«الماس الكهربائي»... المتهم الأول في حرائق مصر الكبرى

الماس الكهربائي متهم رئيسي في حرائق المباني الكبرى بمصر (أ.ف.ب)
الماس الكهربائي متهم رئيسي في حرائق المباني الكبرى بمصر (أ.ف.ب)
TT

«الماس الكهربائي»... المتهم الأول في حرائق مصر الكبرى

الماس الكهربائي متهم رئيسي في حرائق المباني الكبرى بمصر (أ.ف.ب)
الماس الكهربائي متهم رئيسي في حرائق المباني الكبرى بمصر (أ.ف.ب)

ما إن ينشب حريق داخل أحد المباني الكبيرة في مصر، حتى يتم توجيه أصابع الاتهام إلى «الماس الكهربائي» باعتباره «متهماً اعتيادياً ورئيسياً» في معظم الحرائق الكبرى في مصر، على غرار حريق «مجلس الشورى» عام 2008، وحريق مركز المؤتمرات الدولي بمدينة نصر عام 2015، وحريقي سوق الرويعي بمنطقة العتبة بوسط القاهرة، في عامي 2016 و2024، وحريق كنيسة أبو سيفين بحي إمبابة بالجيزة، عام 2022 الذي راح ضحيته 41 شخصاً.

ويعد حريق سنترال رمسيس أحدث حلقات مسلسل «حرائق مصر الكبرى» وأكبرهم تأثيراً على المستوى الاقتصادي والاجتماعي. إذ تسبب تعطل السنترال الذي يُوصف بأنه «قلب مصر النابض» بشلل لافت في مجالات الاتصالات والإنترنت ونظم عمل الشركات والبنوك.

رجال الدفاع المدني يحاولون إخماد حريق سنترال رمسيس (رويترز)

ورجحت تقارير أولية حدوث الحريق الذي نشب في مبنى السنترال بوسط القاهرة مساء الاثنين بسبب «ماس كهربائي» فيما يقوم خبراء المعمل الجنائي برفع آثار الحريق للوقوف على أسبابه.

ويعد مبنى سنترال رمسيس مركز بيانات ضخماً يضم عدداً كبيراً من الخوادم والأجهزة الإلكترونية الحساسة، التي تحتاج إلى تبريد دائم، إذ يستهلك كميات كبيرة من الطاقة الكهربائية لتشغيل أجهزة المبنى.

وأعرب الدكتور فاروق الحكيم، رئيس جمعية المهندسين الكهربائيين، ورئيس اللجنة العليا لاعتماد المهندسين الاستشاريين بنقابة المهندسين المصرية، عن تعجبه من حدوث حريق كبير كهذا في أحد أهم المباني الحيوية بقلب القاهرة، ومن عدم وجود خطة للتعامل معه وإخماده قبل أن يتوسع.

ويعرّف الحكيم «الماس الكهربائي» في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» قائلاً إنه «قفلة» بحسب التعبير المصري الشهير، تحدث جراء الأحمال الزائدة والتوصيلات المعيبة، وعدم وجود إجراءات عزل جيدة، وهو ما يعرف مصرياً باسم «السلك العريان، وقد تُحدث كل هذه الأشياء انفجارات كهربائية متفاوتة الشدة يصدر منها شرر يمتد إلى ما حوله مُسبباً حرائق كبرى».

سيارات الإطفاء أمام المبنى المحترق - (الشرق الأوسط)

ويتساءل فاروق: «ألم يكن هناك نظام إنذار مبكر ضد الحرائق في هذا المبنى الضخم، وإن كان موجوداً فلماذا لم يتم تفعيله أو استخدامه». موضحاً أن الحرائق الناتجة عن الانفجارات الكهربائية لا تطفأ بالمياه كما يعتقد البعض بل بغازات مخصصة لذلك.

ويشدد رئيس جمعية المهندسين الكهربائيين على أن «نظام المناقصات الذي تعتمده الحكومة المصرية في إسناد وإنجاز المشروعات الحكومية قد يكون أحد أسباب الحرائق الكبرى، لأنه يُسند هذه المشروعات إلى الشركات بأقل سعر، وبناء عليه قد يتم استخدام خامات رديئة وكابلات غير مطابقة للمواصفات في التوصيلات الكهربائية إذا لم تطبق المواصفات القياسية والرقابة الصارمة».

ووفق تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري لحوادث الحريق في مصر عام 2024، فإن عدد حوادث الحريق عـلى مستـوى الجمهورية بلغ نحو 47 ألف حادثة مقابل 45 ألف حادثة عام 2023 بنسبة ارتفاع قدرها 3.2 في المائة.

وبحسب الحالة الجنائية، فإن «الحريق العارض» جاء في المرتبة الأولى بعـدد يقترب من 10 آلاف حادثة بنسبة 20.9 في المائة، يليه «الإهمال» بنسبة 10.4 في المائة خلال عام 2024.

وبلغ عدد المتوفين مـن ضحايا حوادث الحريق 232 متوفى عام 2024، مقابل 239 متوفى عام 2023 بنسبة انخفاض قدرها 2.9 في المائة، وبلغ عدد المصابين 831 مصاباً عام 2024 مقابل 812 مصاباً عام 2023 بنسبة ارتفاع قدرها 2.4 في المائة.

