيجابية هامة لتعزيز التلاحم الوطني وتحصين الجبهة الداخلية، لكونها تسهم في ترسيخ الثقة والاستقرار والسكينة العامة، وإفشال مخططات الجهات التي تضمر العداء للوطن وتسعى إلى تشويه صورته وادّعاء الوصاية على الشعب الجزائري ومصالحه».

وأشادت «جبهة المستقبل»، في بيان، بـ«الخطوة السيادية الواضحة في معالجة ملف استغل من أطراف متعددة، للإضرار بصورة الوطن وخلق مسارات ضياع لشبابه»، مؤكدة أن الدولة الجزائرية «من خلال هذا القرار الذي يعيد الأمور إلى نصابها، وضعت حداً لمحاولات تحويل معاناة بعض أبنائها إلى أدوات ضغط ومنصات لتشويه سمعة البلد».

وأضافت: «هذا القرار يؤكد أن الجزائر اليوم تتعامل مع أبنائها بشكل مباشر ومسؤول، ووفق ما يليق بها كدولة مستقلة ذات سيادة وقرار، تقود ملفاتها بنفسها وتحدد مساراتها انطلاقاً من مصلحتها الوطنية الخالصة، في إطار علاقة قائمة على الثقة والمسؤولية، لا على الضغوط والحسابات الضيقة».

من جانبه، اعتبر حزب «صوت الشعب» في بيان أن «هذا القرار الصائب والمعبر عن سمو الدولة الجزائرية، سيكون له أثر إيجابي كبير في بعث الطمأنينة لدى العديد من العائلات الجزائرية»، مشيراً إلى أن «هذه المبادرة الرئاسية تعكس القيم الأصيلة للمجتمع الجزائري ورؤيته الحكيمة في مواجهة التحديات».

ويُستشفّ من خطاب الأحزاب أن المقصود هو فرنسا على وجه التحديد. فخلال التوترات التي تشهدها العلاقات الثنائية منذ صيف 2024، برز «ملف المعارضين» المقيمين في البلد المستعمِر سابقاً بشكل لافت، إذ طالبت الجزائر باريس بتسليم بعض رموز المعارضة الأكثر راديكالية، وفي مقدمتهم صانع المحتوى أمير بوخرص، المعروف بـ«أمير دي زاد».

صانع المحتوى الجزائري المعارض أمير بوخرص (متداولة)

وقد شكّل هذا الملف وحده أزمة حادة بين البلدين في أبريل (نيسان) 2025، إثر توجيه الادعاء الفرنسي تهمة «اختطافه واحتجازه» إلى ثلاثة جزائريين، من بينهم موظف في القنصلية الجزائرية بباريس، حيث تم سجنهم على ذمة التحقيق.

كما تتهم الجزائر فرنسا بـ«التساهل» مع «حركة تقرير مصير القبائل»، التي أَعلنت في 14 ديسمبر (كانون الأول) 2025 من باريس «دولة القبائل المستقلة»، وتطالب بتسليم زعيم التنظيم فرحات مهني، المتهم بـ«الإرهاب».


هل تتحول الحرب في السودان إلى سباق تسلح نوعي؟

مقاتلة باكستانية من طراز «جيه. إف 17 ثاندر» في استعراض خلال إحدى المناسبات الباكستانية (رويترز)
مقاتلة باكستانية من طراز «جيه. إف 17 ثاندر» في استعراض خلال إحدى المناسبات الباكستانية (رويترز)
TT

هل تتحول الحرب في السودان إلى سباق تسلح نوعي؟

مقاتلة باكستانية من طراز «جيه. إف 17 ثاندر» في استعراض خلال إحدى المناسبات الباكستانية (رويترز)
مقاتلة باكستانية من طراز «جيه. إف 17 ثاندر» في استعراض خلال إحدى المناسبات الباكستانية (رويترز)

بعد موافقة باكستان على بيع أسلحة إلى الجيش السوداني بقيمة تُقدر بنحو 1.5 مليار دولار، في صفقة وُصفت بأنها الأضخم منذ اندلاع الحرب في البلاد، رأى خبراء عسكريون أن هذا التطور يمثّل فصلاً جديداً في سباق تسلح نوعي آخذ في التصاعد، من شأنه دفع الطرف الآخر، «قوات الدعم السريع»، إلى تعزيز ترسانته العسكرية، الأمر الذي قد يؤدي إلى إطالة أمد الحرب إلى أجل غير معلوم.

