مستشار ترمب ينهي زيارته إلى ليبيا تاركاً وراءه «أسئلة وشكوكاً»

السفارة الأميركية تنفي سعي واشنطن لنقل سكان غزة إلى المدن الليبية

المنفي مستقبلاً بولس الأربعاء (المجلس الرئاسي الليبي)
المنفي مستقبلاً بولس الأربعاء (المجلس الرئاسي الليبي)
TT

مستشار ترمب ينهي زيارته إلى ليبيا تاركاً وراءه «أسئلة وشكوكاً»

المنفي مستقبلاً بولس الأربعاء (المجلس الرئاسي الليبي)
المنفي مستقبلاً بولس الأربعاء (المجلس الرئاسي الليبي)

ما بين السياسة والاقتصاد، عقد مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، سلسلة لقاءات مع المسؤولين الليبيين في طرابلس وبنغازي، تاركاً وراءه «أسئلة وشكوكاً» متعددة. وفي غضون ذلك، نفت السفارة الأميركية لدى ليبيا، اليوم الجمعة، تقارير في وسائل إعلام بشأن سعي الولايات المتحدة لنقل بعض من سكان قطاع غزة إلى ليبيا، بوصفها ادعاءات «تحريضية وكاذبة».

الدبيبة مستقبلاً بولس الأربعاء (مكتب الدبيبة)

وفضّل بولس بدء زيارته من العاصمة، ملتقياً محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي، وعبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة، قبل أن يذهب إلى بنغازي للقاء المشير خليفة حفتر، قائد «الجيش الوطني»، وعقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، دون مقابلة حكومة أسامة حمّاد المكلّفة من البرلمان.

تباين ليبي حول أهداف الزيارة

تباينت آراء سياسيين ومحللين ليبيين بشأن زيارة بولس، بين من «شكك في هدفها»، وعدّ أنها تُخفي «مخططات واتفاقيات تتعلق بتوطين غزيين في ليبيا، أو استقبال مهاجرين غير نظاميين»، وبين متسائل حول هدفها الحقيقي، وهل ترمي إلى «إعادة ترتيب أوراق اللعبة السياسية؟».

صالح مستقبلاً بولس الخميس (مكتب رئيس مجلس النواب الليبي)

بداية، يرى المحلل السياسي الليبي، محمد الأمين، أن أميركا تفاوض ليبيا «كجزر سياسية»، وقال إن زيارة بولس إلى بنغازي «لم تكن مجرّد محطة دبلوماسية عابرة، بل تمثل تجلياً صريحاً لتحوّل عميق في مقاربة واشنطن للملف الليبي، قوامه الاعتراف بوقائع التجزئة، بدل الدفاع عن منطق الدولة، والتعامل مع الفاعلين الميدانيين، لا مع المؤسسات الشرعية».

وفي ظل تعدد الرؤى والتساؤلات، لم يغب الحديث عما تحقق من مكتسبات للولايات المتحدة مع قدوم مستشار ترمب إلى ليبيا؛ إذ بمجرد انتهائه من لقاء المنفي والدبيبة، انضم إلى اجتماع ضم مسؤولين ليبيين ومسؤولي شركة «هيل إنترناشيونال» الأميركية، تمخض عن «مكاسب اقتصادية» كبيرة.

وقال بولس عبر حسابه على منصة «إكس»، إنه انضم إلى اجتماع رئيس المؤسسة الوطنية للنفط الليبية، وشركة «هيل إنترناشيونال» في طرابلس، خلال توقيع اتفاقية بنية تحتية مهمة بقيمة 235 مليون دولار مع «هيل إنترناشيونال»، ملخصاً الأمر في «شراكة تدعم جهود المؤسسة الوطنية للنفط في التحديث، وتعزيز إنتاج وتصدير الغاز».

ولا ينفصل توقيع هذه الاتفاقية عن عرض تقدمت به حكومة الدبيبة لشراكة استراتيجية مع أميركا، تقدَّر - بحسب الحكومة - بنحو 70 مليار دولار، وتتضمن مشاريع في قطاعات الطاقة والمعادن والكهرباء، والبنية التحتية والاتصالات. وقالت الحكومة إن ذلك «يتيح دخولاً منظماً ومباشراً للاستثمار الأميركي في السوق الليبية».