جهود تبريد المبنى استمرت ساعات طويلة (الشرق الأوسط)

وأفاد تقرير جهاز «الإحصاء» بأن من أهم المسببات الرئيسية للحرائق في مصر هي «النيران الصناعية» (أعقاب السجائر – أعواد الكبريت – مادة مشتعلة – شماريخ) بنسبة 31.6 في المائة، ثم «الماس الكهربائي» أو الشرر الاحتكاكي بعدد 8428 حادثة بنسبة 18 في المائة من إجمالي مسببات الحريق، وجاءت الأرض الفضاء (القمامة والمخلفات) في المقدمة لأماكن حدوث الحرائق بعدد 18467 حادثة بنسبة 39.4 في المائة، تليها المباني السكنية بعدد 17969 حادثة بنسبة 38.3 في المائة من إجمالي حوادث الحريق.

وجاءت محافظة القاهرة في المقدمة بالنسبة لحوادث الحريق بعدد 6288 حادثة بنسبة 13.4 في المائة، تليها محافظـة الغربية بعدد 3990 حادثة بنسبة 8.5 في المائة.

ويرى الدكتور مجدي صليب، المدير السابق للمركز القومي لدراسات السلامة والصحة المهنية، أن نسبة الحرائق الناجمة عن الماس الكهربائي كبيرة للغاية، ولا تليق بحجم دولة كبيرة مثل مصر.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «زيادة الأحمال الكهربائية في فصل الصيف قد تتسبب في زيادة الضغط على التوصيلات، ما يحدث الماس الكهربائي»، وطالب بعمل الصيانات الدورية في مواعيدها لتفادي وقوع الحرائق الكبرى.

حريق السنترال أثر على قطاعات مصرية عديدة (رويترز)

وتُجري مصر حملات دورية للحدّ من استخدام المنتجات المقلدة عبر الرقابة على المصانع التي تعمل من دون ترخيص والمتاجر التي تبيع سلعاً غير أصلية، وأسفرت الحملات الأمنية خلال السنوات الماضية عن ضبط كثير من المخالفات خلال الفترة الماضية، منها ضبط مصنع للأدوات الكهربائية بمحافظة القليوبية (شمال القاهرة) في عام 2022، حيث عثرت مباحث التموين عقب مداهمة المصنع على منتجات مقلدة لعلامات تجارية معروفة، وخامات رديئة للمنتجات الكهربائية المختلفة، وأيضاً في 24 يونيو (حزيران) الماضي تمكنت مباحث التموين من ضبط منتجات كهربائية مقلدة وغير مطابقة للمواصفات في مصنع غير مرخص بحي منشأة ناصر (شرق القاهرة).

ووفق صليب، فإن المنتجات والأدوات الكهربائية المقلدة والرديئة تشكل خطراً كبيراً وسبباً رئيسياً في حدوث الماس الكهربائي واندلاع الحرائق، بالإضافة إلى عدم كفاءة بعض الفنيين الذين يركبون التوصيلات الكهربائية.


مقالات ذات صلة

إحراق سيارة تحمل لافتة لمناسبة عيد يهودي في ملبورن الأسترالية

العالم الشرطة الأسترالية ذكرت أن «الحريق المشبوه» وقع في ضاحية سانت كيلدا إيست التابعة لملبورن (أرشيفية - رويترز)

إحراق سيارة تحمل لافتة لمناسبة عيد يهودي في ملبورن الأسترالية

تحقق الشرطة الأسترالية بشأن «حريق مشبوه» بعدما اندلعت النيران في سيارة وُضعت عليها لافتة للاحتفال بعيد الأنوار اليهودي (حانوكا) في ملبورن اليوم (الخميس).

«الشرق الأوسط» (ملبورن)
آسيا تمرّ السيارات بينما تهدم حركة «طالبان» سينما «أريانا» التاريخية في كابل يوم 18 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

حريق هائل بسوق في كابل يخلف خسائر قدرها 700 ألف دولار

ذكر مسؤولون أن حريقاً هائلاً اندلع بسوق «مندوي» التاريخية في كابل، فجر الأحد؛ ما أدى إلى تدمير عشرات المتاجر وتسبب في خسائر تقدر بنحو 700 ألف دولار.

«الشرق الأوسط» (كابل )
آسيا صرّح رئيس شرطة مترو وسط جاكرتا المفوض الأول سوساتيو بورنومو كوندرو بأن 20 شخصاً على الأقل لقوا حتفهم (إ.ب.أ)

إندونيسيا: مقتل 20 إثر اندلاع حريق بمبنى إداري في جاكرتا

أعلنت الشرطة الإندونيسية مقتل ما لا يقل عن 20 شخصاً، إثر اندلاع حريق في مبنى إداري بالعاصمة جاكرتا، بحسب «رويترز».

