عالم الشغل في الجزائر تحت «صدمة» بعد سجن قائد نقابي

الحكومة فعَّلت قوانين جديدة وفرضت قيوداً تحرم الإضراب من القطاعات

إضراب طلاب الطب نهاية 2024 (متداولة)
إضراب طلاب الطب نهاية 2024 (متداولة)
TT

عالم الشغل في الجزائر تحت «صدمة» بعد سجن قائد نقابي

إضراب طلاب الطب نهاية 2024 (متداولة)
إضراب طلاب الطب نهاية 2024 (متداولة)

بدأت الحكومة الجزائرية تطبيق مرسوم أثار جدلاً واسعاً عند صدوره عام 2023، ويتعلق بتنظيم الإضرابات وحركات الاحتجاج في قطاعات تُصنف بأنها «حساسة واستراتيجية»، حيث تم سجن أمين عام نقابة عمال سكة الحديد، لونيس سعيدي، بعد إعلانه إضراباً، احتجاجاً على عدة مشكلات في القطاع. وجاء هذا التطور بعد أشهر من وضع نقابيين بارزين في قطاع التعليم تحت إجراءات الرقابة القضائية، إثر قيادتهما إضراباً مماثلاً.

رئيس نقابة عمال سكة الحديد لونيس سعيدي (متداولة)

شهدت «الفيدرالية الوطنية لعمال النقل بالسكك الحديدية»، التي تتبع النقابة المركزية تطورات سريعة ومفاجئة خلال الأيام الأخيرة، كان أبرزها إيداع أمينها العام سعيدي الحبس الاحتياطي، السبت الماضي، وذلك بالتزامن مع استعداد النقابة لتنظيم إضراب عام، كان مقرّراً انطلاقه يوم الأحد 7 يوليو (تموز) الحالي.

وكان سعيدي قد وجّه في 25 من يونيو (حزيران) الماضي إشعاراً رسمياً إلى وزير النقل، يُعلِم فيه عزم الفيدرالية الدخول في إضراب مفتوح، احتجاجاً على ما وصفه بـ«انتهاكات جسيمة» تطول القطاع. وتضمن الإشعار مطالب تتعلق بـ«عدم احترام المواد الدستورية 69 و70»، التي تكفل الحق في الإضراب، وبـ«تجاوزات في تطبيق قوانين النشاط النقابي وتسوية النزاعات الجماعية».

كما تحدثت الفيدرالية عن «اختلالات خطيرة تمثلت في تغييب الحوار مع الشريك الاجتماعي، وتدخل الإدارة في الشؤون النقابية، والتضييق على ممثلي العمال»، إضافة إلى «مخالفات في تنظيم انتخابات اللجان المشتركة وتهميش الكفاءات، وسوء تسيير ملفات التقاعد والتوظيف والخدمات الاجتماعية».

مراجعة قوانين العمل والحق النقابي تمت في عهد الوزير الأول السابق أيمن بن عبد الرحمن (الوزارة الأولى)

ورغم تصاعد لهجة الاحتجاج، فقد أبدت النقابة في بيانها استعداداً للحوار، ملوّحة بإمكانية تصعيد الموقف، ورفع الملف إلى رئيس الجمهورية في حال استمرار تجاهل المطالب، غير أن القضية أخذت منحًى مغايراً بعد إيداع سعيدي الحبس المؤقت؛ إذ عقد مكتب الفيدرالية اجتماعاً طارئاً في 6 من يوليوز الحالي، ترأسه الأمين العام الجديد، محمد جبراني، أُعلن خلاله رسمياً إلغاء قرار الإضراب، واعتبار الإشعار الذي قدّمه الأمين العام السابق «باطلاً وغير ذي أثر قانوني». وأوضح المكتب أن قرار الدخول في الإضراب «خالف بشكل صريح أحكام القانون المتعلق بالنزاعات الجماعية في العمل وحق الإضراب».

جلسة برلمانية حول قانون ممارسة الحق النقابي في أبريل الماضي (البرلمان)

وبينما توقعت الأوساط النقابية تنديداً من جانب فيدرالية سكة الحديد بسجن قائدها، حصل العكس تماماً، كما أن قيادة «الاتحاد العام للعمال للجزائريين» التزمت الصمت، وأفاد بعض أعضائها بأن أمينها العام، عمار تاكجوت، لم يكن موافقاً على الخطوة التي أقدم عليها سعيدي، وهو من وضع مكانه جبراني بعد سجنه، وفق الأعضاء أنفسهم.

وعلى النقيض من هذا الموقف، رأى العديد من النقابيين في قطاعات أخرى أن سجن سعيدي يُجسّد «تجريماً صريحاً للعمل النقابي»، وعبّروا عن إدانتهم هذا الإجراء من خلال منشورات وتصريحات على منصات التواصل الاجتماعي. وفي المقابل، لُوحظ صمت شبه تام من قبل وسائل الإعلام، التي تجاهلت القضية بشكل أثار الاستغراب.