وبحسب ما نقلته وكالة «رويترز» في وقت سابق، تشمل الصفقة المرتقبة حصول الجيش السوداني على طائرات هجومية خفيفة، وطائرات مسيّرة مخصصة للاستطلاع والهجوم، إضافة إلى أنظمة دفاع جوي متطورة. وتتضمن الصفقة، وفق المصادر، نحو عشر طائرات من طراز «كاراكورام-8»، وأكثر من 200 طائرة مسيّرة، إلى جانب طائرات تدريب من طراز «سوبر مشاق»، مع احتمال إدراج مقاتلات من طراز «جيه إف - 7» ضمن الاتفاق.

لماذا التحول إلى المسيرات؟

ومنذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023، تعرّضت القدرات العسكرية للجيش السوداني لشلل كبير على صعيد مخزون الأسلحة والذخائر، لا سيما بعد سيطرة «قوات الدعم السريع» على مصنع «اليرموك»، الذي يُعد أكبر منشآت الجيش لإنتاج وتخزين الأسلحة. ويرى خبراء أن من أبرز التحولات الجوهرية التي فرضتها الحرب، اتجاه طرفي الصراع إلى الاعتماد بصورة متزايدة على الطائرات المسيّرة، نظراً لفاعليتها العالية وتأثيرها المباشر في ساحات القتال، مؤكدين أن من يفرض هيمنته الجوية يمتلك اليد العليا في مجريات الحرب.

عناصر من الجيش السوداني في مدينة صالحة جنوب أم درمان بعد يوم من استعادة المنطقة في 21 مايو 2025 (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، قال اللواء المتقاعد بالجيش كمال إسماعيل لـ«الشرق الأوسط» إن سباق التسلح لم يتوقف منذ اندلاع الحرب، وإن كل طرف يسعى باستمرار إلى تنمية قدراته القتالية، وأضاف: «بحسب علمي، حصل الجيش بالفعل على طائرات ومسيّرات من باكستان، إلا أن هذه الأسلحة لن تقلب موازين القوى بشكل جذري، كونها أسلحة مساندة تُستخدم لتمهيد الطريق أمام قوات المشاة للتقدم على الأرض، وتحقيق التفوق الميداني».

وأشار إسماعيل إلى أن «قوات الدعم السريع» قد تسعى بدورها إلى رفع قدراتها العسكرية وتحديث ترسانة أسلحتها، من خلال الحصول على مزيد من الطائرات المسيّرة الحديثة وأنظمة الدفاع الجوي، لكنه استبعد أن يتمكن أي طرف من حسم الحرب عسكرياً، مهما طال أمدها، في ظل وجود جهات خارجية تواصل تمويل ودعم أطراف الصراع بالسلاح، مستشهداً باستمرار الحرب الروسية الأوكرانية رغم التفوق العسكري الروسي.

صورة مأخوذة من مقطع فيديو نشرته «قوات الدعم السريع» لعناصرها في منطقة شرق النيل بالخرطوم (أ.ف.ب)

وأوضح إسماعيل أنه على الرغم من القوة التدميرية الكبيرة التي تمتلكها الطائرات المسيّرة الحديثة، وما تؤديه من مهام عسكرية تشمل الهجمات، والتصوير، وجمع المعلومات الاستخباراتية عن العدو، فإنها لا تكفي وحدها لحسم المعركة. وأكد أن سلاح الطيران والمسيّرات والمدفعية يُستخدم عادة في الحروب لمساندة القوات البرية، عبر فتح ثغرات في دفاعات الخصم، بما يتيح التقدم والسيطرة على المواقع الأرضية. وأضاف أن سباق التسلح بات واقعاً ملموساً، وأن المؤشرات كافة تؤكد أن الطرفين يتجهان نحو تنافس مفتوح لامتلاك المسيّرات الحديثة التي تعزز قدراتهما العسكرية، غير أنها لن تحقق نصراً حاسماً لأي منهما.