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)
آسيا حريق المجمع السكني في هونغ كونغ (أ.ب)

هونغ كونغ تشكّل «لجنة مستقلة» للتحقيق في حريق المجمع السكني

أعلن الرئيس التنفيذي لهونغ كونغ الثلاثاء إنشاء «لجنة مستقلة» برئاسة قاضٍ للتحقيق بالحريق المدمر الذي اندلع في مجمع سكني وأودى بحياة 151 شخصاً الأسبوع الماضي.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)
شؤون إقليمية اشتعال النيران في ناقلة النفط «كايروس» التابعة لـ«أسطول الظل» الروسي إثر هجوم أوكراني عليها بالبحر الأسود قبالة ساحل تركيا يوم 28 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

تركيا قلقة إزاء هجمات أوكرانيا على ناقلتين تابعتين لـ«أسطول الظل» الروسي

عبّرت تركيا عن قلقها إزاء هجمات تبنتها أوكرانيا على ناقلتَيْ نفط تابعتين لـ«أسطول الظل» الروسي، في المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لها بالبحر الأسود.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

البرهان في ذكرى الاستقلال: النصر آتٍ

البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالعاصمة الخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)
البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالعاصمة الخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)
TT

البرهان في ذكرى الاستقلال: النصر آتٍ

البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالعاصمة الخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)
البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالعاصمة الخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)

أكد رئيس «مجلس السيادة الانتقالي» القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، الخميس، أن «النصر قادم» وأن «النصر سيكون حليف الشعب السوداني».

وجاء خطاب البرهان بينما تتواصل المعارك الضارية بين الجيش والقوات المساندة له من جهة؛ و«قوات الدعم السريع» وحلفائها في ولاية جنوب كردفان من جهة أخرى.

وهنأ البرهان، في تسجيل مصور من أمام القصر الجمهوري بالعاصمة الخرطوم، الشعب السوداني بمناسبة العيد الـ70 لاستقلال السودان، الذي يوافق 1 يناير (كانون الثاني) من كل عام.

وقال في خطابه إن «هذه المعركة معركة الكرامة الوجودية التي نخوضها جميعاً»، مضيفاً: «نؤكد لكم مواطنينا في كل مكان؛ في دارفور وكردفان، أن النصر قادم، وأن السودانيين قادمون إليكم... حتماً سنجتمع هنا مرة أخرى كسودانيين ونحتفل بطرد التمرد والخونة والمرجفين من بلادنا».

وقال قائد الجيش إن «كل من خان وطنه وباعه فلن ينتصر، وجرى وراء سراب الدول التي تتحدث عن أوهام لن تتحقق في هذه الأرض»، وإن الشعب السوداني «مصمم ويؤكد على أنه سينتصر».

وأشار إلى أن «الأبواب لا تزال مشرعة للمصالحة الوطنية، ونرحب بكل من يريد أن ينضم إلى صوت الوطن والحق، وسنعمل جاهدين لنؤسس لدولة الوطن والمواطنة والسلام والعدالة».

البرهان في لقطة من تسجيل مصور أمام القصر الجمهوري بالعاصمة الخرطوم (وكالة الأنباء السودانية)

استقلال ناقص

بدوره، قال رئيس وزراء الحكومة الموازية في البلاد، الموالية لــ«قوات الدعم السريع»، محمد حسن التعايشي، إن «الاستقلال السياسي إنجاز وطني عظيم، لكنه ظل إنجازاً ناقصاً؛ لأنه لم يتحول إلى مشروع وطني جامع يعالج اختلالات السلطة والثروة».

وأضاف في خطابه عشية العيد، الأربعاء، أن «حكومة السلام» جاءت بـ«مشروع وطني معلن لتأسيسٍ تاريخي شامل للدولة السودانية على مبادئ جديدة».

وأوضح أن الحرب في السودان لن تتوقف بحلول جزئية أو معالجات أمنية ضيقة، مشدداً على «أهمية إقامة نظام حكم لامركزي يعيد توزيع السلطة والثروة بعدالة عبر صياغة عقد اجتماعي جديد وفقاً لدستور مدني ديمقراطي علماني».

وجدد التعايشي التأكيد على مطالب تأسيس جيش واحد ومنظومة أمنية جديدة تخضع للسلطة المدنية.

تجدد المعارك

ميدانياً، نشر أفراد من «قوات الدعم السريع» مقاطع فيديو من بلدة هبيلا في ولاية جنوب كردفان، يؤكدون فيها إحكام سيطرتهم الكاملة على المنطقة، بعدما راجت أنباء عن استعادتها من قبل الجيش السوداني.

وكانت مصادر محلية أفادت بأن الجيش أحرز تقدماً على محاور القتال في كردفان، وبأن قواته استردت بلدتي كازقيل والرياش، جنوب مدينة الأبيض؛ عاصمة شمال الإقليم.

جنود سودانيون يسيرون بأحد شوارع أم درمان بمناسبة عيد الاستقلال الأربعاء (أ.ب)

وأعلنت «القوة المشتركة»، المتحالفة مع الجيش، تحقيق انتصارات ميدانية كاسحة في محور شمال كردفان. وقالت في بيان: «في إطار العمليات العسكرية، تمكنت قواتنا من التقدم والسيطرة على مناطق كازقيل والحمادي والرياش وهبيلا والدبيبات في شمال وجنوب كردفان». وأضافت: «العمليات أسفرت عن الاستيلاء على عدد من المركبات القتالية والعتاد الحربي، بعد دحر (قوات الدعم السريع)».