من جهته، ندّد «حزب العمال» في بيان بسجن سعيد، عاداً ذلك أنه «خطوة تدل على انتهاك خطير للحريات النقابية في الجزائر». كما استنكر حزبا «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» المعارض، و«جيل جديد» المصير الذي لقيه النقابي البارز، وطالبا بالإفراج عنه.

في أواخر فبراير (شباط) 2025، أصدر قاضي التحقيق بمحكمة حمام الضلعة (على مسافة 250 كيلومتراً جنوب شرقي العاصمة) أمراً بوضع رئيس نقابة التعليم، مسعود بوديبة، والقيادي النقابي بوبكر هابت، تحت الرقابة القضائية، وذلك على خلفية دعوتهما إلى شلّ النشاط في قطاع يُعدّ من القطاعات التي يمنع فيها القانون شنّ الإضرابات.

القياديان في نقابة التعليم مسعود بوديبة وبوبكر هابت (متداولة)

وجاء هذا القرار على خلفية مشاركة النقابيين في وقفة احتجاجية، نظمتها نقابات قطاع التعليم للمطالبة بتحسين الظروف المهنية، ومراجعة النظام التعويضي لعمال القطاع. وقد تم توقيف بوديبة وهابت خلال الاحتجاج، لكن أفرج عنهما لاحقاً مع إخضاعهما لقيود قضائية مشددة، ما فتح الباب لمخاوف غير مسبوقة على مصير النضالات النقابية، التي كرَّسها «دستور التعددية» الصادر في 1989.

وكانت الجزائر قد شرعت منذ مطلع عام 2022، في مراجعة شاملة لقانون الحق النقابي، ضمن خطة تهدف إلى تحديث الترسانة التشريعية المنظمة لعلاقات العمل ومواءمتها مع المعايير الدولية، ولا سيما اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 87 الخاصة بحرية التنظيم النقابي. وقد أثار هذا التوجه الحكومي، آنذاك، ردود فعل متباينة في الأوساط النقابية، إذ رأت العديد من النقابات المستقلة أن الخطوة تمثل تضييقاً على الحريات النقابية، ومحاولة لتقييد الحق الدستوري في الإضراب.

وفي بداية 2022، عُرض مشروع تعديل القانون رقم 14، المتعلق بكيفيات ممارسة الحق النقابي على البرلمان، وذلك بعد أكثر من 30 عاماً من صدور القانون الأصلي عام 1990. وقد تمت المصادقة على المشروع بفضل الأغلبية البرلمانية الموالية للحكومة، ودخل حيز التنفيذ في مايو (أيار) 2023.

وبينما رأت الحكومة أن هذه الإصلاحات ضرورية لـ«ضمان السلم الاجتماعي، وتعزيز فاعلية الحوار المهني»، انتقدت العديد من النقابات، خصوصاً في قطاعات التربية والصحة والتعليم العالي مضامين القانون، ووصفتها بأنها «تفرض قيوداً جديدة على العمل النقابي، وتهدد الحق في الإضراب، وتمنع الإضرابات التضامنية والمطلبية غير الاجتماعية». وقد نظّمت هذه النقابات خلال عام 2023 عدة إضرابات ووقفات احتجاجية، طالبت خلالها بسحب القانون، مؤكدة أنه يشكل تراجعاً خطيراً عن مكتسبات دستور 2020، الذي يكرّس حرية العمل النقابي وحق الإضراب.


مقالات ذات صلة

الجزائر: سباق انتخابي تحت ضغط شكوك «النزاهة»

شمال افريقيا السكرتير الأول لجبهة القوى الاشتراكية في تجمع دعائي بشرق العاصمة تحسباً للانتخابات التشريعية (إعلام حزبي)

الجزائر: سباق انتخابي تحت ضغط شكوك «النزاهة»

أطلقت الأحزاب الجزائرية حملة مزدوجة تحسباً للانتخابات التشريعية، المقررة في 2 يوليو (تموز) المقبل، تتركز في مسارين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا البابا ببيت الراهبات في عنابة (فاتيكان نيوز)

البابا يختتم جولته في الجزائر بوقفة إنسانية عند «مهد القديس أغسطينوس»

أكد البابا ليو الرابع عشر، الثلاثاء، خلال لقائه نزلاء «دار المسنين» في عنابة، أن «رسالة السماء تنحاز دوماً إلى المستضعفين».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً بابا الفاتيكان بالمطار (الرئاسة الجزائرية) p-circle 00:51

في مستهل زيارة تاريخية للجزائر... بابا الفاتيكان ينشر رسالة سلام

انطلاقاً من الجزائر، بدأ بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، يوم الاثنين، جولة أفريقية تشمل أربع دول، وتهدف إلى تعزيز حوار الأديان، وقيم التسامح، والتعايش الديني.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يستقبل البابا ليو الرابع عشر بعد هبوطه في مطار هواري بومدين الدولي في العاصمة الجزائر... 13 أبريل 2026 (د.ب.أ) p-circle 00:51

رئيس الجزائر: أدعو مع البابا ليو بالأمن والأمان لمنطقة الخليج ولبنان

دعا الرئيس الجزائري، خلال لقائه بابا الفاتيكان، بالأمن والأمان لمنطقة الخليج ولبنان.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا البابا ليو الرابع عشر لدى وصوله إلى الجزائر في بداية جولة أفريقية (رويترز)