وأجمع خبراء عسكريون على أن الحرب في السودان تدخل مرحلة تحول يمكن توصيفها بـ«سباق تسلح نوعي»، مشيرين إلى أن من أبرز دوافع هذا التوجه نحو «حروب السماء» التكلفة البشرية العالية التي فرضتها العمليات العسكرية البرية.

نازحون سودانيون من غرب السودان ينتظرون تلقي المساعدات في مخيم أبو النجا بولاية القضارف 30 ديسمبر (أ.ف.ب)

وفي هذا الإطار، تشير تقارير إعلامية إلى أن «قوات الدعم السريع» واصلت تلقي إمدادات عسكرية بصورة منتظمة، شملت طائرات مسيّرة متطورة وأنظمة تشويش. ويُرجع مراقبون هذا التطور إلى التقدم الذي أحرزته القوات في إقليم كردفان، وسيطرتها على مدن رئيسية، مقابل تعثر العمليات البرية التي قادها الجيش لأشهر بهدف استعادتها؛ ما دفعه إلى تغيير تكتيكاته والسعي لامتلاك أسلحة تمكّنه من تحقيق تفوق عسكري.

الجيش يكسب خطوة

من جانبه، قال الخبير العسكري اللواء معتصم عبد القادر إن حصول الجيش على هذه الصفقة الكبيرة من الطائرات والمسيّرات يمنحه القدرة على مهاجمة الخصم، وشل قدرته على تنفيذ هجمات مضادة، لافتاً إلى أن المنظومات الجديدة تمثل إضافة نوعية إلى القوة العسكرية للجيش السوداني. وأضاف أن الطيران الحربي يمتاز بقدرته على حمل صواريخ وقذائف ذات حمولة أكبر، متفوقاً بذلك على المسيّرات، رغم ما تتميز به الأخيرة من دقة عالية في الاستهداف. وأشار عبد القادر إلى أن الضغوط الإقليمية والدولية التي تمارسها بعض الدول الحليفة للجيش على دول الجوار السوداني، من شأنها أن تسهم في تجفيف مصادر الدعم التي كانت تتلقاها «قوات الدعم السريع» عبر الأجواء المفتوحة في السابق، متوقعاً في الوقت نفسه استمرار تدفق الأسلحة عبر المعابر البرية من بعض الدول الأفريقية إلى إقليم دارفور، الذي يُعد مركز ثقل لسيطرة «الدعم السريع».

وأوضح عبد القادر، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن سلاح الجو السوداني نفّذ خلال الأسابيع الماضية عمليات قصف دقيقة استهدفت إمدادات عسكرية كانت في طريقها إلى «قوات الدعم السريع» في منطقة المثلث الحدودي بين السودان وليبيا ومصر. كما شن هجمات مماثلة على الحدود الشرقية مع إثيوبيا، بهدف إحباط هجوم كان يجري الترتيب له من قبل «قوات الدعم السريع» وحلفائها في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد.

وفي ضوء هذا السباق المحموم نحو التسلح، والذي وُصف بأنه قد يشكل نقطة تحول في مسار الحرب الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، تشير المؤشرات إلى أن المشهد في السودان لا يزال مفتوحاً على جميع الاحتمالات، بما في ذلك اندلاع موجة جديدة من القتال أشد ضراوة، لا سيما في مناطق العمليات الرئيسية، وعلى وجه الخصوص في إقليمي دارفور وكردفان.