وفي السياق، نفت منصات إعلامية تابعة لقوات «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع»، ما يُتداول من معلومات بشأن فك الحصار عن مدينة الدلنج؛ ثانية كبرى مدن جنوب كردفان، التي تقع تحت سيطرة الجيش السوداني.

وكانت «الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال» بقيادة عبد العزيز آدم الحلو، المتحالفة مع «الدعم السريع»، دعت الجيش السوداني إلى تسليم مدينتي الدلنج وكادوقلي؛ عاصمة ولاية جنوب كردفان.

واندلعت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» منذ أكثر من 28 شهراً، وأدت إلى مقتل عشرات الآلاف، وتهجير أكثر من 14 مليون شخص من منازلهم.


شرق السودان... خمس حركات مسلحة تختار الحياد

تخريج دفعات جديدة من مقاتلي «حركة تحرير الشرق» (فيسبوك)
تخريج دفعات جديدة من مقاتلي «حركة تحرير الشرق» (فيسبوك)
TT

شرق السودان... خمس حركات مسلحة تختار الحياد

تخريج دفعات جديدة من مقاتلي «حركة تحرير الشرق» (فيسبوك)
تخريج دفعات جديدة من مقاتلي «حركة تحرير الشرق» (فيسبوك)

قبل أيام، وقعت 5 فصائل مسلحة، ذات ثقل اجتماعي مؤثر في شرق السودان، على ميثاق تحالف «شرق السودان»، الذي نأى بنفسه عن الدخول إلى جانب الجيش السوداني في حربه ضد «قوات الدعم السريع».

هذا الموقف الصريح بث «مخاوف جدية» من استغلال هذا الوضع ذريعة من قِبَل بعض الجهات وتحويل الخلافات السياسية إلى صراعات مسلحة بين مكونات الإقليم، ما يبقي نفوذ القوة بيد مجموعات قبلية عرفت بولائها للسلطة القائمة في بورتسودان.

حسب قيادات سياسية مؤثرة في الإقليم تحدثت لــ«الشرق الأوسط»، فإن المشهد المحلي يظل هشاً، بوجود تكتلين: التحالف الجديد (مجموعة الخمس)، في مقابل تكتل آخر بقيادة ناظر عموم قبيلة الهدندوة، محمد الأمين «ترك»، الحليف الرئيسي للجيش والإسلاميين، مع تموضع «الجبهة الشعبية» وذراعها العسكرية «الأورطة الشرقية»، بقياة الأمين داوود، في تحالف «الكتلة الديمقراطية» الموالية للجيش.

قائد قوات حركة «تحرير شرق السودان» إبراهيم عبد الله دنيا (فيسبوك)

قوات الحركات الموقعة على الميثاق مؤخراً تأسست وتدربت في الأراضي الإريترية، وينتمي معظم أفرادها إلى قبائل وعشائر قومية البجا، وهي: الهدندوة والبني عامر والأمرار والجيملاب والرشايدة. وجميع هذه المكونات تربطها علاقة وثيقة بالرئيس أسياس أفورقي، ومع أن كل هذه الخطوات تمت بتنسيق بين إريتريا والجيش السوداني، فإن ذلك الارتباط يثير قلقاً داخلياً من تمدد النفوذ الإريتري في السودان.

ورأت المصادر، التي فضل بعضها عدم الكشف عن هويته لحساسية القضية، أن التحالف فرض واقعاً جديداً، وإن كان ما زال غير واضح الملامح، إذ استطاع حصد تأييد شعبي «غير مسبوق»، في إشارة إلى التفاعل الكبير مع خطاب قائد قوات «حركة تحرير الشرق»، إبراهيم عبد الله، المعروف باسم «عبد الله دنيا».

وعزت المصادر هذا القبول الواسع إلى مخاطبة قضايا قديمة متجددة بخصوص التهميش السياسي والاقتصادي لشرق السودان من قِبَل السلطة المركزية الحاكمة في البلاد، بالإضافة إلى رفض إقحام الإقليم في الحرب الدائرة حالياً، مع أن ثمة مواقف لتيارات أخرى تتحدث عن أن الشرق بأسره يصطف خلف الدولة السودانية وعلى رأسها مؤسسة القوات المسلحة.

حشود تستمع لخطاب قائد قوات حركة «تحرير شرق السودان» إبراهيم عبد الله دنيا (فيسبوك)

ويتخذ الجيش السوداني من بورتسودان، أكبر مدن شرق السودان، عاصمةً بديلةً، وأصبحت مقراً لقائد الجيش ورئيس «مجلس السيادة الانتقالي»، الفريق أول عبد الفتاح البرهان.

رفض الحرب

لكن «عبد الله دنيا» في خطابه بمناسبة الذكرى الثانية لتأسيس «حركة تحرير الشرق» بمنطقة شبوب في مدينة كسلا، وفي مناسبات أخرى متتالية، تحدث بلهجة حاسمة أن حركته ترفض أن يكون إقليم الشرق جزءاً أو وقوداً من حرب لم يتسبب فيها، إذ قال: «دربنا قواتنا لحماية إقليمنا ومواردنا وأراضينا... وأن نحكم أنفسنا بأنفسنا لأننا جديرون بذلك».