ويرى متابعون أن مجمل لقاءات بولس مع المسؤولين في شرق ليبيا وغربها اتسمت بالتشعّب؛ إذ طغى عليها الحديث عن الشراكات والتعاون الاقتصادي، وبحث سُبل تعزيز التعاون الاستراتيجي بين طرابلس وواشنطن، من دون التطرق بعمق إلى صلب الأزمة السياسية، لافتين إلى أن كل مسؤول لخص هدف الزيارة «بحسب أجندته».

غير أن بولس، الذي حرص هو الآخر على تلخيص لقاءاته عبر حسابه على «إكس»، قال عقب اجتماعه بالمنفي إنه ناقش مع المنفي «العملية السياسية، والجهود المبذولة لضمان السلام والاستقرار في طرابلس وجميع أنحاء ليبيا»، مؤكداً «دعم الولايات المتحدة لوحدة ليبيا، ولمسار سياسي قائم على التوافق والحوار».

السرايا الحمراء والقذافي وبولس

لم يفت سلطات طرابلس أن تنظّم لمستشار ترمب جولة لزيارة السرايا الحمراء، المطلة على «ميدان الشهداء» والبحر المتوسط، والتجول في متحفها رفقة وليد اللافي، وزير الدولة للاتصال السياسي، والصعود إلى أعلاها حيث أطلّ منه الرئيس الراحل معمر القذافي، وألقى منه أحد خطاباته الشهيرة قبيل سقوط نظامه.

وليد اللافي وبولس في جولة لمنطقة السرايا الحمراء (متداولة)

يقول رمضان التويجر، أستاذ القانون والباحث السياسي الليبي، عن الرمزية والدلالة التاريخية الكبيرة للسرايا الحمراء، لـ«الشرق الأوسط»: «هي رمز الحكم في ليبيا، ويترسخ في أذهان الليبيين أن من يسيطر عليها يحكم البلد»، معتبراً أن زيارة بولس للسرايا الحمراء «رسالة واضحة من وزير الدولة للأطراف الليبية والدولية كافة أن حكومته هي حكومة البلد».

وقالت السفارة الأميركية عبر حسابها على «فيسبوك»، إن بولس أجرى جولة إلى السرايا الحمراء ومتحفها الوطني، رفقة نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، جوش هاريس، والقائم بالأعمال في السفارة جيريمي برنت.

واستغلت السفارة التنويه بالزيارة بالحديث عن محتويات المتحف، وما يضمه من قطع أثرية «أُعيدت إلى ليبيا بفضل اتفاقية التعاون في مجال التراث الثقافي بين الولايات المتحدة وليبيا».

صالح ملتقياً الوفد الأميركي برفقة صدام وبالقاسم حفتر الخميس (مكتب صالح)

وخلال انتقال بولس إلى بنغازي للقاء حفتر وصالح، تركز الحديث حول «توحيد المؤسسات»، وسُبل تعزيز آفاق التعاون الثنائي بين ليبيا والولايات المتحدة. وبعد لقائه حفتر، قال بولس إنهما ناقشا «دعم الولايات المتحدة للجهود الليبية، الرامية إلى توحيد المؤسسات، وتعزيز السيادة، وتمهيد الطريق نحو الاستقرار والازدهار من خلال الحوار السياسي».

فيما تمحور لقاء صالح وبولس - الذي ضم صدام وبالقاسم نجلي حفتر - حول «سُبل تعزيز آفاق التعاون الثنائي بين ليبيا والولايات المتحدة، بما يعزز الاستقرار، ويدعم مسارات التنمية المستدامة في البلاد».

وأجرى بولس محادثات مع الفريق صدام حفتر، رئيس أركان القوات البرية التابعة لـ«الجيش الوطني»، وقال إنها تمحورت حول متابعة «زيارته المهمة» إلى واشنطن في أبريل (نيسان) الماضي. وأشار إلى أنهما «ناقشا سُبل تعزيز التعاون، وتعزيز الجهود الليبية لتوحيد الجيش والمؤسسات الرئيسية الأخرى، والتأكيد على دعم الولايات المتحدة لوحدة ليبيا وسيادتها واستقرارها».

فريق المحللين الذين ينظرون بإيجابية للزيارة، من بينهم الأمين، يرون أنها «ذات مضمون سياسي مُحمّل بالرسائل، أبرزها أنّ أميركا باتت تنظر إلى شرق ليبيا كـ(كيان فعلي) له ممثلوه وجيشه، وصندوق إعمار مستقل، ومداخل للتفاوض والتنسيق منفصلة عن باقي الجسم الليبي».