البابا ليو يبدأ زيارة تاريخية للجزائر في مستهل جولة أفريقية

تستعد الجزائر لاستقبال ليو الرابع عشر اليوم (الاثنين) في زيارة تاريخية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

«مؤتمر برلين»: تعهدات بـ 1.5 مليار دولار للسودان

المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

«مؤتمر برلين»: تعهدات بـ 1.5 مليار دولار للسودان

المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

تعهدت الجهات المانحة تقديم مساعدات بقيمة 1.5 مليار دولار إلى السودان، وذلك خلال المؤتمر الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين أمس، برعاية ألمانيا والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي.

وعُقد «مؤتمر برلين» وسط غياب ممثلين عن طرفي الحرب، أي الجيش السوداني، والحكومة الموالية له، و«قوات الدعم السريع». وقبل انطلاقه، انتقدت الحكومة السودانية استضافة ألمانيا للمؤتمر، قائلة إن هذا «تدخل مفاجئ وغير مقبول» في الشأن الداخلي. ويعد هذا المؤتمر الدولي الثالث حول السودان بعد مؤتمرين سابقين في باريس، ولندن.

وحض الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في كلمة مسجلة خلال المؤتمر، على السلام في السودان، و«إنهاء كابوس» الحرب، ووقف «التدخلات الخارجية، وتدفق الأسلحة اللذين يؤججان النزاع». وطالب طرفي القتال بـ«وقف فوري للأعمال الحربية».


رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
TT

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)

قال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، الأربعاء، إن حكومته غير معنية بمخرجات «مؤتمر برلين» الدولي بشأن الوضع الإنساني في السودان، مؤكداً أنها لم تتلقَّ دعوة للمشاركة في المؤتمر.

وأضاف في مؤتمر صحافي بالعاصمة الخرطوم أن تغييب الحكومة السودانية «خطأ فادح» من قبل الجهات المنظمة للمؤتمر، مشيراً إلى الاحتجاجات التي نظمتها مجموعات من السودانيين في العواصم الأوروبية تعبيراً عن رفضها لتوصيات المؤتمر واستبعاد الحكومة.

وقال: «كنا نأمل أن تُقدَّم لنا الدعوة للمشاركة في مؤتمر برلين لتوضيح الحقائق كافة عن الأوضاع في السودان».

وأكد أن حكومته منفتحة على كل المبادرات وعلى الحوار مع الأطراف الإقليمية والدولية الساعية لتحقيق السلام العادل والشامل في السودان.


تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
TT

تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)

أثارت تصريحات نائب تونسي حول الاغتصاب والمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً وانتقادات واسعة، وجّهتها منظمات المجتمع المدني، وصولاً إلى اتهامه بـ«العنصرية» حيال المهاجرين.

وفي جلسة استماع وتوجيه أسئلة لوزير الداخلية، عُقدت بالبرلمان، قال النائب طارق المهدي في مداخلته عن قضية المهاجرات: «أن تُغتصب أفريقية (مهاجرة) فهذا أمر لا يحدث. التونسيات جميلات... لا ينقصنا شيء في تونس». وأضاف المهدي في تصريحات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»: «يجب أن يخرجن بأي ثمن. لقد تم تجاوز كل الخطوط الحمراء».

وتثير الهجرة من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً في تونس بشكل منتظم.

ومطلع عام 2023، ندّد الرئيس قيس سعيّد بوصول «جحافل من المهاجرين غير النظاميين»، متحدثاً عن مؤامرة «لتغيير التركيبة الديموغرافية» للبلاد.

وندد «المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية»، في بيان، الثلاثاء، بتصريحات المهدي، معتبراً أنها «عنصرية... وتمثل اعتداء صارخاً على الكرامة الإنسانية، وتبريراً خطيراً للعنف الجنسي والاغتصاب ضد النساء»، وطالب بمحاسبته.

ولاحقاً، كتب النائب على صفحته على «فيسبوك»: «إنهم يخرجون كلامي كلياً عن سياقه، والذي لا أقصد منه أي تشجيع على أي شكل من أشكال العنف، ولا على الاغتصاب. قصدت من قولي حتى ولو خانني التعبير... أن أقول إن نساءنا من أكثر النساء جمالاً وثقافة، ولا غاية لنا أن تعتدي على أي كان».

كما استنكرت «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» التصريحات، في بيان، وعدّتها «انتهاكاً خطيراً لكرامة النساء، ومساساً جوهرياً بمبادئ حقوق الإنسان».

وأكدت أن خطاب المهدي «ينطوي على عنصرية فجة، ويغذي بشكل مباشر خطاب الكراهية، والتمييز ضد المهاجرين والمهاجرات من أفريقيا جنوب الصحراء».

وتُعد تونس نقطة عبور مهمة في شمال أفريقيا لآلاف المهاجرين الوافدين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، والذين يسعون للوصول بشكل غير قانوني إلى أوروبا من طريق البحر.