مسيرة في بورتسودان مؤيدة للجيش السوداني (أرشيفية - أ.ف.ب)

الظهور القوي لقائد الحركة لقى رواجاً في منصات التواصل الاجتماعي، لكنه أثار المزيد من الجدل بتحديه سلطة الجيش بقوله: «نحن جاهزون ولدينا جيوش جرارة... وسنقتلع حقوقنا بالقوة». وتطرق «دنيا» إلى التنافس الدولي الإقليمي في السيطرة على البحر الأحمر وممراته الحيوية ومواني السودان، وقال: «إن أهل الشرق أصحاب الحق التاريخي، وأي ترتيبات بشأنه يجب أن يكونوا شركاء أساسيين». مشدداً على أن التحالف تعاهد بعدم السماح لأي جهة بإثارة الفتن بين مكونات الشرق وتحويله لساحة للفوضى والاقتتال خدمةً لأجندات خارجية ومصالح ضيقة تحت شعارات زائفة.

وأضاف في خطابه: «نتابع الجهود الرامية عبر (الرباعية الدولية) وجهود المملكة العربية السعودية، ونرى ضرورة عاجلة لإنهاء معاناة الشعب السوداني ووقف نزيف الدم، نرحب بكل مبادرة جادة لتحقيق السلام».

ومنذ سنة 2019 شهدت مدن شرق السودان (القضارف وخشم القربة وبورتسودان وحلفا الجديدة وكسلا) حوادث ومواجهات عنيفة بين مجموعاتٍ من مكونات الإقليم الاجتماعية، وقع ضحيتها العشرات من المدنيين والعسكريين، بتدخل أيادي النظام السابق بعد سقوط الرئيس عمر حسن البشير مباشرةً في مايو (أيار) 2019، بالإضافة للخلافات السياسية حول «اتفاق جوبا» للسلام الموقع في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، الذي كان يتضمن مساراً خاصاً بالإقليم.

البرهان وآبي أحمد خلال اجتماع في بورتسودان (أرشيفية - مجلس السيادة السوداني)

وكان «المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات» بقيادة ناظر قبيلة الهدندوة، محمد الأمين ترك، قد قاد حراكاً بالتحالف مع القادة العسكريين، عبر إغلاق ميناء بورتسودان والطرق الرئيسية لخنق الحكومة الانتقالية، برئاسة عبد الله حمدوك، ما مهد الطريق لانقلاب 25 أكتوبر 2021.

تحالف استراتيجي

يعد التحالف الجديد التكتل العسكري والاجتماعي الأكبر الذي يضم شخصيات نافذة لها ثقل قبلي مؤثر في الشرق، أبرزها رئيس مؤتمر البجا، موسى محمد أحمد؛ و«الحركة الوطنية للعدالة والتنمية» التي يتزعمها محمد طاهر بيتاي، وهو رجل دين له نفوذ واسع ينحدر من قبيلة الجميلاب التي كانت جزءاً من نظارة قبيلة الهدوندة قبل أن تنفصل لنظارةٍ مستقلة، وتتمركز قواته في منطقة همشكوريب شمال شرقي كسلا؛ وقائد قوات «حركة تحرير الشرق»، إبراهيم دنيا. هذا التحالف، حسب المصادر السياسية، يمثل محاولة لإعادة التموضع عسكرياً وسياسياً وميدانياً، بما يضمن رسم معادلة نفوذ قوة جديدة واستراتيجية في الإقليم، لا يمكن تجاوزها، تعيد صياغة العلاقة مع السلطة المركزية على أسس جديدة.

ويتمتع الإقليم الشرقي بموقع جغرافي استراتيجي بالغ الحساسية، ويمتلك السوداني ساحل على البحر الأحمر يبلغ أكثر من 853 كيلومتراً، تقع عليه مواني بورتسودان وسواكن، وتتاخم ولاياته الثلاث (القضارف وكسلا البحر والأحمر) كلاً من إريتريا وإثيوبيا ومصر بحدود برية مفتوحة. هذا الموقع يجعل من الإقليم ذا بُعد استراتيجي لهذه الدول، حيث إن أي توترات أمنية وعسكرية تلقي بظلالها مباشرة عليها، إضافة إلى تأثير التوترات الإقليمية بين هذه الدول في ملفات أخرى مثل المواني وسد النهضة، ما يجعل شرق السودان ملفاً أمنياً مهماً.

وقال الناطق الرسمي باسم «تحالف القوى المدنية لشرق السودان»، صالح عمار: «نختلف مع المجموعات العسكرية في حمل السلاح، ونطالب بتكوين جيش واحد يمثل كل السودانيين، لكننا نرحب بأي خطوة تؤدي إلى وحدة أهل الشرق عبر المصالحات والتفكير الإيجابي نحو المستقبل».