وبخصوص تغيب حمّاد عن لقاءات بولس، يعتقد الأمين أنه لم يكن «سهواً دبلوماسياً، بل رسالة وقراراً يعكس إدراكاً أميركياً بتموضع النفوذ شرقاً، وسعياً لتعزيز الحضور مع من يملكون الفعل لا من يدّعون الشرعية».

وانتهى الأمين بطرح مزيد من التساؤلات، قائلاً: «هل نحن أمام مقاربة سلام واقعي، قوامه دعم سلطة محلية تفرض الأمن بالقوة؟ أم أننا بصدد تهيئة الأرض لصيغة تقسيم ناعم، تُدار فيها البلاد كمربّعات مصالح؟».

وكان بولس التقى في طرابلس هانا تيتيه المبعوثة الأممية، وقال: «تبادلنا الآراء حول أهمية المضي قدماً في العملية السياسية الليبية، في الوقت الذي يسعى فيه المواطنون إلى بناء مستقبل أكثر إشراقاً وازدهاراً».


مقالات ذات صلة

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

شمال افريقيا جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

قالت حكومة «الوحدة» المؤقتة في طرابلس إن أزمة اللاعبين الخمسة المسجونين في إيطاليا تنتظر موافقة روما على طلبات نقلهم إلى ليبيا، لاستكمال مدة محكوميتهم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع صدام حفتر وخوري في القيادة العامة للجيش (القيادة العامة)

ترحيب أممي بـ«خطوة مشتركة» نحو توحيد الجيش الليبي

رحبت البعثة الأممية لدى ليبيا بالخطوات المشتركة المتخذة بين شرق البلاد وغربها «لإرساء القواعد اللازمة لتوحيد المؤسسة العسكرية، من بينها تشكيل الغرفة «3+3».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا محافظ المصرف المركزي الليبي (يسار) مع مساعد وزير الخارجية الأميركية (المصرف)

محادثات ليبية - أميركية حول مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب

قال المصرف المركزي الليبي إن عيسى استعرض مع مسؤولين أميركيين في واشنطن جهود تعزيز منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وأنظمة الدفع الإلكتروني.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي خلال ترؤسه اجتماعاً عسكرياً موسعاً في طرابلس (مكتب المنفي)

انقسام مسلحي غرب ليبيا حيال «مبادرة بولس» لتوحيد الجيش والحكومة

بدت التشكيلات المسلحة الموالية لعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية والمعارضة له في حالة ما بين «الاستنفار والغضب» منذ مناورة «فلينتلوك 2026».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وحدات النخبة الليبية التابعة للجيش الوطني خلال مشاركتها في تمرين «فلينتلوك 2026» المقام بمدينة سرت (شعبة الإعلام الحربي)

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

وصف مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، الأربعاء، تمرين «فلينتلوك 2026»، الذي تستضيفه مدينة سرت الليبية، بأنه «إشارة تبعث على الأمل».

خالد محمود (القاهرة)

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، عقوبات على خمس شركات وأفراد قالت إنهم متورطون في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ​للقتال لصالح «قوات الدعم السريع» في السودان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته وكالة «رويترز»: «لقد غذّت هذه الشبكة الصراع الذي أفضى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية وحالات المجاعة في العالم».

وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة حثّت الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول هدنة إنسانية ‌لمدة ثلاثة أشهر ‌من دون شروط.

وتسببت الحرب ​الضارية ‌المستمرة ⁠منذ ​ثلاث سنوات ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فيما تقول جماعات إغاثة إنها أصبحت الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد.

ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار جارسيا بات، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وتعني ‌العقوبات أن جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والشركات المشمولين بالعقوبات داخل الولايات ⁠المتحدة ⁠أصبحت خاضعة للتجميد.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، يوم الأربعاء، إن مؤتمراً دولياً لحشد تمويل للسودان أسفر عن تعهدات بتقديم أكثر من 1.5 مليار يورو، أي 1.77 مليار دولار، من المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد الضغوط على الإنفاق في مجال التنمية من قبل الجهات المانحة التقليدية، فقد عُقد المؤتمر، الذي أعقب اجتماعات سابقة في لندن وباريس، بهدف تسليط الضوء على السودان، وذلك ​بعد تحول الاهتمام العالمي ​في الآونة الأخيرة نحو الصراع في أوكرانيا والحرب على إيران.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.