وأضاف عمار، وهو مرشح سابق للحكومة الانتقالية لولاية كسلا: «هناك نقاط إيجابية في الخطابات التي قدمها القادة العسكريون لحركات الشرق، برفضهم الحرب والانحياز للسلام، وتأييد مبادرة (الرباعية الدولية) ورفض تفكيك السودان والمطالبة بحقوق الإقليم». وأشار إلى أن هذه المضامين الإيجابية للخطابات وجدت ترحيباً من كل مكونات الشرق والسودان.

مطار بورتسودان (أرشيفية - وكالة السودان للأنباء)

ارتباطات إقليمية

ازدياد عدد هذه الحركات لم يأتِ بمعزل عن تفاهمات غير معلنة مع القوات المسلحة السودانية والاستخبارات العسكرية، في سياق ترتيبات أمنية فرضتها الحرب. إضافة إلى تقاطعات إقليمية مع إريتريا، التي سمحت لبعض هذه الحركات باستخدام أراضيها لإقامة معسكرات تدريب وتمركز.

وتتمركز «الجبهة الشعبية للتحرير والعدالة» في منطقة «قرمايكا» داخل الأراضي الإريترية، فيما يوجد كل من «الحركة الوطنية للعدالة والتنمية» و«مؤتمر البجا» في منطقة لوكيب داخل إريتريا، في المقابل، تتخذ «حركة تحرير شرق السودان» مدينة كسلا مقراً لها.

وأثارت العلاقة بين هذه الحركات المسلحة ودولة إريتريا جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية، خصوصاً مع تكرار تقارير تتحدث عن تنسيق لوجيستي وأمني، وفتح قنوات اتصال مباشرة، في إطار ما تصفه مصادر إقليمية بأنه «ترتيبات أمن حدودي» في ظل هشاشة الوضع السوداني. وتحتفظ إريتريا بتاريخ طويل من التأثير في ملفات شرق السودان، وتسعى إلى إدارة المخاطر الأمنية على حدودها الغربية، في وقت يخشى فيه سودانيون من أن يؤدي هذا الانخراط إلى تعقيد المشهد وزيادة الاستقطاب داخل الإقليم.

مساندة الجيش

وأعلن نائب رئيس «الجبهة الشعبية للتحرير والعدالة»، جعفر محمد الحسن، إن قوات الجبهة في الأورطة الشرقية استجابت منذ اندلاع الحرب لمساندة الجيش السوداني ضد مشروع «قوات الدعم السريع» في تجريف الدولة السودانية، وأضاف: «أن انحيازنا لمشروع الدولة الوطنية وليس لفكرة الحرب في حد ذاتها، ونحن مع السلام العادل وبندقية واحدة في البلاد وفي إطار ذلك عملنا ترتيبات مع الجيش وأفرادنا يقاتلون إلى جانبه».

وقال: «نحن مع أي شخص يُطالب بحقوقهِ. ويجب الاستماع لكل الأصوات وإدارة حوار معها بدلاً من شيطنتها... إننا نطرح مشروعاً يخاطب قضايا الإقليم جغرافياً، ويتبنى حلولاً من ضمن حل أزمة السودان ككل... إن المخاوف من حصول ارتدادات واستقطاب أمر طبيعي، ولكن نحن مطمئنون إلى أن كل مكونات الشرق الاجتماعية ونظارات قبائل البجا مؤيدة للجيش ولن يسمحوا بأي استقطاب ينسف الاستقرار المجتمعي».

موقف تكتيكي

ورأى مصدر مطلع من تيار آخر في شرق السودان، طلب أيضاً عدم الكشف عن اسمه، أن تحالف «الحركات الخمس» موقف تكتيكي ومناورات سياسية في إطار الصراع على السلطة والنفوذ، يمكن أن يتغير هذا الموقف في أي لحظة، محذراً من وصول الأوضاع في الشرق إلى نقطة حرجة ما لم يتدارك قادته كيفية التعامل بحكمة لتجاوز خلافاتهم.

وأوضح أن موقف التحالف ليس ضد الجيش السوداني، وحسب تصريحات قادته فإنهم يرفضون جر الشرق إلى الحرب، مشيراً إلى أن قواتهم تأسست لحماية الإقليم من «قوات الدعم السريع» أو أي تدخل خارجي عسكري.

وقال إن التخوف الأكبر أنْ تستغل بعض الجهات الداخلية التطورات الأخيرة، وتحريك أدواتها المحلية بإثارة خطاب الكراهية والعنصرية والاقتتال الأهلي، لتفجير الأوضاع في الشرق، مثلما حدث في سنوات سابقة، بهدف أن تظل مسيطرة على نفوذ القوة في الإقليم. وحسب المصادر ذاتها، تبدو المؤشرات واضحة على أن الوضع في شرق السودان مرشح نحو مزيد من التوترات السياسية وتباين المواقف، لاختلاف أجندات ومصالح الفاعلين من حاملي السلاح. قد لا تصل هذه التوترات إلى المواجهة العسكرية بين المكونات الاجتماعية، لكنها قد تحدث تغيرات كبيرة في «موازين القوى» وإعادة رسم مسارات السلطة بقوى عسكرية وسياسية جديدة.


مصر ترسخ رفضها للتهجير بمشروعات قومية عملاقة في سيناء

شاحنات تعمل في مشروعات التنمية التي تقوم بها الحكومة المصرية بسيناء (وزارة النقل)
شاحنات تعمل في مشروعات التنمية التي تقوم بها الحكومة المصرية بسيناء (وزارة النقل)
TT

مصر ترسخ رفضها للتهجير بمشروعات قومية عملاقة في سيناء

شاحنات تعمل في مشروعات التنمية التي تقوم بها الحكومة المصرية بسيناء (وزارة النقل)
شاحنات تعمل في مشروعات التنمية التي تقوم بها الحكومة المصرية بسيناء (وزارة النقل)

جاء قرار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بتخصيص قطع أراضٍ في شمال سيناء قرب حدود إسرائيل لإقامة مشروعات لوجيستية وتنموية، ليعيد إلى الواجهة إجراءات السلطات المصرية للتأكيد على «رفضها مخطط التهجير عبر مشروعات على أرض الواقع»، بحسب ما أكده خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

ونشرت الجريدة الرسمية في مصر، الثلاثاء، قراراً رئاسياً تضمن «تخصيص قطع أراضٍ في شمال سيناء لصالح الهيئة العامة للمواني البريـة والجافة؛ لاستخدامها في إقامة مناطق لوجيستية»، بينها قطع أراضٍ في رفح المصرية قرب حدود قطاع غزة وإسرائيل.

استراتيجية لتطوير شبه جزيرة سيناء

أعلنت الحكومة المصرية، في وقت سابق، عن «استراتيجية مصر الوطنية لتطوير شبه جزيرة سيناء»، التي تشهد منذ سنوات مشروعات عملاقة في البنية التحتية من (طرق، موانٍ، سكك حديدية، مناطق صناعية ولوجيستية) بهدف تحويلها إلى مركز تجاري ولوجيستي، يربط بين البحر المتوسط والبحر الأحمر، ويعزز الربط مع الأسواق الإقليمية والدولية.

ويرتبط المشروع بممر لوجيستي أوسع يشمل تطوير «ميناء العريش»، وخط السكة الحديد «بئر العبد - العريش - رفح - طابا»، ومشاريع الربط مع مواني البحر الأحمر مثل (طابا ونويبع)؛ لخلق ممر تجاري يعبر سيناء ويربط «المتوسط بالأحمر».

يقول أستاذ العلوم السياسية ورئيس وحدة أبحاث تابعة لمجلس الوزراء المصري، الدكتور رأفت محمود، لـ«الشرق الأوسط»، إن «مصر تستهدف من المناطق اللوجيستية في سيناء إجهاض مشروعات التهجير والتوطين، التي يتم الترويج لها في تلك المنطقة، عبر تحقيق التنمية وتعمير شبه جزيرة سيناء، وربطها بالمصالح الدولية بما يعزز من القيمة المضافة لمصر في هذا المجال».

«وتهدف هذه الممرات إلى ربط مناطق الإنتاج المختلفة (الصناعية، الزراعية، التعدينية) بالمواني البحرية، في إطار التنافس الإقليمي والدولي على الممرات التجارية والملاحية، وتعزيزاً للدور التنافسي لقناة السويس في ضوء المشروعات، التي يتم الترويج لها في المنطقة كممرات بديلة»، وفقاً لرأفت محمود.

وأضاف الدكتور محمود موضحاً أن سيناء «تعد في قلب تلك المنافسة، وفي قلب تلك الأطروحات المصرية بحكم موقعها الاستراتيجي لإشرافها على قناة السويس، وكذلك لقربها من ممر قناة (بن غوريون) المقترح، والذي تسعى إليه إسرائيل، وهي تخرج من خليج العقبة وتشق طريقها من قلب إسرائيل، وصولاً إلى البحر المتوسط كبديل لقناة السويس».

السلطات المصرية تحدثت عن قرب الانتهاء من أعمال إنشاء خط سكة حديد متكامل يربط سيناء بشتى أنحاء البلاد (وزارة النقل)

الأكاديمي والخبير الاقتصادي الدكتور علاء علي، قال من جهته إن قرار الدولة المصرية بتخصيص مساحات واسعة في شمال سيناء لإقامة مناطق لوجيستية متطورة «يمثل تحولاً استراتيجياً في فلسفة إدارة الأصول الجغرافية والاقتصادية للدولة، حيث تنتقل سيناء من كونها نطاقاً جغرافياً ذا اعتبارات أمنية خاصة، إلى ركيزة اقتصادية فاعلة في منظومة النمو الوطني».

وأوضح علاء علي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا التوجه «يعكس إدراكاً عميقاً بأهمية توظيف الموقع الفريد لسيناء بوصفها نقطة ارتكاز لربط الممرات التجارية العالمية، ويؤسس لاقتصاد قائم على الخدمات اللوجيستية المتقدمة، بما يواكب التحولات العالمية في سلاسل الإمداد، خاصة في ظل تصاعد الطلب الدولي على مراكز لوجيستية آمنة مستقرة، وقريبة من خطوط الملاحة الرئيسية».

إعادة هيكلة خريطة الاستثمار

من منظور اقتصادي كلي، تسهم هذه المشروعات في إعادة هيكلة خريطة الاستثمار داخل مصر، عبر خلق أقطاب تنموية جديدة خارج الوادي والدلتا، وفقاً لعلاء علي، الذي قال: «على صعيد التجارة الخارجية، يمثل ربط شمال سيناء بممر لوجيستي متكامل فرصةً تاريخية لمصر لتعظيم دورها بوصفها مركزاً إقليمياً لإعادة التصدير، وتداول السلع».

وتابع علاء علي قائلاً: «بدلاً من الاكتفاء بعوائد المرور، تنتقل الدولة إلى تعظيم عوائد القيمة المضافة من خلال التخزين، وإعادة التغليف، والتصنيع الجزئي، وهو ما ينعكس إيجاباً على ميزان المدفوعات، ويحد من الضغوط على العملة الأجنبية، ويعزز قدرة الاقتصاد على توليد موارد دولارية مستقرة ومستدامة، مما يدحض أي مخططات أو أفكار للتهجير، بل سيعمل على استقطاب الاستثمار الأجنبي، ويفتح المجال للآلاف من فرص العمل وخلق مجتمعات سكنية جديدة».

مصر ترسخ رفضها للتهجير بمشروعات قومية عملاقة (أ.ف.ب)

وكانت السلطات المصرية قد أخلت مدينة رفح الحدودية مع غزة منذ عدة سنوات، من أجل تنفيذ خطة لبناء مدينة جديدة، وإعادة إعمار المنطقة والقضاء على الأنفاق التي كانت تتذرع إسرائيل بأنه يتم تمرير السلاح منها لقطاع غزة.

رفض التهجير

خلال السنوات الماضية، أُثيرت أكثر من مرة فكرة تخصيص المدينة بعد الانتهاء منها لاستقبال أهالي غزة مقابل أموال تحصل عليها مصر، وهو ما نفته القاهرة مراراً، وأكدت موقفها الثابت برفض التهجير وعدم التفريط في أي شبر من أرضها، كما بدأت في إعادة الأهالي إلى مدينة رفح الجديدة، وشرعت في تنفيذ مخطط تنموي شامل في سيناء.

من جانبه، يرى عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، أحمد أبو علي، أن «هذا يمثل تحولاً استراتيجياً بالغ الأهمية في فلسفة إدارة التنمية الإقليمية في مصر، حيث تنتقل الدولة من منطق تأمين الحدود إلى منطق تعظيم القيمة الاقتصادية للحدود؛ فإقامة مناطق لوجيستية متكاملة قرب (رفح والحسنة وبغداد) تمثل إعادة تموضع اقتصادي ذكي لسيناء داخل خريطة التجارة العالمية، بما يحولها إلى عقدة لوجيستية محورية قادرة على جذب الاستثمارات، وخفض تكاليف النقل، وتعزيز تنافسية الصادرات المصرية، خاصة في ظل الاضطرابات التي تشهدها سلاسل الإمداد العالمية».

وأكد أبو علي لـ«الشرق الأوسط» أن الأهمية الاقتصادية الأعمق لهذا القرار «تكمن في كونه جزءاً من ممر لوجيستي عابر لسيناء، يربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر، وهو ما يمنح مصر ميزة نسبية نادرة في حركة التجارة الإقليمية والدولية، ويعزز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للتجارة والخدمات اللوجيستية».

وتابع أبو علي موضحاً أن هذا التوجه «يفتح الباب أمام خلق آلاف فرص العمل، وتنمية المجتمعات المحلية، وتوطين صناعات مرتبطة بالنقل والتخزين والتصنيع من أجل التصدير، فضلاً عن تعظيم العائد من الأصول غير المستغلة، كما يبعث برسالة واضحة بأن التنمية الاقتصادية المستدامة أصبحت إحدى أهم أدوات الدولة لترسيخ الاستقرار، وتحقيق الأمن القومي من منظور شامل، يدمج بين الاقتصاد والجغرافيا والسيادة في معادلة واحدة».

ويرى أبو علي أن هناك «بعداً سياسياً لا يقل أهمية، حيث يؤكد هذا التوجه التنموي الحاسم الرفض المصري القاطع لأي محاولات لفرض سيناريوهات التهجير القسري، حيث تُترجم الدولة موقفها السياسي إلى وقائع تنموية على الأرض».

وقال بهذا الخصوص إن اختيار ضخ استثمارات ضخمة، وإقامة مناطق لوجيستية وممرات تجارية استراتيجية في قلب شمال سيناء، «يعكسان إصرار الدولة على تعمير الأرض بأهلها، وتثبيت السيادة المصرية عليها اقتصادياً وعمرانياً، بما يُسقط عملياً أي أطروحات تستهدف تغيير الواقع الديموغرافي للمنطقة».

«وبهذا المعنى، تصبح التنمية في سيناء ليست فقط خياراً اقتصادياً، بل رسالة سياسية واضحة، مفادها أن سيناء أرض تنمية واستثمار، لا أرض فراغ أو حلول مؤقتة لأزمات إقليمية»، وفقاً لما أكده أبو علي.